• الصفحة الرئيسية خريطة الموقع RSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
  • Facebook
  • Twitter
  • YouTube
  • Instagram
  • Telegram
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد   إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | مقالات شرعية   دراسات شرعية   نوازل وشبهات   منبر الجمعة   روافد   من ثمرات المواقع  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    سلسلة: حين يخاطبك القرآن: حين تفتح أبواب الرحمة: ...
    نوال محمد سعيد حدور
  •  
    صناعة التفاهة وسقوط الموازين (خطبة)
    الشيخ عبدالخالق حنش
  •  
    فصول في ظلال السيرة النبوية (6): (الجهر بالدعوة)
    أ. د. علي حسن الروبي
  •  
    أثر تصحيح العقد على الزمن السابق للتصحيح
    د. نايف بن محمد اليحيى
  •  
    الإنفاق على اليتامى جهاد في سبيل الله
    د. خالد بن محمود بن عبدالعزيز الجهني
  •  
    الراحمون يرحمهم الرحمن (خطبة)
    خميس النقيب
  •  
    نعمة الماء وذم الإسراف (خطبة)
    د. محمد بن مجدوع الشهري
  •  
    يعلمنا القرآن (5): عاقبة كفران النعم زوالها
    ميسون عبدالرحمن النحلاوي
  •  
    مراقبة الله سبيل لدخول الجنة
    الشيخ ندا أبو أحمد
  •  
    منهج البخاري ومسلم في ترك أحاديث هي أصل في بابها ...
    نورة بنت صالح النفجان
  •  
    سب الله تعالى وسب دينه (خطبة)
    الشيخ د. إبراهيم بن محمد الحقيل
  •  
    طيبون.. حتى الممات (خطبة)
    عبدالله بن إبراهيم الحضريتي
  •  
    السلسلة الذهبية في السيرة النبوية (2) العالم ...
    الشيخ عبدالله محمد الطوالة
  •  
    نسوا ما ذكروا به، ونسوا حظا مما ذكروا به
    أ. د. فؤاد محمد موسى
  •  
    هندسة الأخلاق في الإسلام: بين العلو والسفول
    محمد بكر
  •  
    الجمع بين الشرب والاغتسال من أثر العائن
    الشيخ عبدالرحمن بن سعد الشثري
شبكة الألوكة / آفاق الشريعة / مقالات شرعية / سيرة
علامة باركود

فصول في ظلال السيرة النبوية (6): (الجهر بالدعوة)

فصول في ظلال السيرة النبوية (6): (الجهر بالدعوة)
أ. د. علي حسن الروبي

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 22/10/2026 ميلادي - 12/5/1448 هجري

الزيارات: 129

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

حديث الهاشمي

فصول في ظلال السيرة (6)

(الجهر بالدعوة)

 

بعد ثلاثة أعوام من الدعوة السرية أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالجهر بالدعوة والإعلان بها، فنزل عليه قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: 214].

 

وتنقل روايات كتب السيرة أنه عند نزول هذه الآية قد دعا النبي - صلى الله عليه وسلم- قبيلته (بني هاشم) إلى طعام في بيته، وتحدث إليهم، فكان مما قال: «إن الرائد لا يكذب أهله، والله الذي لا إله إلا هو، إني رسول الله إليكم خاصة، وإلى الناس عامة، والله لتموتنّ كما تنامون، ولتبعثنّ كما تستيقظون، ولتحاسبنّ بما تعملون، وإنها للجنة أبدًا، أو النار أبدًا».

 

فقال أبو طالب: ما أحبّ إلينا معاونتك، وأقبلنا لنصيحتك، وأشدّ تصديقنا لحديثك!! وهؤلاء بنو أبيك مجتمعون، وإنما أنا أحدهم، غير أني أسرعهم إلى ما تحب فامض لما أمرت به، فو الله لا أزال أحوطك وأمنعك؛ غير أن نفسي لا تطاوعني على فراق دين عبد المطلب.

فقال أبو لهب: هذه والله السّوءة!! خذوا على يديه قبل أن يأخذكم غيركم.

فقال أبو طالب: (والله لنمنعنه ما بقينا) انتهى.

 

ويكشف هذا المجلس عن موقفين متغايرين لرجلين من ألصق الناس نسبًا بالنبي -صلى الله عليه وسلم- وهما عمّاه: أبو طالب وأبو لهب، وكلاهما بقي على دين الآباء لم يتزحزح عنه، غير أن الأول حملته داعية الرحم والقرابة وحبه للنبي -صلى الله عليه وسلم- وما يعلمه جيدًا من كمال أخلاقه ونزاهة شخصيته على أن يحوطه وأن يدافع عنه ما استطاع، وإنْ تمسك بدين آبائه.

 

وأما الرجل الثاني فلم يكتف بعدم الدخول في دين محمد - صلى الله عليه وسلم- ولا تركِ النصرة والمحاماة اللتين توجبهما حمية القرابة والنسب، بل دخل في لجج المخالفة والخصومة والمبالغة في العداوة والإيذاء؛ حتى صار هو وزوجته من مشاهير أعداء النبي - صلى الله عليه وسلم- في مكة، وحتى نزل في شأنه وشأن امرأته قرآنٌ يتلى على مر الدهور.

 

إننا سنرى هذا العم ذا النسب القريب يتبع النبي - صلى الله عليه وسلم- في موسم الحج، حيث كان يغشى القبائل في منازلها بشعاب مكة وفجاجها، يدعوها إلى الدين الذي جاء به، فيمشي عمه وراءه، قائلًا ومحذرًا لهم: " لا تصدقوه فإنه صابئ"!

 

وليس أشد إيلامًا للنفس من أن يكون إيذاؤها على يد ألصق الناس بها رحمًا وأقربهم منها نسبًا؟! إن مثل هذا التصرف من أبي لهب؛ لهو أشد وقعًا وإيلامًا للقلب من الأذى الحسي الذي كان يمارسه ضده هو وزوجته (أم جميل أروى بنت حرب)، كوضع الشوك أو العذرة أمام بابه حيث كانوا جيرانًا له في المنزل، وكأمرهما ولديهما أن يُطلِّقا ابنتي النبي صلى الله عليه وسلم، وغير ذلك من صنوف الأذى.

 

ومن الجدير بالذكرأنه قد انقسم الهاشميون في شأن الإيمان بمحمد - صلى الله عليه وسلم -كما انقسم أقرب القبائل إليهم نسبًا كإخوانهم (بني عبد شمس وبني المطلب وبني نوفل)، إذ كلهم ولدٌ لعبد مناف بن قصي، وكذلك انقسمت قريش بقبائلها تجاهه، فآمن ناس من السادة والسراة، ومن عامة الناس وأواسطهم، ومن مواليهم وعبيدهم، وإن كان من آمنوا وصدقوا قليل في جنب من كفروا وكذبوا.

 

ولا غرابة في ذلك، أعني دخول الإيمان في قلوب الناس بمختلف طبقاتهم الاجتماعية وأوضاعهم المالية وانتماءاتهم القبلية ومراحلهم العمرية، فالإسلام ليس دعوة عرقية ولا قومية، بل دعوة عالمية إنسانية، تربط الإنسان من حيث هو بخالق هذا الكون، ولا مزية فيها لإنسان على إنسان إلا بمقدار تحققه بالإيمان ذلك الخالق واعتصامه بمنهجه وشريعته.

 

ولما كان الأمر وجدنا بعض أقارب نبي الإسلام وألصقهم به نسبًا كفروا به وكذبوه، فاستحقوا في ذاكرة الإسلام الذم والضعة، بينما آمن به بعض العبيد والموالي فاستحقوا في ذاكرة الإسلام التمجيد والرفعة.

 

فلم يكن الإسلام يومًا دعوة هاشمية ولا قرشية ولا مضرية ولا عربية، بل رسالة سماوية إلهية، بادر إليها أناس من خارج بني هاشم وقريش، ومن أصول وطبقات متباينة، في حين رفضها بعض أقرب الناس نسبًا بالنبي صلى الله عليه وسلم.

 

وإن المرء ليعجب من المحاولة العبثية لجعل دعوة الإسلام دعوة قومية، قام بها (الحزب الهاشمي)، وأنها امتداد لجهود سابقة في تلك الغاية، أبرزها جهود عبد المطلب بن هاشم في توحيد العرب تحت سيادة قبيلة بني هاشم!

 

فكيف تختزل الرسالة الإسلامية ذات البعد الاعتقادي والأخلاقي، والتي تقدم تصورًا كاملًا عن الوجود الإنساني وغاياته وأهدافه، وعلاقة الإنسان بربه، وتقدم منظومة تشريعية مؤطرة بالقيم الأخلاقية الصارمة، كيف تختزل في دعوة قبلية ضيقة؟! على حين أنه لو نظرنا إلى مقاصد القرآن والسنة النبوية لم نجد المشروع السياسي غاية حاكمة على تشريعات الرسالة.

 

إنّ من صميم هذا الدين الإزراء بالحياة الدنيا ومفاخرها ومباهجها وأمجادها، والتزهيد فيها والنهي عن الاغترار بها، مع الإعلاء من شأن الآخرة ونعيمها ولذائذها ورتبها، وإعظام رغبة الإنسان فيها، وتوجيه تطلعاته وآماله وأحلامه نحو الدار الآخرة، فكيف يسوغ تصويره ستارًا لدعوة قومية قاصرة تحمل طموحات سياسية محدودة لإحدى القبائل المكية؟!

 

نعود إلى حديثنا عن الجهر بالدعوة، فنقول:

إن كتب السنة النبوية قد نقلت في شأن بداية الجهر بالدعوة رواية أخرى غير تلك المنقولة في كتب السيرة، ففي صحيح مسلم أنه لما نزلت الآية السابقة ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾، صعد النبي صلى الله عليه وسلم على جبل الصفا، فَقَالَ: "يَا صَبَاحَاهُ"، فَقَالُوا: مَنْ هَذَا الَّذِي يَهْتِفُ؟ قَالُوا: مُحَمَّدٌ، فَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ، وَجَعَلَ الرَّجُلُ إِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَخْرُجَ أرْسَلَ رَسُولًا لِيَنْظُرَ، فَجَاءَ أَبُو لَهَبٍ وقُرَيْشٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "أرَأَيْتُكُمْ لَوْ أخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلًا بِالوَادِي تُرِيدُ أَنْ تُغِيرَ عَلَيْكُمْ أكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ؟"، قالُوا: نَعَمْ، مَا جَرَّبْنَا عَلَيْكَ كَذِبًا، قَالَ: "فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ"، فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ: تَبًّا لَكَ سَائِرَ اليَوْمِ! ألِهَذَا جَمَعْتَنَا؟، فنَزَلَتْ ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ . . .﴾ انتهى.

 

ولنا وقفة مع قولهم: ما جربنا عليك كذبًا قط.

فالحق أن النبي - صلى الله عليه وسلم- كان أبعد رجل في قريش عن التهمة بالكذب، ولكن تكذيبه وعدم الإيمان به من جانب القرشيين، كان في الغالب يرجع إلى أحد أمرين:

الأمر الأول: يتعلق بالإلف والعادة، ومتابعة دين الآباء، والتمسك بالقديم ونبذ الجديد الذي يعادي المألوف والموروث، وهذا سلوك إنساني ونمط اجتماعي موجود في كل المجتمعات وفي كل العصور.

 

وغني عن البيان أنه ليس كل قديم ومورث يكون خطأ وليس كل جديد ومستحدث يكون صوابًا، وأن العبرة بوزن الأفكار والدعوات بموازين الحق والعدل، وقبولها أو رفضها تبعًا لما تمليه قناعات العقول المتجردة عن الأهواء، ودلالات الضمائر المتجردة عن الأطماع.

 

ولقد كانت قريش تألف عبادة الأوثان كما كانت تألفها العرب جميعًا، وهم ورثوها عن آبائهم وأجدادهم، فلم تكن قريش ولا العرب من حولها ملاحدة ينكرون الله خالقًا أو ربًا لهذا الكون، كيف وعند قريش نفسها بيتُ الله وكعبته، ويمارسون الحج وغيره من الشعائر المتبقية من دين إبراهيم عليه السلام.

 

فلم يكن كفر قريش ومَن ورائها من العرب قائمًا على إنكار الخالق، بل بإشراك غيره معه في العبادة، واتخاذ المعبودات وسائط وشفعاء يتقربون بعبادتها إلى الله تعالى، كما قصه القرآن عنهم ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: 3].

 

وقد جاء الإسلام بهدم هذه العقيدة، وأنه لا بد من إفراد الله تعالى بالعبادة، وأنه الذي يملك الشفاعة، فلا ينبغي اتخاذها وسيلة لعبادة غيره معه.

 

فكان ما جاءهم النبي -صلى الله عليه وسلم -من ضرورة إفراد الله تعالى بالتوجه والقصد ظاهرًا وباطنًا، في حال الشدائد والنوائب وفي حال الرخاء واليسر، وصرف ألوان التعبد والتقرب من نذور وذبائح ونسائك إليه وحده سبحانه، وأنّ من تفرد بالخلق والرزق والإحياء والإماتة يجب أن يُفرده الناس بصنوف التعبد وأنواع التقرب ومظاهر التذلل والتخشع. أقول: كان ما جاءهم به من التوحيد خروجًا عن دينهم المعهود وانقلابًا على ناموسهم المورث، فرفضوه وقاوموه وحاربوه بلا تمحيص نظرٍ ولا إعمال فكرٍ في أي الدينين أهدى سبيلًا ولا أيهما في العقل أولى قبولًا.

 

والأمر الثاني: يتعلق بالكبر والحسد، الكبر عن الظهور بمظهر التابع لمحمد -صلى الله عليه وسلم-، والحسد له أن يكون هو النبي المتبوع. وكانت هذه مشكلة أهل الشرف والسيادة في قريش، فكان بعضهم ينظر إلى النبوة على أنها مجد شخصي دنيوي، وما دامت كذلك في نظر الواحد منهم، فكيف يُخص محمد بهذا المجد ويحرموا هم منه؟! وفي مجتمع قبلي كانت القبائل تتفاخر على بعضها بأن منهم شاعرًا أو فارسًا، فكيف سيصير التفاخر إذا كان المتفاخر به نبيًا من عند الله؟! وكيف سينعكس ذلك على ترتيب مكانة القبائل ورفعتها في مكة بعد أن تصير إحداها قبيلة نبي؟

 

هكذا كان يفكر السراة والأشراف في مكة من المشغولين بالجاه والرئاسة والتنافس الاجتماعي على الجانب الشخصي أو القبلي.

 

ولذلك سنجد أحد أشراف مكة وسادتها (وهو الوليد بن المغيرة) يصرح بأنه الحقيق لأنْ يتنزل عليه الوحي، والجدير بأن يكون موضع الرسالة، لما له من مال وسيادة وشرف لا يجاريه في ذلك أحد مثله، فإن كان الله لا بد مرسلًا نبيًا فهو الخليق بذلك في مكة أو عمرو بن عمير الثقفي سيد بني ثقيف في الطائف، ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ * أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ [الزخرف: 31، 32].

 

وهذا أبو الحكم بن هشام أحد سادات بني مخزوم، والذي عرف في التاريخ بـ(أبي جهل) والذي كان مشغولًا بمنزلة قبيلته بني مخزوم في مكة ومنافستها مع قبيلة بني عبد مناف (القبيلة الأم لقبيلة بني هاشم) يقول في وضوح: ((تَنازَعْنا نَحْنُ وَبَنُو عَبْدِ مَنَافٍ الشَّرَفَ، أطْعَمُوا فَأَطْعَمْنا، وحَمَلُوا فَحَمَلْنا، وأعْطُوا فَأَعْطَيْنا، حَتَّى إِذَا تحَاذَيْنا عَلَى الرَّكْبِ، وكُنَّا كَفَرَسَيْ رِهَانٍ، قَالُوا: مِنّا نَبِيٌّ يَأْتِيهِ الوَحْيُ مِنَ السَّمَاءِ، فَمَتَى نُدْرِكُ مِثْلَ هَذِهِ؟ واللَّهِ لا نُؤْمِنِ بِهِ أبَدًا وَلَا نُصَدِّقُهُ)).

 

وهذه ليست كلمات عابرة، بل هي تعبير حقيقي عن النظرة الأرضية للنبوة وأنها منزلة ووجاهة سياسية أو اجتماعية، وليست هداية للناس وربطًا لهم بربهم وخالقهم.

 

وهذا العامل أيضا (الكبر) هو الذي حمل السادة من قريش أن يعرضوا على النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يطرد العبيد والضعفاء والدهماء ممن آمن به ولا يجلس إليهم، وأنه إذا فعل ذلك جلسوا هم إليه ونظروا فيما يتلوه؛ لأنه من غير المعقول أن يكونوا هم والسوقة في مكانٍ واحدٍ أو يخاطبوا بخطابٍ واحدٍ أو يكلفوا بأوامر واحدةٍ. وقد سجل القرآن نهى الله عز شأنه- نبيه صلى الله عليه وسلم عن أن يستجيب لهذا الاقتراح: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: 52].

 

والكبر كذلك هو الذي حملهم على أن يستدلوا على صحة كفرهم وعدم إيمانهم بأن الضعفاء والموالي سارعوا إلى الإيمان بمحمد -صلى الله عليه وسلم-، وكيف يُعقل- في نظرهم- أن يبادر الدهماء والفقراء إلى شيء صحيح في ذاته ويتأخر عنه أرباب المال والجاه والشرف؟! ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾ [الأحقاف: 11].

 

ولعامل التقليد والإلف وكراهة الخروج عن الموروث والسائد وجدنا أكثر المستجيبين لدعوة الدين الجديد من الشباب، الذين لم تعمل العادة والتقليد فيهم عملهما.

 

ولعامل الكبر والحسد وجدنا أن أكثر المستجيبين إلى الإسلام كانوا من الضعفاء والعبيد وحواشي الناس ممن لا تقف عوائق السيادة والشرف عائقًا بينهم وبين الدخول فيه.

 

ومن المعلوم أن القرآن في المرحلة المكية كان يكثر فيه الحديث عن قصص الأنبياء السابقين وما لاقوه من تكذيب أقوامهم لهم، ومحاورة الأنبياء مع أقوامهم، ومآل من كذب الرسل ومن آمن بهم، بجانب قضيته المركزية وهي تقرير التوحيد وسوق الأدلة عليه وإقامة الحجج على المشركين وكشف تناقضاتهم، وذم ما ابتدعوه من طقوس وشعائر.

 

كما أن القرآن تعرض للانحرافات الأخلاقية في المجتمع الجاهلي كأكل أموال الناس بالباطل من الربا والميسر، والظلم والبغي وغيرها من الانحرافات.

 

فكان نزول القرآن بهذه الأشياء مع الجهر بالدعوة لا بد أن يؤدي إلى حدوث مواجهة مع قريش، فمشى رجال من أشرافها إلى أبي طالب، وسألوه أن يحمل ابن أخيه على الكف عن سب آلهتهم وسبهم وعيبها وعيبهم، وكان أبو طالب رجلًا حكيمًا عاقلًا؛ فألان لهم القول وطيب خواطرهم وانصرفوا عنه.

 

ورأت قريش كذلك أنه ليس من الحكمة تفرق كلمتها في شأن محمد وتشخيص حاله، إذ منهم مَن كان يصفه بالشاعر ومنهم مَن يغمزه بالجنون ومنهم مَن يرميه بالسحر ومنهم من يتهمه بالكهانة، رأت أنّ هذا التفرق في وصفه سيكون في مصلحته هو حينما يعرض دعوته على العرب في موسم الحج، وأن العقل يقتضي توحيد التهمة ليكون لها وقع عند العرب، فيجتنبوا الإصغاء إليه أو الانخداع بحديثه. ومع أن الوليد بن المغيرة المخزومي فنّد جميع تلك المقولات وأنها غير صادقة على حال محمد -صلى الله عليه وسلم-، إلا أنه أوصى في النهاية بإلصاق تهمة السحر به؛ وعلل صلاحية هذه التهمة بأن محمدًا -صلى الله عليه وسلم- قد فرّق بدعوته الجديدة بين الأخ وأخيه والابن وأبيه والمرأة وزوجها، والتفريق بين الأحبة من أعمال السحرة!

 

ومع الجهر بالدعوة بدأ بعض القرشيين بمقاومتها بطلب حصول خوارق كونية ليستدلوا بها على صدق النبي صلى الله عليه وسلم، كطلبهم أن تتزحزح الجبال عن مكة وتصبح أرضها سهلية تفيض بالماء والأنهار كأنهار الشام والعراق، أو أن يصبح جبل الصفا ذهبًا خالصًا، أو أن تتنزل عليهم صحفٌ من السماء مكتوب فيها أن محمدًا نبي مرسل، أو أن يروا الملائكة كما يراها هو، ومنهم من اقترح اقتراحات خاصة على النبي -صلى الله عليه وسلم- مثل تنزيل كنز من السماء عليه، أو أن يكون له ضيعة من بساتين وأنهار، أو أن يصعد في السماء أمام أعينهم، وزعم بعضهم أنه لا يصح أن يكون حال النبي المرسل من السماء كحال أحدهم يمشي في الأسواق ويعالج التكسب وأمور المعاش، بل لا بد أن يكون صاحب كنوز وضيعات....إلخ

 

وقد جرت سنة الله تعالى في الأمم السابقة أن من يطلبون شيئًا من هذه الخوارق ثم يعطى النبي المرسل ما سأله قومه ولا يؤمنون به، أنه ينزل عليهم العذاب وتحق عليهم كلمته، ويستأصلون عندها. ولذلك لم يجب أولئك المتعنتون إلى ما طلبوا حتى لا تحق عليهم كلمة العذاب.

 

ومن الطبيعي ألا يستجيب النبي صلى الله عليه وسلم لهذه الاقتراحات من تلقاء نفسه، فإن أمر الخوارق إلى الله تعالى، وسنته جارية بأن إنزال الآيات مع عدم الإيمان يستوجب إهلاك المكذبين. وكانت حجة النبي -صلى الله عليه وسلم- البالغة حيال طلبهم الدليل على صدقه وكونه مرسلًا من عند الله؛ هي سيرته فيهم قبل النبوة وأنهم لم يعهدوا عليه كذبًا ولم يأثِروا عنه هفوة ولا هنة، وهذا القرآن المعجز الذي أصبح يتلوه عليهم، وقد لبث فيهم عقودًا من الزمن قبل ذلك وما جاءهم بشيء منه.

 

ولم يفت القرشيين في مواجهة الدعوة الجديدة أن يقدموا الإغراءات المالية والسياسية لصاحبها عسى أن يتزحزح عنها أو يتركها، فجاء إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو جالس في البيت الحرام،عتبةُ بن ربيعة وهو أحد سادات قريش وله رابطة نسب مع النبي صلى الله عليه وسلم عند جده ( عبد مناف)، وذكر له أن دعوته فرقت أمر قريش وأحدثت بين أبنائها شرخًا عظيمًا، وأنه إن كان مقصودك من ورائها هو المال، جمعتْ قريش لك الأموال حتى تكون أغنى رجل بين ظهرانيها، وإن كان مقصودك السيادة والرئاسة، فلن تقطع قريش أمرًا دون الرجوع إليك، وإن كان مقصودك الملك جعلتك قريش ملكها، وإن كان الذي يأتيك بالقرآن رئي من الجن فسنطلب لك العلاج حتى تشفى، فما زاد النبي صلى الله عليه وسلم تجاه هذه العروض أن تلا عليه من سورة فصلت: ﴿حم * تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ * وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنا عامِلُونَ﴾.

 

وتدل الرواية على عتبة بن ربيعة قد تأثر بتلك الآيات المتلوة حتى طلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يتوقف، ووجد أن هذا القرآن خارج عما يغمزون به محمدًا – صلى الله عليه وسلم- من السحر أو الكهانة وغيرها من التهم، واقترح على قريش أن تترك محمدًا ودعوته، وأنه سيصطدم بالعرب لا محالة، فإن ظفر بالعرب فما أسعد قريش بابنها وإن هلك فقد استراحوا من عنائه، فما كان من القرشيين إلا أنهم رموه بالوقوع في أسر سحر محمد، فترك عتبة مجادلتهم.

 

وقد رأت قريش أن الأساليب السلمية في مواجهة الدعوة غير ذات جدوى، فاتجهت بعد ذلك إلى العنف والاضطهاد.





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • فصول في ظلال السيرة النبوية (1): تمهيد (آباء ماجدون)
  • فصول في ظلال السيرة النبوية (2): المولد والمنشأ
  • فصول في ظلال السيرة النبوية (3): (الهاشمي في شبابه)
  • فصول في ظلال السيرة النبوية (4): (الاصطفاء بالنبوة)
  • فصول في ظلال السيرة النبوية (5): (قم فأنذر)

مختارات من الشبكة

  • فصول مهمة في التواصي بالحق (WORD)(كتاب - مكتبة الألوكة)
  • فصول في علم الدلالة (PDF)(كتاب - مكتبة الألوكة)
  • فرص وكنوز ليالي الشتاء(مقالة - آفاق الشريعة)
  • "اجلس فقد آذيت": خاطرة تربوية تأصيلية في ضوابط الاستشهاد بالمواقف النبوية(مقالة - مجتمع وإصلاح)
  • السلسلة الذهبية في السيرة النبوية (2) العالم ينتظر النور (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • من مائدة السيرة: التمهيد للهجرة النبوية(مقالة - آفاق الشريعة)
  • دليل مختصر في علم السيرة النبوية (يتضمن مصادر وقواعد وثمرات)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • المدخل إلى علم السيرة النبوية (PDF)(كتاب - مكتبة الألوكة)
  • السيرة النبوية: ما؟ ولم؟(مقالة - آفاق الشريعة)
  • السيرة النبوية وتعزيز القيم والأخلاق في عصر الإلحاد (WORD)(كتاب - آفاق الشريعة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • كالغاري الكندية تحتفي بتاريخ المسلمين وثقافتهم خلال شهر أكتوبر
  • «الإسلام والصحة النفسية».. محاضرة توعوية بعاصمة النمسا
  • الملتقى العالمي الرابع للأئمة والعلماء يعزز التعاون الإسلامي في أستراليا
  • حملة إسلامية في بلغاريا لاستكمال مشروع تعليمي يخدم الأجيال الجديدة
  • مسجد هاجرستاون يستقبل الجمهور في فعاليته السنوية للتعريف بالإسلام
  • انطلاق أعمال ترميم مسجد تاريخي في كوسوفا ضمن جهود صون التراث الإسلامي
  • مبادرة تعليمية إسلامية في فيينا لتعريف السكان بفرص التدريب والتأهيل المهني
  • "المدرسة الدينية 2026".. دورة إلكترونية لتعليم أساسيات الإسلام على مدار عام في القرم

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
  • Facebook
  • Twitter
  • YouTube
  • Instagram
  • Telegram
حقوق النشر محفوظة © 1448هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 11/5/1448هـ - الساعة: 17:0
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب