• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | مقالات شرعية   دراسات شرعية   نوازل وشبهات   منبر الجمعة   روافد   من ثمرات المواقع  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    {وذروا الذين يلحدون في أسمائه}
    الشيخ د. إبراهيم بن محمد الحقيل
  •  
    {الله لطيف بعباده} (خطبة)
    الشيخ عبدالله محمد الطوالة
  •  
    قصة ذي النون درس للمكروب والمحزون (خطبة)
    ياسر عبدالله محمد الحوري
  •  
    الأخلاق وعاء الرسالة الخاتمة
    الدكتور أبو الحسن علي بن محمد المطري
  •  
    هل تفسير الرؤى علم يدرس؟!
    ياسين نزال
  •  
    فضيلة الجمعة والترغيب فيها والتشديد في التهاون
    الشيخ محمد بن عبدالله السبيل
  •  
    أربع إن ملكتها فلا تأس على الدنيا: الخطبة ...
    د. محمد جمعة الحلبوسي
  •  
    تفسير قوله تعالى: ﴿تلك حدود الله ومن يطع الله ...
    سعيد مصطفى دياب
  •  
    قصة زينب وأبي العاص (خطبة)
    د. سعود بن غندور الميموني
  •  
    جزاء الشاكرين وثبات المؤمنين {ومن ينقلب على عقبيه ...
    د. عبدالرحمن بن سعيد الحازمي
  •  
    المدرج في صحيح البخاري (WORD)
    مرشد الحيالي
  •  
    شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم
    د. أمير بن محمد المدري
  •  
    الملامح التربوية المستنبطة من آية {قل إن كنتم ...
    د. عبدالرحمن بن سعيد الحازمي
  •  
    مراتب المؤمنين
    الشيخ عبدالعزيز السلمان
  •  
    مع سورة الإنسان
    د. خالد النجار
  •  
    كلمة وكلمات (19)
    د. عبدالسلام حمود غالب
شبكة الألوكة / آفاق الشريعة / منبر الجمعة / الخطب / عقيدة وتوحيد / التوحيد / في أسماء الله
علامة باركود

{الله لطيف بعباده} (خطبة)

{الله لطيف بعباده} (خطبة)
الشيخ عبدالله محمد الطوالة

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 8/7/2026 ميلادي - 22/1/1448 هجري

الزيارات: 90

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

الله لطيف بعباده

 

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، الحمد لله الذي وسعت رحمته كل شيء، وعمَّ لطفه كل حي، وأحاط علمه بكل شيء، وأحصى كل شيء عدداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الخلق وله الأمر، وبيده النفع والضُّر، والخير والشر، وهو الحكيم الخبير.. وأشهد أن محمد عبدلله ورسوله، ومصطفاه وخليله، أرحم الخلق بالخلق، وأعلمهم بالحق، وأنطقهم بالصدق، وأحسنهم خلقاً وخُلقا.. صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين..

 

أما بعد: فأوصيكم عباد الله ونفسي بأعظم الوصايا وأهمها، وأنفعها وأعمها، فاتقوا الله حق التقوى، وراقبوه في السر والنجوى، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُون ﴾ [آل عمران:102]..

 

معاشر المؤمنين الكرام: نعيش في دنيا متقلبة، وأحوالٍ مضطربة.. فتن متلاطمة، وابتلاءات مستحكمة.. فلا غنى للمؤمن من ملاذٍ يأوي إليه، وإلى ركنٍ شديدٍ يلوذ به ويستندُ عليه.. وهل للمؤمن ركنٌ أو مأوىًّ غير الله.. فالزم يديك بحب الله معتصما.....

 

﴿ وَمَن يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾.. فإذا اعتصمَ العبد بربه، وألقى إليه مقاليد أمره، تولاه الله بعنايته، وأحاطهُ برعايته، وأجرى عليه من ألطافه الخفية ما يعجزُ العقل عن إدراك تفاصيله؛ إذ أنَّ من أسمائه الحسنى: اللطيف، الذي يوصل لعباده مصالحهم بألطف الأسباب، وأرفق المسالك.. ﴿ اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ ﴾..

 

فاللطيفُ اسمٌ جليل من أسماء الله الحسنى، إذا استقر في قلب المؤمن بدد وحشته، وأطفأ قلقه، وربط عليه..

 

اللطيفُ: اسمٌ إذا أيقنَ به المبتلى هان بلاؤه.. وإذا تأمله المهمومُ خفَّف عنه همُّه وشقاءه.. وإذا هتف به الخائف سكنَ اضطرابه واطمأنَ جنانه..

 

اللطيف: اسمٌ من أسماء الله الحسنى، يرقُ حناناً ورحمة وودا: ﴿ اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ ﴾ [الشورى:19].. وفي سورة يوسف: ﴿ إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ﴾ [يوسف:100].. وفي سورة الانعام: ﴿ لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِير ﴾ [الأنعام:103].. ومثلها في سورة الملك.. ﴿ أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِير ﴾ [الملك:14]..

 

فما معنى اللطيف؟.. معناه: الذي يعلم دقائق الأمور وخفاياها.. ﴿ إِنَّ اللّهَ لاَ يَخْفَىَ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء ﴾ [آل عمران:5].. وهناك معنىًّ آخر: فاللطيف هو الذي يوصلُ الخير لعبده من حيث لا يشعر، ويرزقه من حيث لا يحتسب.. ويدفعُ عنه الشرَّ قبل أن يصل إليه، أو يعلم به..

 

اللطيف: هو الذي يُجري المقادير بحكمةٍ خفية، لا توحي بما ستؤول إليه الأمور من ألطافٍ إلاهية.. فيأتيك بالخير من جوف المحنة.. ويصرفُ عنك الشرَّ وأنت تظنه مِنحة..

 

وكم من بابٍ أُغلقَ دونك فبكيتَ عنده طويلا، ولو فُتح لك لكان فيه هلاكٌ وشرَّ.. ﴿ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُون ﴾ [البقرة:216]..

 

هذا هو اللطفُ الإلهي.. أن يقدِّر اللهُ لك أمراً فتظنهُ ضدك.. ثم تكتشفُ بعد حينٍ أنه لصالحك..

 

في بداية قصة يوسف عليه الصلاة والسلام، أُلقي في الجب.. فأيَّ لطفٍ في الجب؟.. بيعَ بثمنٍ بخس.. فأيَّ لطفٍ في الرق؟.. رُمي في السجن بضع سنين.. فأيَّ لطفٍ في السجن؟.. هذا ما يظنه من لا يعرف لطف الله.. لكن حين تنكشفُ الحقيقة بعد سنواتٍ.. تظهر الحكمة، وتتجلى الألطاف..

 

فالإخوة الذين ألقوه في البئر كيداً، إنما أوصلوه لمصر..

والقافلة الذين أسروه عبداً.. إنما أدخلوه القصر..

 

وامرأة العزيز التي غلَّقت الأبواب لتجبره على الحرام.. إنما فعلت ذلك لتشهد له بالعفة والاستعصام..

 

وكبار القوم الذين سجنوه ليتخلصوا منه ظلماً.. إنما كانوا يهيئونه ليكون عليهم حاكما.. ولهذا قال بعد اكتمال المشهد: ﴿ إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ ﴾ [يوسف:100]..

 

فالعبد المؤمن يعلمُ علمَ اليقين أن الله يُريدُ به اليُسرَ ولا يُريدُ به العُسرَ، وأن تدبيرَ الله له أفضلُ من تدبيرِه لنفسِه، وأن اختيار الله له خيرٌ من اختياره لنفسه.. وأنّ ﴿ اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ ﴾، إذا منعهُ شيئاً فإنما يمنعه لمصلحته..

 

فإذا منعك المال، فقد حماك من البغي.. قال تعالى: ﴿ وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ ﴾ [الشورى:27].. وإذا منعك المنصب، فلأن المنصب مظنة الطغيان.. ألم يقل جل وعلا: ﴿ كَلاَّ إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى ﴾ [العلق:6].. وإذا منعك بعض العلاقات، فلأنها قد تهدم دينك وتوهن علاقتك بربك.. فعقبة بن أبي معيط أحد صناديد قريش،ٍ كاد أن يسلم، لولا أن صديقه المقرب أمية بن خلف منعه، ﴿ وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاَنًا خَلِيلاً * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنسَانِ خَذُولاً ﴾ [الفرقان:27]..

 

ومع كل أمرٍ وتقدير، هناك لطفُ العليم الخبير، في الحديث الصحيح قال صلى الله عليه وسلم: «إن الله ليحمي عبدهُ المؤمن من الدنيا وهو يُحبهُ كما تحمون مريضكم الطعامَ والشراب».. فالمريضُ يُمنعُ من الطعام الذي يشتهيه.. لا لأنَّ أهله يكرهونه؟.. وإنما لأنهم يحبونه فيحمونه.. وكذلك ربك.. قد يمنعك ما تحب لأنه يحميك مما يضرك.. وقد يصرف عنك ما تريد، لأن في وصوله إليك ضررٌ عليك.. (والله يعلم وأنتم لا تعلمون)..

 

وهذا من لطف الله بنا، فلو كان الإنسانٌ يعلمُ ما سيصيبهُ من المصائب، لعاش مرعوباً.. ولو عرفَ أجلهُ لاضطرب واستوحش.. ولو عرف تفاصيل غدهِ لفقد السكينةَ والطمأنينة.. فاللطيفُ الخبير قد أخفى الغيب عنا رحمةً ولطفاً بنا..

 

ومن لطف الله بعباده: أنه لا يُعاجل المذنبين بالعقوبة.. ولا يُقنطهم من قبوله ورحمته.. بل ويناديهم بألطف اسلوبٍ، ويفتحُ لهم باب التوبة على مصراعيه، ولو بلغت ذنوبهم عنان السماء.. ﴿ قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيم ﴾ [الزمر:53].. وقال سبحانه: ﴿ وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى ﴾ [طه:82].. فأي لطفٍ وأي رحمة؟..

 

ومن لطفه سبحانه: أنه يكتبَ لك أجرَ أعمالٍ لم تعملها.. في الحديث الصحيح، قال صلى الله عليه وسلم: «إنَّ اللهَ تعالى كتبَ الحسناتِ والسيئاتِ، ثمَّ بيَّن ذلك، فمن همَّ بحسنةٍ فلم يعملْها كتبها اللهُ تعالى عنده حسنةً كاملةً، فإنْ همَّ بها فعملَها، كتبها اللهُ تعالى عندَه عشرَ حسناتٍ، إلى سبعِمائةِ ضعفٍ إلى أضعافٍ كثيرةٍ، وإنْ همَّ بسيئةٍ فلم يعملْها كتبها اللهُ عندَه حسنةً كاملةً، فإنْ همَّ بها فعملَها كتبها اللهُ تعالى سيئةً واحدةً، ولا يَهْلِكُ على اللهِ إلا هالِكٌ».. فمجردُ همّ القلب بعمل الخير أو ترك الشر لله يؤجر المسلم عليه.. أليس هذا كرماً عظيماً.. ولطفاً عجيباً..

 

ومن عجائب لطفه سبحانه: أن من انقطعَ عن أعماله الصالحة لعذرٍ فلا يتوقفُ أَجرهُ.. قال صلى الله عليه وسلم: «إذا مرضَ العبدُ أو سافر كُتب له مثلَ ما كان يعمل صحيحاً مقيماً».. فيا سبحان الله.. يتوقفُ العمل.. لكن الودود اللطيف لا يوقف الأجور.. ومن لطفه سبحانه استمرارُ وصول الحسنات بعد الممات، في الحديث الصحيح، قال صلى الله عليه وسلم: "إذا مات الإنسانُ انقطع عملُه إلا من ثلاثٍ؛ صدقةٍ جاريةٍ، أو علمٍ يُنتَفَعُ به، أو ولدٍ صالحٍ يدْعو له"..

 

فيا معاشر الكرام: إذا ضاقت بكم الأحوال.. واشتدَّ البلاء.. وتراكمت الهموم.. وتأخر الفرج.. فلا تيأسوا، ولا تسيئوا الظنَّ بالله.. فربكم لطيفٌ خبير.. يدبرُ أموركم في الخفاء.. يُهيئ لكم الفرج من حيث لا تشعرون.. ويفتح لكم أبواب النجاة من حيث لا تحتسبون..

 

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُون ﴾ [البقرة:216]..

أقول ما تسمعون..

 

الخطبة الثانية

الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، أحمده سبحانه على لطيف إحسانه، وخفيِّ برّه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيما لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله...

 

أما بعد، فاتقوا الله عباد الله، واعلموا أن من أعظم ثمرات الإيمان بأسماء الله وصفاته: أن تتحول معارف العقول إلى أثرٍ إيجابي في القلوب، وإلى سلوكٍ عملي واقعي، يظهر أثره في الأقوال والأعمال والأحوال..

 

معاشر المؤمنين الكرام: إذا علم العبدُ وأيقنّ، أنَّ الله لطيفٌ بعباده، فإنَّ لهذا العلم واليقينِ آثارًا عظيمة وثمراتٍ جميلةٍ على قلبه وحياته.. أولُ هذه الآثار: حُسنُ الظنِّ بالله جل وعلا.. فالمؤمنُ إذا عرف أنَّ ربهُ لطيفٌ بعباده، لم يُفسر أقدارَ الله تفسيرَ اليائسِ المعترض، وإنما ينظرُ إلى ما وراء الأحداثِ من لطفٍ وتدبير، ويؤمنُ أنَّ وراء كل قدرٍ حكمة، وأنَّ وراءَ كل منعٍ عطاء، وأنَّ وراء كل تأخير خير..

 

كم من عبدٍ دعا اللهَ بشيءٍ فلم يُعطه، فظنَّ أنَّ دعاءهُ لم يُستجب، ولو كشف الله له الغيب لرأى أنَّ عدم إجابته في الدنيا، كانت هي عينُ الرحمة به.. وكم من إنسانٍ تألمَ على أمرٍ فاته، أو تجارةٍ خسرها، أو وظيفةٍ لم ينلها، أو زواجٍ لم يتم، ثم مضت الأيام، فإذا به يرى بعين البصيرة أنَّ الله صرفَ عنه شرًّا عظيمًا كان كامناً في ذلك الذي تمناه.. هذا هو لطفُ الله يا عباد الله؛ أن يدبر الله لك الخيرَ من حيثُ لا تشعر، وأن يصرفَ عنك الشرَّ وأنت لا تعلم..

 

ولهذا كان من أعظم علامات المعرفةِ بالله: الرضا عن الله وقدره.. فالذي يعرف أن ربه لطيف، يُسلّم ولا يعترض، يعلم أن ربَّه أرحم به من أمه وأبيه، ومن نفسه التي بين جنبيه، وأنه سبحانه أعلم بمصالحه منه.. فإذا ضاقت به الأحوال، وطال به البلاء، قال بقلب المؤمن الواثق: لعل في الأمر لطفًا خفيًا لا أعلمه..

 

عباد الله، إن كثيرًا من الناس لا يعترضُ على الله بلسانه، لكنه قد يعترضُ بقلبه؛ فيضيق صدره، ويقول في نفسه: لماذا أنا؟.. ولم حصل لي هذا؟.. لماذا تأخر الفرج؟.. ولماذا طال البلاء؟.. وهذه الأسئلةُ إذا استرسل معها القلب ضعف يقينه، وأورثته الوحشة.. وفتحت عليه باب التسخط والاعتراض.. في الحديث الصحيح، قال صلى الله عليه وسلم: «ما يصيبُ المسلمَ من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غمٍّ حتى الشوكة يشاكها إلا كفّر الله بها من خطاياه».. فكم من بلاءٍ يرفع صاحبه درجات، وكم من مصيبةٍ تغسل الذنوب غسلاً، وكم من ألمٍ ينقي الروح ويصفيها، وكم من بلاءٍ يصيب العبد فيهيئهُ ليكون عبدًا صالحًا قريبًا من ربه جل وعلا..

 

بل قد يكون من لطف الله بعبده أن يفتحَ له بابًا من الانكسار لم يكن ليفتحه مع النعمة. فقد يعيش العبدُ سنين في رخاءٍ ونعيم، وقلبه غافل، ثم تنزل به المصيبة، فإذا به يعرف الدعاء حق المعرفة، ويذوق الافتقار والانكسار، ويحسن التضرع، ويلجأ إلى الله لجوء المضطر، فتكون المصيبة بداية حياةٍ جديدة مع الله.. ﴿ فَلَوْلا إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ... ﴾ [الأنعام:43]..

 

أيها المسلمون، إن من البلاء الذي انتشر كثيرا في زماننا: القلق واضطراب النفوس، وكثرةُ التفكير في المستقبل، والخوف من المجهول، وعلاجُ ذلك إنما هو في تقوية العلاقة بالله، وقوة الاعتماد والتوكل عليه، وحسن الظنّ به سبحانه.. فمتى قويت العلاقة بالله سكنت النفس، واطمأن القلب، وانشرح الصدر، وطابت الحياة.. ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُون ﴾ [النحل:97].. وفي الحديث القدسي الصحيح، قال الله تعالى: "أنا عندَ ظَنِّ عَبدي بي؛ فَلْيَظُنَّ بي ما شاءَ"..

 

فتذكروا دائمًا أن الذي دبر أموركم بلا علمٍ منكم، ورزقكم من حيث لا تحتسبون.. فلن يضيعكم أبداً وقد لجأتم إليه مستجيبين.. وانكسرتم بين يديه مستكينين، ووالله لو كُشف الحجاب لرأيتم من ألطاف الله في يومٍ واحدٍ ما يعجزُ اللسان عن حصره فضلاً عن شكره.. ﴿ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيم ﴾ [النور:14]..

 

وقد أحسن القائل:

وكم لله من لطفٍ خفيٍّ
يدق خفاه عن فهم الذكي
وكم يسرٍ أتى من بعد عسرٍ
ففرّج كربةَ القلبِ الشجيِّ
وكم أمرٍ تُساء به صباحًا
فتأتيك المسرةُ بالعشيّ
إِذا ضاقَت بِكَ الأَحوالُ يَوماً
فَثِق بِالواحِدِ الفَردِ العَلِيِّ

 

فيا عباد الله، إذا ضاقت بكم الدنيا فلا تيأسوا، وإذا تأخر عنكم الفرج فلا تقنطوا، وإذا نزل بكم بلاءٌ فلا تجزعوا ولا تسيئوا الظن بربكم.. عيشوا مع اسم الله اللطيف، ورددوا بقلوبكم قبل ألسنتكم: ﴿ إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ﴾ [الشورى:19].. واعلموا أن اللطيف إذا دبر أمرك، ساق الخير إليك بأدق الأسباب، وألطف السبل والطرائق، وأبعدها عن خيالك وتوقعاتك..

 

اللهم يا خفيَّ الألطاف، نجنا مما نخاف.. اللهم ارزقنا حُسن الظنّ بك، وكمال التوكل عليك، وتمام الرضا بقضائك، وجميل الصبر على بلائك، وكثير الشكر على نعمائك.. اللهم اجعلنا من عبادك الذين إذا أُعطيتهم شكروا، وإذا ابتليتهم صبروا، وإذا أذنبوا تابوا سريعا واستغفروا..

 

اللهم آمنا في....





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • الله لطيف بعباده
  • الله لطيف بعباده (خطبة)
  • الله لطيف بعباده
  • {الله لطيف بعباده} خطبة

مختارات من الشبكة

  • الله لطيف بعباده(مقالة - آفاق الشريعة)
  • الله لطيف بعباده(مقالة - آفاق الشريعة)
  • من أقوال السلف في أسماء الله الحسنى: (اللطيف، الخبير)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • نكتة لطيفة في إهداء الثواب للأموات عند العز بن عبد السلام(مقالة - آفاق الشريعة)
  • الحب في الله والبغض في الله، والموالاة في الله والمعاداة في الله(مقالة - موقع الشيخ عبدالله بن جار الله آل جار الله)
  • تفسير: (واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة إن الله كان لطيفا خبيرا)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • تفسير: (ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة إن الله لطيف خبير)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • اسم الله اللطيف(مقالة - آفاق الشريعة)
  • خطبة عيد الفطر (وكونوا عباد الله إخوانا)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • اللطيف الخبير(مقالة - آفاق الشريعة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • أزناكايفو تستضيف النسخة التاسعة من مسابقة «الإسلام» للقرآن الكريم
  • سراييفو تختتم برنامجا تدريبيا للأئمة والخطباء والمؤذنين
  • مئات الزوار يشاركون في يوم المسجد المفتوح الثالث عشر بمدينة توومبا الأسترالية
  • انطلاق دورتين صيفيتين لأطفال المسلمين بمقاطعة بنزا
  • أكثر من 600 شاب يشاركون في مؤتمر الشباب المسلم 2026 بأستراليا
  • مائدة مستديرة دولية في روسيا لتطوير تعليم العربية لغير الناطقين بها
  • برامج تدريبية جديدة لتعزيز كفاءات رجال الدين في بلغاريا
  • تتويج الفائزين في أول مسابقة لطلاب "مدرسة القرآن" بمنطقة توزلا

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1448هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 22/1/1448هـ - الساعة: 10:14
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب