• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | مقالات شرعية   دراسات شرعية   نوازل وشبهات   منبر الجمعة   روافد   من ثمرات المواقع  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    سورة النساء (4) الترغيب والترهيب
    الشيخ د. إبراهيم بن محمد الحقيل
  •  
    الوطن الآمن (خطبة)
    الشيخ محمد بن إبراهيم السبر
  •  
    حب الوطن واجتماع الكلمة (خطبة)
    خالد سعد الشهري
  •  
    آداب الطعام والشراب (خطبة)
    د. محمد حرز
  •  
    رسالة الخليل - عليه السلام - إليك (خطبة)
    د. محمد بن عبدالله بن إبراهيم السحيم
  •  
    سلسلة القصص القرآنية المالية (2) قصة أصحاب الجنة
    مطيع الظفاري
  •  
    تسبيح الله تعالى: فضائله، وآدابه، وأحكامه، ...
    الشيخ عبدالرحمن بن سعد الشثري
  •  
    فخامة الاستدلال بأقوال السلف على معاني القرآن ...
    روضة محمد شويب
  •  
    حديث: أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء
    الشيخ عبدالقادر شيبة الحمد
  •  
    لطائف من مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ...
    سائد بن جمال دياربكرلي
  •  
    اسم الله اللطيف
    خليل الحربي
  •  
    مسألة خلع النعل في المقابر!
    أحمد فتح الله الشيخ
  •  
    هل نفى هلال بن أمية الولد باللعان فعلا؟
    سيد السقا
  •  
    سلسلة القصص القرآنية المالية (1) قصة قارون وبغيه ...
    مطيع الظفاري
  •  
    شرح موجز للأسماء الحسنى (المجموعة كاملة)
    أ. د. محمد حاج عيسى الجزائري
  •  
    من آداب المجالس (2)
    أ. د. زكريا محمد هيبة
شبكة الألوكة / آفاق الشريعة / منبر الجمعة / الخطب / الرقائق والأخلاق والآداب
علامة باركود

آداب الطعام والشراب (خطبة)

آداب الطعام والشراب (خطبة)
د. محمد حرز

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 16/9/2026 ميلادي - 5/4/1448 هجري

الزيارات: 99

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

آدَابُ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ


الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي امْتَنَّ عَلَى الْعِبَادِ بِفَضْلِهِ، وَجَادَ عَلَيْهِمْ بِآلَائِهِ وَنِعْمِهِ، وَأَفَاضَ عَلَيْهِمْ بِحَلَاوَةِ مُنَاجَاتِهِ وَنَسِيمِ قُرْبِهِ، الحَمْدُ للهِ ذِي الجُودِ والإِنْعَامِ، والْجَلال ِوالإِكْرَامِ، امْتَنَّ عَلَى عِبَادِهِ بِالأَمْنِ وَالطَّعَامِ سُبحانَهُ الوليُّ فلا وليَّ من دونِهِ ولا واقٍ، الغنيُّ فلا تَنْفَدُ خزائِنُهُ عَلَى كثرةِ الإنفاقِ وَأَشْهَدُ أَلَّا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدَهُ وَرَسُولُهُ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى خَيْرِ خَلْقِهِ، وَأَكْمَلِ رُسُلِهِ وَأَنْبِيَائِهِ، الَّذِي قَامَ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِ حَتَّى تَفَطَّرَتْ قَدَمَاهُ فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنِ اقْتَدَى بِهِ وَاسْتَنَّ بِسُنَّتِهِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، أَمَّا بَعْدُ:

فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ [الحشر: 18].


عِبَادَ اللَّهِ: ((الآدابُ الإسلاميةُ في ضوءِ القرآنِ الكريمِ والسُّنَّةِ النبويةِ)) سِلْسِلَةٌ مَنْهَجِيَّةٌ مُبَارَكَةٌ، تَجْمَعُ بَيْنَ التَّأْصِيلِ العِلْمِيِّ الرَّصِينِ وَالأُسْلُوبِ الوَعْظِيِّ المُؤَثِّرِ، نُقَدِّمُهَا لِحَضْرَاتِكُمْ بِأُسْلُوبٍ سَهْلٍ سَلِسٍ؛ لِنَتَعَرَّفَ مِنْ خِلَالِهَا عَلَى مَكَارِمِ الأَخْلَاقِ وَمَحَاسِنِ الآدَابِ الَّتِي جَاءَ بِهَا الإِسْلَامُ، رَاجِينَ مِنَ اللهِ أَنْ تَكُونَ سَبَبًا لِنَيْلِ السَّعَادَةِ الأَبَدِيَّةِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَأَنْ تَكُونَ مِنَ الأَسْبَابِ الْمُنْجِيَةِ مِنْ عَذَابِ اللهِ، وَالسَّبِيلِ إِلَى مُزَاحَمَةِ الأَكَابِرِ وَالصَّالِحِينَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ، وَأَنْ تُسَاهِمَ فِي تَرْبِيَةِ النُّفُوسِ عَلَى كُلِّ خُلُقٍ كَرِيمٍ وَأَدَبٍ جَمِيلٍ. وَلِنَأْخُذَ مِنْ أَنْوَارِهَا مَا يُضِيءُ لَنَا دُرُوبَ الْحَيَاةِ، وَنَسْتَنْشِقَ مِنْ عِبَرِهَا عِطْرًا يُحْيِي النُّفُوسَ وَالْقُلُوبَ وَالأَرْوَاحَ.


عُنْوَانُ خُطْبَتِنَا: (آدَابُ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ):

عَنَاصِرُ اللِّقَاءِ:

أَوَّلًا: مَاذَا تَعْرِفُ عَنْ نِعْمَةِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ؟

ثَانِيًا:كَيْفَ نَتَأَدَّبُ عِنْدَ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ؟

ثَالِثًا وَأَخِيرًا: اللَّهَ اللَّهَ فِي شُكْرِ الْمُنْعِمِ عَلَى الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ.


أَيُّهَا السَّادَةُ: بَدَايَةً، مَا أَحْوَجَنَا فِي هَذِهِ الدَّقَائِقِ الْمَعْدُودَاتِ أَنْ يَكُونَ حَدِيثُنَا عَنْ آدَابِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، وَخَاصَّةً أَنَّ الْكَثِيرَ مِنَ النَّاسِ يُسْرِفُونَ فِي الْمَأْكَلِ وَالْمَشْرَبِ بِصُورَةٍ خَفِيَّةٍ مُفْزِعَةٍ، رُبَّمَا تَكُونُ سَبَبًا فِي سَلْبِ تِلْكُمُ النِّعْمَةِ، وَخَاصَّةً فِي زَمَنٍ يَعِيشُ فِيهِ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ الْحَاجَةَ وَالْفَقْرَ، فَوَاجِبُنَا أَنْ نُقَدِّرَ هَذِهِ النِّعْمَةَ، وَأَنْ نَشْكُرَ اللَّهَ عَلَيْهَا، وَأَلَّا نُسْرِفَ فِيهَا؛ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ﴾ [الأعراف: 31]، وَخَاصَّةً إِنَّ مِنْ كَمَالِ شُكْرِ هَذِهِ النِّعْمَةِ أَنْ نَتَأَدَّبَ بِآدَابِ الْإِسْلَامِ عِنْدَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، فَنَبْدَأَ بِالتَّسْمِيَةِ، وَنَأْكُلَ بِالْيَدِ الْيُمْنَى، وَنَأْكُلَ مِمَّا يَلِينَا، وَلَا نَعِيبَ طَعَامًا، وَلَا نُسْرِفَ فِي الْأَكْلِ، بَلْ نَقْتَصِدُ فِيهِ؛ فَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «مَا مَلَأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ».


وَمِنْ أَعْظَمِ مَا يُؤْسَفُ لَهُ أَنْ نَرَى فِي بَعْضِ الْمُنَاسَبَاتِ وَالْوَلَائِمِ كَمِّيَّاتٍ كَبِيرَةً مِنَ الطَّعَامِ تُلْقَى فِي الْمُهْمَلَاتِ، وَهَذَا مِنَ الْإِسْرَافِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، وَمِنْ كُفْرَانِ النِّعَمِ، وَقَدْ يَكُونُ سَبَبًا فِي زَوَالِهَا.


أَوَّلًا:مَاذَا تَعْرِفُ عَنْ نِعْمَةِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ؟

أَيُّهَا السَّادَةُ:امْتَنَّ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى عِبَادِهِ بِنِعَمٍ تَتْرَى وَلا تُحْصَى، قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿ وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ﴾ [النحل: 18]، وسَبِيلُ حِفْظ تِلْكَ النِّعَمِ، وَضَمَانُ بَقَائِهَا، أَدَاء شُكْرِهَا، وَالثَّنَاءُ عَلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ بِهَا، قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ﴾ [إبراهيم: 7].


عِبَادَ اللهِ: وَمِنَ النِّعَمِ الَّتِي امْتَنَّ اللهُ بِهَا عَلَى عِبَادِهِ: نِعْمَةُ الطَّعَامِ، قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿ الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ ﴾ [قريش: 4]، وفي تِلْكَ الْبِلادِ المُبَارَكَةِ أَغْدَقَ اللهُ عَلَيْنَا أَصْنَافًا مِنَ الْخَيْرَاتِ، وَأَنْوَاعًا مِنَ المَطْعُومَاتِ، قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿ أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِّزْقًا مِّن لَّدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [القصص: 57]، وَنِعْمَةُ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ مِنْ أَعْظَمِ نِعَمِ اللَّهِ عَلَى الْإِنْسَانِ، فَهِيَ تَحْفَظُ صِحَّتَهُ، وَتُقَوِّيهِ عَلَى الْعِبَادَةِ وَالْعَمَلِ، وَتُعِينُهُ عَلَى مُوَاصَلَةِ حَيَاتِهِ، لِذَلِكَ يَجِبُ أَنْ نُحَافِظَ عَلَيْهَا، وَلَا نُسْرِفَ فِيهَا وَلَا نُهْدِرَهَا.


وَالطَّعَامُ وَالشَّرَابُ حَاجَةٌ أَسَاسِيَّةٌ لَا يُمْكِنُ الِاسْتِغْنَاءُ عَنْهُمَا، وَنِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ امْتَنَّ اللَّهُ بِهَا عَلَى عِبَادِهِ، وَلَفَتَ الْأَنْظَارَ إِلَيْهَا لِلتَّدَبُّرِ وَالتَّذَكُّرِ، وَلَقَدْ سَنَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ سُنَنًا وَآدَابًا تَجْعَلُنَا مِنَ الذَّاكِرِينَ لِلَّهِ، الشَّاكِرِينَ لِنِعْمَتِهِ، الْمُثْنِينَ عَلَيْهِ بِهَا. فَتَعَلَّمُوا هَذِهِ الْآدَابَ، وَعَلِّمُوهَا أَهْلِيكُمْ؛ فَإِنَّ تَضْيِيعَهَا يُفَوِّتُ خَيْرًا كَثِيرًا، وَيَفْتَحُ شَرًّا مُسْتَطِيرًا. وحَضّ عَلَى تَدَبُّرِ نِعْمَةِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، وَتَوْحِيدِ اللَّهِ فِيهَا؛ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ ﴾ [عَبَسَ: ٢٤]، وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ * وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ * وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ ﴾ [يس: 71-73].


وَمِنْ صُوَرِ حِفْظ نِعْمَةِ الطَّعَامِ: الاقْتِصَادُ فِيهِ وَعَدَمُ إِهْدَارِهِ، قالَ تَعَالَى: ﴿ وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِين ﴾ [الأعراف: 31]، وقَد امْتَدَحَ اللهُ عِبَادَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا ﴾ [الفرقان: 67]، وَكَانَ مِنْ هَدْيِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم حِفْظُ النِّعْمَةِ وَإِكْرَامُهَا، وَعَدَمُ إِهْدَارِهَا، فَقَدْ مَرَّ صلى الله عليه وسلم بِتَمْرَةٍ في الطَّرِيقِ، فقالَ: (لَوْلا أنِّي أخافُ أنْ تَكُونَ مِنَ الصَّدَقَةِ لَأَكَلْتُها) أخرجه البخاري ومسلم وَهُوَ الْقَائِلُ صلى الله عليه وسلم: (إذا وقَعَتْ لُقْمَةُ أحَدِكُمْ فَلْيَأْخُذْها فَلْيُمِطْ ما كانَ بها مِن أذًى ولْيَأْكُلْها، ولا يَدَعْها لِلشَّيْطانِ)؛ أخرجه مسلم.


لَقَدْ كَانَ نَبِيُّكُمْ صلى الله عليه وسلم مُقْتَصِدًا في مَطْعَمِهِ وَمَشْرَبِهِ وَمَسْكَنِهِ وَمَلْبَسِهِ، تَقُولُ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا: (لقَدْ ماتَ رَسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وما شَبِعَ مِن خُبْزٍ وزَيْتٍ في يَومٍ واحِدٍ مَرَّتَيْنِ) أخرجه مسلم وَصَحَّ عَنْهُ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: (طَعامُ الِاثْنَيْنِ كافِي الثَّلاثَةِ وطَعامُ الثَّلاثَةِ كافِي الأرْبَعَةِ)؛ أخرجه البخاري ومسلم.


ثَانِيًا:كَيْفَ نَتَأَدَّبُ عِنْدَ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ؟

أَيُّهَا السَّادَةُ:فإنَّ كَمَالَ هَدْيِ سَيِّدِنا رَسُولِ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ أنْ عَلَّمَنَا آدَابًَا عِندَ تَنَاوُلِ الطَّعَامِ، من هذهِ الآدَابِ:

أولًا: البَسْمَلَةُ عِندَ بَدْءِ الطَّعَامِ: فَإِذَا نَسِيَ أَنْ يُسَمِّيَ فِي أَوَّلِ الْأَكْلِ، فَلْيَقُلْ: «بِسْمِ اللَّهِ أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ».فَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ – وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ -عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ طَعَامًا، فَلْيَقُلْ: بِسْمِ اللَّهِ، فَإِنْ نَسِيَ فِي أَوَّلِهِ، فَلْيَقُلْ: بِسْمِ اللَّهِ فِي أَوَّلِهِ وَآخِرِهِ".


وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ:كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَأْكُلُ طَعَامًا فِي سِتَّةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَجَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَأَكَلَهُ بِلُقْمَتَيْنِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "أَمَا إِنَّهُ لَوْ سَمَّى لَكَفَاكُمْ"، وقَد كَانَ سَيِّدُنا رَسُولُ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ إذا وَضَعَ يَدَهُ في الطَّعَامِ قَالَ: «بِسْمِ اللهِ»، وأَمَرَ الآكِلَ بالتَّسْمِيَةِ، روى الشَّيخَانِ عن عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: كُنْتُ فِي حِجْرِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، وَكَانَتْ يَدِي تَطِيشُ فِي الصَّحْفَةِ، فَقَالَ لِي: «يَا غُلَامُ، سَمِّ اللهَ، وَكُلْ بِيَمِينِكَ، وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ» فما زالَتْ تلك طِعْمَتي بعدُ.


ثانيًا: الحَمْدَلَةُ عِندَ نِهَايَةِ الطَّعَامِ: روى الإمام البخاري عَنْ أَبِي أُمَامَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا فَرَغَ مِنْ طَعَامِهِ - وَقَالَ مَرَّةً: إِذَا رَفَعَ مَائِدَتَهُ - قَالَ: «الْحَمْدُ للهِ الَّذِي كَفَانَا وَأَرْوَانَا، غَيْرَ مَكْفِيٍّ وَلَا مَكْفُورٍ - أي: ولا مَجْحُودٍ فَضْلُهُ ونِعمَتُهُ - وَقَالَ مَرَّةً: «الْحَمْدُ للهِ رَبِّنَا غَيْرَ مَكْفِيٍّ ـ أَيْ: غَيْرَ مَرْدُودٍ وَلَا مَقْلُوبٍ ـ وَلَا مُوَدَّعٍ ـ أي: غَيْرَ مَتْرُوكٍ ـ وَلَا مُسْتَغْنىً رَبَّنَا ـ أَيْ: غَيْرَ مَطْرُوحٍ وَلَا مُعْرَضٍ عَنْهُ».


الأَكْلُ باليَمِينِ: روى الإمام مسلم عن ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُما، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَأْكُلْ بِيَمِينِهِ، وَإِذَا شَرِبَ فَلْيَشْرَبْ بِيَمِينِهِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ، وَيَشْرَبُ بِشِمَالِهِ».


وروى عن سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، أَنَّ رَجُلًا أَكَلَ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ بِشِمَالِهِ. فَقَالَ: «كُلْ بِيَمِينِكَ».


قَالَ: لَا أَسْتَطِيعُ. قَالَ: «لَا اسْتَطَعْتَ»، مَا مَنَعَهُ إِلَّا الْكِبْرُ، قَالَ: فَمَا رَفَعَهَا إِلَى فِيهِ.


رابعًا: ألا يَتَّكِئَ أَثنَاءَ الطَّعَامِ: روى الإمام البخاري عن أَبِي جُحَيْفَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «لَا آكُلُ مُتَّكِئًا».


خامسًا: أن يَأكُلَ بِأَصَابِعِهِ الثَّلاثِ: روى الدَّارِمِيُّ عن كَعْبٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَأْكُلُ بِأَصَابِعِهِ الثَّلاَثِ، فَإِذَا فَرَغَ لَعَقَهَا.


سادسًا: عَرْضُ الطَّعَامِ على الضُّيُوفِ مِرَارًَا: ومن شَأنِ الكِرَامِ تَكْرَارُ عَرْضِ الأَكْلِ على الضُّيُوفِ، روى الإمام البخاري عن أبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ في قِصَّةِ شُرْبِ اللَّبَنِ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ لأبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «اقْعُدْ فَاشْرَبْ». فَقَعَدْتُ فَشَرِبْتُ. فَقَالَ: «اشْرَبْ»، فَشَرِبْتُ، فَمَا زَالَ يَقُولُ: «اشْرَبْ» حَتَّى قُلْتُ: لَا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، مَا أَجِدُ لَهُ مَسْلَكًا.


سابعًا: عَدَمُ تَعْيِيبِ الطَّعَامِ: روى الإمام مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ عَابَ طَعَامًا قَطُّ، كَانَ إِذَا اشْتَهَاهُ أَكَلَهُ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَهِهِ سَكَتَ.


وروى الطَّبَرَانِيُّ في الكَبِيرِ عَنْ خَالِدِ بن الْوَلِيدِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: أَهْدَتْ أُمُّ حُفَيْدٍ لِمَيْمُونَةَ لَحْمَ ضَبٍّ، فَدَخَلَ نَبِيُّ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، فَقُدِّمَ إِلَيْهِ، وَكَانَ لا يَأْكُلُ طَعَامًا حَتَّى يَعْلَمَ مَا هُوَ؟ فَقَالَتِ امْرَأَةٌ: أَخْبِرُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ مَا هَذَا؟ فَقَالُوا: إِنَّهُ لَحْمُ ضَبٍّ، أَهْدَتْهُ أُمُّ حُفَيْدٍ لِمَيْمُونَةَ. قَالَ: وَهَمَّ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ، فَكَفَّ. فَقَالَ خَالِدٌ: أَحَرَامٌ هُوَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «لا، وَلَكِنِّي أَجِدُنِي أَعَافُهُ، وَلَيْسَ مِنْ طَعَامِ قَوْمِي». قَالَ خَالِدٌ: فَأَكَلْتُهُ وَهُوَ جَالِسٌ، فَلَمْ يَعِبْ ذَلِكَ عَلَيَّ.


قَالَ الإمامُ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: مِنْ آدَابِ الطَّعَامِ الْمُتَأَكَّدَةِ، أَنْ لَا يُعَابَ، كَقَوْلِهِ: مَالِحٌ، قَلِيلُ الْمِلْحِ، حَامِضٌ، رَقِيقٌ، غَلِيظٌ، غَيْرُ نَاضِجٍ، وَنَحْوُ ذَلِكَ.


وقَالَ اِبْنُ بَطَّال: هَذَا مِنْ حُسْنِ الْأَدَبِ، لِأَنَّ الْمَرْءَ قَدْ لَا يَشْتَهِي الشَّيْءَ وَيَشْتَهِيَهُ غَيْرُهُ، وَكُلُّ مَأْذُونٍ فِي أَكْلِهِ مِنْ قِبَلِ الشَّرْعِ لَيْسَ فِيهِ عَيْبٌ. وكَانَ يَمْدَحُ الطَّعَامَ أَحيَانًَا، روى الإمام مسلم عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنهُما، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ سَأَلَ أَهْلَهُ الْأُدُمَ ـ مَا يُؤْتَدَمُ بِهِ ـ فَقَالُوا: مَا عِنْدَنَا إِلَّا خَلٌّ، فَدَعَا بِهِ، فَجَعَلَ يَأْكُلُ بِهِ وَيَقُولُ: «نِعْمَ الْأُدُمُ الْخَلُّ، نِعْمَ الْأُدُمُ الْخَلُّ».


ثامنًا: الحَدِيثُ عِندَ الطَّعَامِ: من آدابِ الطَّعَامِ الحَدِيثُ عِندَ الطَّعَامِ، روى الإمام مسلم في حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ الطَّوِيلِ، وكَانَ الحَدِيثُ على مَأدُبَةِ الطَّعَامِ، جَاءَ فِيهِ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: وُضِعَتْ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ قَصْعَةٌ مِنْ ثَرِيدٍ وَلَحْمٍ، فَتَنَاوَلَ الذِّرَاعَ، وَكَانَتْ أَحَبَّ الشَّاةِ إِلَيْهِ، فَنَهَسَ نَهْسَةً فَقَالَ: «أَنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». ثُمَّ نَهَسَ أُخْرَى فَقَالَ: «أَنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». فَلَمَّا رَأَى أَصْحَابَهُ لَا يَسْأَلُونَهُ قَالَ: «أَلَا تَقُولُونَ كَيْفَهْ؟».


تاسعًا: ألا يَملأَ بَطنَهُ من الطَّعَامِ: من آدابِ الطَّعَامِ أن لا يَملأَ الإِنسَانُ بَطنَهُ من الطَّعَامِ، روى الترمذي عَنْ مِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَا مَلَأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًَّا مِنْ بَطْنٍ، بِحَسْبِ ابْنِ آدَمَ أُكُلَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فَإِنْ كَانَ لَا مَحَالَةَ، فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ، وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ، وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ».


وروى الشَّيخَانِ عَن ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ الْمُؤْمِنَ يَأْكُلُ فِي مِعًى وَاحِدٍ، وَالْكَافِرَ يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ».


وروى الترمذي عَن ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُما قَالَ: تَجَشَّأَ رَجُلٌ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ. فَقَالَ: «كُفَّ عَنَّا جُشَاءَكَ، فَإِنَّ أَكْثَرَهُمْ شِبَعًا فِي الدُّنْيَا أَطْوَلُهُمْ جُوعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ».


عاشرًا: الأَكْلُ من أَطْرَافِ الإِنَاءِ: روى أبو داود عن عَبْدِ اللهِ بْنِ بُسْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: كَانَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ قَصْعَةٌ يُقَالُ لَهَا الْغَرَّاءُ، يَحْمِلُهَا أَرْبَعَةُ رِجَالٍ، فَلَمَّا أَضْحَوْا وَسَجَدُوا الضُّحَى أُتِيَ بِتِلْكَ الْقَصْعَةِ، وَقَدْ ثُرِدَ فِيهَا، فَالْتَفُّوا عَلَيْهَا. فَلَمَّا كَثَرُوا جَثَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ: مَا هَذِهِ الْجِلْسَةُ؟ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللهَ جَعَلَنِي عَبْدًا كَرِيمًا، وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا عَنِيدًا».


ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «كُلُوا مِنْ حَوَالَيْهَا، وَدَعُوا ذِرْوَتَهَا يُبَارَكْ فِيهَا».


وروى الترمذي عَن ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُما، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الْبَرَكَةُ تَنْزِلُ وَسَطَ الطَّعَامِ، فَكُلُوا مِنْ حَافَّتَيْهِ، وَلَا تَأْكُلُوا مِنْ وَسَطِهِ».


الحَادِي عَشَرَ: غَسْلُ اليَدَينِ قَبلَ الطَّعَامِ، وبَعدَهُ: من آدابِ الطَّعَامِ غَسْلُ اليَدَينِ قَبلَ الطَّعَامِ، وبَعدَ الطَّعَامِ، روى أبو داود عَنْ سَلْمَانَ قَالَ: قَرَأْتُ فِي التَّوْرَاةِ أَنَّ بَرَكَةَ الطَّعَامِ الْوُضُوءُ قَبْلَهُ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: «بَرَكَةُ الطَّعَامِ الْوُضُوءُ قَبْلَهُ، وَالْوُضُوءُ بَعْدَهُ» وَكَانَ سُفْيَانُ يَكْرَهُ الْوُضُوءَ قَبْلَ الطَّعَامِ؛ قَالَ أَبُو دَاوُد: وَهُوَ ضَعِيفٌ.


وروى الإمام أحمد وأبو داود عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ نَامَ وَفِي يَدِهِ غَمْرٌ، وَلَمْ يَغْسِلْهُ، فَأَصَابَهُ شَيْءٌ، فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ»، الغَمْرُ: الدَّسَمُ وبقايا مِن اللَّحْمِ.


الثَّانِي عَشَرَ: تَحَرِّي الحَلالِ: يَجِبُ على المُؤمِنِ أن يَتَحَرَّى الحَلالَ، وأن لا يَأكُلَ الحَرَامَ، قَالَ تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ﴾ [النساء: 29].


روى الشَّيخَانِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا يَحْلُبَنَّ أَحَدٌ مَاشِيَةَ امْرِئٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تُؤْتَى مَشْرُبَتُهُ ـ غُرْفَتُهُ ـ فَتُكْسَرَ خِزَانَتُهُ، فَيُنْتَقَلَ طَعَامُهُ ـ يُحَوَّلَ من مَكَانٍ إلى آخَرَ ـ فَإِنَّمَا تَخْزُنُ لَهُمْ ضُرُوعُ مَوَاشِيهِمْ أَطْعِمَاتِهِمْ، فَلَا يَحْلُبَنَّ أَحَدٌ مَاشِيَةَ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِهِ»؛ شَبَّهَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ اللَّبَنَ في الضَّرْعِ بالطَّعَامِ المَخْزُونِ المَحْفُوظِ في الخِزَانَةِ، فَيُنتَثَرُ كُلُّهُ.


وعَدَمُ النَّفْخِ فِي الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ: رَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنِ النَّفْخِ فِي الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ.


وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ – وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ – عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنِ النَّفْخِ فِي الشُّرْبِ، فَقَالَ رَجُلٌ: الْقَذَاةَ أَرَاهَا فِي الْإِنَاءِ، فَقَالَ: أَهْرِقْهَا، قَالَ: فَإِنِّي لَا أَرْوَى مِنْ نَفَسٍ وَاحِدٍ، قَالَ:فَأَبِنِ الْقَدَحَ إِذًا عَنْ فِيكَ.


الدُّعَاءُ لِصَاحِبِ الطَّعَامِ: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِذَا أَفْطَرَ عِنْدَ أَهْلِ بَيْتٍ قَالَ: «أَفْطَرَ عِنْدَكُمُ الصَّائِمُونَ، وَأَكَلَ طَعَامَكُمُ الْأَبْرَارُ، وَتَنَزَّلَتْ عَلَيْكُمُ الْمَلَائِكَةُ». وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَدْعُو لِصَاحِبِ الطَّعَامِ فَيَقُولُ: «اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِيمَا رَزَقْتَهُمْ، وَاغْفِرْ لَهُمْ، وَارْحَمْهُمْ.


مِنْ آدَابِ الشُّرْبِ. عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: لَا تَشْرَبُوا وَاحِدًا كَشُرْبِ الْبَعِيرِ، وَلَكِنِ اشْرَبُوا مَثْنَى وَثُلَاثَ، وَسَمُّوا إِذَا أَنْتُمْ شَرِبْتُمْ، وَاحْمَدُوا إِذَا أَنْتُمْ رَفَعْتُمْ». وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يُتَنَفَّسَ فِي الْإِنَاءِ أَوْ يُنْفَخَ فِيهِ.


وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَتَنَفَّسُ فِي الشَّرَابِ ثَلَاثًا، وَيَقُولُ: هَذَا أَهْنَأُ، وَأَمْرَأُ، وَأَبْرَأُ.


وَعَنْ أَبِي حُسَيْنٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: إِذَا شَرِبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَمُصَّ مَصًّا، وَلَا يَعُبَّ عَبًّا؛ فَإِنَّ الْكُبَادَ مِنَ الْعَبِّ. وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: لَا تَكْرَعُوا، وَلَكِنِ اغْسِلُوا أَيْدِيَكُمْ ثُمَّ اشْرَبُوا فِيهَا؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ إِنَاءٌ أَطْيَبَ مِنَ الْيَدِ.


وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: نَهَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَنْ يُشْرَبَ مِنْ فِي السِّقَاءِ.


وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَشْرَبَ الرَّجُلُ قَائِمًا.


وَسَاقِي الْقَوْمِ آخِرُهُمْ شُرْبًا؛ رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ:سَاقِي الْقَوْمِ آخِرُهُمْ شُرْبًا».


وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ حَثٌّ عَلَى حُسْنِ الْخُلُقِ وَالْإِيثَارِ، وَأَنْ يَبْدَأَ السَّاقِي بِغَيْرِهِ فِي السُّقْيَا، ثُمَّ يَكُونُ هُوَ آخِرَ مَنْ يَشْرَبُ، تَوَاضُعًا وَإِكْرَامًا لِلْحَاضِرِينَ.


وَعَدَمُ الشُّرْبِ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ. رَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ حُذَيْفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: لَا تَلْبَسُوا الْحَرِيرَ وَلَا الدِّيبَاجَ، وَلَا تَشْرَبُوا فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَلَا تَأْكُلُوا فِي صِحَافِهَا؛ فَإِنَّهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا، وَلَنَا فِي الْآخِرَةِ». وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ نَهْيٌ عَنْ اسْتِعْمَالِ آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فِي الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ؛ لِمَا فِيهِ مِنَ الْإِسْرَافِ وَالْفَخْرِ، وَتَرْبِيَةٌ لِلْمُسْلِمِ عَلَى التَّوَاضُعِ وَالِاقْتِصَادِ وَشُكْرِ نِعَمِ اللَّهِ تَعَالَى.


الشُّرْبُ عَلَى مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ: رَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ ثُمَامَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسٍ قَالَ: «كَانَ أَنَسٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَتَنَفَّسُ فِي الْإِنَاءِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، وَزَعَمَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَتَنَفَّسُ ثَلَاثًا.


وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَشْرَبُ فِي ثَلَاثَةِ أَنْفَاسٍ، إِذَا أَدْنَى الْإِنَاءَ إِلَى فِيهِ سَمَّى اللَّهَ، فَإِذَا أَخَّرَهُ حَمِدَ اللَّهَ، يَفْعَلُ بِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.


وَرَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَتَنَفَّسُ فِي الشَّرَابِ ثَلَاثًا، وَيَقُولُ: إِنَّهُ أَرْوَى، وَأَبْرَأُ، وَأَمْرَأُ، قَالَ أَنَسٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: فَأَنَا أَتَنَفَّسُ فِي الشَّرَابِ ثَلَاثًا.


بَارَكَ اللهُ لَي ولكم فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، وَنَفَعَنَا بِمَا فِيهِمَا مِنَ الْآَيَاتِ وَالْحِكْمَةِ، أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي ولَكُمْ، فَاسْتَغْفِرُوهُ وَتُوبُوا إِلَيْهِ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.


الخُطْبَةُ الثَّانِيَة: الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالمِينَ، وَأَشْهَدُ أَلّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، أمَّا بَعْدُ:

ثَالِثًا وَأَخِيرًا: اللَّهَ اللَّهَ فِي شُكْرِ الْمُنْعِمِ عَلَى الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ:

أَيُّهَا السَّادَةُ،إِنَّ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ مِنَ النِّعَمِ الَّتِي أَبَاحَهَا اللهُ عَزَّ وَجَلَّ لِعِبَادِهِ بِشَرْطِ عَدَمِ الإِسْرَافِ فِيهَا أَوْ تَضْيِيعِهَا وَإِهْدَارِهَا، وَمن صُوَرِ إِهْدَارِ الطَّعَامِ مَا يَلِي: أولًا: الْوَلائِمُ الَّتِي تَكْتَظُّ فِيهَا مَوَائِدُ الطَّعَامِ بِشَتَّى أَنْوَاعِ المَأْكُولاتِ وَالمَشْرُوبَاتِ، وَأَصْنَافِ التُّمُورِ، والَّتِي تَزِيدُ عَنْ حَاجَةِ المَدْعُوِينَ، وقَدْ يَكُونُ مَآلُ البَاقِي مِنْهَا لِلْحَاوِيَاتِ، أو تُلْقَى عَلَى الأَرْصِفَةِ وَفِي الْبَاحَاتِ - نَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الْخِذْلانِ-ثانيًا: الوَجَبَاتُ الزَّائِدَةُ، وبَقَايَا الطَّعَامِ في الفَنَادِقِ والمطَاعِمِ، ومحَلاتِ الأطْعِمَةِ الخفيفةِ، والتي لا يستفادُ منهَا غالبًا عَلَى الرَّغْمِ مِنْ سَلامتِها.


وإِنَّ مِمَّا يَزِيدُ مِنْ خُطُورَةِ تِلْكَ الظَّاهِرَةِ، تَصْوِيرَ الوَلائِمِ والمَوَائِدِ المُزَيَّنَة بِأَنْوَاعِ الأَطْعِمَةِ والأَشْرِبَةِ، ونَشْرِهَا عَلَى مِنَصَّاتِ التَّوَاصُلِ الاجْتِمَاعِيِّ فَتَتَلَقَّفُهَا الْعُيُونُ، مَا بَيْنَ حَاسِدٍ وَنَاقِدٍ، وَمِسْكِينٍ وَفَقِيرٍ، وَمَا بَينَ عَدُوٍّ يَبُثُّ تلكَ الصُّوَرَ في الآَفَاقِ، وَيُحَمِّلُهَا مَا لا تَحْتَمِلُ مِنَ المَعَانِي الْكَيْدِيَّةِ الَّتِي لا تَخْفَى عَلَى لَبِيبٍ.


عِبَادَ اللهِ، اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ، وَمَا كَانَ عَلَيْهِ أَسْلافُكُم فِي هذِهِ الْبِلادِ مِنَ الْجَدْبِ وَالْقَحْطِ، وَمَا أَنْتُمْ فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ والرَّخَاءِ، واَعْلَمُوا أَنَّ التَّغْيِيرَ وَالتَّبْدِيلَ سُنَّةٌ ثَابِتَةٌ وَسُنَنُ اللهِ لا تُحَابِي أَحَدًا، فَمَنْ حَفِظَ نِعَمَ اللهِ حَفِظَهُ اللهُ وَحَفِظَ عَلَيْهِ النِّعَم، فاسْتشْعرُوا مَكَانَةَ النِّعْمَةِ بِعَدَمِ الاسْتِهَانَةِ بَقَلِيلِهَا، فَمَنْ اسْتَهَانَ بِقَلِيلِ النِّعْمَةِ حُرِمَ كَثِيرَهَا، وَمَنْ أَهْدَرَ كَثِيرَهَا، حُرِمَ دَوَامهَا، وَمَنْ أَلِفَ وُجُودَهَا، لَمْ يَأْمَنْ زَوَالهَا والنِّعمةُ إذَا شُكرتْ قرَّتْ، وإذا كُفِرَتْ فرَّتْ. وهُنَا أُشِيدُ بِأُولئِكَ الرِّجَالِ الأَخْيَارِ الَّذِينَ يَتَتبَّعُونَ مَواقِعَ هَذهِ النِّعْمَةِ في الشَّوَارِعِ وعَلى الأَرْصِفَةِ، وَيَأْخُذُونَها لِدَوَابِّهِمْ، فَهَنِيئًا لَهُمْ حُسْنُ صَنِيعِهِمْ.


عِبَادَ اللهِ، إِنَّ ظَاهِرَة إِهْدَارِ الطَّعَامِ، نَاقُوسُ خَطَرٍ، وَنَذِيرُ شَرٍّ، مَا ظَهَرَتْ في قومٍ إِلا أَعْقَبَهَا الْفَقْرُ، وَتَلاهَا الْجُوعُ، تقولُ عائشةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا: دَخَلَ عليَّ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَرأى كِسْرَةً مُلْقَاةً فَمَشَى إليها، فَأَخَذَهَا، ثُمَّ مَسَحَهَا فَأَكَلَهَا، ثُمَّ قَالَ لِي: يَا عَائِشَةُ أَحْسِنِي جِوَارَ نِعَمِ اللهِ تَعالَى فإنَّها قَلَّ ما نَفَرَتْ من أهلِ بَيْتٍ فَكَادَتْ أنْ تَرْجِعَ إليهِمْ)؛ أخرجه ابن ماجه.


﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ﴾ [النحل: 112].


وَلا عُذْرَ لأَحَدٍ أَنْ يُلْقِي بِطَعَامٍ أَوْ شَرَابٍ في الطُّرُقَاتِ، أَوْ الْحَاوِيَاتِ، وَهُوَ مَسْؤُولٌ أَمَامَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ عَنْ إِهْدَارِ النِّعَمِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿ ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ ﴾ [التكاثر: 8]، فَإِنَّ شُكْرَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى نِعَمِهِ مِنْ أَعْظَمِ الْعِبَادَاتِ، وَمِنْ أَجَلِّ الْأَخْلَاقِ الَّتِي يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يَتَحَلَّى بِهَا؛ فَالطَّعَامُ وَالشَّرَابُ نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ مَنْحَنَا اللَّهُ إِيَّاهَا، وَيَجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نَعْرِفَ قَدْرَهَا، وَأَلَّا نُقَابِلَهَا بِالْإِسْرَافِ وَالتَّبْذِيرِ، بَلْ بِالْحَمْدِ وَالثَّنَاءِ عَلَى الْمُنْعِمِ سُبْحَانَهُ. فَلْنَحْمَدِ اللَّهَ عِنْدَ الطَّعَامِ وَبَعْدَهُ، وَلْنَحْرِصْ عَلَى الْمُحَافَظَةِ عَلَى النِّعَمِ، وَلْنُطْعِمِ الْمُحْتَاجِينَ، وَلْنَتَذَكَّرْ أَنَّ كُلَّ لُقْمَةٍ نَأْكُلُهَا، وَكُلَّ شَرْبَةٍ نَشْرَبُهَا هِيَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:﴿ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ﴾ [إبراهيم: 7]، فَاللَّهَ اللَّهَ فِي شُكْرِ نِعَمِ اللَّهِ، وَالْحَذَرَ مِنْ زَوَالِهَا بِسَبَبِ الْجُحُودِ وَالْإِسْرَافِ؛ فَإِنَّ النِّعَمَ تَدُومُ بِالشُّكْرِ، وَتَزُولُ بِالْكُفْرَانِ.


فَنَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يُدِيمَ عَلَيْنَا نِعَمَهُ، وَأَنْ يُوَفِّقَنَا لِشُكْرِهِ وَحُسْنِ عِبَادَتِهِ. وَاعْلَمُوا – رَحِمَكُمُ اللَّهُ – أَنَّ شُكْرَ النِّعَمِ لَيْسَ بِاللِّسَانِ فَقَطْ، بَلْ يَكُونُ بِالْقَلْبِ اعْتِرَافًا بِفَضْلِ اللَّهِ، وَبِاللِّسَانِ حَمْدًا وَثَنَاءً عَلَيْهِ، وَبِالْجَوَارِحِ اسْتِعْمَالًا لِهَذِهِ النِّعَمِ فِيمَا يُرْضِي اللَّهَ تَعَالَى.


فَمِنْ شُكْرِ نِعْمَةِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ أَنْ نَذْكُرَ الْمُنْعِمَ عِنْدَ الْأَكْلِ، وَأَنْ نَقُولَ: بِسْمِ اللَّهِ، وَأَنْ نَحْمَدَهُ بَعْدَ الْفَرَاغِ، وَأَنْ نَتَجَنَّبَ الْإِسْرَافَ وَالتَّبْذِيرَ؛ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ. وَمِنْ شُكْرِ هَذِهِ النِّعْمَةِ أَنْ نَشْعُرَ بِإِخْوَانِنَا الْمُحْتَاجِينَ، وَأَنْ نَبْذُلَ لَهُمْ مِمَّا رَزَقَنَا اللَّهُ، فَإِنَّ إِطْعَامَ الطَّعَامِ مِنْ خَيْرِ الْأَعْمَالِ وَأَفْضَلِ الْقُرُبَاتِ.


فَيَا عِبَادَ اللَّهِ، احْفَظُوا نِعْمَةَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، وَتَأَدَّبُوا بِآدَابِ الْإِسْلَامِ فِيهَا، وَعَلِّمُوهَا أَهْلِيكُمْ وَأَبْنَاءَكُمْ؛ لِتَبْقَى النِّعْمَةُ، وَتَحُلَّ عَلَيْكُمُ الْبَرَكَةُ، وَتَكُونُوا مِنَ الشَّاكِرِينَ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿ وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ ﴾ [سبأ: 13].


نَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُدِيمَ عَلَيْنَا نِعَمَهُ، وَأَنْ يُعِينَنَا عَلَى ذِكْرِهِ وَشُكْرِهِ وَحُسْنِ عِبَادَتِهِ، وَأَنْ يَجْعَلَ نِعَمَهُ عَلَيْنَا عَوْنًا عَلَى طَاعَتِهِ، لَا سَبَبًا لِلْغَفْلَةِ عَنْهُ.





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • سنن وآداب الطعام والشراب (آداب الأكل)
  • سلسلة الآداب الشرعية (آداب الطعام والشراب)

مختارات من الشبكة

  • الموسوعة الندية في الآداب الإسلامية - آداب الجنائز - (ي) الآداب الخاصة بالقبر (WORD)(كتاب - مكتبة الألوكة)
  • الموسوعة الندية في الآداب الإسلامية - آداب الجنائز - (و) الآداب الخاصة بتشيع الجنازة (WORD)(كتاب - مكتبة الألوكة)
  • الموسوعة الندية في الآداب الإسلامية - آداب الجنائز - (هــ) الآداب الخاصة بصلاة الجنازة (WORD)(كتاب - مكتبة الألوكة)
  • الموسوعة الندية في الآداب الإسلامية -آداب الجنائز - (ط) الآداب الخاصة بالعدة والإحداد (WORD)(كتاب - مكتبة الألوكة)
  • الموسوعة الندية في الآداب الإسلامية -آداب الجنائز - (ز) الآداب الخاصة بدفن الميت (WORD)(كتاب - مكتبة الألوكة)
  • الموسوعة الندية في الآداب الإسلامية -آداب الجنائز - (حـ) الآداب الخاصة بالتعزية (WORD)(كتاب - مكتبة الألوكة)
  • الموسوعة الندية في الآداب الإسلامية - آداب الجنائز - (ج) الآداب الخاصة بتغسيل الميت (WORD)(كتاب - مكتبة الألوكة)
  • الموسوعة الندية في الآداب الإسلامية - آداب الجنائز - (ب) الآداب التي ينبغي أن تفعل بعد الوفاة (WORD)(كتاب - مكتبة الألوكة)
  • الموسوعة الندية في الآداب الإسلامية - آداب الجنائز - (أ) الآداب التي ينبغي أن تفعل قبل الوفاة (WORD)(كتاب - مكتبة الألوكة)
  • تنبيه الأنام بذكر آداب الطعام (PDF)(كتاب - مكتبة الألوكة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • انطلاق أولى محاضرات موسم الشباب المسلم بتتارستان
  • احتفالات قرآنية في بورغاس وفيلكو تارنوفو تكرم أطفالا أتموا قراءة القرآن الكريم
  • المالديف تستهدف الوصول إلى 500 حافظ وحافظة للقرآن الكريم خلال العام
  • فتح التسجيل لدورات القرآن الكريم للأطفال في غرناطة
  • رغم صعوبات النقل مساعدات إسلامية مستمرة لمتضرري فيضانات نيبال
  • دورتان للفتيات والفتيان حول الزواج والحياة الأسرية في قازان
  • تتويج متميزين في المسابقة الوطنية للمعارف الأساسية للإسلام ببلغاريا
  • بعد 13 عاما حلم أسرة يتحول إلى أول مسجد في سوتوفو

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1448هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 4/4/1448هـ - الساعة: 18:6
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب