• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | مقالات شرعية   دراسات شرعية   نوازل وشبهات   منبر الجمعة   روافد   من ثمرات المواقع  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    خطبة: بركات الصيام وخصائصه وبعض مسائله
    أ. د. حسن بن محمد بن علي شبالة
  •  
    زينوا العلم بالعمل قبل أن تسلبوه أو يرتحل
    الشيخ عبدالله بن محمد البصري
  •  
    واقع الدعوة الآن {ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ...
    أ. د. فؤاد محمد موسى
  •  
    تحريم سب نساء النبي صلى الله عليه وسلم
    فواز بن علي بن عباس السليماني
  •  
    تفسير قوله تعالى: {ولا يحزنك الذين يسارعون في ...
    الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم
  •  
    عاقبة البغي ونقض العهود (خطبة)
    الشيخ أحمد إبراهيم الجوني
  •  
    اسما الله الحيي الستير: تأملات عقدية في الأسماء ...
    د. علي شومان محمد علي أبو دية
  •  
    فصول في ظلال السيرة النبوية (2): المولد والمنشأ
    أ. د. علي حسن الروبي
  •  
    لا يزال لسانك رطبًا بذكر الله (خطبة)
    د. عبد الرقيب الراشدي
  •  
    حسن الخاتمة (خطبة)
    الشيخ عبدالله محمد الطوالة
  •  
    الاحتفال بالمولد النبوي وعمرة المولد بدعتان ...
    الداعية عبدالعزيز بن صالح الكنهل
  •  
    شكوى الجمل (خطبة)
    د. محمد بن عبدالله بن إبراهيم السحيم
  •  
    باب في فضل الصحابة رضي الله عنهم
    د. خالد النجار
  •  
    التغافل من سمات الملتزمين الأفاضل
    رمضان صالح العجرمي
  •  
    تخريج حديث: أيما امرأة مست فرجها فلتتوضأ (1)
    الشيخ محمد طه شعبان
  •  
    الاستعراض ودوره في الإعداد الجهادي
    أ. د. محمد عبدالحليم بيشي
شبكة الألوكة / آفاق الشريعة / مقالات شرعية / التفسير وعلوم القرآن / عون الرحمن في تفسير القرآن
علامة باركود

تفسير قوله تعالى: {ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر إنهم لن يضروا الله شيئا ...}

تفسير قوله تعالى: {ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر إنهم لن يضروا الله شيئا ...}
الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 17/8/2026 ميلادي - 5/3/1448 هجري

الزيارات: 105

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

تفسير قوله تعالى:

﴿ وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا... ﴾

 

قوله تعالى: ﴿ وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ * مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ * وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ [آل عمران: 176 - 180].

 

قوله تعالى: ﴿ وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾.

 

بيَّن عز وجل في الآية السابقة أن الشيطان يخوِّف أولياءه، ونهى المؤمنين عن الخوف منهم، وأمرهم بخوفه وحده، في إشارة واضحة إلى أن الشيطان وأولياءه أذل وأحقر من أن يُخاف منهم، وهذا في الدنيا، ثم أتبع ذلك بذكر ما أعد لهم في الآخرة من الخسران، والعذاب العظيم، وفي هذا تهديد لهم.

 

قوله: ﴿ وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ ﴾: قرأ نافع بضم الياء وكسر الزاي «يُحزِنك» من الرباعي: «أحزن»، وقرأ الباقون: ﴿ يَحْزُنْكَ ﴾ بفتح الياء وضم الزاي من الثلاثي: «حَزَنَ»، والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، و«الحزن» الهم والغم؛ أي: لا تهتم بهم ولا تبال لهم؛ كما قال تعالى: ﴿ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ ﴾ [النحل: 127]، وقال تعالى: ﴿ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ ﴾ [النمل: 70]، وقال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ ﴾ [الحجر: 97، 98].

 

وقد كان صلى الله عليه وسلم من شدة حرصه على هداية قومه، يُحزنه الذين يسارعون في الكفر والعناد والمخالفة والشقاق، ويضيق بذلك، حتى إنه يُخشى على نفسه من الهلاك، وحتى نهاه الله تعالى عن ذلك، فقال تعالى: ﴿ لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ﴾ [الشعراء: 3]، وقال تعالى: ﴿ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ ﴾ [فاطر: 8].

 

﴿ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ ﴾ ﴿ الَّذِينَ ﴾: عام في كل مَن سارع في الكفر من المنافقين والمرتدين وغيرهم، ومعنى ﴿ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ ﴾؛ أي: يسارعون إلى الدخول في الكفر ويعجلون إلى إظهاره؛ كما قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا ﴾ [المائدة: 41].

 

﴿ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا ﴾: تعليل للنهي قبله؛ أي: ﴿ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا ﴾؛ لأنهم ﴿ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا ﴾، مهما سارعوا في الكفر، وإنما يضرون أنفسهم.

 

و﴿ شَيْئًا ﴾: نكرة في سياق النفي تفيد العموم؛ أي: لن يضروا الله أي شيء من الضرر، أي: لن يستطيعوا أن يلحقوا به أي شيء من الضرر وإن قل، كما قال تعالى في الحديث: «يا عبادي، إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني»[1].

 

ولن يستطيعوا إطفاء نوره؛ لأنه - عز وجل - متم نوره ولو كره الكافرون، لا تضره - عز وجل - معصية العاصي، كما لا تنفعه طاعة المطيع؛ كما قال تعالى في الحديث القدسي: «يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم، كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم، ما نقص ذلك من ملكي شيئًا، يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم، كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم، ما زاد ذلك في ملكي شيئًا».

﴿ يُرِيدُ اللَّهُ ﴾: إرادة كونية قدرية، أي: يريد الله ويشاء بحكمته بكونهم يسارعون في الكفر.

 

﴿ أَلَّا يَجْعَلَلَهُمْ ﴾ «أن» حرف مصدري ونصب، و«لا» نافية، والمصدر المؤول في محل نصب مفعول «يريد»، والمراد بالجعل هنا: «الجعل الكوني».

 

﴿ حظًّا ﴾؛ أي: نصيبًا.

 

﴿ فِي الْآخِرَةِ﴾؛ أي: في الدار الآخرة يوم القيامة.

 

﴿ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾، الواو: عاطفة، أي: ولهم عقاب عظيم، من حيث كيفه وكمه ونوعه، وغير ذلك، لا يقدر قدر عظمته إلا مَن وصفه بأنه عظيم، وهو العظيم سبحانه وتعالى.

 

قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾.

 

نهى عز وجل الرسول صلى الله عليه وسلم أن يحزنه الذين يسارعون في الكفر، مبينًا أنهم لن يضروا الله شيئًا ولهم عذاب عظيم، ثم أكد ذلك في هذه الآية اهتمامًا به وتقريرًا له وتأكيدًا.

 

قوله: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ ﴾؛ أي: إن الذين استبدلوا الكفر بالإيمان، أي: اختاروا الكفر على الإيمان.

 

﴿ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾: ذكر هذا أولًا تعليلًا لتسلية الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم أكده هنا بالخبر استقلالًا للاهتمام به، وهو هنا أظهر في التعريض باقتصار الضرر عليهم، كأنه قيل: إنما يضرون أنفسهم.

 

﴿ أَلِيمٌ﴾ على وزن «فعيل» بمعنى «مفعل» أي: مؤلم موجع حسيًّا للأبدان، ومعنويًّا للقلوب.

 

قوله تعالى: ﴿ وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ ﴾.

 

بيَّن عز وجل في الآيتين السابقتين أن الذين كفروا لن يضروا الله شيئًا، وتوعدهم بعذاب عظيم وأليم، ثم نهاهم في هذه الآية أن يحسبوا أنما يُمليه الله لهم خير لأنفسهم، وإنما ليزدادوا إثمًا، وتوعدهم بعذاب مهين.

 

قوله: ﴿ وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾: قرأ حمزة بتاء الخطاب: «ولا تحسبن» والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ولمن يصلح له، وقرأ الباقون بياء الغيبة: ﴿ وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾.

 

والمعنى على قراءة الخطاب: «ولا تحسبن» أيها المخاطب، أي: ولا تظنن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم.

 

والمعنى على قراءة الغيبة ﴿ وَلَا يَحْسَبَنَّ ﴾؛ أي: ولا يظنن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم، ويجوز أن يكون مسندًا إلى ضمير غائب، يراد به النبي صلى الله عليه وسلم وغيره؛ أي: ولا يحسبن النبي صلى الله عليه وسلم، أو ولا يحسبن أحد ﴿ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ ﴾، «أنَّ»: حرف مشبه بالفعل للتوكيد، و«ما» اسم موصول في محل نصب اسم «أنَّ»؛ أي: إن الذي نملي لهم خير، أو مصدرية، أي: إنَّ إملاءنا لهم خير.

 

ومعنى ﴿ نُمْلِي لَهُمْ ﴾؛ أي: نُمهلهم ونؤخِّر عقوبتهم، وقد تكلم عز وجل عن نفسه بضمير العظمة في قوله: ﴿ نُمْلِي ﴾ في الموضعين؛ لأنه العظيم سبحانه وتعالى.

 

﴿ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ﴾، ﴿ خَيْرٌ ﴾: خبر «أنَّ»، وهو: اسم تفضيل، ﴿ لِأَنْفُسِهِمْ ﴾ متعلق بـ﴿ خَيْرٌ ﴾؛ أي: لا يحسبوا أن الإملاء لهم خير من معاجلتهم بالعقوبة؛ أي: لا يظننَّ الذين كفروا أنما إمهالنا لهم، وعدم معاجلتهم بالعقوبة خير لهم؛ كما قال تعالى: ﴿ أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ ﴾ [المؤمنون: 55، 56].

 

﴿ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا ﴾: ﴿ إِنَّمَا ﴾ هنا للحصر، واللام في: ﴿ لِيَزْدَادُوا ﴾: للتعليل؛ أي: ما نُملي لهم إلا لأجل أن يزدادوا إثمًا إلى إثمهم، فيزداد عذابهم، ويجوز أن تكون اللام: للعاقبة؛ أي: إنما نملي لهم ونمهلهم؛ لتكون العاقبة أن يزدادوا إثمًا.

 

والمعنى على التقديرين أن ذلك استدراج لهم؛ كما قال تعالى: ﴿ فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ ﴾ [التوبة: 55].

 

﴿ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ ﴾؛ أي: مُهين مُذِلٌّ لهم، ولكل من عذب به يهينهم ويذلهم، أي: عذاب معنوي ينصب على القلوب، لا يقل عن العذاب الحسي، والجزاء من جنس العمل؛ لأنهم إنما كفروا استكبارًا، فعوقبوا بعذاب يذلهم ويهينهم.

 

فوصف عذاب الكافرين في هذه الآية بأنه: ﴿ عظيم ﴾، و﴿ أليم ﴾، و﴿ مهين ﴾، فـ﴿ عظيم ﴾ من حيث كيفه وكمه ونوعه، ونحو ذلك، و﴿ أليم ﴾ مؤلم موجع حسيًّا للبدن، و﴿ مهين ﴾ مذل معنويًّا للنفس والقلب.

 

قوله تعالى: ﴿ مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾.

 

قوله: ﴿ مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ﴾.

 

في هذا- وفي ختام الآيات في قصة أحد - تأكيد لما سبق التنبيه عليه في هذه القصة، وهو حكمة الله تعالى البالغة فيما أصاب المسلمين في هذه الغزوة؛ لتمييز المؤمنين من المنافقين.

 

و﴿ ما ﴾ في قوله: ﴿ مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾: نافية، واللام في ﴿ لِيَذَرَ ﴾: لام الجحود، وينصب المضارع بعدها بإضمار «إن»، ﴿ لِيَذَرَ ﴾، أي: ليترك، أي: ما كان الله ليترك المؤمنين الخلص من النفاق، ﴿ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ ﴾، ﴿ ما ﴾ موصولة، والضمير ﴿ أَنْتُمْ ﴾ للمسلمين عمومًا بما فيهم المنافقون.

 

ويدل على أن المراد بـ﴿ المؤمنين ﴾ الخُلَّص منهم، وأن المراد بقوله: ﴿ أنتم ﴾ عموم المسلمين أنه لم يقل: «ليذركم على ما أنتم عليه»، ففي هذا تنبيه على أن المراد بضمير الخطاب أكثر من المراد بلفظ المؤمنين؛ ولهذا لم يقل: على ما هم عليه.

 

والمعنى: يمتنع شرعًا غاية الامتناع أن الله يترك المؤمنين الخلص من النفاق على الذي أنتم أيها المسلمون عليه من الالتباس والاختلاط، وعدم تميز الخبيث من الطيب.

 

﴿ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ﴾: قرأ يعقوب وحمزة والكسائي وخلف بضم الياء الأولى وتشديد الياء الأخرى: «يُميِّز»، وقرأ الباقون بفتح الياء والتخفيف «يَميْز»، و﴿ حَتَّى ﴾ للغاية، و﴿ يميز ﴾ بمعنى: يفصل؛ أي: إلى غاية أن يفصل بين الخبيث والطيب، أي: يبين ويظهر الخبيث من الطيب.

 

و«الخبيث» و«الطيب» من الأوصاف التي تطلق على الأعيان والأقوال والأفعال والمعتقدات.

 

والمراد هنا بـ«الخبيث» المنافق، و«الطيب» المؤمن، والمعنى: ما كان الله ليترك المؤمنين على الحال الذي أنتم عليه، من عدم تميُّز أهل الإيمان الخالص من أهل النفاق، حتى يميز ويظهر المؤمن الخالص من المنافق، بالابتلاء بالجهاد وغيره مما تظهر به علامات المنافق، وبما ينزله الله من الوحي على رسله.

 

قال تعالى: ﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ * وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ ﴾ [آل عمران: 166، 167].

 

فقد تميَّز في أُحد، وما حصل به من مُصاب على المسلمين المؤمنين الخلَّص من المنافقين - المؤمنون الذين زادهم ما أصابهم يوم أُحد إيمانًا وتوكلًا على الله تعالى، وثباتًا، من المنافقين الذين نكصوا عن الجهاد, وخالفوا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونجم نفاقهم وأظهروا ما كانوا يكتمونه.

 

فامتدح الله - عز وجل - المؤمنين الصادقين وأثنى عليهم، وفضح المنافقين، وهتك أستارهم، وبهذا عرف المسلمون أن بين ظهرانيهم عدوًّا أشد عليهم من الأعداء الظاهرين، وهكذا الشدائد فيها تمييز الصادق من الكاذب، والعدو من الصديق، وكما قيل:

جزى الله الشدائد كل خير
عرَفت بها عدوي من صديقي[2]

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ ﴾، معطوف على قوله: ﴿ مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾، و﴿ ما ﴾: نافية، واللام في ﴿ لِيُطْلِعَكُمْ ﴾: لام الجحود، والخطاب عام لجميع الخلق.

 

ومعنى ﴿ لِيُطْلِعَكُمْ ﴾: ليظهركم؛ أي: وما كان الله ليظهركم على الغيب، فتميزوا به الخبيث من الطيب، أي: تميزوا المؤمن الخالص من المنافق؛ لأن الإيمان والنفاق من الأمور الباطنة في الصدور والقلوب.

 

﴿ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ ﴾، الواو: عاطفة، و«لكن»: للاستدراك، ﴿ يَجْتَبِي ﴾: يختار ويصطفي.

 

﴿ مِنْ رُسُلِهِ ﴾ ﴿ مَن ﴾: تبعيضية، أي: من بعض رسله.


﴿ مَنْ يَشَاءُ ﴾ ﴿ مَن ﴾: موصولة؛ أي: الذي يشاء، فيُطلعه على الغيب الذي يريد اطلاعه عليه؛ كما قال تعالى في سورة الجن: ﴿ عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا ﴾ [الجن: 26، 27]؛ أي: يطلعهم بما اقتضت حكمته أن يطلعهم عليه من الغيب بطريق الوحي تأييدًا لهم، ولهذا تضمن القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة الإخبار عن كثير من المغيبات السابقة واللاحقة وغيرها.

 

كما كان صلى الله عليه وسلم يعرف المنافقين، وقد أخبر صاحب سره حذيفة بن اليمان - رضي الله عنه - بأسمائهم.

 

﴿ فَآمِنُوا بِاللَّهِ ﴾؛ أي: حقِّقوا إيمانكم بالله تعالى بالتصديق التام بالله - عز وجل - وربوبيته وألوهيته، وأسمائه وصفاته، والانقياد التام لشرعه، والرضا والتسليم لقدره.

 

﴿ وَرُسُلِهِ ﴾ بالتصديق بهم جميعًا، وبما جاؤوا به من الشرع من عند الله - عز وجل - والانقياد والاتباع لما جاء به خاتمهم وأفضلهم محمد صلى الله عليه وسلم، وطاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما عنه نهى وزجر، وألا يعبد الله إلا بما شرع.

 

والمؤمن في حاجة دائمًا إلى الإيمان بالله ورسوله، أي: بأن يوفقه تعالى إلى الإيمان بالله ورسوله في كل لحظة، وأن يوفقه فيه ويثبته عليه، ويزيده منه، ويعينه عليه، وقد قال الله - عز وجل - للمؤمنين: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ [النساء: 136].

 

وأمرنا أن نقول في الفاتحة وفي كل ركعة من الصلاة: ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾ [الفاتحة: 6]؛ لأن المؤمن في حاجة في كل لحظة إلى أن يهديه الله الصراط المستقيم، ويهديه فيه، ويثبته عليه.

 

والمراد بقوله تعالى: ﴿ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ﴾: تحقيق الإيمان بالله ورسله، والانقياد لشرع الله، والرضا والتسليم لقدره.

 

﴿ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا ﴾: الواو استئنافية، أي: وإن تؤمنوا وتصدقوا بقلوبكم، ﴿ وَتَتَّقُوا ﴾ بجوارحكم، بفعل المأمورات واجتناب المنهيات.

 

﴿ فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾، الفاء: رابطة لجواب الشرط، أي: فلكم ثواب عظيم، لا يقدر قدره إلا من أعطاه لكم، ووصفه بأنه عظيم، وهو العظيم سبحانه وتعالى.

 

وسمى عز وجل ثوابهم «أجرًا»؛ لأنه تكفل به وضمنه لهم تفضيلًا منه وكرمًا.

 

قوله تعالى: ﴿ وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾.

 

المال هو عصب الجهاد والقتال في سبيل الله، ولهذا - والله أعلم - ختم الآيات في قصة أحد في التحذير من البخل في المال، ومنع حقوق الله تعالى فيه من الإنفاق في الجهاد وغيره.

 

قوله: ﴿ وَلَا يَحْسَبَنَّ ﴾ قرأ حمزة بتاء الخطاب وفتح السين: «ولا تحسبن»، والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، ولكل من يصلح خطابه؛ أي: ولا تظنن أيها المخاطب.

 

وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بياء الغيبة مع كسر السين: «ولا يحسِبن»، وقرأ الباقون بياء الغيبة مع فتح السين: ﴿ وَلَا يَحْسَبَنَّ ﴾؛ أي: ولا يحسبن، أي: ولا يظُننَّ هؤلاء ﴿ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ ﴾.

 

«البخل»: هو منع الحقوق الواجبة في المال، وهو ضد الكرم.

 

﴿ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ﴾، «ما»: موصولة، أي: بالذي أعطاهم الله.

 

﴿ مِنْ فَضْلِهِ ﴾؛ أي: من تفضُّله - عز وجل - وزيادته، وليس ذلك من كسبهم وكدهم، ولا باستحقاقهم ذلك على الله تعالى، وهو مال الله تعالى استخلفهم فيه؛ كما قال تعالى: ﴿ آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ ﴾ [الحديد: 7]، وقال تعالى: ﴿ وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ﴾ [القصص: 77].

 

وقد أحسن القائل:

وما المال والأهلون إلا ودائعُ
ولابد يومًا أن ترد الودائع[3]

﴿ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ ﴿ هُوَ ﴾: ضمير فصل، عائد على «البخل» المأخوذ من قوله: ﴿ يَبْخَلُونَ﴾، وهذا المقدر: مفعول أول «يحسبن»، و﴿ خَيْرًا﴾: مفعول ثان و﴿ خَيْرًا﴾: اسم تفضيل، أي: لا يظنن البخل والشح خيرًا لهم من الإنفاق والعطاء.

 

﴿ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ ﴾ ﴿ بَلْ﴾ للإضراب الإبطالي، وفيه تأكيد لنفي كونه خيرًا، والضمير ﴿ هو ﴾ يعود إلى البخل المفهوم من قوله: ﴿ يَبْخَلُونَ﴾، و(شَرٌّ): اسم تفضيل، أي: بل هو - أي: البخل - شرٌّ لهم في دينهم ودنياهم وأخراهم، أي: البخل شر لهم من العطاء، والعطاء ليس فيه شر - من حيث الأصل - بل هو خير، ولكن الله خاطب هؤلاء بحسب اعتقادهم؛ لأنهم يظنون أنهم إذا أنفقوا افتقروا، وقد قال الله - عز وجل -: ﴿ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ ﴾ [سبأ: 39]، وقال صلى الله عليه وسلم: «ما نقصت صدقة من مال»[4].

 

﴿ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ الجملة: في موقع التعليل، لقوله: ﴿ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ ﴾، وهي وعيد وتهديد لهم.

 

والسين في قوله: ﴿ سَيُطَوَّقُونَ ﴾ للتنفيس، والدلالة على تحقُّق وقوع عذابهم وقربه، و«يطوقون» مشتق من الطَّوْق، كطوق القميص ونحوه، والتطويق: جعل الشيء طوقًا في العنق.

 

و«ما»: موصولة، بمعنى الذي، أي: سيطوقون الذي بخلوا به يوم القيامة.

 

والمعنى: سيجعل الذي بخلوا به طوقًا في أعناقهم يوم القيامة يُعذَّبون به؛ كما قال صلى الله عليه وسلم: «مَن آتاه الله مالًا فلم يؤد زكاته مُثل له ماله يوم القيامة شجاعًا أقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة، ثم يأخذ بلهزمتيه - يعني بشِدقيه - ثم يقول: أنا مالك، أنا كنزك، ثم تلا هذه الآية ﴿ وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ الآية»[5].

 

وعن عبدالله بن مسعود - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من رجل له مال لا يؤدي حقَّ ماله، إلا جُعل له طوقًا في عُنقه شجاعٌ أقرعُ، وهو يفر منه، وهو يتبعه، ثم قرأ مصداقه في كتاب الله عز وجل: ﴿ وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ الآية»[6].

 

والجزاء من جنس العمل، فحيث بخلوا بما آتاهم الله من فضله، ومنعوا حقَّ الله تعالى فيه، عوقِبوا وعُذِّبوا بأن جعل ذلك طوقًا في أعناقهم يوم القيامة.

 

﴿ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: لما كان الذي يبخل بالمال إنما يبخل به ليبقى له، بيَّن عز وجل في هذه الآية أن المال لن يبقى له، وأن له - عز وجل - ميراث السماوات والأرض؛ كما قال تعالى: ﴿ وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ [الحديد: 10].

 

والواو في قوله: ﴿ وَلِلَّهِ﴾: اعتراضية، و(لله): جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم، و﴿ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: مبتدأ مؤخر، وقدِّم الخبر للحصر والاختصاص، أي: ولله وحده ميراث السماوات والأرض.

 

والجملة اعتراضية بين قوله تعالى: ﴿ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَومَ القِيَامَةِ ﴾، والمعطوف عليه وهو قوله: ﴿ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾، والغرض منها: بيان أن المال لن يبقى لمن بخِل به، بل سينتقل منه إلى أن ينتهي إلى الله تعالى ميراث السماوات والأرض.

 

ولله ميراث السماوات والأرض بعد فناء سكانها وما فيها، وزوال كل ملك ومُلكه، وكل ما ملك، فيتحول ميراثهما وينتهي إلى الله - عز وجل - فتُرَد جميع الأملاك إلى مالكها الحق؛ كما قال تعالى: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ ﴾ [مريم: 40].

 

﴿ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ قرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب بياء الغيبة «يعملون»؛ أي: بما يعمل هؤلاء الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله.

 

وقرأ الباقون بتاء الخطاب: ﴿ تعملون ﴾؛ أي: بما تعملون كلكم؛ أنتم أيها المؤمنون وهؤلاء الذين يبخلون، و«ما»: موصولة، أو مصدرية، أي: والله بالذي تعملون، أو بعملكم، ﴿ خَبِيرٌ ﴾، أي: مطَّلع على أعمالكم دقيقها وجليلها، خفيها وجليها، باطنها وظاهرها.

 

وختم الآية بهذا واضح المناسبة؛ لأن من الناس من يملك أموالًا طائلة، ويبخل في الزكاة والحقوق فيها، والناس لا يعلمون عنه، وفي هذا الختام تذكيٌر له بأن عمله لا يخفى على العليم الخبير.

 

وبهذه الآية انتهى الحديث عن قصة غزوة أُحد التي بدأت بقوله تعالى: ﴿ وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ [آل عمران: 121].



[1] أخرجه مسلم في الزكاة (1006) من حديث أبي ذر رضي الله عنه.

[2] انظر: «مجاني الأدب» (1/ 27)، «المنهاج الواضح للبلاغة» (2/ 121)، ويُنسب إلى الشافعي.

[3] البيت للبيد؛ انظر: «ديوانه» (ص170).

[4] أخرجه مسلم في البر والصلة والآداب: استحباب العفو والتواضع (2588)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

[5] أخرجه البخاري في الزكاة، إثم مانع الزكاة (1403)، والنسائي في الزكاة (282)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

[6] أخرجه أحمد (1/ 377)، والنسائي في الزكاة (2441)، والترمذي في التفسير (3012)، وقال الترمذي: «حسن صحيح».





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • تفسير قوله تعالى: { فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم... }
  • فوائد وأحكام من قوله تعالى: {فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك...}
  • تفسير قوله تعالى: {لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ... }

مختارات من الشبكة

  • التفسير الاجتهادي(مقالة - موقع الشيخ أ. د. عرفة بن طنطاوي)
  • لطائف البيان في تفسير القرآن: تفسير جزئي يوسف والحجر (13 - 14) (PDF)(كتاب - مكتبة الألوكة)
  • لطائف البيان في تفسير القرآن: تفسير جزئي الأنبياء والمؤمنون (17 - 18) (PDF)(كتاب - مكتبة الألوكة)
  • لطائف البيان في تفسير القرآن: تفسير جزئي الذاريات والمجادلة (27 - 28) (PDF)(كتاب - مكتبة الألوكة)
  • لطائف البيان في تفسير القرآن: تفسير جزئي الفرقان والنمل (19 - 20) (PDF)(كتاب - مكتبة الألوكة)
  • لطائف البيان في تفسير القرآن: تفسير جزئي العنكبوت والأحزاب (21 - 22) (PDF)(كتاب - مكتبة الألوكة)
  • لطائف البيان في تفسير القرآن: تفسير جزئي يس والزمر (23 - 24) (PDF)(كتاب - مكتبة الألوكة)
  • لطائف البيان في تفسير القرآن: تفسير جزئي الشورى والأحقاف (25 - 26) (PDF)(كتاب - مكتبة الألوكة)
  • لطائف البيان في تفسير القرآن: تفسير جزئي تبارك وعم (PDF)(كتاب - مكتبة الألوكة)
  • التفسير الذي مستنده النص الصريح في القرآن الكريم(مقالة - موقع الشيخ أ. د. عرفة بن طنطاوي)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • صلاة الاستسقاء تجمع مساجد بريطانيا لمواجهة الجفاف
  • شباب البوسنة المسلمون يوظفون الذكاء الاصطناعي والمهارات الرقمية لخدمة المجتمع
  • افتتاح مسجد جديد في نيامي بتبرعات الجالية المسلمة في بلغاريا
  • مسلمون يقيمون مبادرة خيرية لتوزيع الحقائب والمستلزمات المدرسية في شيكاغو
  • "علماء الدين المسلمون: جيل جديد": برنامج علمي يجمع مشاركين من 17 منطقة روسية
  • أكثر من 100 شخص يتعرفون على الإسلام خلال يوم المسجد المفتوح في ميلفيل
  • اختتام منافسات قرآنية متميزة في بنغلاديش بمشاركة 3000 متسابق
  • أكثر من 400 طالب يشاركون في مسابقة المعلومات الإسلامية بأستراليا

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1448هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 4/3/1448هـ - الساعة: 15:44
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب