• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | أسرة   تربية   روافد   من ثمرات المواقع   قضايا المجتمع  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    ثوان من الغضب... وسنوات من الندم
    د. محمد موسى الأمين
  •  
    الإضلال بغير علم: وزر مضاعف يوم القيامة
    د. عبدالرحمن بن سعيد الحازمي
  •  
    التوازن في ممارسة العادات اليومية
    عدنان بن سلمان الدريويش
  •  
    همسات تربوية (12) التشجيع والتحفيز.. الوقود الذي ...
    د. عبدالسلام حمود غالب
  •  
    لا معين ولا ناصر وقت الشدة إلا الله {قال إنما ...
    د. عبدالرحمن بن سعيد الحازمي
  •  
    الآباء والمحتالون: درس من قصة بني إسرائيل
    د. محمد موسى الأمين
  •  
    أقوال الفقهاء في حكم خدمة الزوجة لزوجها
    د. عباس إسماعيل
  •  
    الومضة (7) ومضة نبوية لقلبك: حين يكون الصمت نجاة
    نوال محمد سعيد حدور
  •  
    الزواج بين الأمس واليوم!
    د. صلاح بن محمد الشيخ
  •  
    همسات تربوية (11) اتفاق الأب والأم على سياسة ...
    د. عبدالسلام حمود غالب
  •  
    الله يفعل ما يشاء بحكمة وعدل {إن ربك فعال لما ...
    د. عبدالرحمن بن سعيد الحازمي
  •  
    التوازن في العلاقة مع الجنس الآخر
    عدنان بن سلمان الدريويش
  •  
    القوامة في زمن الارتباك!
    د. صلاح بن محمد الشيخ
  •  
    همسات تربوية (10) العدل بين الأبناء.. أساس ...
    د. عبدالسلام حمود غالب
  •  
    الرقي ليس بدعة غربية، بل هو ميراث نبوي أصيل سبق ...
    حمدي جاد الكريم الطماوي
  •  
    ضياع السكينة من قلوب الشباب والفتيات
    عدنان بن سلمان الدريويش
شبكة الألوكة / مجتمع وإصلاح / تربية / مقالات ودراسات تربوية
علامة باركود

الإضلال بغير علم: وزر مضاعف يوم القيامة

الإضلال بغير علم: وزر مضاعف يوم القيامة
د. عبدالرحمن بن سعيد الحازمي

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 5/8/2026 ميلادي - 20/2/1448 هجري

الزيارات: 54

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

الإضلال بغير علم: وزر مضاعف يوم القيامة

﴿ لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ ﴾ [النحل: 25]


تمهيد:

من أعظم صور الحرمان، وأشد دلائل قلة التوفيق - أن يُصِرَّ الإنسان على معصية ربه عز وجل الذي أنعَم عليه بنعمٍ لا تُعد ولا تُحصى، فلا يكتفي بالعصيان، بل يُجاهر به ويدعو إليه، حتى آخر لحظة في حياته! وذلك رغم ما حوله من العِبَر والدلائل، وكأنما لم يسمع قول الله تعالى: ﴿ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ ﴾ [الحشر: 2]، ولكن ما أكثر العِبَر وما أقلَّ الاعتبار! وصدق الله تعالى: ﴿ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ﴾ [الحج: 46]؛ قال البغوي رحمه الله: "معناه: أن العمى الضار هو عمى القلب، فأما عمى البصر، فليس بضارٍّ في أمر الدين"[1].

 

وهؤلاء الذين يُصِرُّون على الباطل ويجاهرون به، ويُضلُّون غيرهم، توعَّدهم الله بقوله: ﴿ لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ ﴾ [النحل: 25].

 

أسأل الله تعالى أن يسدِّد أعمالنا وأقوالنا، ويَرُدَّنا إليه ردًّا جميلًا.

 

أقوال العلماء في تفسير الآية محل الموضوع:

قال ابن كثير رحمه الله: "قال تعالى: ﴿ لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾؛ أي: إنما قدَّرنا عليهم أن يقولوا ذلك؛ ليتحمَّلوا أوزارهم ومن أوزار الذين يتَّبعونهم ويوافقونهم؛ أي: يصير عليهم خطيئة ضلالهم في أنفسهم، وخطيئة إغوائهم لغيرهم واقتداء أولئك بهم؛ كما جاء في الحديث: "مَنْ ‌دَعَا ‌إِلَى ‌هُدًى كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا"[2]، وقال تعالى: ﴿ وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ ﴾ [العنكبوت: 13].

 

وهكذا جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما في الآية: ﴿ لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾، إنها كقوله: ﴿ لَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ ﴾ [العنكبوت: 13]، وقال مجاهد رحمه الله: يحملون أثقالهم؛ ذنوبهم، وذنوب من أطاعهم، ولا يُخفَّف عمن أطاعهم من العذاب شيئًا"[3].

 

الملامح التربوية المستنبطة من الآية محل الموضوع:

أولًا: إن الشريعة الإسلامية منضبطة بأوامرٍ ونواهٍ واضحة المعالم في توحيد الله تعالى ابتداءً، ثم في جوانب الحياة كلها دِقِّها وجلِّها؛ قال تعالى: ﴿ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ [الحشر: 7].

 

قال السعدي رحمه الله: "وهذا شاملٌ لأصول الدين وفروعه، ظاهره وباطنه، وأن ما جاء به الرسول يتعيَّن على العباد الأخذ به واتباعه، ولا تَحِل مخالفته، وأن نص الرسول على حكم الشيء كنص الله تعالى، لا رُخصة لأحد ولا عذرَ له في تركه، ولا يجوز تقديم قول أحد على قوله"[4].

 

وقال صلى الله عليه وسلم: "تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ، لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا ‌لَا ‌يَزِيغُ ‌عَنْهَا ‌إِلَّا ‌هَالِكٌ"[5].

 

وصدق صلى الله عليه وسلم بقوله: "‌لَا ‌يَزِيغُ ‌عَنْهَا ‌إِلَّا ‌هَالِكٌ"، وجاء في الحديث القدسي: "يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ ‌أُحْصِيهَا ‌لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا، فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللهَ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ"[6].

 

ثانيًا: يجب على المسلم الحذر من التساهل في الالتزام بما أمر الله تعالى، واجتناب ما نهى عنه، فاليوم عمل بلا حساب، وغدًا حساب بلا عمل، ومن التوفيق أن يُفكر الإنسان مرارًا قبل الإقدام على أي عمل؛ حتى يتأكد من خلوِّه من أي محظور شرعي؛ لئلا يقع تحت طائلة عقاب الله تعالى بمخالفته أوامره، والأدهى من ذلك إذا تأسى بهذا المحظور الآخرون، فتصبح الطامة أعظمَ وأكبر، ويصبح عَدَّاد السيئات جاريًا حتى يوم القيامة؛ قال الله العظيم: ﴿ وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ ﴾ [العنكبوت: 13].

 

قال المراغي رحمه الله: "إن الدعاة إلى الضلال عليهم إثم ضلالتهم في أنفسهم، وإثم آخر بسبب إضلالهم مَن أَضلُّوا، من غير أن ينقص أوزار أولئك، ولا يرفع عنهم منها شيئًا، وهذا عدل من الله ورحمة منه بعباده"[7]؛ نسأل الله السلامة والعافية.

 

ثالثًا: من أعظم الخطر هذه الأيام انتشار أئمة الضلال ودُعاة الغواية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وهؤلاء يزيِّنون الباطل بأعمالهم وأقوالهم، وينجذب إليهم مع الأسف بعض الشباب والناشئة ذكورًا وإناثًا ممن لا يُميزون بين والخبيث والطيب، وبين الغَثِّ والسمين، قال المراغي رحمه الله: "فائدة قوله: ﴿ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ بيان أنهم يُضلون مَن لا يعلم أنهم ضلَّال، وأنهم على الباطل، وفي ذلك تنبيهٌ إلى أن كيدَهم لا يَروج على ذي لُبٍّ، وإنما يقلِّدهم الجهلةُ الأغبياء"[8]. وقد حذَّر القرآن الكريم من أئمة الضلال؛ قال تعالى: ﴿ وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ ﴾ [القصص: 41]، قال ابن عاشور رحمه الله: "والأئمة: جمع إمام، وهو من يُقتدى به في عمل مِن خيرٍ أو شرٍّ، ومعنى جعَلهم أئمة ‌يدعون ‌إلى ‌النار: خلَق نفوسَهم منصرفة إلى الشر، ومُعرضة عن الإصغاء للرشد، وكان وجودهم بين ناس ذلك شأنهم"[9].

 

وقال المراغي رحمه الله في أئمة الضلال: "دأبوا على إضلال سواهم، وتحسين العصيان لهم، وبذا قد ارتكبوا جريمتين، فباؤوا بجزاءَيْن: جزاء الضلال وجزاء الإضلال"[10].

 

والواجب على الجهات المعنية وكافة المؤسسات التربوية الرسمية وغير الرسمية، والعلماء والدعاة - من طلبة العلم والمصلِحين - الوقوف بحزمٍ ضد أئمة الضلال وتبصير الناس بشرورهم، ومخالفة ما يدعون إليه لكتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.

 

رابعًا: في مقابل تحذير القرآن الكريم من أئمة الضلال، بيَّن فضل أئمة الهداية؛ قال تعالى: ﴿ وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ ﴾ [الأنبياء: 73].

 

قال السعدي رحمه الله: "وهذا من أكبر نعم الله على عبده أن يكون إمامًا يَهتدي به المهتدون، ويمشي خلفه السالكون، وقوله: ﴿ يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا ﴾؛ أي: يهدون الناس بديننا، لا يأمرون بأهواء أنفسهم، بل بأمر الله ودينه، واتِّباع مرضاته، ولا يكون العبد إمامًا حتى يدعو إلى أمر الله، ﴿ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ ﴾، يفعلونها ويدعون الناس إليها، وهذا شامل لجميع الخيرات كلها، من حقوق الله، وحقوق العباد، ﴿ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ ﴾، هذا من باب عطف الخاص على العام، لشرف هاتين العبادتين وفضلهما، ولأن مَن كمَّلهما كما أُمِرَ كان قائمًا بدينه، ومن ضيَّعهما، كان لِما سواهما أضيعَ، ولأن الصلاة أفضل الأعمال التي فيها حقه، والزكاة أفضل الأعمال التي فيها الإحسان لخلقه، ﴿ وَكَانُوا لَنَا ﴾، أي: لا لغيرنا ﴿ عَابِدِينَ﴾، أي: مُديمين على العبادات القلبية والقولية والبدنية في أكثر أوقاتهم، فاستحقوا أن تكون العبادة وصفهم، فاتَّصفوا بما أمر الله به الخلق، وخلقهم لأجله"[11].

 

والواجب على الجهات المعنية، وكافة المؤسسات التربوية الرسمية وغير الرسمية، والعلماء والدعاة من طلبة العلم والمصلحين - دعم أئمة الهداية بكل وسائل الدعم: ماديًّا، ومعنويًّا، ليعُم الخير بنشر الأخلاق الإسلامية الفاضلة، والقيم والمبادئ السامية بين الناس.

 

خامسًا: إن الانحراف عن منهج الله تعالى وصراطه المستقيم بارتكاب المعاصي والذنوب، ضلال مبين وخطر عظيم؛ قال تعالى: ﴿ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا ﴾ [الأحزاب: 36].

 

قال محمد طنطاوي رحمه الله: "ومَن يَعصِ الله ورسوله في أمرٍ من الأمور، فقد ضل عن الحق والصواب ضلالًا واضحًا بينًا"[12].

 

ومن أعظم المعاصي وأشدها خطرًا في الدنيا والآخرة الشركُ بالله تعالى، فالمعاصي دون الشرك بالله تعالى تَهون؛ لأن مشيئة الله تعالى بالمغفرة لها قائمة؛ لقوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا ﴾ [النساء: 48]، وقال سبحانه: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا ﴾ [النساء: 116].

 

وجاء في الحديث القدسي: "يَا بْنَ آدَمَ، إِنَّكَ لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الأَرْضِ خَطَايَا، ثُمَّ لَقَيْتَنِي لَا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا، لأَتَيْتُكَ ‌بقُرَابِها ‌مَغْفِرَةً"[13].

 

سادسًا: تضمَّنت الآية موضوع المقال: ﴿ لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً ﴾ [النحل: 25]، ولعل في كلمة ﴿ كاملة ﴾ شيء من التهديد.

 

قال البغوي رحمه الله: "ليحمِلوا أوزارهم، ذنوب أنفسهم كاملة، وإنما ذكر الكمال؛ لأن البلايا التي تَلحَقهم في الدنيا وما يفعلون فيها من الحسنات، لا تُكفِّر عنهم شيئًا يوم القيامة، ومِن أوزار الذين يُضلونهم بغير علمٍ، بغير حجة، فيَصدونهم عن الإيمان، ألا ساء ما يزرون، ما يحملون"[14].

 

وقال ابن عثيمين رحمه الله: "فهم يَحمِلون أثقالهم كاملة، أما أثقال المدعوين، فلا يحملونها كاملة، ولو حملوها كاملة ما بَقِيَ للمدعوين شيء؛ وذلك لأن الداعي لا يتحمل وزرَ المدعو كاملًا، ولو تحمَّله كاملًا ما بَقِيَ للمدعوِّ شيءٌ، ولكن الوزر على الداعي والمدعو، والعياذ بالله"، وقال المراغي رحمه الله: "والمراد من قوله ﴿ كاملة ﴾ أنه لا ينقص منها شيء"[15].

 

سابعًا: يعتقد بعض الناس أن المتقين وأهل الصلاح، لا تقع منهم هفوات وأخطاء، وقد تجد مَن يَلمِزهم، أو يُقلل من شأنهم عند تقصيرهم، ونقول: إن المتقين وأهل الصلاح بشر كغيرهم، ولكن سَرعان ما يؤوبون إلى رُشدهم بالعودة إلى الله تعالى مستغفرين تائبين؛ قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ ﴾ [الأعراف: 201]، وقال سبحانه: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ [آل عمران: 135].


وجميل قول ابن تيمية رحمه الله: "ليس من شرط المُتَّقين ونحوهم ألا يقع منهم ذنبٌ، ولا أن يكونوا معصومين من الخطأ والذنوب؛ فإن هذا لو كان كذلك، لم يكن في الأمة مُتَّقٍ، بل من تاب من ذنوبه دخل في المتقين، ومَن فعَل ما يُكفِّر سيئاته دخل في المُتقين؛ كما قال تعالى: ﴿ إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا ﴾ [النساء: 31] [16].

 

ثامنًا: لَما كان الإنسان معرَّضًا للخطأ والتقصير، بحكم ضَعفه البشري، وبسبب تربُّص الشيطان به، استنادًا لقول الله عز وجل: ﴿ قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾ [الأعراف: 16].

 

قال الطبري رحمه الله: "لأَصُدَّن بني آدم عن عبادتك وطاعتك، ولأغوينهم كما أغويتني، ولأُضِلنَّهم كما أَضللتني"[17]، فالواجب على المسلم مجاهدة نفسه في التصدي لعداوة الشيطان، بعدم الاستجابة لما يدعوه إليه، وليكن شعاره عند وسوسته وإغرائه بالمعصية ابتداءً الاستعاذةَ منه، ثم قوله تعالى: ﴿ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ ﴾ [المائدة: 28]، وأيضًا قوله تعالى حكايةً عن يوسف عليه السلام حين راوَدته امرأة العزيز: ﴿ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ﴾ [يوسف: 23].

 

تاسعًا: ما أكثر ما يتكرَّر وعيدُ الله تعالى في القرآن الكريم لعباده المنحرفين عن الصراط المستقيم، بسؤالهم يوم القيامة عما ارتكبوه من أوزار في الدنيا؛ كما في قوله تعالى: ﴿ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ ﴾ [العنكبوت: 13]، وقوله سبحانه: ﴿ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴾ [الأنعام: 164]، وقال عز وجل: ﴿ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴾ [الزمر: 7]، وهذا وعيد عظيم وخطر جسيم لمن استمرَّ في الغفلة والإعراض عن منهج الله تعالى، ولكن رحمة الله واسعة، فقد فتح باب التوبة على مِصراعيه لمن أراد الرجوع إليه؛ قال ابن باز رحمه الله: "على الإنسان أن يبادر بالتوبة ولو في لحظة الموت؛ لأن باب التوبة مفتوح مهما كان ما دام عقله معه، وعليه أن يبادر بالتوبة والحذر من المعاصي".

 

وقد أمر الله تعالى عباده بالتوبة النصوح، فقال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ﴾ [التحريم: 8]، والله جل جلاله يفرح بتوبة عبده، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: "لَلَّهُ ‌أَشَدُّ ‌فَرَحًا بِتَوْبَةِ أَحَدِكُمْ مِنْ أَحَدِكُمْ بِضَالَّتِهِ إِذَا وَجَدَهَا"[18].

 

فعلى المسلم المسارعة إلى التوبة والتمسك بشرع الله القويم قبل فوات الأوان، فإن الفرصة مواتية وقد لا تعود، ولا ينفع الندم بعدها.

 

عاشرًا: نختم المقال بفائدة مهمة حول ما قد يحدث من التباس، أو تشكيك عند بعض الناس بين الآية موضوع المقال، وبين قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى ﴾ [فاطر: 18]؛ قال الشنقيطي رحمه الله: "والجواب: أن هؤلاء الضالين ما حملوا إلا أوزار أنفسهم؛ لأنهم تحمَّلوا وزر الضلال ووزرَ الإضلال، فمن سنَّ سنة سيئة فعليه وزرُها، ووزرُ مَن عمِل بها، لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئًا؛ لأن تشريعه لها لغيره ذنب من ذنوبه، فأخذ به"[19]، وقال الشعراوي رحمه الله: "وهذه من المسائل التي توقَّف عندها بعضُ المستشرقين، محاولين اتهامَ القرآن وأسلوبه بالتناقض، فيتساءل: كيف يناقض القرآن بعضَه، فيقول: ﴿ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ﴾ [الأنعام: 164]، ونقول: إن لكل وزرٍ طريقًا وحسابًا، فالإنسان يحمل وزرَ ضلاله وحده إن لم يُضلَّ به أحدًا غيره، ولكن إن حاوَل إضلال غيره، فهو يتحمَّل وزرَ هذا الإضلال"[20].

 


[1] تفسير البغوي (5/ 391).
[2] صحيح مسلم، ‌‌باب: من سن سنة حسنة أو سيئة، ومن دعا إلى هدى أو ضلالة، حديث رقم: 2674.
[3] تفسير ابن كثير (4/ 485).
[4] تفسير السعدي (ص: 851).
[5] الألباني، صحيح الترغيب والترهيب، باب: الترهيب من ترك السنة وارتكاب البدع والأهواء، (1/132).
[6] صحيح مسلم، ‌‌باب: تحريم الظلم، حديث رقم: 2577.
[7] تفسير المراغي (15/ 24).
[8] تفسير المراغي (14/ 70).
[9] التحرير والتنوير (20/ 126).
[10] تفسير المراغي (20/ 62).
[11] تفسير السعدي (ص: 527).
[12] التفسير الوسيط لطنطاوي (11/ 213).
[13] الألباني: صحيح الترغيب والترهيب، باب: الترغيب في الاستغفار، حديث رقم: 1616.
[14] تفسير البغوي (5/ 15).
[15] تفسير المراغي (14/ 70).
[16] سورة النساء: 31؛ منهاج السنة، (7/82).
[17] تفسير الطبري (12/ 334).
[18] صحيح مسلم، باب: في الحض على التوبة والفرح بها، حديث رقم: 2675.
[19] دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب، ص 186.
[20] تفسير الشعراوي (5/ 2810).




حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • ما أعظم ملك الله وقدرته!
  • ولا ظالم إلا سيبلى بأظلم
  • انحراف الفكر مجلبة لسوء العمل
  • تعظيم الله وتقديره
  • أعظم النعم
  • عواقب الطغيان وخيمة

مختارات من الشبكة

  • مراحل الإضلال الشيطاني(مقالة - آفاق الشريعة)
  • يوم القيامة(مقالة - آفاق الشريعة)
  • الوقاية من أهوال يوم القيامة (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • قصة شفاعة النبي محمد صلى الله عليه وسلم للناس يوم القيامة والمسائل المستنبطة منها(مقالة - آفاق الشريعة)
  • مشاهد اللقاء يوم القيامة (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • خطبة: لتسألن عن هذا النعيم يوم القيامة (نعم المآكل) - باللغة النيبالية(مقالة - آفاق الشريعة)
  • دخول الصائم من بارا الريان يوم القيامة (بطاقة)(مقالة - مكتبة الألوكة)
  • الصيام يشفع لصاحبه يوم القيامة (بطاقة)(مقالة - مكتبة الألوكة)
  • الشفاعة الكبرى ومقام النبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة(مقالة - آفاق الشريعة)
  • تكلم الله سبحانه وتعالى يوم القيامة(مقالة - آفاق الشريعة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • أكثر من 400 طالب يشاركون في مسابقة المعلومات الإسلامية بأستراليا
  • افتتاح تاريخي لأول مسجد في بلييفليا بالجبل الأسود منذ أكثر من قرن
  • منطقة ريبوفسي تحتفل بميلاد مسجد جديد في أجواء إيمانية مميزة
  • أكبر مشروع إسلامي في ريف أستراليا يفتتح أبوابه بعد سنوات من العمل والعطاء
  • القرآن والتربية في صدارة البرامج الصيفية للمسلمين في بينزا وساراتوف وموردوفيا هذا العام
  • اختتام الدورة التاسعة لمسابقة حفظ وتلاوة القرآن الكريم في أزناكاييف
  • تيسليتش تختتم برنامجا تعليميا لتعزيز القيم وبناء الشخصية للشباب المسلمين
  • انطلاق فعاليات "أيام مساجد إستولتس 2026" ببرنامج ديني وثقافي يمتد حتى أغسطس

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1448هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 19/2/1448هـ - الساعة: 13:56
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب