• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | مقالات شرعية   دراسات شرعية   نوازل وشبهات   منبر الجمعة   روافد   من ثمرات المواقع  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    العلاقة بين التعب والنجاح
    أبو عمير علاء بن عبدالرحمن أمين
  •  
    فساد التصورات وأثره في فساد السلوك (خطبة)
    أ. د. حسن بن محمد بن علي شبالة
  •  
    قسوة القلب وعلاجها (خطبة)
    عبدالله أحمد علي الزهراني
  •  
    خطبة (زكاة البهم)
    الدكتور علي بن عبدالعزيز الشبل
  •  
    حين تستيقظ الأفكار من تحت أنقاض الذات
    د. محمود حسن محمد
  •  
    تفسير سورة الهمزة
    أبو عاصم البركاتي المصري
  •  
    تغيير خلق الله غاية شيطانية
    أحمد سعد أبو النجا
  •  
    باب دعاء لتفريج الهم
    د. خالد بن محمود بن عبدالعزيز الجهني
  •  
    المراقبة تجعل المسلم يصل إلى درجة الإحسان
    الشيخ ندا أبو أحمد
  •  
    التفريط: أسبابه ومخاطره
    نجاح عبدالقادر سرور
  •  
    حين يوقظك السؤال الأخير...
    عبدالله بن إبراهيم الحضريتي
  •  
    تحريرات فقهية (2) هل يجوز السلم الحال؟
    أحمد خليفة صديق
  •  
    الساعة (خطبة)
    الشيخ د. إبراهيم بن محمد الحقيل
  •  
    فسبح بحمد ربك (خطبة)
    الشيخ عبدالله محمد الطوالة
  •  
    مرويات ابن أبي ذئب عن الزهري في السنن الأربعة: ...
    د. مشعل بن محمد العنزي
  •  
    مختصر أحكام الهدي للمتمتع والقارن
    عبد رب الصالحين أبو ضيف العتموني
شبكة الألوكة / آفاق الشريعة / مقالات شرعية / النصائح والمواعظ
علامة باركود

مصائب الدنيا نعمة على المؤمنين

مصائب الدنيا نعمة على المؤمنين
محمد حباش

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 11/6/2026 ميلادي - 25/12/1447 هجري

الزيارات: 51

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

مصائب الدنيا نعمة على المؤمنين

 

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله أجمعين، أما بعد:

فقد أقسم الله تعالى في كتابه العزيز أنَّ البلاء كائن لا محالة، فقال: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: 155]، وقال: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران: 186]، وقال: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد: 31].

 

فقوله: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾ جواب قسم محذوف تقديره: "وَاللهِ لَنَبْلُوَنَّكُمْ"، توطينًا للمؤمنين على احتمال البلاء عند وقوعه، وليستعدوا لتلقيه من غير جزع ولا فزع، فإن المصائب محك الرجال.

 

وقال سبحانه: ﴿بِشَيْءٍ﴾ للتقليل، فالمصائب قليلة بالنسبة لنعم الله، حتى في حق الكافرين، قال سبحانه: ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ﴾ [الأعراف: 131].

 

فعرَّف سبحانه الحسنة وذكرها مع أداة التحقيق "إذا"؛ لكثرة وقوعها وتعلُّق الإرادة بإحداثها بالذات؛ لأن العناية الإلهية اقتضت سبق الرحمة وعموم النعمة قبل حصول الأعمال.

 

ونكَّر السيئة وذكرها بأداة الشك "إن"؛ لندورها وعدم تعلُّق الإرادة بإحداثها إلا بالتبع، فإن النقمة بمقتضى تلك العناية إنما تستحق بسبب الأعمال السيئة.

 

وهي واقعة بتقدير الله لا محالة، قال سبحانه: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد: 22] (والبرء هو: الخلق) فما أصاب إنسان من مصيبة كونية أو بدنية أو مالية أيًّا كانت إلا كانت هذه المصيبة مكتوبة عليه في كتاب من قبل أن يخلق.

 

والفرق بين الابتلاء والبلاء والمصيبة:

أنه لا يوجد فرق بين "الابتلاء" و"البلاء" من الناحية اللغوية والشرعية، قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ﴾ [الإنسان: 15-16]، وقال سبحانه: ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الأعراف: 168].

 

فالبلاء (الابتلاء) هو الاختبار والامتحان، قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: 2]، وقال: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ﴾ [الإنسان: 2]، وهو أعم وأشمل من المصيبة، ويكون في الخير والشر، قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: 35].

 

أما المصيبة، فأصلها الإصابة، وهي الرمية بالسهم التي تصيب الهدف، ثم استعملت في كل مكروه يحل بالإنسان ويصيبه، وهي أخص، فهي جزء من البلاء، فكل مصيبة بلاء وليس كل بلاء مصيبة.

 

فإن قيل: كيف أفرق بين البلاء والمصيبة (العقاب) عمليًّا، فأقول: اعلم أنَّ البلاء فعل الله (تقديرًا وقضاءً) وهو أمر غيبي، وحتى ما ترى من أثر هذا البلاء فلن تدرك غايته إلا من وفقه الله لفهم بعض الحكم، فهذا موسى كليم الله لم يدرك المصلحة في خرق السفينة ولا في قتل الغلام إلا من بعد أن أعلمه الخضر، الذي قال: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ [الكهف: 82]، ولكن تستطيع أن ترى ذلك في نفسك (وأحيانًا في غيرك) بعد وقوعه، فإن أحدث البلاء توبة وإنابةً ورجوعًا إلى الله فهو بلاء وهو نعمة، وإلا فهو مصيبة، قال صالح الْمُرِّيّ وأتى عبداللّه بن الحسن يُعزِّيه على أمِّه، قال: (إن كانت هذه المصيبة قد أحدثت لك عظة في نفسك فهي نعمة عليك، وإلَّا فاعلم أنَّ مصيبتك في نفسك أعظم).

 

فالبلاء بالنعمة قد يأتي على صورة مصيبة والعكس، وقد تأتي النعمة مع المصيبة، وقد تكون المصيبة على قوم ونعمة على آخرين، فقدر الله وقضاؤه لا تدركه عقولنا، فما علينا إلا أن نشكر عند النعمة ونصبر عند المصيبة.

 

فعن صهيب، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن؛ إن أصابته سراء شكر، فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء، صبر فكان خيرًا له))[1].

 

ففي هذا الحديث إشارة إلى أن الإيمان نصفه صبر ونصفه شكر، قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ [إبراهيم: 5]، وفي تقديم الشكر في الحديث إشارة إلى كثرة النِّعم وسبقتها، وفي تقدم الصبر في الآية إيماء إلى قوة احتياج العبد إلى الصبر؛ فإنه على أنواع ثلاثة: صبر على الطاعة، وصبر على المعصية، وصبر في المصيبة.

 

ففي قوله- صلى الله عليه وسلم -: (شكر)؛ أي: عرف قدر نعمة مولاه فشكره، (فكان) شكره (خيرًا له) من السراء التي نالها؛ لكونه ثوابًا أخرويًّا.

 

(وإن أصابته ضرَّاء)؛ أي: ما يضرُّه في بدنه أو ما يتعلق به من أهل أو مال أو ولد (صبر) واحتسب ذلك عند الله رجاء ثوابه، ورضي به؛ نظرًا لكونه فعل مولاه الذي هو أرحم بهوأعلم بمصلحته منه، (فكان) صبره في الضراء (خيرًا له)؛ لأنه حصل له بذلك خير الدارين.

 

والصابر على الحقيقة من صبر عند الصدمة الأولى، فإن مفاجأة المصيبة بغتة لها روعة تزعزع القلب، وتزعجه بصدمتها، فإن صبر للصدمة الأولى انكسرت حدتها، وضعفت قوتها، فهان عليه استدامة الصبر، فأما إذا طالت الأيام على المصاب، وقع السلو وصار الصبر حينئذٍ طبعًا، فلا يؤجر عليه مثل ذلك، فقد مرَّ النبي صلى الله عليه وسلم بامرأة عند قبر، وهي تبكي، فقال لها: اتق الله واصبري، فقالت: إليك عني؛ فإنك لم تصب بمصيبتي، ولم تعرفه. ولما جاءت تعتذر لأنها لم تعرفه، قال لها: ((إنما الصبر عند الصدمة الأولى))[2].

 

قال الخطابي: المعنى أن الصبر الذي يحمد عليه صاحبه، ما كان عند مفاجأة المصيبة، بخلاف ما بعد ذلك، فإنه على الأيام يسلو. وتأمل قوله صلى الله عليه وسلم: ((اتق الله واصبري))، وموافقته لقول الله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: 90]؛ أي: يتق الله ويصبر على المصائب، وعلى الطاعات وعلى المعاصي ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾؛ أي: الصابرين في بلائه، القائمين بطاعته.

 

واعلم أن المصيبة كير العبد الذي يسبك فيه حاله، فعن عائشة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ((إذا اشتكى المؤمن أخلصه ذلك كما يخلص الكير خبث الحديد))[3]، فإما أن يخرج ذهبًا أحمر، وإما أن يخرج خبثًا كله، كما قيل:

سبكناه ونحسبه لجينًا
فأبدى الكير عن خبث الحديد

 

فإن لم ينفعه هذا الكير في الدنيا، فبين يديه الكير الأعظم، وإذا علم العبد أن إدخاله كير الدنيا ومسبكها خيرٌ له من ذلك الكير والمسبك، وأنه لا بد له من أحد الكيرين، فليعلم قدر نعمة الله عليه في الكير العاجل، فالعبد إذا امتحنه الله بمصيبة فصبر عند الصدمة الأولى، فليحمد الله تعالى على أن أهَّله لذلك وثبته عليه.

 

فمن صبَّر نفسه، وحبسها عن الشكوى للمخلوق كما قال يعقوب صلى الله عليه وسلم: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: 86]، وقهرها عن الحزن والجزع، وقابل فيها الحزن وهجومه بالصبر الجميل، وتحقق أنه لا خروج له عن قضاء الله، وأنه يرجع إليه، وعلم يقينًا أن الآجال لا تقديم فيها ولا تأخير، وأن المقادير بيد الله تعالى، استحق حينئذٍ جزيل الثواب، فضلًا منه تعالى، وعُدَّ من الصابرين الذين وعدهم الله بالرحمة والمغفرة، ولو لم يكن من فضل الصبر للعبد إلا الفوز بدرجة المعية والمحبة، ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: 153]، ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: 146]، لكفى.

 

ومِمَّا يسلِّي ويسهل المصائب ويكون سببًا للصبر على المصيبة أن يعلم الإنسان أن الجزع لا يرد المصيبة، بل يضاعفها، فتزيد المصيبة، وأن الجزع يشمت الْعَدُوَّ، ويسوء الصديق، وينهك الجسم، ويسر الشيطان، ويضعف النفس، وقد يحبط العمل، وإذا صبر واحتسب أخزى الشيطان، وأرضى الرب، وسر الصديق، وساء العَدُوّ، وَهَذَا من الثبات في الدين.

 

والمؤمن إذا حُرم من شيء وابتلي، يقول: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: 156]، ولا يوجد كلمة أبلغ في علاج المصاب وأنفع له عند المصيبة من تذكير العبد نفسه بهذين الأصلين.

 

فالدنيا فانية، والعبد وأهله وماله ملك لله، والمال والأولاد جُعلوا عنده عارية، قال تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور: 33]، وقال: ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ﴾ [الشورى: 49]

 

وصاحب العارية متى ما شاء استردها، ومصير الناس العودة إلى الله سبحانه وتعالى، وأم سليم لما فقهت هذا، فكان لها مع أبي طلحة ذلك الموقف المشهور، فلما مات ولده الذي يحبه، قالت: (يا أبا طلحة، أرأيت لو أن قومًا أعاروا أهل بيت عارية فطلبوا عاريتهم، ألهم أن يمنعوهم؟) قال: لا.. إن العارية مؤداة، قالت: (إن الله أعارنا فلانًا- ولدنا- ثم أخذه منا)، فاسترجع.

 

قال سبحانه: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [التغابن: 11] فمن يؤمن بالله يستسلم لقضائه وقدره ويستقبل المصائب بصبر جميل، ويعلم أنَّ ما أصابه لم يكن ليخطئه؛ كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يؤمن عبد حتى يؤمن بالقدر خيره وشره، حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه))[4].

 

﴿يَهْدِ قَلْبَهُ﴾؛ أي: يجعله مهتديًا، وقُرِئت: (يَهْدَ قلبُه)، ويكون التأويل إذا سَلَّمَ لأمر اللَّه سَكَنَ قَلْبُه،فيُوفق للصبر وللاسترجاع وللرضا.

 

فالإيمان بالقضاء والقدر من أعظم ما يعين على الصبر، وأن يعلم العبد أن قضاء الله نافذ، وأن يستسلم لما قضاه وقدره مما لا حيلة له به، وليعلم أنَّ الجزع والهلع والتبرم والاعتراض والتشكِّي والتضجر لا يجدي شيئًا، ولا يعيد مفقودًا، فلا حلَّ إلا بالصبر، والعاقل يفعل في أول يوم من المصيبة ما يفعله الجاهل بعد عدة أيام! أي: يستسلم.

 

وفي قوله تعالى: ﴿إنَّ الإنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ [العاديات: 6]، قيل: هو الذي يشكو المصائب وينسى النعم، ولو علم أن مع كل مصيبة عشر نعم وزيادة لقلَّت شكواه وبدَّلها شكرًا، ثم إن المصائب لا تخلو من ثلاثة أقسام كلها نعم من الله تعالى، إما أن تكون درجة وهذا للمقرّبين والمحسنين، وإما أن تكون كفَّارة، وهذا لخصوص أصحاب اليمين وللأبرار، أو تكون هذا عقوبة وهذا للكافة من المسلمين، فتعجيل العقوبة في الدنيا رحمة ونعمة، ومعرفة هذه النعم طريق الشاكرين، ومن أفضل النعم عند العلماء نعمة الإيمان ثم دوامه؛ لأن دوام الشيء نعمة ثانية.

 

وليس وإن نال أهل المعاصي لذَّة من عيش أو أدركوا أمنية من دنيا كانت عليهم نعمة، بل قد يكون ذلك استدراجًا ونقمةً. عن عقبة بن عامر- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم -: "إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب، فإنما هو استدراج، ثم تلا رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: 44] [5].

 

واعلم- رحمك الله- أن الرضا بالمصائب أشق على النفس من الصبر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قومًا ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط)).

 

فقوله: ((إنعظم الجزاء مع عظم البلاء))؛ أي: يتقابل عظم الجزاء مع البلاء، فكلما كان البلاء أشد وصبر الإنسان صار الجزاء أعظم.

 

((وإن الله إذا أحبَّ قومًا)) فيه بيان علامة محبة الله لعبده وبيان حكمته فيما يُجريه عليه من المكاره، ((ابتلاهم))؛ أي: اختبرهم بما يُقدِّر عليهم من الأمور الكونية؛ كالأمراض وهلاك الأموال والأولاد ونحوها، أو بما يكلفهم به من الأمور الشرعية (وقد يصاب المسلم في الجهاد، أو في أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر، أو حتى في مشيه إلى الصلاة).

 

((فمن رضي فله الرضا))؛ أي: من رضي بما قضاه الله وقدره عليه من الابتلاء، فله الرضا من الله جزاء وفاقًا.

 

((ومن سخط فله السُّخْطُ))، والسُّخْط: هو الكراهية للشيء، وعدم الرضا به؛ أي: من سخط على الله فيما دبره، فله السخط من الله، وكفى بذلك عقوبة. قال ابن الجوزي: "ولقد رأيت رجلًا كبيرًا قد قارب الثمانين، وكان يحافظ على الجماعة، فمات ولد لابنته، فقال: ما ينبغي لأحد أن يدعو فإنه لا يستجيب، ثم قال: إن الله يعاندنا فما يترك لنا ولدًا. فعلمت أن صلواته وفعله للخير عادة؛ لأنه لا ينشأ عن معرفة وإيمان، وهؤلاء الذين يعبدون الله على حرف"[6].

 

وقد تنازع العلماء في الرضا بالقضاء، هل هو واجب؟ أو مستحب؟ على قولين، فعلى الأول يكون من أعمال المقتصدين، وعلى الثاني يكون من أعمال المقربين، ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية، فالعبد قد يصبر على المصيبة ولا يرضى بها، فالرضا أعلى من مقام الصبر، لكن الصبر اتفقوا على وجوبه، والرضا اختلفوا على وجوبه، والشكر أعلى من مقام الرضا، فإنه يشهد المصيبة نعمة، فيشكر الله عليها.

 

ولا أحد يتمنى الضراء، لكن إن وقعت صبر ورضي بما قدره الله وقضاه، فهذا رسولنا صلى الله عليه وسلم- وهو سيد بني آدم- الذي قال الله عنه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِر﴾ [الأحزاب: 21]، كان يقول: ((اللهم إني أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي، وأهلي ومالي))[7].

 

وكان يقول: ((اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، والبخل والجبن، وضلع الدين، وغلبة الرجال))[8].


وعن أبي هريرة: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعوَّذ من جهد البلاء، ودرك الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء)[9]. قال ابن بطال: (جهد البلاء) كل ما أصاب المرء من شدة مشقة، وما لا طاقة له بحمله ولا يقدر على دفعه. وقيل: المراد بجهد البلاء قلة المال وكثرة العيال.

 

وكان يقول إذا أصبح وإذا أمسى ثلاثًا: ((اللهم عافني في بدني، اللهم عافني في سمعي، اللهم عافني في بصري، لا إله إلا أنت))، ويقول: ((اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر، اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، لا إله إلا أنت)) [10].

 

وكان بقول عند السفر: ((اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر، وكآبة المنظر، وسوء المنقلب في المال والأهل))[11].


لكن إن وقع البلاء صبر ورضي وحمد الله على ذلك، فعن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رأى ما يحب قال: ((الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات))، وإذا رأى ما يكره قال: ((الحمد لله على كل حال))[12].

 

وعن ابن مسعود رضي الله عنه، قال: دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يوعك، فمسسته بيدي فقلت: إنك لتوعك وعكًا شديدًا، قال: ((أجل، كما يوعك رجلان منكم))، قال: لك أجران؟ قال: ((نعم، ما من مسلم يصيبه أذًى، مرض فما سواه، إلا حطَّ الله سيئاته، كما تحط الشجرة ورقها))[13].

 

وعن سعد بن أبي وقاص، قال: قلت: يا رسول الله، أي الناس أشدُّ بلاء؟ قال: ((الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى العبد على حسب دينه، فإن كان في دينه صلبًا، اشتدَّ بلاؤه، وإن كان في دينه رقة، ابتلي على حسب دينه، فما يبرح البلاء بالعبد، حتى يتركه يمشي على الأرض، وما عليه من خطيئة))[14].

 

ولا بد أن يعلم المصاب، أن الذي ابتلاه بمصيبته، أحكم الحاكمين، وأرحم الراحمين، وأنه سبحانه، لم يرسل البلاء ليهلكه به، ولا ليعذبه، قال تعالى: ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾ [غافر: 31]، وإنما افتقده به ليمتحن صبره ورضاه وشكواه إليه وابتهاله ودعاءه، فيطهره ويرفع من درجاته.

 

عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وولده وماله حتى يلقى الله وما عليه خطيئة))[15].

 

وعنه، قال: لما نزلت ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: 123] بلغت من المسلمين مبلغًا شديدًا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((قاربوا، وسدِّدوا، ففي كل ما يصاب به المسلم كفَّارة، حتى النكبة ينكبها، أو الشوكة يشاكها))[16].

 

وعن عائشة، قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: ((ما من شيء يصيب المؤمن حتى الشوكة تصيبه، إلا كتب الله له بها حسنة أو حطت عنه بها خطيئة))[17].

 

وعن أبي سعيد، وأبي هريرة أنهما سمعا رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: ((ما يصيب المؤمن من وصب، ولا نصب، ولا سقم، ولا حزن حتى الهم يهمه، إلا كفَّر به من سيئاته))[18].

 

قال الجارود: سمعت وكيعًا يقول: (لم يسمع في الهم أنه يكون كفَّارة إلا في هذا الحديث).

 

وقد نالت عائشة رضي الله عنها النصيب الأكبر من الهم في حادثة الإفك، قالت: (وبكيت يومي لا يرقأ لي دمع، ولا أكتحل بنوم، فأصبح عندي أبواي، وقد بكيت ليلتين ويومًا حتى أظن أن البكاء فالق كبدي)[19]، ومع ذلك فقد قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ﴾ [النور: 11]؛ أي: لا تظنوه كان شرًّا لكم، بل كان طريقًا للرفعة، وكان طريقًا للخير، وقد يأتي الخير عن طريق الشر، قال ربنا جل جلاله: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: 216]، وقال العرب في جاهليتهم: (رُبَّ ضارَّةٍ نافعة).

 

فكانت هذه التهمة القاسية التي تألم لها رسول الله صلى الله عليه وسلم شهرًا كاملًا قبل البراءة، وتألمت لها عائشة وأهلها، وكان الحزن مخيمًا على البيت النبوي، وعلى آل محمد صلى الله عليه وسلم، وهم يعيشون أحزانًا متوالية.

 

فكان الخير في ذلك من خمسة أوجه:

1) تبرئة أم المؤمنين.

2) وكرامة الله لها بإنزال الوحي في شأنها.

3) والأجر الجزيل لها في الفرية عليها.

4) وموعظة المؤمنين.

5) والانتقام من المفترين.

 

وقد كان النبي وأصحابه ومن اتبعهم بإحسان يبشرون في السراء كما يبشرون في الضراء، تسلية للمصابين ووعد صدق بما ينتظرهم من جزاء؛ فعن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه عاد مريضًا، ومعه أبو هريرة من وعك كان به، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أبشر؛ فإن الله يقول: هي ناري أسلطها على عبدي المؤمن في الدنيا، لتكون حظه من النار في الآخرة))[20].

 

وعن أم العلاء، قالت: عادني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا مريضة، فقال: ((أبشري يا أم العلاء؛ فإن مرض المسلم يذهب الله به خطاياه، كما تذهب النار خبث الذهب والفضة))[21].

 

وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أبشر يا عمار، تقتلك الفئة الباغية))[22].

 

وعن معاوية بن قرة، عن أبيه رضي الله عنه، أن رجلًا أتى النبي صلى الله عليه وسلم ومعه ابنٌ له، فقال له: ((أتحبه؟))، فقال: أحبك الله كما أحبه، فمات، ففقده، فسأل عنه، فقال: ((ما يسرك ألَّا تأتي بابًا من أبواب الجنة إلا وجدته عنده يسعى يفتح لك؟))[23].

 

وعن سعيد بن جبير قال: كنت مع سلمان- رضي الله عنه- وعاد مريضًا في كندة، فلما دخل عليه قال: ((أبشر؛ فإنَّ مرض المؤمن يجعله الله له كفَّارة ومستعتبًا[24]، وإنَّ مرض الفاجر، كالبعير عقله أهله، ثم أرسلوه، فلم يدر لم عقلوه، ولم يدر لم أرسلوه))[25].

 

وعن أبي سنان، قال: دفنت ابني سنانًا، وأبو طلحة الخولاني جالس على شفير القبر، فلما أردت الخروج أخذ بيدي، فقال: ألا أبشرك يا أبا سنان؟ قلت: بلى، فقال: حدثني الضحاك بن عبدالرحمن بن عرزب، عن أبي موسى الأشعري، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا مات ولد العبد قال الله لملائكته: قبضتم ولد عبدي، فيقولون: نعم، فيقول: قبضتم ثمرة فؤاده، فيقولون: نعم، فيقول: ماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدك واسترجع، فيقول الله: ابنوا لعبدي بيتًا في الجنة، وسمُّوه بيت الحمد))[26].

 

وعن أبي الأشعث الصنعاني، أنه راح إلى مسجد دمشق وهجر بالرواح، فلقي شداد بن أوس والصنابحي معه، فقلت: أين تريدان يرحمكما الله؟ قالا: نريد هاهنا إلى أخ لنا مريض نعوده. فانطلقت معهما حتى دخلا على ذلك الرجل، فقالا له: كيف أصبحت؟ قال: أصبحت بنعمة. فقال له شداد: أبشر بكفارات السيئات وحط الخطايا؛ فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إن الله عز وجل يقول: إني إذا ابتليت عبدًا من عبادي مؤمنًا، فحمدني على ما ابتليته، فإنه يقوم من مضجعه ذلك كيوم ولدته أمه من الخطايا، ويقول الرب عز وجل: أنا قيدت عبدي، وابتليته، فأجروا له كما كنتم تجرون له وهو صحيح))[27].

 

وللإنسان عند المصائب أربعة مقامات:

الأول:الجزع.. وهو محرم.

 

الثاني: الصبر.. وهو واجب.

 

الثالث: الرضا.. وهو مستحب.

 

الرابع: الشكر.. وهو أحسن وأفضل وأكمل، فإن المصيبة يترتب عليها أجر عظيم وتلك نعمة، وكل نعمة لا بد لها من الشكر، والإنسان إذا لم يأت بخطيئة، وأصابته مصيبة فنقول له: إن هذا من باب امتحان الإنسان على الصبر، ورفع درجاته باحتساب الأجر، وهذه المصيبة لا تلاقي ذنبًا تكفره، لكنها تلاقي قلبًا تمحصه، ليصل المرء بصبره إلى أعلى درجات الصابرين.

 

وفي كل مصيبة عشر فوائد، ينبغي للعبد أن يشكر الله عليها:

الأولى: تذكير الإنسان بضعفه وحاجته إلى ربه: قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ﴾ [الأنعام: 42].

 

الثانية: تذكير الإنسان بنعمة ربِّه عليه، فلولا المرض لما عرف قيمة العافية التي كان فيها، ولولا فقد المال لما عرف قيمة الغنى، والأمور تعرف بأضدادها.

 

الثالثة: إيقاظ العبد من غفلته وبُعْده عن الله، قال سبحانه: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [السجدة: 21]، فإن العبد ليتعلم في ساعات البلاء ما لا يتعلمه في سنين العافية.

 

الرابعة: تكفير الذنوب والخطايا، عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: ((من يرد الله به خيرًا، يصب منه))[28] يصب منه بالمرض المؤثر في صحته، وأخذ المال المؤثر في غناه، والحزن المؤثر في سروره. قال بعض السلف[29]: (لولا المصائب لوردنا القيامة مفاليس).

 

الخامسة: رفع الدرجات، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "إن الرجل ليكون له عند الله المنزلة، فما يبلغها بعمل، فما يزال يبتليه بما يكره حتى يبلغه إياها"[30].

 

السادسة: أن كل مصيبة مهما كانت فالله قادر أن يجعلها أعظم، فليشكر الله إذ لم تكن أعظم، فمن ذهب بعض ماله فليحمد الله أنه لم يذهب كل ماله.

 

السابعة: أنها عجلت في الدنيا فهي قصيرة المدى والتأثير، ومصائب الدنيا يتسلى عنها فتخف، أما مصيبة الآخرة فهي طويلة المدى، شديدة التأثير والقسوة.

 

الثامنة: أن له الخلف من الله عند الاسترجاع، عن أم سلمة، أنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: ((ما من مسلم تصيبه مصيبة، فيقول ما أمره الله: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: 156]، اللهم أجرني في مصيبتي، وأخلف لي خيرًا منها، إلا أخلف الله له خيرًا منها"[31].

 

التاسعة: أن ثواب المصيبة أكثر منها؛ كما قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: 10]، وعن جابر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يود أهل العافية يوم القيامة، حين يعطى أهل البلاء الثواب، لو أن جلودهم كانت قرضت في الدنيا بالمقاريض))[32].

 

العاشرة: أن المصيبة كانت في الدنيا أو النفس، ولم تكن في الدين، ومن دعاء النبي صلى الله عليه وسلم الذي قلَّما كان يقوم من مجلس حتى يدعو به: ((ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همِّنا، ولا مبلغ علمنا))[33].

 

والمصائب- أخي الكريم- تتفاوت ولكن أعظمها المصيبة في الدين، فهي أعظم مصائب الدنيا والآخرة، وهي نهاية الخسران الذي لا ربح معه، والحرمان الذي لا طمع معه.

 

فقد تفوت العبد الصلاة وتخرج عن وقتها ولا يكترث، قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: ((من فاتته صلاة العصر فكأنما وُتِر أهله وماله))[34]، وإذا أصيبت سيارته بحادث فقد لا ينام الليل من الهمِّ، ويصبح وهمُّه الوحيد إصلاح مظهرها الخارجي؛ لأنه غلب على معظم الناس همُّ الدنيا، عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: سمعت نبيَّكم صلى الله عليه وسلم يقول: ((من جعل الهموم همًّا واحدًا، همَّ آخرته، كفاه الله همَّ دنياه، ومن تشعبت به الهموم في أحوال الدنيا، لم يبال الله في أي أوديتها هلك))[35].

 

قال حاتم الأصم: (فاتتني الصلاة في الجماعة فعزَّاني أبو إسحاق البخاري وحده، ولو مات لي ولد لعزاني أكثر من عشرة آلاف؛ لأن مصيبة الدِّيْن أهونُ عند الناس من مصيبة الدنيا).

 

وسبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، وصل اللهم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وسلِّم تسليمًا كثيرًا.



[1] - صحيح مسلم: 64 - (2999).

[2] - صحيح البخاري: 1223.

[3] - الصحيحة: 1257.

[4] - صحيح الترمذي: 2144.

[5] - الصحيحة: 413.

[6] - الثبات عند الممات، ص: 41.

[7] - صحيح أبي داود: 5074.

[8] - صحيح البخاري: 2893.

[9] - صحيح البخاري: 6347.

[10] - صحيح أبي داود: 5090.

[11] - صحيح مسلم: 425 - (1342).

[12] - صحيح ابن ماجة: 3803.

[13] - صحيح البخاري: 5667.

[14] - صحيح ابن ماجه: 4023.

[15] - صحيح الترمذي: 2399.

[16] - صحيح مسلم: 2574.

[17] - صحيح مسلم: 51 - (2572).

[18] - صحيح مسلم: 52 - (2573).

[19] - صحيح البخاري: 2661.

[20] - صحيح ابن ماجه: 3470.

[21] - صحيح أبي داود: 3092.

[22] - صحيح الترمذي: 3800.

[23] - صحيح النسائي: 1870.

[24] - طلبًا للرضا من الله (ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: فمن رضي فله الرضا).

[25] - صحيح الأدب المفرد: 379.

[26] - صحيح الترمذي: 1021.

[27] - صحيح الجامع: 4300.

[28] - صحيح البخاري: 5321.

[29] - ينسب إلى ابن المبارك.

[30] - صحيح الترغيب والترهيب: 3408.

[31] - صحيح مسلم: 3 - (918).

[32] - صحيح الترمذي: 2402.

[33] - صحيح الترمذي: 3502.

[34] - صحيح البخاري: 528.

[35] - صحيح الترغيب والترهيب: 3171.





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • مصائب قوم عند قوم مراقص
  • تعزية أصحاب المصائب
  • من أعظم المصائب
  • أسباب حدوث المصائب وإزالتها

مختارات من الشبكة

  • الموت واعظ بليغ ومعلم حكيم(مقالة - آفاق الشريعة)
  • إلى من ابتلي بموت قريب أو حبيب..(مقالة - آفاق الشريعة)
  • {أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا}(مقالة - موقع أ. د. فؤاد محمد موسى)
  • موت العلماء مصيبة للأمة (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • التعامل مع مصائب الأمة(مادة مرئية - مكتبة الألوكة)
  • مخطوطة مصائب الإنسان من مكائد الشيطان(مخطوط - مكتبة الألوكة)
  • اتباع الحق لا الهوى في مصائب المسلمين(مقالة - موقع الشيخ أحمد بن عبدالرحمن الزومان)
  • فتاوى المثقفين وأكبر مصائب العصر!(مقالة - آفاق الشريعة)
  • تفسير قوله تعالى: { أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم... }(مقالة - آفاق الشريعة)
  • الهجرة النبوية والأمل(مقالة - آفاق الشريعة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • مسجد جديد في أيتونا يلبي احتياجات المصلين الزائدة
  • مساجد تتارستان تستعد لاستقبال مئات الأطفال في الدورات الصيفية
  • أهالي تاتارسكوي تيكاشيفو يحتفلون بافتتاح مسجد الإخلاص
  • تخريج 23 باحثا في الدراسات الإسلامية بالأكاديمية الإسلامية البلغارية
  • انطلاق فعاليات المدرسة الصيفية الإسلامية للباحثين في بلغاريا
  • مسجد جديد متكامل الخدمات بعد عام من أعمال البناء في نوفوشيشمينسكي
  • "الذكاء الاصطناعي في يد المسلم" عنوان فعالية علمية في تتارستان
  • مسجد في بلاكبيرن يطلق ثلاجة غذائية لدعم الأسر المحتاجة

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1447هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 24/12/1447هـ - الساعة: 18:13
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب