• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | أسرة   تربية   روافد   من ثمرات المواقع   قضايا المجتمع  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    لا معين ولا ناصر وقت الشدة إلا الله {قال إنما ...
    د. عبدالرحمن بن سعيد الحازمي
  •  
    الآباء والمحتالون: درس من قصة بني إسرائيل
    د. محمد موسى الأمين
  •  
    أقوال الفقهاء في حكم خدمة الزوجة لزوجها
    د. عباس إسماعيل
  •  
    الومضة (7) ومضة نبوية لقلبك: حين يكون الصمت نجاة
    نوال محمد سعيد حدور
  •  
    الزواج بين الأمس واليوم!
    د. صلاح بن محمد الشيخ
  •  
    همسات تربوية (11) اتفاق الأب والأم على سياسة ...
    د. عبدالسلام حمود غالب
  •  
    الله يفعل ما يشاء بحكمة وعدل {إن ربك فعال لما ...
    د. عبدالرحمن بن سعيد الحازمي
  •  
    التوازن في العلاقة مع الجنس الآخر
    عدنان بن سلمان الدريويش
  •  
    القوامة في زمن الارتباك!
    د. صلاح بن محمد الشيخ
  •  
    همسات تربوية (10) العدل بين الأبناء.. أساس ...
    د. عبدالسلام حمود غالب
  •  
    الرقي ليس بدعة غربية، بل هو ميراث نبوي أصيل سبق ...
    حمدي جاد الكريم الطماوي
  •  
    ضياع السكينة من قلوب الشباب والفتيات
    عدنان بن سلمان الدريويش
  •  
    الإثم: ظاهره وباطنه في ميزان الحساب {وذروا ظاهر ...
    د. عبدالرحمن بن سعيد الحازمي
  •  
    همسات تربوية (9) التعامل مع أخطاء الأبناء ...
    د. عبدالسلام حمود غالب
  •  
    دلائل النصوص على خدمة الزوجة لزوجها ومراتبها
    د. عباس إسماعيل
  •  
    عقود المحاسن في نجاح المحاضن: 100 فكرة وخاطرة ...
    نبيل بن عبدالمجيد النشمي
شبكة الألوكة / مجتمع وإصلاح / تربية / مقالات ودراسات تربوية
علامة باركود

لا معين ولا ناصر وقت الشدة إلا الله {قال إنما أشكو بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون}

لا معين ولا ناصر وقت الشدة إلا الله  {قال إنما أشكو بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون}
د. عبدالرحمن بن سعيد الحازمي

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 3/8/2026 ميلادي - 18/2/1448 هجري

الزيارات: 40

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

لا معين ولا ناصر وقت الشدة إلا الله

﴿ قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [يوسف: 86]

 

تمهيد:

من اليقينيات التي يجب أن تَسْكُن في قلب ووجدان كلِّ مسلم - أن الدنيا ليست دار سعادة وراحة دائمتين، فهي يوم بوجه، ويوم بوجه آخر عكسه تمامًا، وصدق القائل:

طُبعَت على كدرٍ وأنت تريدُها
صفوًا من الأقذاءِ والأكدارِ

والمؤمن التقي أكثر الناس معرفةً بأحوال الدنيا والتعامل مع أَكْدَارِهَا، مُسترشدًا بهدي النبي صلى الله عليه وسلم: "ما يُصِيبُ المُسْلِمَ، مِن نَصَبٍ ولَا وصَبٍ، ولَا هَمٍّ ولَا حُزْنٍ ولَا أذًى ولَا غَمٍّ، حتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا، إلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بهَا مِن خَطَايَاهُ"[1].

 

قال ابن عثيمين رحمه الله: "الإنسان في هذه الدنيا لا يُمكن أن يبقي مسرورًا دائمًا، بل هو يومًا يُسر ويومًا يَحزَن، ويومًا يأتيه شيء ويومًا لا يأتيه، فهو مُصاب بمصائب في نفسه ومصائب في بدنه، ومصائب في مجتمعه، ومصائب في أهله، ولا تحصي المصائب التي تصيب الإنسان، ولكن المؤمن أمره كله خيرٌ، إن أصابته ضرَّاء صبَر فكان خيرًا له، وإن أصابته سرَّاء شكَر فكان خيرًا له"[2].

 

أقوال العلماء في تفسير الآية محل الموضوع:

قال القرطبي رحمه الله: "قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا أَشْكُوا بَثِّي ﴾: حقيقة البث في اللغة ما يرد على الإنسان من الأشياء المهلكة التي لا يتهيَّأ له أن يُخفيها؛ وهو من بثثتُه: أي فرَّقته، فسُميت المصيبة بثًّا مجازًا، ﴿ وَأَعلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعلَمُونَ ﴾؛ قال قتادة: إني أعلم من إحسان الله تعالى إليَّ ما يوجب حُسن ظني به، وقيل: أعلم من إجابة دعاء المضطرين ما لا تعلمون"[3].

 

وقال ابن عاشور رحمه الله: "جملة ﴿ قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ ﴾ مفيدةٌ قصرَ شكواه على التعلق باسم الله، أي يشكو إلى الله لا إلى نفسه ليجدد الحزن، فصارت الشكوى بهذا القصد ضراعة، وهي عبادة؛ لأن الدعاء عبادة، والبث: الهمُّ الشديد، وهو التفكير في الشيء المسيء، والحزن: الأسف على فائت؛ فبين الهم والحزن العموم والخصوص الوجهي، وقد اجتمعا ليعقوب عليه السلام؛ لأنه كان مهتمًّا بالتفكير في مصير يوسف عليه السلام، وما يعترضه من الكرب في غُربته، وكان آسفًا على فِراقه، وقد أعقب كلامه بقوله: ﴿ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾؛ لينبِّههم إلى قصور عقولهم عن إدراك المقاصد العالية؛ ليعلموا أنهم دون مرتبة أن يعلِّموه، أو يَلوموه؛ أي: أنا أعلم علمًا من عند الله علَّمنيه لا تعلمونه، وهو علم النبوءة، وفي هذا تعريضٌ بِرَدِّ تعرُّضهم بأنه يَطمَع في المحال بأن ما يَحسبونه محالًا سيقَع"[4].

 

الملامح التربوية المستنبطة من الآية محل الموضوع:

أولًا: سنة الابتلاء من أعظم السنن التي يجب على الإنسان أن يتفقَّه فيها، ويُلمَّ بها، وهي ملازمة له مسيرة حياته حتى مماته، وتختلف حِدتها وتنوُّعها من شخص لآخر لحكمة الله تعالى البالغة في تدبير شؤون خلقه، والآيات والأحاديث في هذا الموضوع كثيرة جدًّا؛ منها: قال الله تعالى: ﴿ لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ﴾ [آل عمران: 186]، وقال سبحانه: ﴿ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ﴾ [الأنبياء: 35]، وقال عز وجل: ﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ﴾ [الملك: 2]، وقال صلى الله عليه وسلم: "أشدُّ ‌الناس ‌بلاءً ‌الأنبياء ثُمَّ ‌الأَمْثَلُ ‌فَالأَمْثَلُ، يُبْتَلى الرَّجُلُ على حَسَبِ دِينِهِ؛ فإِنْ كانَ فِي دِينِهِ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلاؤُهُ، وإنْ كانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِيَ على قَدْرِ دِينِهِ، فَما يَبْرَحُ البَلاءُ بالعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي على الأَرْضِ وَمَا عليهِ خَطِيئَةٌ"[5].

 

ثانيًا: يأتي الابتلاء على أنواع ذكرها القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ﴾ [البقرة: 155]، والناس يختلفون في التعامل مع أنواع الابتلاء بحسب إيمانهم وتقواهم وصبرهم، ولما كان الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام أكثرَ الناس إيمانًا وتقوى وصبرًا وصلابة في دينهم، لِما حباهم الله تعالى من علم ومعرفة بعظمته وقدرته وحكمته، وثِقتهم الكاملة في صدق الله تعالى في نصرتهم، والتفريج عنهم مهما اشتد بهم البلاء، مع ما أعده الله لهم من عظيم الأجر والثواب، ثم يأتي بعد الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام "‌الأَمْثَلُ ‌فَالأَمْثَل"؛ كما جاء في الحديث الوارد في: "أولًا".

 

ثالثًا: تكرَّر في القرآن الكريم بعض التعابير المشابهة لقول يعقوب عليه السلام في الآية موضوع المقال: ﴿ وَأَعلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعلَمُونَ ﴾، منها: موقف نوح عليه السلام مع قومه؛ عندما حكى القرآن الكريم قوله: ﴿ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [الأعراف: 62]، وكذلك موقف شعيب عليه السلام مع قومه عندما حكى القرآن الكريم قوله: ﴿ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ﴾ [هود: 88]، كل ذلك يُظهر أن علم الأنبياء عليهم السلام ومعرفتهم بالله تعالى، مصدر قوتهم ويقينهم وثباتهم، وأعظم هاديًا ومرشدًا في دعوتهم لأقوامهم، وهو ما يجعلهم موقنين بصدق ما يبلغونه، حتى لو كان ذلك خافيًا على الناس.

 

رابعًا: من الآثار الإيمانية لعلم ومعرفة الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام بالله تعالى - ما جاء في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهَّرة بذكر مواقفهم في الثبات على الدعوة إلى الله، مهما كانت الظروف والأحوال، على سبيل المثال: موقف لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم: عن أنس رضي الله عنه قال: حدثني أبو بكر رضي الله عنه قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم في الغار، فرأيت آثار المشركين، قلت: يا رسول الله، لو أن أحدهم رفع قدمه رآنا، قال: "‌مَا ‌ظَنُّكَ ‌بِاثْنَيْنِ اللهُ ثَالِثُهُمَا"[6]؛ قال ابن رجب رحمه الله: "هذه المعية الخاصة تقتضي: النصر، والتأييد والحفظ والإعانة"[7].

 

وكذلك موقف لموسى عليه السلام مع فرعون وقومه؛ ﴿ فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ﴾ [الشعراء: 61، 62]، قال الطبري رحمه الله: "قوله تعالى: ﴿ قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ﴾؛ أي: سيهدين لطريق أنجو فيه من فرعون وقومه"[8].

 

خامسًا: من الدروس المهمة في الآية موضوع المقال أن الليل الطويل لابد أن ينجلي، فمن مسَّه كربٌ أو شدة من مرضٍ أو دَيْنٍ أو فَقْد عَزيزٍ، وضاقت عليه الأرض بما رحُبت، فليَثق بالله العظيم القادر فارج الهم وكاشف الغم أن ذلك سيزول بحول الله تعالى وقوته، فليس لها من دون الله كاشفة؛ قال تعالى: ﴿ فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ﴾ [الشرح: 5، 6].

 

قال السعدي رحمه الله: "وَعُلِم من ذلك أن الله يبتلي أولياءه بالشدة والرخاء، والعسر واليسر؛ ليَمتحن صبرهم وشكرهم، ويزداد بذلك إيمانهم ويقينهم وعرفانهم، ويَظْهَرُ من ذلك فضيلة التقوى والصبر، وأن كل خير في الدنيا والآخرة فمن آثار التقوى والصبر، وأن عاقبة أهلهما أحسن العواقب؛ لقوله: ﴿ إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [يوسف: 90]"[9].

 

سادسًا: لَمَّا كان الجزع والحزن طبيعة بشرية تعتري كلَّ إنسان مهما بلغ من الصلاح والتقوى، حتى الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، ولكن يكون منضبطًا بالصبر وضبط النفس، ولقد بكى رسول صلى الله عليه وسلم على ولده إبراهيم، وقال صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ، وَالْقَلْبَ يَحْزَنُ، ‌وَلَا ‌نَقُولُ ‌إِلَّا ‌مَا ‌يَرْضَى ربنا، وإنا بفِراقك يا إبراهيم لمحزنون"[10].

 

سابعًا: إن شكوى يعقوب في الآية موضوع المقال: ﴿ إِنَّمَا أَشْكُواْ بَثِّي وَحُزنِي إِلَى اللَّهِ ﴾، قال ابن عاشور رحمه الله: "الشكوى بهذا القصد ضراعة، وهي عبادة؛ لأن الدعاء عبادة"[11]. ويؤكده قوله صلى لله عليه وسلم: "إِنَّ ‌الدُّعَاءَ ‌هُوَ ‌الْعِبَادَةُ"[12].

 

وقال القرطبي رحمه الله: "وأحسن الكلام في الشكوى سؤال المولى زوال البلوى، وذلك قول يعقوب عليه السلام: ﴿ إِنَّمَا أَشْكُواْ بَثِّي وَحُزنِي إِلَى اللَّهِ ﴾؛ أي: من جميل صنعه، وغريب لُطفه وعائدته على عباده، فأما الشكوى على غير مُشكٍ، فهو السفه، إلا أن يكون على وجه البث والتسلِّي"[13].

 

وقال السعدي رحمه الله: "قوله: ﴿ إِنَّمَا أَشْكُواْ بَثِّي وَحُزنِي إِلَى اللَّهِ ﴾، فإن الشكوى إلى الله لا تنافي الصبر، وإنما الذي ينافيه الشكوى إلى المخلوقين"[14].

 

وقد دعا نبي الله تعالى أيوب عليه السلام ربَّه عندما مسَّه الضر؛ فحكى القرآن الكريم دعاءه: ﴿ وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ﴾ [الأنبياء: 83].

 

ثامنًا: تفصيل الشكوى إلى المخلوقين؛ قال القرطبي رحمه الله: عند قوله تعالى: ﴿ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ ﴾ [يوسف: 88]، "قالوا: ﴿ مَسَّنَا ﴾؛ أي: أصابنا، ﴿ وَأَهلَنَا الضُّرُّ ﴾؛ أي: الجوع والحاجة، ‌وفي ‌هذا ‌دليلٌ ‌على ‌جواز ‌الشكوى ‌عند ‌الضر، أي: الجوع، بل واجبٌ عليه إذا خاف على نفسه الضرَّ من الفقر وغيره أن يبدي حالته إلى مَن يرجو منه النفع، كما هو واجبٌ عليه أن يشكو ما به من الألم إلى الطبيب ليُعالجه، ولا يكون ذلك قدحًا في التوكل، وهذا ما لم يكن التشكي على سبيل التسخط، والصبر والتجلد في النوائب أحسن، والتعفف عن المسألة أفضل"[15].

 

وأوضح ابن باز رجمه الله: "إذا كان الشكوى من باب المشورة، ومن باب الاستعانة بالرأي، فلا بأس بذلك يشكو همومَه وحاجاته ليستعين برأيه، وإذا كان مضطرًّا وسأل المساعدة فلا بأس".

 

تاسعًا: إن الإيمان بعظمة الله تعالى وقدرته، يَفتَح للمؤمن أبوابَ الأمل وحُسن الظن بالله عز وجل على مَصاريعها، فلا يتسرَّب اليأس والقنوط البتة في نفسه؛ لأنه مُوقِنٌ بفرج الله تعالى عند حدوث البلاء به مهما اشتدَّ به؛ لأن القنوط من أخلاق الضالين عن هداية الله؛ كما قال تعالى: ﴿ قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ ﴾ [الحجر: 56]، قال السعدي رحمه الله: "من أنعم الله عليه بالهداية والعلم العظيم، فلا سبيل إلى القنوط إليه؛ لأنه يعرف من كثرة الأسباب والوسائل والطرق لرحمة الله شيئًا كثيرًا"[16].

 

ولذلك جاء التأكيد من يعقوب عليه السلام لأبنائه: ﴿ يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ ﴾ [يوسف: 87].

 

عاشرًا: يجب على المؤمن في قضاء حوائجه - دِقِّها وجُلِّها – أن يستعين بالله تعالى أولًا، ثم يحرص على الأخذ بالأسباب المادية الظاهرة، ويجتهد في ذلك كل اجتهاده، ولكن في حالة العجز الكامل عن حصول المطلوب، أو دفع المكروه، ماذا عليه أن يعمل؟

 

قال الشعراوي - رحمه الله -: "إذا كانت المسألة تَعزُّ على خَلْق الله، لابد أن يَفزَع فيها الإنسانُ إلى الله؛ ولذلك علَّمنا صلى الله عليه وسلم أنه إذا حزَبه أمرٌ قام إلى الصلاة[17]، وحَزَبه أمرٌ ما يعني أن مواجهة هذا الأمر تفوق أسباب الإنسان؛ فيلجأ إلى المُسبِّبِ الأعلى، ولذلك قال يعقوب عليه السلام: ﴿ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ ﴾ [يوسف: 18]"[18].

 

ولنا في قصة زكريا عليه السلام أعظمُ العبر، عندما دعا الله تعالى بطلب الولد مع كبر سنه وزوجه عاقر، فجاءته البشرى من الله تعالى: ﴿ يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا ﴾ [مريم: 7]، وحكى القرآن الكريم عن زكريا عليه السلام: ﴿ قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ ﴾ [آل عمران: 40]، قال ابن كثير رحمه الله: "﴿ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ ﴾، أي: هكذا أمر الله عظيم، لا يعجزه شيء، ولا يتعاظَمه أمرٌ"[19].

 

الحادي عشر: أهمية التأسي بأخلاق الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في قوة إيمانهم، ويقينهم بالله تعالى، وفي مقدمتهم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم؛ قال تعالى: ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾ [الأحزاب: 21].

 

ولا يتأتَّى ذلك بعد توفيق الله تعالى إلا بقراءة سيرته العطرة، وما فيها من عبر وأحداث في كافة مجالات الحياة؛ لتكون خارطة طريق وصمامَ أمان في مواجهة مصاعب الحياة وفتنها.

 

الثاني عشر: يجب أن يعتني المسلم بتقوية إيمانه، فهو سفينة النجاة في أمواج الحياة العاتية، وصدق القائل:

ترجو النجاةَ ولم تَسلُك مسالِكَها
إن السفينةَ لا تجري على اليَبَس

وقد ذكر ابن باز رحمه الله جملة من الأسباب المهمة لتقوية الإيمان، وجدير بالمسلم العناية بها، ووضعها موضوع التنفيذ، وفي مقدمتها:

الأول: تدبُّر القرآن الكريم، والعناية بقراءته، والإكثار من ذلك؛ لما فيه من القَصص العظيم عن الآخرة، والجنة والنار، وعن أسماء الله وصفاته، وعن أخبار الرسل عليهم الصلاة والسلام، وأُممهم، فمن تدبر القرآن قَوِيَ إيمانه، واستقام له دينُه.

 

الثاني: العناية بالأحاديث، وأخلاق النبي صلى الله عليه وسلم، وأخلاق الصحابة والأخيار، كونه يسمع الأحاديث، يسمع سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، وأعماله، وأعمال الصحابة، ونشاطهم في الخير، وخوفهم من الله عز وجل، حتى يتأسَّى بهم، يتأسى بالأخيار، يعمل كأعمالهم، ويجتهد في ذلك.

 

الثالث: أن يُحاسب نفسه، ويتذكر أن الموت يأتي بغتةً، ماذا عمِل؟ ماذا قدَّم لآخرته؟ حتى يعد العدة قبل أن يَهجم عليه الأجل؛ فإن محاسبة النفس والنظر فيما أعدَّه العبد للآخرة مما يُقوي إيمانه، ومما يُعينه على طاعة الله ورسوله، ومما يعينه على البدار بالتوبة إلى الله من سيئات أعماله وتقصيره.

 

الرابع: صحبة الأخيار، يَصحَبهم، ويُجالسهم، فيستفيد من أخلاقهم وعلمهم، ويذكرونه بالآخرة، ويُعينونه على ذلك.

 

الخامس: حضور حلقات العلم، يَلتمسها، ويَحضُرها، ويستفيد منها، وكذلك يصغي عند سماع الخطب، خطب الجمعة، وغيرها من الخُطب النافعة، ومن إذاعة القرآن، يستمع إلى القرآن الكريم، يستمع المواعظ، والندوات المفيدة، حتى يستفيد من ذلك، وحتى يرقَّ قلبه، ويَقوَى إيمانُه.

 


[1] صحيح البخاري، باب: ما جاء في كفارة المرضى، حديث رقم: 5641، صحيح مسلم، باب: ثواب المؤمن فيما يصيبه من مرض أو حزن، أو نحو ذلك، حديث رقم: 2573.

[2] شرح رياض الصالحين، باب: الصبر (1/ 243).

[3] تفسير القرطبي (9/ 251).

[4] التحرير والتنوير (13/ 44).

[5] الألباني، الجامع الصغير وزياداته، حديث رقم: ‌‌994.

[6] صحيح البخاري، باب: ما جاء في كفارة المرضى، حديث رقم: 5641.

[7] جامع العلوم والحكم؛ تحقيق: شعيب الأرناؤوط، الحديث التاسع عشر، ص 471.

[8] تفسير الطبري (19/ 356)، وانظر بتوسع حول هذا الملمح: مقالًا للكاتب: "مواقف من حياة الأنبياء عليهم الصلاة وإسلام في ثباتهم واعتمادهم على الله"، موقع الألوكة.

[9] تفسير السعدي (ص: 411).

[10] صحيح البخاري، باب: قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إنا بك لمحزنون)، حديث رقم: 1241، صحيح مسلم، ‌‌باب: رحمته صلى الله عليه وسلم الصبيان والعيال وتواضعه، حديث رقم: 2315.

[11] التحرير والتنوير (13/ 44).

[12] الألباني، الأدب المفرد، حديث رقم: 714.

[13] تفسير القرطبي (9/ 252-253).

[14] تفسير السعدي (ص: 411).

[15] تفسير القرطبي (9/ 252).

[16] تفسير السعدي (ص: 432).

[17] الألباني، صحيح أبي داود، ‌‌باب: وقت قيام النبي صلى الله عليه وسلم من الليل، حديث رقم: 1319.

[18] تفسير الشعراوي (11/ 6892).

[19] تفسير ابن كثير (2/ 33).





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • الحذر من استبدال الأدنى بالذي هو خير
  • عمى البصيرة يورد المهالك
  • عواقب الطغيان وخيمة
  • حسبك الله وليا ونصيرا {والله أعلم بأعدائكم وكفى بالله وليا وكفى بالله نصيرا}
  • فضل الصلح والتحذير من شح النفس: { وأحضرت الأنفس الشح وإن تحسنوا وتتقوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا }
  • الله يفعل ما يشاء بحكمة وعدل {إن ربك فعال لما يريد}

مختارات من الشبكة

  • النهي عن حصر أسماء الله تعالى وصفاته بعددٍ معين(مقالة - آفاق الشريعة)
  • معين المرشد المعين على الضروري من علوم الدين (أدلة مسائل منظومة ابن عاشر) (PDF)(كتاب - مكتبة الألوكة)
  • الإدمان في حياة الشباب(مقالة - مجتمع وإصلاح)
  • من مقاصد الصيام في الإسلام: التربية على المراقبة والتقوى والتزكية(مقالة - ملفات خاصة)
  • مناسك الحج: دليل خطوة بخطوة(مقالة - ملفات خاصة)
  • مفهوم الإدمان(مقالة - ملفات خاصة)
  • إعانة الضعيف (خاطرة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • قرة أعين الآباء بصلاح الأبناء (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • إعانة الباري في الرد على فرية من شك في صحة كتابي مسلم والبخاري(مقالة - آفاق الشريعة)
  • أهمية الصدقة، وإعانة الناس، وقوة الابتسامة وحسن الخلق(مقالة - ملفات خاصة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • منطقة ريبوفسي تحتفل بميلاد مسجد جديد في أجواء إيمانية مميزة
  • أكبر مشروع إسلامي في ريف أستراليا يفتتح أبوابه بعد سنوات من العمل والعطاء
  • القرآن والتربية في صدارة البرامج الصيفية للمسلمين في بينزا وساراتوف وموردوفيا هذا العام
  • اختتام الدورة التاسعة لمسابقة حفظ وتلاوة القرآن الكريم في أزناكاييف
  • تيسليتش تختتم برنامجا تعليميا لتعزيز القيم وبناء الشخصية للشباب المسلمين
  • انطلاق فعاليات "أيام مساجد إستولتس 2026" ببرنامج ديني وثقافي يمتد حتى أغسطس
  • قازان تحتضن المخيم الدولي الرابع للطلاب المسلمين
  • مسجد دابرافين يفتح أبوابه للمصلين بعد سنوات من البناء والعطاء

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1448هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 18/2/1448هـ - الساعة: 9:27
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب