• الصفحة الرئيسية خريطة الموقع RSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
  • Facebook
  • Twitter
  • YouTube
  • Instagram
  • Telegram
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد   إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | مقالات شرعية   دراسات شرعية   نوازل وشبهات   منبر الجمعة   روافد   من ثمرات المواقع  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    مخالفة الأنظمة المرورية: إثم شرعي وخطر مجتمعي ...
    الشيخ أحمد إبراهيم الجوني
  •  
    سلسلة: حين يخاطبك القرآن: حين تفتح أبواب الرحمة: ...
    نوال محمد سعيد حدور
  •  
    صناعة التفاهة وسقوط الموازين (خطبة)
    الشيخ عبدالخالق حنش
  •  
    فصول في ظلال السيرة النبوية (6): (الجهر بالدعوة)
    أ. د. علي حسن الروبي
  •  
    أثر تصحيح العقد على الزمن السابق للتصحيح
    د. نايف بن محمد اليحيى
  •  
    الإنفاق على اليتامى جهاد في سبيل الله
    د. خالد بن محمود بن عبدالعزيز الجهني
  •  
    الراحمون يرحمهم الرحمن (خطبة)
    خميس النقيب
  •  
    نعمة الماء وذم الإسراف (خطبة)
    د. محمد بن مجدوع الشهري
  •  
    يعلمنا القرآن (5): عاقبة كفران النعم زوالها
    ميسون عبدالرحمن النحلاوي
  •  
    مراقبة الله سبيل لدخول الجنة
    الشيخ ندا أبو أحمد
  •  
    منهج البخاري ومسلم في ترك أحاديث هي أصل في بابها ...
    نورة بنت صالح النفجان
  •  
    سب الله تعالى وسب دينه (خطبة)
    الشيخ د. إبراهيم بن محمد الحقيل
  •  
    طيبون.. حتى الممات (خطبة)
    عبدالله بن إبراهيم الحضريتي
  •  
    السلسلة الذهبية في السيرة النبوية (2) العالم ...
    الشيخ عبدالله محمد الطوالة
  •  
    نسوا ما ذكروا به، ونسوا حظا مما ذكروا به
    أ. د. فؤاد محمد موسى
  •  
    هندسة الأخلاق في الإسلام: بين العلو والسفول
    محمد بكر
شبكة الألوكة / آفاق الشريعة / منبر الجمعة / الخطب / الرقائق والأخلاق والآداب / في النصيحة والأمانة
علامة باركود

الراحمون يرحمهم الرحمن (خطبة)

الراحمون يرحمهم الرحمن (خطبة)
خميس النقيب

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 22/10/2026 ميلادي - 12/5/1448 هجري

الزيارات: 288

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

الراحمون يرحمهم الرحمن


الحمد لله، الحمد لله الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد، الحمد لله الأول فلا شيء قبله، والآخر فلا شيء بعده، والظاهر فلا شيء فوقه، والباطن فلا شيء دونه، لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار، وهو اللطيف الخبير، رحيم بعباده، سبحانه كتب على نفسه الرحمة، ورحمته وسعت كل شيء، بل ورحمته سبقت غضبه، ونشهد أن لا إله إلا الله، لا نعبد إلا إيَّاه، مخلصين له الدين ولو كره الكافرون، وأشهد أن سيدنا ونبينا وقدوتنا محمدٌ رسولُ الله صلوات ربي وسلامه عليه، أرسله رحمة للعالمين ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]، اعتزَّ بالله فأعزَّه، واستنصر بالله فنصره، وتوكَّل على الله فكفاه، وتواضع لله فرفعه، وذلَّل له رقاب الكافرين، اللهم صلِّ وسلم وبارك عليك يا رسول الله، وعلى آلِك وصحبك ومن تبعك بإحسان إلى يوم الدين.

 

أيها المسلمون، عباد الله، دائمًا جدِّدوا إيمانكم بذكر الله، ألَا بذكر الله تطمئن القلوب.

 

أيها المسلمون عباد الله، في وقتنا الحاضر، وفي زماننا المعاصر، طغت الماديات، وتجمَّدَت المشاعر، وتبلَّدَت الأحاسيس، فبرزت ظاهرة القسوة، وطغت المصالح المادية على القيم الإنسانية، كيف؟! ملائكة الرحمة غدوا لمرضاهم زبانية العذاب، غلاء وشقاء، واستغلال وجفاء، ومعلمو الأجيال أصبحوا لطلابهم تجارًا يبيعون فيهم ويشترون، مذكرات ومفكرات، رؤوس ودروس وفلوس، وأصحاب المحلات والبضائع في الأسواق تملَّكَهم الجشع والغش والاحتكار ﴿إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ * أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: ٢-٦]، وهكذا في كل مناحي الحياة- إلا ما رحم ربي- حيث أصبح الإنسان يدور في رحى المنفعة والمصلحة، غابت معاني الشفقة بالضعفاء، وضاعت سحائب الرحمة بالمحتاجين!

 

وأمام هذا الجفاف القاتل، والجو الخانق، والقسوة المقيتة، يبرز "خُلُق الرحمة" كغيث إلهي ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [الشورى: 28]، ومعين نبوي ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107].

 

﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: 128]، يحيي القلوب الميتة، ويرفع الضمائر الساقطة، ويشفي النفوس المريضة، ويقوي الهمم الضعيفة، ويعيد للمجتمع إنسانيته، ويذكرنا بأنه من لا يَرْحَم لا يُرْحَم.

 

عباد الله، لقد كانت الرحمة هي منظور النبي صلى الله عليه وسلم إلى الكون كله، فلم تقتصر رحمته على الرفقاء، بل شملت الأعداء، ولا على الأقوياء بل تخطَّت إلى الضعفاء، ولا على الإنسان بل تعدَّت إلى الحيوان، الكل صغار وكبار، رجال ونساء، نبات وجماد، وإنسان وحيوان.

 

كان صلى الله عليه وسلم يتعامل مع أُمَّته بهذه الرحمة، كيف؟! عندما فتح النبي صلى الله عليه وسلم مكة- ونحن نعلم جميعًا- أن أهل مكة آذوا النبي صلى الله عليه وسلم إيذاءً لا يطيقه بشر، فمنهم من سبَّه، ومنهم من هزئ به، ومنهم من سخر منه، ومنهم من أراد قتله، إلى غير ذلك مما أصاب النبي صلى الله عليه وسلم من أهل مكة، بعد عشر سنوات يدخل النبي صلى الله عليه وسلم- بعد الهجرة- فاتحًا مكة ومعه عشرة آلاف مقاتل، يدخل مكة، يكسر الأصنام، ويُبدِّد الأوهام، ويسقط الأزلام، وينشر السلام، ويصلي في الكعبة، وأمامه كل من تعرض له، وأمامه من سبَّه، وأمامه من نافقة، وأمامه من طمع في قتله، وأمامه من رمى على رأسه القاذورات، وأمامه من سبَّه في أهله، وأمامه من هتك عرضه، إلى غير ذلك، وقفوا جميعًا أمام النبي صلى الله عليه وسلم، وظنوا أنهم سيقتلون اليوم، وأنهم لا مسكن لهم في هذا المكان، ولكن لا يعرفون الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، والسراج المنير، صلى الله عليه وسلم، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: «ما تظنون أني فاعل بكم؟»، قالوا: خيرًا، أخ كريم وابن أخ كريم. فقال لهم: «لا تثريب عليكم اليوم، يغفر الله لكم، اذهبوا فأنتم الطلقاء».

 

ما النتيجة؟ ما النتيجة لهذه الرحمة؟ أن شهد معظمهم أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وفي ذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران: 159].

 

إنه يعلمنا جميعا أننا إذا أسيء إلينا، لا بد لنا أن نتعامل بالرحمة لا بالقسوة، بالعفو لا بالغلظة، باللين لا بالشدة؛ لأن الشدة إذا قابلها شدة يحدث الخصام، وتحدث مشاحنات، ويحدث القتل، أما إذا كنت ليِّن القلب عفوت عمَّن ظلمك، وأعطيت مَن حَرَمَك، ووَصَلْتَ مَن قَطَعَك، وأحسنت حتى إلى من أساء إليك، فإنك تستميله إلى طاعة المولى سبحانه وتعالى، ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: 34].

 

أيها المسلمون، أحد الكفار أخذ سيفه ووضعه على رقبة النبي صلى الله عليه وسلم وقال له: من يمنعك مني الآن؟ يعني السيف وضعه على النبي صلى الله عليه وسلم، وقال له: من يمنعك مني الآن؟ كانت له كلمة واحدة صلى الله عليه وسلم ردًّا عليه، قال له: الله، فترتعد فرائصه ويرتجف قلبه ويضطرب جسده، وترتعش يده، فيقع السيف من يده، ويمسكه صلى الله عليه وسلم، لو أنك في هذا المكان، وفي هذا الموقف، ورجل وضع السيف على رقبتك، وفي حال القتال، ماذا تفعل لو تمكنت منه، لا بد أن تقطعه تقطيعًا، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم قال له بعد أن مسك السيف بيده: «ومن يمنعك مني الآن؟»، فقال له: لا أحد، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «قل: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله»، فقال له: لا، ولكني أعاهدك بأني لا أقاتلك، ولا أكون مع أحد يقاتلك، فرحمه وعفا عنه النبي صلى الله عليه وسلم.

 

كانت النتيجة أن ذهب لقومه فقال لهم: لقد جئتكم من عند خير الناس، وفي إحدى الرِّوايات أنه شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسولُ الله، فقال: لم أقلها عند النبي حتى لا يقول الناس إنني قلتها خوفًا من السيف.

 

أيها المسلمون، لولا رحمة الله لما عشنا، ولولا رحمة الله لما حيينا، ولولا رحمة الله لعوقبنا على ذنوبنا ومعاصينا في حينها ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام: 54].

 

غفور رحيم… رحيم بعباده، رحيم بخلقه كلهم؛ أنسهم وجِنّهم، كافرهم ومؤمنهم، قويهم وضعيفهم، غنيهم وفقيرهم، أبيضهم وأسودهم، وسائر الدواب والعجماوات، رحيم بعباده، يمهل العاصي وينظر المذنب!

 

أمرنا في كل ركعة أن نذكره بهذه الصفة العظيمة ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: 2، 3]، رحمان بالعباد كلهم حتى من كفر وفجر، حتى من ألحد وكذب، ومن تولى وفسد، الله رحمهم فأمهلهم لعلهم يرجعون، لعلهم يتوبون، لعلهم يفيقون، أعطاهم من الدنيا ما لذَّ وطاب، أصحَّ أبدانهم، وأجرى أنفاسهم، ورزقهم الولد، وآمنهم من الخوف وهم كفار، وهم معرضون، وهم منكرون، وهم منافقون، وهم يجعلون معه شريكًا بل شركاء، وهم ينكرون وجوده، ومع ذلك انظروا ما هم فيه من النِّعَم، إنها رحمة الله، وإمهال الله، وصبر الله، وحلم الله، قال سبحانه: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: 156]، مع أنه سبحانه لا يحبهم وغير راضٍ عنهم؛ بل لعنهم وأبغضهم وكرههم، وفي الآخرة إذا ماتوا على كفرهم فالنار مصيرهم.

 

أما الرحيم فإنها خاصة بالمؤمنين، خاصة بمَنْ يعرِف الله ويسجد ويركع له ويحفد، لأهل الرحمة وأهل الخشوع وأهل الخضوع، رحمة قرب، رحمة محبة، رحمة رضا، رحمة هداية واجتباء ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ [غافر: 7].

 

أيها المسلمون، لما خلق الله الخلق كتب في كتاب عنده فوق العرش كما في "صحيح البخاري" عن أبي هريرة رضي الله عنه قال صلى الله عليه وسلم: «إنَّ اللَّهَ كَتَبَ كِتابًا قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ الخَلْقَ: إنَّ رَحْمَتي سَبَقَتْ غَضَبِي، فَهو مَكْتُوبٌ عِنْدَهُ فَوْقَ العَرْشِ».

 

فما أرحمك يا ألله، كيف لو غضبه يسبق رحمته؟ ما ترك على ظهر الأرض من دابة ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [النحل: 61]، قال صلى الله عليه وسلم: «جَعَلَ اللَّهُ الرَّحْمَةَ مِئَةَ جُزْءٍ، فأمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعَةً وتِسْعِينَ جُزْءًا، وأَنْزَلَ في الأرْضِ جُزْءًا واحِدًا، فَمِنْ ذلكَ الجُزْءِ يَتَراحَمُ الخَلْقُ، حتَّى تَرْفَعَ الفَرَسُ حافِرَها عن ولَدِها؛ خَشْيَةَ أنْ تُصِيبَهُ»؛ أخرجه البخاري ومسلم، وفي لفظ: «إنَّ لِلَّهِ مِئَةَ رَحْمَةٍ أَنْزَلَ منها رَحْمَةً وَاحِدَةً بيْنَ الجِنِّ وَالإِنْسِ وَالْبَهَائِمِ وَالْهَوَامِّ، فَبِهَا يَتَعَاطَفُونَ، وَبِهَا يَتَرَاحَمُونَ، وَبِهَا تَعْطِفُ الوَحْشُ علَى وَلَدِهَا، وَأَخَّرَ اللَّهُ تِسْعًا وَتِسْعِينَ رَحْمَةً، يَرْحَمُ بِهَا عِبَادَهُ يَومَ القِيَامَةِ»؛ صحيح مسلم.

 

أيها المسلمون، «قدم علَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ بسَبْيٍ، فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنَ السَّبْيِ، تَبْتَغِي، إذَا وَجَدَتْ صَبِيًّا في السَّبْيِ، أَخَذَتْهُ فألْصَقَتْهُ ببَطْنِهَا وَأَرْضَعَتْهُ، فَقالَ لَنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ: أَتَرَوْنَ هذِه المَرْأَةَ طَارِحَةً وَلَدَها في النَّارِ؟ قُلْنَا: لَا، وَاللَّهِ وَهي تَقْدِرُ علَى أَلَّا تَطْرَحَهُ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ: لَلَّهُ أَرْحَمُ بعِبَادِهِ مِن هذِه بوَلَدِها»؛ صحيح مسلم.

 

أيها المسلمون عباد الله، رحم رسول الله صلى الله عليه وسلم المصلِّين حتى بلغت رحمته مبلغًا جعله يُغيِّر خطته في الصلاة رحمةً بأُمٍّ وطفلها، فعن أبي قتادة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِنِّي لَأَقُومُ فِي الصَّلَاةِ أُرِيدُ أَنْ أُطَوِّلَ فِيهَا، فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ، فَأَتَجَوَّزُ فِي صَلَاتِي كَرَاهِيةَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمِّهِ»؛ [أخرجه البخاري ومسلم].

 

ورحم النساء فقال: «اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا»؛ [أخرجه البخاري ومسلم]، وكان يرحم ضعفهن النفسي والبدني، في مجتمع كان يزدريهن ويسخر منهن.

 

أيها المسلمون، لم تكن النبوَّة والقيادة لتمنع النبي صلى الله عليه وسلم من إظهار مشاعر الرحمة الأبويَّة؛ فعندما رُفع إليه ابنه إبراهيم وهو يجود بنفسه، دمعت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه: وأنت يا رسول الله؟ (أي تبكي!) فقال: «يَا بْنَ عَوْفٍ، إِنَّهَا رَحْمَةٌ»، ثم أتبعها بأخرى، فقال: «إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ، وَالْقَلْبَ يَحْزَنُ، وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يَرْضَى رَبُّنَا، وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ»؛ أخرجه البخاري في صحيحه.

 

ورحم الطير حيث كان فِي سَفَرٍ، فَانْطَلَقَ لِحَاجَتِهِ، فإذا حُمَّرَة (طائر صغير) مَعَهَا فَرْخَانِ، أُخذ فَرْخَاها، فَجَاءَتِ الْحُمَّرَةُ فَجَعَلَتْ تَعَرَّشُ (ترفرِف بجناحيها أَلَمًا)، فَجَاءَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: «مَنْ فَجَعَ هَذِهِ بِوَلَدِها؟ رُدُّوا وَلَدَها إِلَيْها»؛ أخرجه أبو داود في سننه.

 

عباد الله، لقد أرسى النبي صلى الله عليه وسلم ميثاقًا للرحمة بالعمال قبل أن تعرفه المواثيق الدولية، فعن أبي ذر رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في حق الخدم: «إِخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ، جَعَلَهُمُ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ... فَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ، فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ»؛ أخرجه البخاري.

 

رحم الأعداء ورفض الدعاء عليهم، كيف؟!

حين طُلِب منه أن يدعو بالهلاك على المشركين الذين آذوه، أبَتْ رحمتُه ذلك، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ادْعُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ، قَالَ: «إِنِّي لَمْ أُبْعَثْ لَعَّانًا، وَإِنَّمَا بُعِثْتُ رَحْمَةً»؛ أخرجه مسلم في صحيحه.

 

وعن عروة بن الزبير رضي الله عنهما، أن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم حدَّثته أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: هَلْ أَتَى عَلَيْكَ يَوْمٌ كَانَ أَشَدَّ مِنْ يَوْمِ أُحُدٍ؟ قَالَ: «لَقَدْ لَقِيتُ مِنْ قَوْمِكِ مَا لَقِيتُ، وَكَانَ أَشَدَّ مَا لَقِيتُ مِنْهُمْ يَوْمَ الْعَقَبَةِ، إِذْ عَرَضْتُ نَفْسِي عَلَى ابْنِ عَبْدِ يَالِيلَ بْنِ عَبْدِ كُلَالٍ، فَلَمْ يُجِبْنِي إِلَى مَا أَرَدْتُ (وذلك في رحلته إلى الطائف حيث كذَّبوه وسلَّطوا عليه صبيانهم، فرموه بالحجارة حتى أدموا قدميه الشريفتين).

 

قَالَ: فَانْطَلَقْتُ وَأَنَا مَهْمُومٌ عَلَى وَجْهِي، فَلَمْ أَسْتَفِقْ إِلَّا وَأَنَا بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي، فَإِذَا أَنَا بِسَحَابَةٍ قَدْ أَظَلَّتْنِي، فَنَظَرْتُ فَإِذَا فِيهَا جِبْرِيلُ، فَنَادَانِي فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ، وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ، وَقَدْ بَعَثَ إِلَيْكَ مَلَكَ الْجِبَالِ لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِمْ.

 

فَنَادَانِي مَلَكُ الْجِبَالِ، فَسَلَّمَ عَلَيَّ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، فَقَالَ: ذَلِكَ فِيمَا شِئْتَ، إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمُ الْأَخْشَبَيْنِ (وهما جَبَلان عظيمان بمكة).

 

فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا»؛ أخرجه البخاري ومسلم.

 

أخي المسلم، كن رحيمًا يرحمك الله، وكن هيِّنًا يُهَوِّن الله عليك، ارحم نفسك أولًا، ارحمها واعطف عليها وَخَفْ عليها، ارحم نفسك من المعصية، ارحمها من الذنوب، كم من نفس أشقاها صاحبها، وكم من قلب يكاد ينفجر في صدر صاحبه من الذنوب والمعاصي والآثام!

 

ارحم نفسك، وعوِّدها الطاعة، وسر بها في سُبُل الخير وطريق السعادة حتى تسعد وتفرح وتستبشر، حتى تسلم من العذاب والهمِّ والحزن والبعد من الله، ارحم أهل بيتك، مُرْهم بالمعروف وانْهَهم عن المنكر وارحمهم من الشرور.

 

ارحم طلابك أيها المدرس كما ترحم أبناءك، لا تنهر ولا تزجر ولا تضرب ولا تسبَّ ولا تُعنِّف ولا تُعَيِّر ولا تنتقم ولا تغالي!

 

ارحم جيرانك أيها الجار وكفَّ عنهم أذاك، ارحم ورثة أبيك أيها الوريث وأعطِهم حقَّهم وما لهم فهو فرض الله؛ كالصوم والصلاة، ارحم زوجتك أيها الزوج التي تعمل، لا يحق لك أن تأخذ فلْسًا واحدًا من مالها إلا برضاها، من أحلَّ لك ذلك؟ أتأكل أموال الناس بالباطل؟ والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «كُلُّ المُسْلِمِ علَى المُسْلِمِ حَرامٌ: دَمُهُ، ومالُهُ، وعِرْضُه»؛ أخرجه البخاري ومسلم.

 

ارحم مرضاك أيها الطبيب، لا تغالِ عليهم في الكشف؛ فمنهم الضعفاء والفقراء، المساكين والمحتاجون، ولا تبالغ في الأدوية؛ ففيها الغلاء الفاحش والثراء الماحق.

 

ارحم أخاك أخي المسلم، لا تهجر ولا تقطع ولا تُعَيِّر ولا تعنف ولا تتكبَّر، الأباعد يتراحمون، والأقارب والإخوة يتقاطعون ويتهاجرون ويتشاحنون إلا من رحم الله، أين الرحمة؟ ألا تريد أن يرحمك الله؟ ويدخلك في واسع رحمته؟ فلماذا لا ترحم أخاك؟ لماذا؟ ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: 56].

 

أيها الناس، كلنا مقصرون في التراحم بيننا، وما ذلك ببشارة خير، ولكن في مقدورنا أن نكون رحماء بيننا، في مقدورنا أن نعوِّد أنفسنا الرحمة وترك الغلظة والقسوة، ولا تيأسوا من مغفرة الله وعَفْوِه.

 

تذكَّروا قول ربنا ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح: 29].

 

مهما بلغت ذنوبك عُدْ إلى ربك، فهو يقبلك ويرحمك، كيف؟! عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: قال الله تبارك وتعالى: «يا بن آدم، إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان فيك ولا أبالي، يا بن آدم، لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي، يا بن آدم، إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا لأتيتك بقرابها مغفرة»؛ رواه الترمذي وصحَّحه ابن القيم وحسَّنه الألباني.

 

ويقول الله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: 53].

 

واعلم أن أبواب رحمة الله إذا فتحت فلا مغلق لها ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [فاطر: 2].

 

اللهم افتح لنا أبواب رحمتك، واجعل لنا نصيبًا في جنتك.





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • الراحمون يرحمهم الله
  • الراحمون يرحمهم الرحمن (خطبة)
  • الحديث التاسع: الراحمون يرحمهم الرحمن

مختارات من الشبكة

  • الراحمون يرحمهم الرحمن(مادة مرئية - مكتبة الألوكة)
  • الراحمون يرحمهم الرحمن(محاضرة - مكتبة الألوكة)
  • سلسلة الراحمون يرحمهم الرحمن(محاضرة - موقع مثنى الزيدي)
  • من أسماء الله (الرحمن والرحيم)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • خطبة: العشر الأوائل من ذي الحجة(مقالة - آفاق الشريعة)
  • صفة الرحمة(مقالة - آفاق الشريعة)
  • الأمطار بين النعمة والنقمة (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • فضائل قضاء حوائج الناس (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • المفهم في ستر المسلم (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • الجزاء من جنس العمل (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • كالغاري الكندية تحتفي بتاريخ المسلمين وثقافتهم خلال شهر أكتوبر
  • «الإسلام والصحة النفسية».. محاضرة توعوية بعاصمة النمسا
  • الملتقى العالمي الرابع للأئمة والعلماء يعزز التعاون الإسلامي في أستراليا
  • حملة إسلامية في بلغاريا لاستكمال مشروع تعليمي يخدم الأجيال الجديدة
  • مسجد هاجرستاون يستقبل الجمهور في فعاليته السنوية للتعريف بالإسلام
  • انطلاق أعمال ترميم مسجد تاريخي في كوسوفا ضمن جهود صون التراث الإسلامي
  • مبادرة تعليمية إسلامية في فيينا لتعريف السكان بفرص التدريب والتأهيل المهني
  • "المدرسة الدينية 2026".. دورة إلكترونية لتعليم أساسيات الإسلام على مدار عام في القرم

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
  • Facebook
  • Twitter
  • YouTube
  • Instagram
  • Telegram
حقوق النشر محفوظة © 1448هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 12/5/1448هـ - الساعة: 11:57
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب