• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | مقالات شرعية   دراسات شرعية   نوازل وشبهات   منبر الجمعة   روافد   من ثمرات المواقع  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    موقف المسلم في الحروب والأزمات (خطبة)
    أحمد بن عبدالله الحزيمي
  •  
    الاستقامة: ماهيتها وحقيقتها وثبات الأنبياء ...
    د. أحمد بن حمد البوعلي
  •  
    طعام أهل الجنة وطعام أهل النار (خطبة)
    د. أيمن منصور أيوب علي بيفاري
  •  
    التربية النبوية بالمواقف والأحداث (خطبة)
    د. محمود بن أحمد الدوسري
  •  
    علم الطاقة حقيقته ومخاطرة (خطبة)
    الشيخ عبدالله محمد الطوالة
  •  
    بلاد التوحيد والاعتصام بحبل الله الشديد (خطبة)
    الشيخ عبدالله بن محمد البصري
  •  
    الماء نعمة من الله
    د. حسام العيسوي سنيد
  •  
    خطبة: الإنذارات والتحذيرات القرآنية
    يحيى سليمان العقيلي
  •  
    تخريج حديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم قاء ...
    الشيخ محمد طه شعبان
  •  
    اسم الله السميع
    خليل الحربي
  •  
    إجلال الكبير، لماذا؟ وكيف؟ (خطبة)
    عبدالحميد أحمد عبدالحميد طايل
  •  
    تفسير: (الذي أحلنا دار المقامة من فضله لا يمسنا ...
    تفسير القرآن الكريم
  •  
    وقفات تربوية مع سورة العلق (خطبة)
    رمضان صالح العجرمي
  •  
    صلة الرحم
    الشيخ عبدالعزيز السلمان
  •  
    أركان الإيمان (خطبة)
    د. أيمن منصور أيوب علي بيفاري
  •  
    مشروعية تعلم الرقي والتخصص في الرقية
    د. عبدالعزيز بن سعد الدغيثر
شبكة الألوكة / آفاق الشريعة / منبر الجمعة / الخطب / الرقائق والأخلاق والآداب
علامة باركود

آداب الاستئذان (خطبة)

آداب الاستئذان (خطبة)
د. محمد حرز

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 14/9/2026 ميلادي - 3/4/1448 هجري

الزيارات: 1321

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

آدَابُ الِاسْتِئْذَانِ

 

الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْشَأَ وَبَرَا، وَخَلَقَ المَاءَ وَالثَّرَى، وَأَبْدَعَ كُلَّ شَيْءٍ وَذَرَا، لَا يَغِيبُ عَنْ بَصَرِهِ دَبِيبُ النَّمْلِ فِي اللَّيْلِ إِذَا سَرَى، وَلَا يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِهِ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ،الحَمْدُ للهِ الذي صَبَّ المَاءَ صَبًّا، وَشَقَّ الأَرْضَ شَقًّا، وَأَنْبَتَ فِيها حَبًّا وَعِنَبًا وَقَضْبًا، وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا، وَحَدَائِقَ غُلْبًا، وَفَاكِهَةً وَأَبًّا، مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ. وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَه، وَأشهدُ أَنَّ سيدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.


فَاللّهُمَّ صَلِّ وسَلِّمْ وزِدْ وبَارِكْ عَلَى النَّبِيِّ المُخْتَارِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ الأَطْهَارِ وسَلِّمْ تَسْلِيمًا كَثِيرًا إِلَى يَوْمِ الدِّينِ؛ أَمَّا بَعْدُ:

فَأُوصِيكُمْ -عِبَادَ اللَّهِ- وَنَفْسِي الْمُقَصِّرَةَ بِتَقْوَى اللَّهِ!

 

فَاتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ التَّقْوَى، وَاسْتَمْسِكُوا بِدِينِ الإِسْلَامِ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى، فَإِنَّ أَجْسَادَنَا عَلَى النَّارِ لَا تَقْوَى، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 102].

 

عِبَادَ اللَّهِ: ((الآدابُ الإسلاميةُ في ضوءِ القرآنِ الكريمِ والسُّنَّةِ النبويةِ)) سِلْسِلَةٌ مَنْهَجِيَّةٌ مُبَارَكَةٌ، تَجْمَعُ بَيْنَ التَّأْصِيلِ العِلْمِيِّ الرَّصِينِ وَالأُسْلُوبِ الوَعْظِيِّ المُؤَثِّرِ، نُقَدِّمُهَا لِحَضْرَاتِكُمْ بِأُسْلُوبٍ سَهْلٍ سَلِسٍ؛ لِنَتَعَرَّفَ مِنْ خِلَالِهَا عَلَى مَكَارِمِ الأَخْلَاقِ وَمَحَاسِنِ الآدَابِ الَّتِي جَاءَ بِهَا الإِسْلَامُ، رَاجِينَ مِنَ اللهِ أَنْ تَكُونَ سَبَبًا لِنَيْلِ السَّعَادَةِ الأَبَدِيَّةِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَأَنْ تَكُونَ مِنَ الأَسْبَابِ الْمُنْجِيَةِ مِنْ عَذَابِ اللهِ، وَالسَّبِيلِ إِلَى مُزَاحَمَةِ الأَكَابِرِ وَالصَّالِحِينَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ، وَأَنْ تُسَاهِمَ فِي تَرْبِيَةِ النُّفُوسِ عَلَى كُلِّ خُلُقٍ كَرِيمٍ وَأَدَبٍ جَمِيلٍ. وَلِنَأْخُذَ مِنْ أَنْوَارِهَا مَا يُضِيءُ لَنَا دُرُوبَ الْحَيَاةِ، وَنَسْتَنْشِقَ مِنْ عِبَرِهَا عِطْرًا يُحْيِي النُّفُوسَ وَالْقُلُوبَ وَالأَرْوَاحَ.

 

(آدَابُ الِاسْتِئْذَانِ)، عُنْوَانُ خُطْبَتِنَا:

عَنَاصِرُ اللِّقَاءِ:

أَوَّلًا: مَاذَا تَعْرِفُ عَنِ الِاسْتِئْذَانِ وَدُخُولِ الْبُيُوتِ؟

ثَانِيًا: كَيْفَ نَتَأَدَّبُ عِنْدَ الِاسْتِئْذَانِ؟

ثَالِثًا وَأَخِيرًا: اللَّهَ اللَّهَ فِي حِفْظِ الْعَوْرَاتِ.


أَيُّهَا السَّادَةُ: بَدَايَةً، مَا أَحْوَجَنَا فِي هَذِهِ الدَّقَائِقِ الْمَعْدُودَةِ أَنْ يَكُونَ حَدِيثُنَا عَنْ: آدَابِ الِاسْتِئْذَانِ، وَخَاصَّةً إِنَّ اقْتِحَامَ الْبُيُوتِ مِنْ غَيْرِ اسْتِئْذَانٍ هَتْكٌ لِتِلْكَ الْحُرُمَاتِ، وَتَطَلُّعٌ عَلَى الْعَوْرَاتِ، وَقَدْ يُفْضِي إِلَى مَا يُثِيرُ الْفِتَنَ، أَوْ يُهَيِّئُ الْفُرَصَ لِغَوَايَاتٍ تَنْشَأُ مِنْ نَظَرَاتٍ عَابِرَةٍ، تَتْبَعُهَا نَظَرَاتٌ مُرِيبَةٌ، تَنْقَلِبُ إِلَى عَلَاقَاتٍ آثِمَةٍ، وَاسْتِطَالَاتٍ مُحَرَّمَةٍ، وَخَاصَّةً وَقَدْ جَعَلَ الْإِسْلَامُ لِلْبُيُوتِ حُرْمَةً، وَلِلْأَعْرَاضِ صِيَانَةً، فَشَرَعَ الِاسْتِئْذَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ، وَأَمَرَ بِغَضِّ الْبَصَرِ، وَنَهَى عَنِ التَّجَسُّسِ وَتَتَبُّعِ عَوْرَاتِ النَّاسِ؛ لِتَبْقَى الْمُجْتَمَعَاتُ طَاهِرَةً، وَالْأُسَرُ آمِنَةً، وَالْعَلَاقَاتُ بَيْنَ النَّاسِ قَائِمَةً عَلَى الِاحْتِرَامِ وَالثِّقَةِ فَلْنَتَّقِ اللَّهَ فِي أَنْفُسِنَا، وَلْنَلْتَزِمْ بِآدَابِ الِاسْتِئْذَانِ، وَلْنَحْفَظْ حُرُمَاتِ الْبُيُوتِ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ كَمَالِ الْإِيمَانِ، وَحُسْنِ الْأَخْلَاقِ، وَسَبَبٌ لِأُلْفَةِ الْمُجْتَمَعِ وَطُمَأْنِينَتِهِ. وَخَاصَّةً إِنَّ بَعْضَ الْمُسْلِمِينَ – هَدَاهُمُ اللَّهُ – يَتَهَاوَنُونَ فِي هَذِهِ الْعِبَادَةِ الْعَظِيمَةِ، فَيَدْخُلُونَ عَلَى غَيْرِهِمْ فِي أَمَاكِنِهِمُ الْخَاصَّةِ بِهِمْ بِدُونِ اسْتِئْذَانٍ، وَخَاصَّةً عِنْدَمَا يَكُونُونَ مِنْ أَقَارِبِهِمْ؛ فَتَجِدُ الْوَلَدَ يَدْخُلُ عَلَى وَالِدَيْهِ بِدُونِ أَنْ يَسْتَأْذِنَ، وَالْأَخَ يَدْخُلُ عَلَى أَخَوَاتِهِ، وَرَبَّ الْبَيْتِ وَأَبْنَاءَهُ يَدْخُلُونَ عَلَى خَادِمَتِهِمْ، غَيْرَ مُبَالِينَ بِأَمْرٍ لَا يُحِبُّهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَلَا يَرْضَاهُ مُسْلِمٌ يَحْرِصُ عَلَى آدَابِ دِينِهِ. ذَكَرَ الطَّبَرِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ: أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: «أَسْتَأْذِنُ عَلَى أُمِّي؟» قَالَ: «نَعَمْ». قَالَ: إِنِّي أَخْدُمُهَا؟ قَالَ: «اسْتَأْذِنْ عَلَيْهَا». فَعَاوَدَهُ ثَلَاثًا، قَالَ: «أَتُحِبُّ أَنْ تَرَاهَا عُرْيَانَةً؟» قَالَ: لَا. قَالَ: «فَاسْتَأْذِنْ عَلَيْهَا».

 

أَوَّلًا:مَاذَا تَعْرِفُ عَنِ الِاسْتِئْذَانِ وَدُخُولِ الْبُيُوتِ؟

أَيُّهَا السَّادَةُ: الِاسْتِئْذَانُ أَدَبٌ إِلَهِيٌّ، وَخُلُقٌ رَبَّانِيٌّ، جَعَلَهُ اللَّهُ أَسَاسًا مَتِينًا لِدِينِهِ الْقَوِيمِ. فَإِسْلَامُنَا الْعَظِيمُ مَنْهَجٌ شَامِلٌ لِلْحَيَاةِ، بَلْ هُوَ الْحَيَاةُ، بَلْ هُوَ حَيَاةٌ لِلْحَيَاةِ. هَذَا الدِّينُ الْقَيِّمُ هُوَ دِينُ الْخُلُقِ الرَّفِيعِ، فَخَيْرُ الْمُؤْمِنِينَ عِنْدَ اللَّهِ هُمْ أَهْلُ الْأَخْلَاقِ الْعَالِيَةِ. يَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم – وَالْحَدِيثُ فِي الصَّحِيحَيْنِ –: «إِنَّ خِيَارَكُمْ أَحَاسِنُكُمْ أَخْلَاقًا».

 

وَمِنَ الْأَخْلَاقِ الَّتِي رَبَّى عَلَيْهَا الْإِسْلَامُ أَهْلَهُ أَدَبُ الِاسْتِئْذَانِ، هَذَا الْأَدَبُ الَّذِي رَفَعَ الْأُسْرَةَ الْمُسْلِمَةَ إِلَى قِمَّةِ النَّقَاءِ وَالطَّهَارَةِ، وَالْعِفَّةِ، وَالسِّتْرِ النَّظِيفِ، وَجَنَّبَهَا مَا يُحْرِجُ أَفْرَادَهَا مِنْ مُفَاجَآتِ كَشْفِ الْمَسْتُورِ، وَالِاطِّلَاعِ غَيْرِ الْمَشْرُوعِ. وَإِنَّ لِلْمَنَازِلِ فِي شَرِيعَةِ الْإِسْلَامِ حُرْمَةً وَقَدَاسَةً، بِاعْتِبَارِهَا مَحَلَّ الْأَمْنِ، وَمَصْدَرَ الطُّمَأْنِينَةِ وَالسَّكِينَةِ؛ فَأَمَرَ اللَّهُ النَّاسَ أَلَّا يَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِهِمْ حَتَّى يَسْتَأْذِنُوا قَبْلَ الدُّخُولِ، وَيُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا. وَالِاسْتِئْذَانُ فَضِيلَةٌ خُلُقِيَّةٌ، وَأَدَبٌ إِسْلَامِيٌّ رَفِيعٌ، قَدْ كَثُرَتْ فِيهِ الْآيَاتُ الْكَرِيمَةُ، وَالْأَحَادِيثُ النَّبَوِيَّةُ الشَّرِيفَةُ.

 

لذا جَعَلَ اللَّهُ الْبُيُوتَ سَكَنًا يَأْوِي إِلَيْهَا أَهْلُهَا، تَطْمَئِنُّ فِيهَا نُفُوسُهُمْ، وَيَأْمَنُونَ عَلَى حُرُمَاتِهِمْ، وَيَسْتَتِرُونَ بِهَا مِمَّا يُؤْذِي الْأَعْرَاضَ وَالنُّفُوسَ، وَيَتَخَفَّفُونَ فِيهَا مِنْ أَعْبَاءِ الْحِرْصِ وَالْحَذَرِ. وَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَتَحَقَّقُ عَلَى وَجْهِهِ إِلَّا حِينَ تَكُونُ مُحْتَرَمَةً فِي حُرْمَتِهَا، لَا يُسْتَبَاحُ حِمَاهَا إِلَّا بِإِذْنِ أَهْلِهَا، فِي الْأَوْقَاتِ الَّتِي يُرِيدُونَ، وَعَلَى الْأَحْوَالِ الَّتِي يَرْغَبُونَ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَىٰ أَهْلِهَا ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّىٰ يُؤْذَنَ لَكُمْ ۖ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا ۖ هُوَ أَزْكَىٰ لَكُمْ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴾ [النُّورِ: 27 - 28].

 

إِنَّ اقْتِحَامَ الْبُيُوتِ مِنْ غَيْرِ اسْتِئْذَانٍ هَتْكٌ لِتِلْكَ الْحُرُمَاتِ، وَتَطَلُّعٌ عَلَى الْعَوْرَاتِ، وَقَدْ يُفْضِي إِلَى مَا يُثِيرُ الْفِتَنَ، أَوْ يُهَيِّئُ لِغَوَايَاتٍ تَنْشَأُ مِنْ نَظَرَاتٍ خَائِنَةٍ، تَتْبَعُهَا أُمُورٌ مُرِيبَةٌ، تَنْقَلِبُ إِلَى أَفْعَالٍ آثِمَةٍ، وَاسْتِطَالَاتٍ مُحَرَّمَةٍ. وَفِي الِاسْتِئْذَانِ وَآدَابِهِ مَا يَدْفَعُ هَاجِسَ الرِّيبَةِ، وَالْمَقَاصِدَ السَّيِّئَةَ.

 

ومن أَهمِ الآَدابِ التي تُضْفِي السَكِينَةَ على سَاكِني البيوتِ الاِسْتِئْذَانُ لِدُخُولِ الْبُيُوتِ، وَهُو طَلَبَ إِبَاحَةِ دُخُولِهَا لِلْمُسْتَأْذِنِ، وَالِاسْتِئْذَانُ عِنْدَ الدُّخُولِ عَلَى الْغَيْرِ عِبَادَةٌ عَظِيمَةٌ، وَأَدَبٌ إِسْلَامِيٌّ رَفِيعٌ، بِدُونِهِ تُنْتَهَكُ الْخُصُوصِيَّاتُ، وَتُكْشَفُ الْعَوْرَاتُ؛ وَلِذَلِكَ أَمَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِهِ، وَحَثَّ عَلَيْهِ، فَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَىٰ أَهْلِهَا ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾. وَمَعْنَى: ﴿ تَسْتَأْنِسُوا ﴾ أَيْ: تَسْتَأْذِنُوا، ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ كَثِيرٍ، وَالطَّبَرِيُّ، وَالْقُرْطُبِيُّ فِي تَفَاسِيرِهِمْ – رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى –. فَلَا يَجُوزُ – أَيُّهَا الْإِخْوَةُ – لِكَائِنٍ مَنْ كَانَ أَنْ يَدْخُلَ عَلَى أَحَدٍ فِي بَيْتِهِ إِلَّا بَعْدَ أَنْ يَسْتَأْذِنَ مِنْهُ، فَإِنْ أُذِنَ لَهُ دَخَلَ، وَإِلَّا رَجَعَ.

 

وَسُمِّيَ الِاسْتِئْذَانُ اسْتِئْنَاسًا؛ لِأَنَّهُ إِذَا اسْتَأْذَنَ أَوْ سَلَّمَ، أَنِسَ أَهْلُ الْبَيْتِ بِذَلِكَ، وَلَوْ دَخَلَ عَلَيْهِمْ بِغَيْرِ إِذْنٍ، لَاسْتَوْحَشُوا وَشَقَّ عَلَيْهِمْ. وَأَمَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مَعَ الِاسْتِئْذَانِ بِالسَّلَامِ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ إِشَاعَةِ الْأُلْفَةِ، وَالطُّمَأْنِينَةِ، وَالْمَوَدَّةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ. وَلِذَلِكَ قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي الْآيَةِ الَّتِي تَلِي الْآيَةَ السَّابِقَةَ: ﴿ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّىٰ يُؤْذَنَ لَكُمْ ۖ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا ۖ هُوَ أَزْكَىٰ لَكُمْ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴾. يَقُولُ الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ: سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ مَا رَوَاهُ الطَّبَرِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، أَنَّ امْرَأَةً مِنَ الْأَنْصَارِ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَكُونُ فِي بَيْتِي عَلَى حَالٍ لَا أُحِبُّ أَنْ يَرَانِي عَلَيْهَا أَحَدٌ، لَا وَالِدٌ وَلَا وَلَدٌ، فَيَأْتِي الْأَبُ فَيَدْخُلُ عَلَيَّ، وَإِنَّهُ لَا يَزَالُ يَدْخُلُ عَلَيَّ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِي وَأَنَا عَلَى تِلْكَ الْحَالِ، فَكَيْفَ أَصْنَعُ؟ فَنَزَلَتِ الْآيَةُ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَرَأَيْتَ الْخَانَاتِ وَالْمَسَاكِنَ فِي طُرُقِ الشَّامِ لَيْسَ فِيهَا سَاكِنٌ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ ﴾. قَالَ قَتَادَةُ: قَالَ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ: لَقَدْ طَلَبْتُ عُمْرِي كُلَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ فَمَا أَدْرَكْتُهَا، يَقْصِدُ: ﴿ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَىٰ لَكُمْ ﴾ [النُّورِ: 28]. وَإِنِّي لَأَسْتَأْذِنُ بَعْضَ إِخْوَانِي، وَأَرْجُو أَنْ يَقُولَ: ارْجِعْ! فَأَرْجِعُ وَأَنَا مُغْتَبِطٌ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ هُوَ أَزْكَىٰ لَكُمْ ﴾.

 

وَالِاسْتِئْذَانُ: هُوَ الْتِمَاسُ الْإِذْنِ تَأَدُّبًا، خَشْيَةَ الِاطِّلَاعِ عَلَى الْعَوْرَةِ، وَهُوَ أَيْضًا: اسْتِبَاحَةُ الْمَحْظُورِ عَلَى وَجْهٍ مَشْرُوعٍ، وَهُوَ أَيْضًا: طَلَبُ الْإِذْنِ فِي الدُّخُولِ لِمَحَلٍّ لَا يَمْلِكُهُ الْمُسْتَأْذِنُ، وَهَذَا كُلُّهُ مِنْ مَعَانِي الِاسْتِئْذَانِ. وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذِهِ الشَّرِيعَةَ الَّتِي تُرِيدُ سَعَادَةَ الْمُجْتَمَعِ، وَأَنْ يَكُونَ مُجْتَمَعَ إِيمَانٍ وَبِرٍّ وَتَقْوَى، وَتَتَجَلَّى فِيهِ خَصَائِصُ هَذِهِ الْأُمَّةِ الَّتِي قَالَ اللَّهُ فِيهَا: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: 110]، لَا شَكَّ أَنَّ هَذَا الْأَدَبَ يُبَيِّنُ رَغْبَةَ الشَّرِيعَةِ فِي هَذِهِ الرِّفْعَةِ وَالْمَكَانَةِ.وَالْإِنْسَانُ صَاحِبُ غَرَائِزَ وَشَهَوَاتٍ وَمُيُولٍ وَرَغَبَاتٍ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يَعْلَمُ ذَلِكَ، وَحِينَ حَرَّمَ الزِّنَا حَرَّمَ دَوَاعِيَهُ مِنَ النَّظَرِ، وَالْخَلْوَةِ، وَالتَّبَرُّجِ، وَكُلِّ مَا يُؤَدِّي إِلَيْهِ. وَمِنَ الْمَعْلُومِ خُطُورَةُ النَّظَرِ فِي الْمُجْتَمَعِ الْإِسْلَامِيِّ، وَأَنَّهُ إِذَا أُطْلِقَ أَدَّى إِلَى الْوُقُوعِ فِي الْمُحَرَّمَاتِ، وَلِذَلِكَ كَانَ شَأْنُهُ خَطِيرًا، فَنَزَلَتْ أَحْكَامُ الِاسْتِئْذَانِ لِمُعَالَجَةِ قَضَايَا الْبَصَرِ.

 

وَهُوَ – أَيْ: الِاسْتِئْذَانُ – أَدَبٌ رَفِيعٌ يَحْمِي حُرْمَةَ الْبُيُوتِ وَيُحَافِظُ عَلَيْهَا.وَأَيُّ حُرْمَةٍ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ جَعَلَ الْمُصْطَفَى صلى الله عليه وسلم الْعَيْنَ الَّتِي تَنْظُرُ بِغَيْرِ اسْتِئْذَانٍ عَيْنًا مُهْدَرَةً لَا دِيَةَ لَهَا، فَقَالَ صلى الله عليه وسلم: «لَوْ أَنَّ امْرًا اطَّلَعَ عَلَيْكَ بِغَيْرِ إِذْنٍ، فَحَذَفْتَهُ بِحَصَاةٍ فَفَقَأْتَ عَيْنَهُ، لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ جُنَاحٌ».فَلَمَّا أُخْبِرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَنَّ رَجُلًا يَنْظُرُ مِنْ فُتْحَةِ الْبَابِ، وَكَانَ فِي يَدِهِ مِدْرًى يُصْلِحُ بِهِ شَعْرَهُ، وَلَهَا حَدٌّ، أَخْبَرَ أَنَّهُ لَوْ عَلِمَ أَنَّهُ يَنْظُرُ إِلَيْهِ لَأَدْخَلَهَا فِي عَيْنِهِ. وَلِذَلِكَ نَصَّ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ مَنْ نَظَرَ مِنْ شَقِّ الْبَابِ عَلَى شَخْصٍ فِي بَيْتِهِ بِغَيْرِ إِذْنٍ، فَفَقَأَ صَاحِبُ الْبَيْتِ عَيْنَهُ، فَلَا دِيَةَ عَلَيْهِ. وَكُلُّ ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ حُرْمَةِ الْبُيُوتِ؛ فَالشَّرِيعَةُ تُرِيدُ حِمَايَةَ حُرْمَتِهَا، وَأَنْ يَكُونَ الْمُجْتَمَعُ نَظِيفًا، وَيَعِيشَ النَّاسُ فِي عِفَّةٍ، وَتَمْنَعَ الِاطِّلَاعَ عَلَى الْعَوْرَاتِ. فَهَذِهِ الْعَوْرَاتُ مَحْفُوظَةٌ فِي الشَّرِيعَةِ، وَلَيْسَتْ عَوْرَةَ الْبَدَنِ فَقَطْ، بَلْ كُلُّ مَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ عَوْرَةً؛ فَلِلطَّعَامِ عَوْرَةٌ، وَلِلْأَثَاثِ عَوْرَةٌ، وَلِلِّبَاسِ عَوْرَةٌ، وَلِلْبَدَنِ عَوْرَةٌ. وَالْإِنْسَانُ يُحِبُّ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ وَهُوَ فِي حَالَةِ تَجَمُّلٍ وَتَهَيُّؤٍ، وَلَا يُرِيدُ أَنْ يَرَاهُ أَحَدٌ وَبَيْتُهُ عَلَى غَيْرِ تَرْتِيبٍ. فَإِذَا اسْتَأْذَنَ ضَيْفٌ عَلَيْهِ، سَارَعَ إِلَى تَرْتِيبِ بَيْتِهِ، وَرَفْعِ مَا لَا يُحِبُّ أَنْ يَرَاهُ النَّاسُ؛ كَبَقَايَا الطَّعَامِ، أَوِ الْأَشْيَاءِ غَيْرِ الْمُنَظَّمَةِ، أَوْ أَنْ يَكُونَ فِي ثَوْبِ نَوْمٍ أَوْ لِبَاسٍ لَا يُحِبُّ أَنْ يَلْقَى بِهِ الضُّيُوفَ. فَالِاسْتِئْذَانُ يُرَاعِي مَشَاعِرَ النَّاسِ، وَيَحْفَظُ خُصُوصِيَّاتِهِمْ، إِلَى جَانِبِ حِفْظِ الْعَوْرَاتِ، وَسَدِّ أَبْوَابِ الْفِتْنَةِ، وَالْوِقَايَةِ مِنْ أَسْبَابِ الْفَاحِشَةِ وَالزِّنَا. وَطَرِيقَةُ الِاسْتِئْذَانِ: أَنْ يَقُولَ: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، أَأَدْخُلُ؟» فَإِنْ أُذِنَ لَهُ دَخَلَ، وَإِلَّا فَلْيَرْجِعْ. قَالَ تَعَالَى: ﴿ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّىٰ يُؤْذَنَ لَكُمْ ۖ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا ۖ هُوَ أَزْكَىٰ لَكُمْ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴾ [النُّورِ: 28].

 

ثَانِيًا:كَيْفَ نَتَأَدَّبُ عِنْدَ الِاسْتِئْذَانِ؟

أَيُّهَا السَّادَةُ: لَمَّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَدَدًا مِنْ نِعَمِهِ عَلَى عِبَادِهِ فِي سُورَةِ النَّحْلِ، ذَكَرَ نِعْمَةً نَغْفُلُ عَنْ تَدَبُّرِ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا فِيهَا، وَهِيَ نِعْمَةُ السَّكَنِ، فَقَالَ: ﴿ وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا ﴾ [النَّحْلِ: 80]؛ أَيْ: سَكَنًا فِي الدُّورِ وَالْقُصُورِ وَنَحْوِهَا، تُكِنُّكُمْ مِنَ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ، وَتَسْتُرُكُمْ أَنْتُمْ وَأَوْلَادُكُمْ وَأَمْتِعَتُكُمْ، وَتَتَّخِذُونَ فِيهَا الْغُرَفَ وَالْبُيُوتَ الَّتِي هِيَ لِأَنْوَاعِ مَنَافِعِكُمْ وَمَصَالِحِكُمْ، وَفِيهَا حِفْظٌ لِأَمْوَالِكُمْ وَحُرُمَاتِكُمْ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْفَوَائِدِ الْمَشَاهَدَةِ. هَذِهِ النِّعْمَةُ الْعَظِيمَةُ جَعَلَ اللَّهُ لَهَا أَحْكَامًا وَآدَابًا، وَجَعَلَ ذَلِكَ مِنَ الدِّينِ؛ يُثَابُ مَنْ تَأَدَّبَ بِهَا، وَيُعَاقَبُ مَنْ تَجَاوَزَهَا وَانْتَهَكَ حُرْمَتَهَا. شَرَعَهَا اللَّهُ لِتَكُونَ الدُّورُ مَكَانًا لِلسَّكِينَةِ النَّفْسِيَّةِ، وَالِاطْمِئْنَانِ، وَالْمَوَدَّةِ بَيْنَ سَاكِنِيهَا، لَا مَكَانًا لِلنِّزَاعِ، وَالْخِصَامِ، وَالشِّقَاقِ بَيْنَهُمْ. أَنْ يَسْتَأْذِنَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَإِنْ أَذِنَ لَهُ صَاحِبُ الْمَنْزِلِ، وَإِلَّا فَلْيَرْجِعْ؛ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إِذَا اسْتَأْذَنَ أَحَدُكُمْ ثَلَاثًا فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، فَلْيَرْجِعْ».

 

وَأَنْ يَذْكُرَ اسْمَهُ عِنْدَ الِاسْتِئْذَانِ، عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فِي دَيْنٍ كَانَ عَلَى أَبِي، فَدَقَقْتُ الْبَابَ، فَقَالَ: «مَنْ ذَا؟» فَقُلْتُ: أَنَا، فَقَالَ: «أَنَا، أَنَا»، كَأَنَّهُ كَرِهَهَا. وعَنْ أَبِي ذَرٍّ - رضي الله عنه - قَالَ خَرَجْتُ لَيْلَةً مِنَ اللَّيَالِي، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَمْشِى وَحْدَهُ، فَجَعَلْتُ أَمْشِي فِي ظِلِّ الْقَمَرِ، فَالْتَفَتَ فَرَآنِي، فَقَالَ: «مَنْ هَذَا؟». فَقُلْتُ: أَبُو ذَرٍّ. رواه البخاري ومسلم.

 

وَأَنْ يُسَلِّمَ قَبْلَ الِاسْتِئْذَانِ، عَنْ رِبْعِيٍّ قَالَ: حَدَّثَنَا رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَامِرٍ أَنَّهُ اسْتَأْذَنَ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ فِي بَيْتٍ، فَقَالَ: أَأَلِجُ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لِخَادِمِهِ: «اخْرُجْ إِلَى هَذَا فَعَلِّمْهُ الِاسْتِئْذَانَ، فَقُلْ لَهُ: قُلْ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، أَأَدْخُلُ؟» فَسَمِعَهُ الرَّجُلُ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، أَأَدْخُلُ؟ فَأَذِنَ لَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، فَدَخَلَ. وَأَلَّا يُوَاجِهَ الْبَابَ فِي اسْتِئْذَانِهِ؛ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا أَتَى بَابَ قَوْمٍ لَمْ يَسْتَقْبِلِ الْبَابَ مِنْ تِلْقَاءِ وَجْهِهِ، وَلَكِنْ مِنْ رُكْنِهِ الْأَيْمَنِ أَوِ الْأَيْسَرِ، وَيَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، وَذَلِكَ أَنَّ الدُّورَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا يَوْمَئِذٍ سُتُورٌ». وَعَنْ هُزَيْلٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ فَوَقَفَ عَلَى بَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يَسْتَأْذِنُ، فَقَامَ عَلَى الْبَابِ مُسْتَقْبِلَ الْبَابِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «هَكَذَا عَنْكَ، أَوْ هَكَذَا، فَإِنَّمَا الِاسْتِئْذَانُ مِنَ النَّظَرِ».وَأَلَّا يَدُقَّ الْبَابَ بِعُنْفٍ؛ لِنِسْبَةِ فَاعِلِهِ عُرْفًا إِلَى قِلَّةِ الْأَدَبِ.وَإِذَا أَذِنَ لَهُ صَاحِبُ الْمَنْزِلِ وَدَخَلَ، فَلَا يَجْلِسْ إِلَّا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يَخْتَارُهُ لَهُ صَاحِبُ الْمَنْزِلِ، أَوْ يَأْذَنَ لَهُ بِالْمَكَانِ الَّذِي جَلَسَ فِيهِ.

 

وَمِنْ آدَابِ الِاسْتِئْذَانِ: غَضُّ الْبَصَرِ وَعَدَمُ اسْتِقْبَالِ الْبَابِ، فَيَقِفُ الْمُسْتَأْذِنُ عَنْ يَمِينِ الْبَابِ أَوْ شِمَالِهِ؛ حَتَّى لَا يَقَعَ بَصَرُهُ عَلَى مَوْضِعٍ لَا يَحِلُّ لَهُ النَّظَرُ إِلَيْهِ، أَوْ عَلَى شَيْءٍ يَكْرَهُ صَاحِبُ الْمَنْزِلِ لِأَحَدٍ رُؤْيَتَهُ. عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا أَتَى بَابَ قَوْمٍ لَمْ يَسْتَقْبِلِ الْبَابَ مِنْ تِلْقَاءِ وَجْهِهِ، وَلَكِنْ مِنْ رُكْنِهِ الْأَيْمَنِ أَوِ الْأَيْسَرِ، وَيَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ». وَذَلِكَ أَنَّ الدُّورَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا يَوْمَئِذٍ سُتُورٌ. صَحِيحٌ – رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. وَيَحْرُمُ نَظَرُ الرَّجُلِ فِي بَيْتِ غَيْرِهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِئْذَانَ لَمْ يُشْرَعْ إِلَّا مِنْ أَجْلِ الْبَصَرِ؛ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا جُعِلَ الِاسْتِئْذَانُ مِنْ أَجْلِ الْبَصَرِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ. وَمَنْ تَعَدَّى وَاطَّلَعَ بِبَصَرِهِ عَلَى مَا لَا يَحِلُّ لَهُ بِغَيْرِ إِذْنٍ؛ فَقَدْ حَلَّ لِأَصْحَابِ الدَّارِ أَنْ يَفْقَؤُوا عَيْنَهُ، فَلَا قِصَاصَ وَلَا دِيَةَ؛ لِمَا جَاءَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنِ اطَّلَعَ فِي بَيْتِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ، فَقَدْ حَلَّ لَهُمْ أَنْ يَفْقَؤُوا عَيْنَهُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «لَوْ أَنَّ رَجُلًا اطَّلَعَ عَلَيْكَ بِغَيْرِ إِذْنٍ، فَخَذَفْتَهُ بِحَصَاةٍ فَفَقَأْتَ عَيْنَهُ، مَا كَانَ عَلَيْكَ مِنْ جُنَاحٍ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ: «اطَّلَعَ رَجُلٌ مِنْ جُحْرٍ فِي حُجَرِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَمَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مِدْرًى يَحُكُّ بِهِ رَأْسَهُ، فَقَالَ: لَوْ أَعْلَمُ أَنَّكَ تَنْظُرُ لَطَعَنْتُ بِهِ فِي عَيْنِكَ، إِنَّمَا جُعِلَ الِاسْتِئْذَانُ مِنْ أَجْلِ الْبَصَرِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَعَنْ نَافِعٍ قَالَ: كَانَ ابنُ عُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما- إِذَا بَلَغَ بَعْضُ وَلَدِهِ الْحُلُمَ لَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهِ إِلَّا بِإِذْنٍ، وجَاءَ رجل إِلَى بن مَسْعُودٍ فَقَالَ: أَسْتَأْذِنُ عَلَى أُمِّي؟ فَقَالَ: "مَا عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهَا تُرِيدُ أَنْ تَرَاهَا"، وَسَأَلَ رَجُلٌ حُذَيْفَةَ أَسْتَأْذِنُ عَلَى أُمِّي؟ قَالَ: "إِنْ لَمْ تَسْتَأْذِنْ عَلَيْهَا رَأَيْتَ مَا تَكْرَهُ"، وَقَالَ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ: دَخَلْتُ مَعَ أَبِي عَلَى أُمِّي فَدَخَلَ وَاتَّبَعْتُهُ فَدَفَعَ فِي صَدْرِي، وَقَالَ: "تَدْخُلُ بِغَيْرِ إِذْنٍ؟!"، وَقَالَ عَطَاءٍ: سَأَلت بن عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما- أَسْتَأْذِنُ عَلَى أُخْتِي قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: إِنَّهَا فِي حِجْرِي، قَالَ: أَتُحِبُّ أَنْ تَرَاهَا عُرْيَانَةً، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ بَعْدَ أَنْ سَاقَ هَذِهِ الآَثَارَ: "وَأَسَانِيدُ هَذِهِ الْآثَارِ كُلُّهَا صَحِيحَةٌ".

 

عِبَادَ اللَّهِ، وَإِذَا كَانَ الِاسْتِئْذَانُ وَاجِبًا لِمَنْ أَرَادَ دُخُولَ بَيْتٍ غَيْرِ بَيْتِهِ، فَإِنَّ الِاسْتِئْذَانَ كَذَلِكَ مَشْرُوعٌ وَمُسْتَحَبٌّ فِي حَقِّهِ عِنْدَ دُخُولِ مَنْزِلِهِ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَتَنَحْنَحَ وَيُسَلِّمَ. عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ الْمَكِّيِّ أَبِي الزُّبَيْرِ أَنَّهُ «سَمِعَ جَابِرًا يَقُولُ: إِذَا دَخَلْتَ عَلَى أَهْلِكَ فَسَلِّمْ عَلَيْهِمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً». قَالَ: مَا رَأَيْتُهُ إِلَّا يُوجِبُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا ﴾ [النِّسَاءِ: ٨٦]. إِنَّ مِنَ الْأُمُورِ الْمُهِمَّةِ فِي التَّرْبِيَةِ تَعْلِيمَ الطِّفْلِ وَتَعْوِيدَهُ عَلَى الِاسْتِئْذَانِ عُمُومًا، وَكَذَلِكَ تَعْلِيمُهُ الِاسْتِئْذَانَ عَلَى وَالِدَيْهِ عَلَى وَجْهِ الْخُصُوصِ؛ لِذَلِكَ وَجَدْنَا الْقُرْآنَ الْكَرِيمَ يُحَدِّدُ لِلطِّفْلِ الصَّغِيرِ طَرِيقَةَ الِاسْتِئْذَانِ، فَيَتَنَاوَلُهَا بِالرِّعَايَةِ وَالتَّوْجِيهِ، وَذَلِكَ بِأُسْلُوبٍ تَدْرِيجِيٍّ رَائِعٍ، فَحَدَّدَ لَهُ أَوَّلًا – وَهُوَ طِفْلٌ صَغِيرٌ لَمْ يَبْلُغِ الْحُلُمَ.

 

أَنْ يَسْتَأْذِنَ عَلَى وَالِدَيْهِ فِي ثَلَاثَةِ أَوْقَاتٍ حَسَّاسَةٍ، هِيَ:

• مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ.

• وَقْتُ الظَّهِيرَةِ عِنْدَ الْقَيْلُولَةِ.

• بَعْدَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ.


وَنُلَاحِظُ أَنَّ هَذِهِ الْأَوْقَاتَ هِيَ أَوْقَاتُ نَوْمِ الْوَالِدَيْنِ، فَإِذَا قَرُبَ الْوَلَدُ مِنْ سِنِّ الِاحْتِلَامِ وَجَبَ عَلَيْهِ الِاسْتِئْذَانُ فِي الْبَيْتِ فِي الدُّخُولِ عَلَى وَالِدَيْهِ فِي كُلِّ آنٍ، وَكُلَّمَا وَجَدَ أَمَامَهُ الْبَابَ مُغْلَقًا، وَوَالِدَاهُ فِي الْغُرْفَةِ. قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ۚ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ ۚ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ ۚ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ [النُّورِ: 58].فَفِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ الثَّلَاثَةِ لَا بُدَّ أَنْ يَسْتَأْذِنَ الْخَدَمُ، وَأَنْ يَسْتَأْذِنَ الصِّغَارُ الْمُمَيِّزُونَ الَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ؛ كَيْ لَا تَقَعَ أَنْظَارُهُمْ عَلَى عَوْرَاتِ أَهْلِيهِمْ.

 

وَلَا يَخْفَى مَا فِي هَذَا الِاسْتِئْذَانِ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ الثَّلَاثَةِ مِنْ تَعْلِيمِ الْوَلَدِ أُصُولَ الْأَدَبِ مَعَ الْأَهْلِ، حَتَّى لَا يُفَاجَأَ الْوَلَدُ إِذَا دَخَلَ بِالِاطِّلَاعِ عَلَى حَالَةٍ لَا يَحْسُنُ أَنْ يَرَى أَهْلَهُ فِيهَا.

 

أَمَّا إِذَا بَلَغَ الْأَوْلَادُ سِنَّ الرُّشْدِ وَالْبُلُوغِ، فَعَلَى الْمُرَبِّينَ أَنْ يُعَلِّمُوهُمْ آدَابَ الِاسْتِئْذَانِ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ الثَّلَاثَةِ وَفِي غَيْرِهَا؛ امْتِثَالًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ [النُّورِ: 59]. وَالَّذِي عِنْدَهُ دِرَايَةٌ فِي أُصُولِ التَّرْبِيَةِ وَقَوَاعِدِهَا يَعْلَمُ بِيَقِينٍ أَنَّ هَذِهِ اللَّفَتَاتِ الْقُرْآنِيَّةَ تَدُلُّ دَلَالَةً وَاضِحَةً عَلَى أَنَّ الْإِسْلَامَ اهْتَمَّ اهْتِمَامًا بَالِغًا بِتَرْبِيَةِ الْوَلَدِ مُنْذُ أَنْ يَعْقِلَ عَلَى الْحَيَاءِ الْمَمْدُوحِ، وَالسُّلُوكِ الِاجْتِمَاعِيِّ الْخَيِّرِ، وَالْأَدَبِ الْإِسْلَامِيِّ الرَّفِيعِ، حَتَّى إِذَا بَلَغَ الْوَلَدُ سِنَّ الشَّبَابِ كَانَ النَّمُوذَجَ الْحَيَّ فِي كَرِيمِ أَخْلَاقِهِ، وَحَمِيدِ فِعَالِهِ.

 

فَاتَّقُوا اللَّهَ – عِبَادَ اللَّهِ – وَتَأَدَّبُوا بِهَذَا الْأَدَبِ الرَّفِيعِ، وَعَلِّمُوهُ أَبْنَاءَكُمْ. رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ: أَنَّ مُوسَى بْنَ طَلْحَةَ قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ أَبِي عَلَى أُمِّي، فَدَخَلَ فَاتَّبَعْتُهُ، فَالْتَفَتَ فَدَفَعَ فِي صَدْرِي حَتَّى أَقْعَدَنِي عَلَى أُسْتِي – أَيْ: دَفَعَهُ حَتَّى وَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ – ثُمَّ قَالَ: أَتَدْخُلُ بِغَيْرِ إِذْنٍ؟ فَتَأَمَّلُوا حِرْصَهُمْ عَلَى الِاسْتِئْذَانِ.

 

أَسْأَلُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ عِلْمًا نَافِعًا، وَعَمَلًا خَالِصًا، وَسَلَامَةً دَائِمَةً، أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ، فَاسْتَغْفِرُوهُ؛ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

 

الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ

الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى إِحْسَانِهِ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَامْتِنَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الدَّاعِي إِلَى رِضْوَانِهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.

 

ثَالِثًا وَأَخِيرًا: اللَّهَ اللَّهَ فِي حِفْظِ الْعَوْرَاتِ.

أَيُّهَا السَّادَةُ: وَمِنَ الْآدَابِ: الِاسْتِئْذَانُ قَبْلَ الدُّخُولِ عَلَى الْمَحَارِمِ، حَتَّى لَوْ كَانُوا فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَدْخُلَ عَلَى أُمِّهِ أَوْ أُخْتِهِ، وَهِيَ فِي هَيْئَةٍ لَا تُحِبُّ أَنْ يَرَاهَا فِيهَا، أَوْ تَكُونَ عُرْيَانَةً، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَرَى الرَّجُلُ أُمَّهُ، وَلَا ابْنَتَهُ، وَلَا أُخْتَهُ، وَلَا ذَاتَ مَحْرَمٍ مِنْهُ عُرْيَانَةً. عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: أَسْتَأْذِنُ عَلَى أُمِّي؟ فَقَالَ: «مَا عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهَا تُحِبُّ أَنْ تَرَاهَا». صَحِيحُ الْإِسْنَادِ – رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي (الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ). وَعَنْ مُسْلِمِ بْنِ نُذَيْرٍ قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ حُذَيْفَةَ، فَقَالَ: أَسْتَأْذِنُ عَلَى أُمِّي؟ فَقَالَ: «إِنْ لَمْ تَسْتَأْذِنْ عَلَيْهَا رَأَيْتَ مَا تَكْرَهُ». وَفِي رِوَايَةٍ: «مَا يَسُوؤُكَ». حَسَنُ الْإِسْنَادِ – رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي (الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ). وَعَنْ عَطَاءٍ قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، فَقُلْتُ: أَسْتَأْذِنُ عَلَى أُخْتِي؟ فَقَالَ: «نَعَمْ». فَأَعَدْتُ، فَقُلْتُ: أُخْتَانِ فِي حِجْرِي، وَأَنَا أَمُونُهُمَا، وَأُنْفِقُ عَلَيْهِمَا، أَسْتَأْذِنُ عَلَيْهِمَا؟ قَالَ: «نَعَمْ، أَتُحِبُّ أَنْ تَرَاهُمَا عُرْيَانَتَيْنِ؟!» ثُمَّ قَرَأَ: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ... ﴾ إِلَى ﴿ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ ﴾. قَالَ: «فَلَمْ يُؤْمَرْ هَؤُلَاءِ بِالْإِذْنِ إِلَّا فِي هَذِهِ الْعَوْرَاتِ الثَّلَاثِ». قَالَ: ﴿ وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ ﴾. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «فَالْإِذْنُ وَاجِبٌ عَلَى النَّاسِ كُلِّهِمْ». صَحِيحُ الْإِسْنَادِ – رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي (الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ). وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلزَّوْجِ: فَلَا يَجِبُ أَنْ يَسْتَأْذِنَ قَبْلَ الدُّخُولِ عَلَى الزَّوْجَةِ، فَإِنْ فَعَلَ فَحَسَنٌ. تَقُولُ زَيْنَبُ امْرَأَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا –: «كَانَ عَبْدُ اللَّهِ إِذَا دَخَلَ تَنَحْنَحَ وَصَوَّتَ». صَحِيحٌ – رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. وَقَالَتْ: «كَانَ عَبْدُ اللَّهِ إِذَا جَاءَ مِنْ حَاجَةٍ فَانْتَهَى إِلَى الْبَابِ، تَنَحْنَحَ وَبَزَقَ؛ كَرَاهَةَ أَنْ يَهْجُمَ مِنَّا عَلَى أَمْرٍ يَكْرَهُ». إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ – رَوَاهُ الطَّبَرِيُّ فِي (تَفْسِيرِهِ)؛ وَلِهَذَا قَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا –: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَطْرُقَ الرَّجُلُ أَهْلَهُ لَيْلًا؛ يَتَخَوَّنُهُمْ، أَوْ يَلْتَمِسُ عَثَرَاتِهِمْ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

 

عَلَى الْأُسْرَةِ أَنْ تُعَمِّمَ هَذَا الْأَدَبَ بَيْنَ جَمِيعِ أَفْرَادِهَا؛ لِيَنْعَمَ الْجَمِيعُ بَيْنَ أُبُوَّةٍ بَانِيَةٍ تُمَثِّلُ الْأُسْوَةَ وَالْقُدْوَةَ، وَبَيْنَ أُمُومَةٍ حَانِيَةٍ تَمْلَأُ الْبَيْتَ حَنَانًا وَلُطْفًا، وَبَيْنَ أُخُوَّةٍ صَادِقَةٍ تَشْمَلُهَا الْمَوَدَّةُ وَالرَّحْمَةُ. ﴿ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾. فَهُوَ الْعَالِمُ بِمَا خَلَقَ؛ ﴿ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ﴾ [الْمُلْكِ: 14]. وَهُوَ الْحَكِيمُ فِيمَا شَرَعَ؛ فَجَعَلَ لِلْبُيُوتِ حُرْمَةً، وَحَفِظَ أَهْلَهَا مِنْ حَرَجِ الْمُفَاجَآتِ، وَضِيقِ الْمُبَاغَتَاتِ، كَمَا حَفِظَ لِلْبُيُوتِ أَسْرَارَهَا، وَلِلْمُؤْمِنِينَ حَيَاتَهُمْ فِيهَا، وَجَعَلَهَا حَيَاةَ طُهْرٍ وَرَغَدٍ وَصَفَاءٍ. إِنَّ الْإِسْلَامَ دِينُ التَّكَامُلِ وَالرُّقِيِّ، وَالْأَدَبِ وَالذَّوْقِ الرَّفِيعِ، فَمِنْ أَيْنَ لِهَذَا النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ كُلُّ هَذِهِ الْآدَابِ وَالشَّمَائِلِ وَالتَّوْجِيهَاتِ الرَّاقِيَةِ؟ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الَّذِي أَدَّبَ نَبِيَّهُ فَأَحْسَنَ تَأْدِيبَهُ، وَأَدَّبَ هَذِهِ الْأُمَّةَ بِمَا جَاءَ فِي كِتَابِهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ مِنْ أَخْلَاقٍ وَآدَابٍ.

 

اللَّهَ اللَّهَ فِي حِفْظِ الْعَوْرَاتِ، وَصِيَانَةِ الْحُرُمَاتِ، وَرِعَايَةِ حُقُوقِ الْبُيُوتِ؛ فَإِنَّ الْبُيُوتَ أَسْرَارٌ، وَالْعَوْرَاتِ أَمَانَاتٌ، وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِهَذَا الْأَمْرِ مِنَ الْآدَابِ وَالتَّوْجِيهَاتِ مَا يَحْفَظُ عَلَى الْمُجْتَمَعِ طُهْرَهُ، وَعَلَى الْأُسَرِ سَكِينَتَهَا وَعِفَّتَهَا. فَلَا يَطَّلِعَنَّ أَحَدٌ عَلَى مَا لَا يَحِلُّ لَهُ، وَلَا يَسْتَبِيحَنَّ حُرْمَةَ بَيْتٍ إِلَّا بِإِذْنِ أَهْلِهِ، وَعَلِّمُوا أَبْنَاءَكُمْ أَدَبَ الِاسْتِئْذَانِ، وَرَبُّوهُمْ عَلَى الْحَيَاءِ وَالْأَدَبِ؛ فَإِنَّ الْحَيَاءَ مِنَ الْإِيمَانِ، وَمَنْ حَفِظَ حُرُمَاتِ النَّاسِ حَفِظَ اللَّهُ حُرُمَاتِهِ. اللَّهَ اللَّهَ فِي حِفْظِ الْعَوْرَاتِ، فَإِنَّ مَنْ حَفِظَ حُرُمَاتِ النَّاسِ حَفِظَ اللَّهُ حُرْمَتَهُ، وَمَنْ تَسَاهَلَ فِي ذَلِكَ عَرَّضَ نَفْسَهُ لِسَخَطِ اللَّهِ وَمَقْتِ النَّاسِ. فَالْبُيُوتُ لَهَا حُرْمَتُهَا، وَالْأَهْلُ لَهُمْ خُصُوصِيَّتُهُمْ، وَالْعَوْرَاتُ لَهَا سِتْرُهَا، فَلَا يَجُوزُ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ، وَلَا أَنْ يَتَجَسَّسَ أَوْ يَتَطَلَّعَ عَلَى أَسْرَارِ النَّاسِ. وَاعْلَمُوا – عِبَادَ اللَّهِ – أَنَّ مِنْ تَمَامِ الْإِيمَانِ وَكَمَالِ الْأَخْلَاقِ أَنْ يَحْفَظَ الْمَرْءُ بَصَرَهُ، وَيَصُونَ جَوَارِحَهُ، وَيَلْتَزِمَ آدَابَ الِاسْتِئْذَانِ الَّتِي شَرَعَهَا اللَّهُ تَعَالَى؛ حِفْظًا لِكَرَامَةِ الْإِنْسَانِ، وَصِيَانَةً لِطَهَارَةِ الْمُجْتَمَعِ. اللَّهُمَّ احْفَظْ عَلَيْنَا بُيُوتَنَا، وَآمِنْ رَوْعَاتِنَا، وَاسْتُرْ عَوْرَاتِنَا، وَاجْعَلْ بُيُوتَ الْمُسْلِمِينَ مَوَاطِنَ سَكِينَةٍ وَمَوَدَّةٍ وَرَحْمَةٍ، وَوَفِّقْنَا لِاتِّبَاعِ كِتَابِكَ وَسُنَّةِ نَبِيِّكَ صلى الله عليه وسلم.

 

فَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ، وَامْتَثِلُوا هَدْيَ نَبِيِّكُمْ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ أَمَرَكُمْ بِأَمْرٍ بَدَأَ فِيهِ بِنَفْسِهِ، وَثَنَّى فِيهِ بِمَلَائِكَتِهِ الْمُسَبِّحَةِ بِقُدْسِهِ، فَقَالَ: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [الْأَحْزَابِ: 56].





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • آداب الاستئذان
  • آداب الاستئذان (خطبة)
  • آداب الاستئذان في الإسلام
  • سلسلة الآداب الشرعية (آداب الاستئذان)
  • آداب الاستئذان والمجلس (خطبة)
  • من آداب الاستئذان

مختارات من الشبكة

  • الموسوعة الندية في الآداب الإسلامية - آداب الجنائز - (ي) الآداب الخاصة بالقبر (WORD)(كتاب - مكتبة الألوكة)
  • الموسوعة الندية في الآداب الإسلامية - آداب الجنائز - (و) الآداب الخاصة بتشيع الجنازة (WORD)(كتاب - مكتبة الألوكة)
  • الموسوعة الندية في الآداب الإسلامية - آداب الجنائز - (هــ) الآداب الخاصة بصلاة الجنازة (WORD)(كتاب - مكتبة الألوكة)
  • الموسوعة الندية في الآداب الإسلامية -آداب الجنائز - (ط) الآداب الخاصة بالعدة والإحداد (WORD)(كتاب - مكتبة الألوكة)
  • الموسوعة الندية في الآداب الإسلامية -آداب الجنائز - (ز) الآداب الخاصة بدفن الميت (WORD)(كتاب - مكتبة الألوكة)
  • الموسوعة الندية في الآداب الإسلامية -آداب الجنائز - (حـ) الآداب الخاصة بالتعزية (WORD)(كتاب - مكتبة الألوكة)
  • الموسوعة الندية في الآداب الإسلامية - آداب الجنائز - (ج) الآداب الخاصة بتغسيل الميت (WORD)(كتاب - مكتبة الألوكة)
  • الموسوعة الندية في الآداب الإسلامية - آداب الجنائز - (ب) الآداب التي ينبغي أن تفعل بعد الوفاة (WORD)(كتاب - مكتبة الألوكة)
  • الموسوعة الندية في الآداب الإسلامية - آداب الجنائز - (أ) الآداب التي ينبغي أن تفعل قبل الوفاة (WORD)(كتاب - مكتبة الألوكة)
  • الموسوعة الندية في الآداب الإسلامية - آداب العيد (PDF)(كتاب - مكتبة الألوكة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • مساجد بريطانيا تفتح أبوابها أمام الجميع في النسخة الـ11 من «زر مسجدي»
  • «الرعاية معا».. مؤتمر طبي إسلامي يجمع 200 متخصص وطالب في أستراليا
  • التوسع في البرامج القرآنية للأطفال والبالغين في الفولغا مع بداية العام الدراسي
  • انطلاق أولى محاضرات موسم الشباب المسلم بتتارستان
  • احتفالات قرآنية في بورغاس وفيلكو تارنوفو تكرم أطفالا أتموا قراءة القرآن الكريم
  • المالديف تستهدف الوصول إلى 500 حافظ وحافظة للقرآن الكريم خلال العام
  • فتح التسجيل لدورات القرآن الكريم للأطفال في غرناطة
  • رغم صعوبات النقل مساعدات إسلامية مستمرة لمتضرري فيضانات نيبال

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1448هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 9/4/1448هـ - الساعة: 15:42
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب