• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | مقالات شرعية   دراسات شرعية   نوازل وشبهات   منبر الجمعة   روافد   من ثمرات المواقع  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    فخامة الاستدلال بأقوال السلف على معاني القرآن ...
    روضة محمد شويب
  •  
    حديث: أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء
    الشيخ عبدالقادر شيبة الحمد
  •  
    لطائف من مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ...
    سائد بن جمال دياربكرلي
  •  
    اسم الله اللطيف
    خليل الحربي
  •  
    مسألة خلع النعل في المقابر!
    أحمد فتح الله الشيخ
  •  
    هل نفى هلال بن أمية الولد باللعان فعلا؟
    سيد السقا
  •  
    سلسلة القصص القرآنية المالية (1) قصة قارون وبغيه ...
    مطيع الظفاري
  •  
    شرح موجز للأسماء الحسنى (المجموعة كاملة)
    أ. د. محمد حاج عيسى الجزائري
  •  
    من آداب المجالس (2)
    أ. د. زكريا محمد هيبة
  •  
    بر الوالدين
    د. أمير بن محمد المدري
  •  
    تفسير سورة آل عمران الآيات (21-23)
    يوسف بن عبدالعزيز بن عبدالرحمن السيف
  •  
    الطلاق الناجح (خطبة)
    د. أيمن منصور أيوب علي بيفاري
  •  
    أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم أخلاقا
    الشيخ عبدالعزيز السلمان
  •  
    عبادة الحمد والشكر على نعم الله
    عدنان بن سلمان الدريويش
  •  
    مسلم يبحث عن اليقين (PDF)
    أسماء موسى
  •  
    باب فضل صلة الرحم
    د. خالد بن محمود بن عبدالعزيز الجهني
شبكة الألوكة / آفاق الشريعة / نوازل وشبهات / نوازل فقهية
علامة باركود

هل نفى هلال بن أمية الولد باللعان فعلا؟

هل نفى هلال بن أمية الولد باللعان فعلا؟
سيد السقا

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 16/9/2026 ميلادي - 5/4/1448 هجري

الزيارات: 70

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

هل نفى هلال بن أمية الولد باللِّعان فعلًا؟

 

تُعد قصة هلال بن أمية رضي الله عنه من أشهر الوقائع التي يُستدل بها في أبواب اللعان والنسب، وقد تناولها الفقهاء والمحدِّثون بالبحث والاستدلال عبر القرون.

 

وقد فهم كثير من الفقهاء من قصة هلال بن أمية رضي الله عنه أن اللِّعان يقتضي نفيَ الولد، حتى أصبح هذا الفهم من المعاني المستقرة في كتب الفقه وشروح الحديث.

 

غير أن التأمل في ألفاظ الرواية وتسلسُل أحداثها يثير عددًا من التساؤلات التي تستحق النظر.

 

فهل كان هلال بن أمية رضي الله عنه يتحدَّث أصلًا عن ولد حتى يقال: إنه نفاه باللِّعان؟

 

وهل كانت واقعة اللِّعان في أصلها متعلقة بالنسب، أم أن موضوع النسب ظهر في مرحلة لاحقة من القصة؟

 

وهل يدل ظاهر الرواية فعلًا على أن اللعان وحده كان سببًا في نفي الولد، أم أن الرواية نفسها ترسم صورة أخرى تستحق التأمل؟

 

هذا ما سأحاول مناقشته من خلال الرواية نفسها، مع التركيز على تسلسُل أحداثها وألفاظها كما وردت في المصادر الأصلية.

 

الرواية محل البحث:

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: جاء هلال بن أمية إلى النبي صلى الله عليه وسلم فشهد على امرأته بشريك بن سحماء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «البيِّنة أو حَدٌّ في ظهرك». فقال: يا رسول الله، إذا رأى أحدنا على امرأته رجلًا ينطلق يلتمس البيِّنة؟ فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «البيِّنة وإلَّا حَدٌّ في ظهرك». فقال هلال: والذي بعثك بالحق إني لصادق، ولينزلنَّ الله ما يبرئ ظهري من الحدِّ. فنزل جبريل وأنزل عليه: ﴿ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ ﴾ [النور: 6]، حتى بلغ: ﴿ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ ﴾ [النور: 6]، فانصرف النبي صلى الله عليه وسلم فأرسل إليهما. فجاء هلال فشهد، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إنَّ الله يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب؟»، ثم قامت فشهدت. فلما كانت عند الخامسة وقفوها وقالوا: إنها موجبة. فقال ابن عباس: فتلكَّأت ونكصت حتى ظنَنَّا أنها سترجع. ثم قالت: لا أفضح قومي سائر اليوم. فمضت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أبصروها، فإن جاءت به أكحل العينين، سابغ الأليتين، خدلج الساقين، فهو لشريك بن سحماء». فجاءت به كذلك. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لولا ما مضى من كتاب الله لكان لي ولها شأن»؛ رواه البخاري في صحيحه.

 

إذا رجعنا إلى أصل القصة نجد أن هلال بن أمية رضي الله عنه لم يأتِ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن زوجته كانت حاملًا، ولم يأتِ لينفي ولدًا، ولم يأتِ لأن هناك طفلًا وُلد ويريد أن يتبرأ منه؛ بل جاء لأنه رأى زوجته تزني بشريك بن سحماء؛ هذه هي القضية التي جاء بسببها.

 

فاللِّعان في أصل تشريعه إنما جاء لمعالجة حالة يرمي فيها الزوج زوجته بالزنا وهي تنكُر ذلك، فيتعذر إقامة البيِّنة، فيشرع اللِّعان بينهما. وهذا هو الذي وقع بين هلال وزوجته؛ بل إنَّ الأمر من الناحية الواقعية والمنطقيَّة أوضح من ذلك. فالرجل إذا ضبط زوجته في واقعة زِنا، لا يلزم من ذلك أصلًا أنها قد حملت من الزنا. ولو قدر أنها حملت، فليس من الممكن أن يتبَيَّن حملها في تلك الساعة أو في اليوم التالي حتى يذهب الزوج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لينفي حملًا أو ولدًا. فالقضية التي جاء بها هلال كانت قضية زنا رآها بعينه، لا قضية حمل ظاهر، ولا قضية ولد قائم يريد نفيه. ويؤيِّد هذا الفهم أن ظاهر الرواية يدل على أن اللِّعان وقع عقب شكوى هلال مباشرة، أو بعد مدة يسيرة جدًّا منها.


فهلال جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يشكو ما رآه من زوجته، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «البيِّنة أو حَدٌّ في ظهرك»، فراجع هلال النبي صلى الله عليه وسلم وبيَّن له استحالة إحضار البيِّنة في مثل هذه الحال.


ثم تذكر الرواية نزول آيات اللِّعان. ثم تقول: «فنزل جبريل...» «فأرسل إليهما رسول الله صلى الله عليه وسلم...» «فتلاعنا...».

 

وظاهر هذا السياق المتَتَابِع أن الأحداث وقعت متعاقبة في زمن متقارب، دون أن تشير الرواية إلى انتظار طويل أو إلى ظهور حمل كان معلومًا للناس.

 

ومن هنا يبرز الإشكال مرة أخرى: إذا كان اللِّعان قد وقع عقب دعوى هلال بالزنا، وكانت القضية يومئذٍ دعوى زنا لا دعوى حمل، فمن أين جاء الجزم بعد ذلك بأن أي حمل يظهر هو من الزاني لا من الزوج؟

 

وكيف أصبح اللِّعان في حدِّ ذاته سببًا كافيًا لنفي الولد، مع أن الرواية نفسها لا تتحدَّث في بدايتها عن ولد أصلًا؟ بل هناك إشكال آخر لا يقل أهمية.

 

فلنفترض أن المرأة حملت بعد الواقعة، من أين جاء الجزم بأن الحمل من الزاني؟ أليس من الممكن أن يكون الحمل من الزوج؟ بل أليس هذا الاحتمال قائمًا بقوة ما دامت المرأة متزوجة أصلًا؟

 

فإذا كان هلال بن أمية قد جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة بعد أن رأى واقعة الزنا، فمن أين له أن يعلم أن أي حمل سيظهر بعد ذلك هو من الزاني لا من الزوج؟

 

وكيف ينفي رجل ولدًا قد يكون من صلبه هو؟

 

إن مجرد وقوع الزنا لا يساوي يقينًا أن الحمل ـ إن وجد ـ من الزاني، بل إن هناك إشكالًا آخر أراه من أخطر الإشكالات في المسألة كلها.

 

فاللِّعان في أصله لم يُشرع لأن الزوج صادق يقينًا، ولم يُشرع لأن الزوجة كاذبة يقينًا؛ بل شُرع لأن الحقيقة غير معلومة، فالزوج يدَّعي أنه رأى الزنا، والزوجة تنكر، ولا توجد بيِّنة تكفي لحسم النزاع؛ ولهذا لم يحكم الله بصدق أحدهما ابتداءً، بل شرع اللِّعان بينهما، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول أثناء اللِّعان: «إنَّ اللهَ يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب؟»

 

فإذا كنا لا نعلم أصلًا من الصادق ومن الكاذب، وإذا كانت الشريعة نفسها لم تحسم النزاع لصالح الزوج ابتداءً، فمن أين جاء الجزم بعد ذلك بأن الحمل ـ إن وجد ـ هو من الزاني؟

 

وهنا يبرز السؤال:

إذا كان اللِّعان قد شُرع لأن الحقيقة غير معلومة، ولأن الزوجة قد تكون صادقة كما قد يكون الزوج صادقًا، فلماذا نعطي الزوج بمجرد اللِّعان حق نفي الولد؟

 

أليس في ذلك ترجيح لصدقه ابتداءً؟ وأليس ذلك يجعل احتمال كذبه- الذي نصَّت عليه الآيات وأكَّده النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «إن الله يعلم أن أحدكما كاذب»- احتمالًا لا أثر له عمليًّا؟

 

فإذا كان الزوج بمجرد اللِّعان يستطيع نفي الولد، فإن النزاع يكون قد حُسِم فعليًّا لصالحه في أهم ثماره ونتائجه، مع أن اللِّعان شُرع أصلًا لأننا لا نعلم أي الزوجين الصادق وأيهما الكاذب.

 

بل إن هناك إشكالًا آخر لا يقلُّ أهميةً.

 

فلو سلمنا جدلًا بأن الزوج صادق في دعواه، وأنه رأى الزنا بعينه كما ادَّعى، فهل يكفي ذلك وحده لنفي الولد؟

 

يبدو أن الجواب ليس بهذه البساطة.

 

لأن صدق الزوج في رؤية الزنا لا يعني أولًا أن الزوجة ستحمل من تلك الواقعة أصلًا، فالزنا قد يقع ولا يترتب عليه حمل.

 

ثم حتى لو وقع حمل بعد ذلك، فلا يلزم من مجرد وقوع الزنا أن يكون الحمل من الزاني.

 

فالمرأة متزوِّجة أصلًا، واحتمال أن يكون الحمل من زوجها يبقى قائمًا ما دام الاتصال الزوجي ممكنًا.

 

وعليه فإن إثبات وقوع الزنا شيء، وإثبات أن الحمل من الزاني شيء آخر مختلف تمامًا؛ ولهذا فإن مجرد صدق الزوج في دعواه- حتى لو سلمنا به جدلًا- لا يكفي وحده لنفي الولد.

 

لأن السؤال الحقيقي ليس: هل وقع الزنا؟ وإنما: من صاحب النطفة التي جاء منها هذا الولد؟

 

وهذا سؤال لا يجيب عنه مجرد وقوع الزنا، ولا مجرد دعوى الزوج، بل يحتاج إلى ما يتعلَّق بالولد نفسه ويكشف جهة نسبه.

 

وقد يعترض معترض فيقول: لعل الحمل كان قد ظهر أصلًا؛ ولذلك تكلَّم النبي صلى الله عليه وسلم عن المولود وصفاته؛ غير أن ظاهر الرواية لا يشير إلى ذلك، بل ظاهرها أن هلالًا جاء يشكو واقعة الزنا نفسها، لا حملًا ظاهرًا ولا ولدًا موجودًا.

 

ومن هنا يبرز تساؤل آخر:

إذا لم يكن هناك حمل ظاهر، فمن أين جاء حديث النبي صلى الله عليه وسلم عن المولود وصفاته؟

 

ويبدو- والله أعلم- أن إشارة النبي صلى الله عليه وسلم إلى ما سيظهر من أمر الحمل والمولود لم تكن مبنيةً على حمل معلوم للناس حينئذٍ، وإنما كانت إخبارًا منه صلى الله عليه وسلم بما سيقع بعد ذلك.

 

ولذلك لم يكتفِ بذكر واقعة الزنا، بل وجَّه الأنظار إلى المولود قبل أن يُولد، وربط الأمر بصفات محددة ستظهر فيه مستقبلًا.

 

ومن هنا يبرز سؤال مهم:

إذا كان هلال لم يأتِ بسبب حمل، ولم يأتِ بسبب ولد، فمن أين جاءت قصة الولد أصلًا؟

 

ولنرجع الآن إلى الرواية نفسها، ولنحاول أن نقرأها بعيدًا عن الشروح المسبقة والأقوال المتوارثة.

 

فبعد أن تمَّ اللِّعان بين هلال وزوجته، وبعد أن قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب؟».

 

كان من المفترض- وَفْق الفهم الشائع- أن تكون القضية قد انتهت.

 

لكن الذي حدث شيء آخر.

 

فبعد انتهاء اللِّعان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أبصروها، فإن جاءت به أكحل العينين، سابغ الأليتين، خدلج الساقين، فهو لشريك بن سحماء».

 

وهنا ينبغي التوقف طويلًا.

 

فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يعتبر أن مسألة الولد قد حُسمت بمجرد انتهاء اللِّعان.

 

ولم يقل: انتهى الأمر.

 

ولم يقل: ما دام اللِّعان قد وقع فلا شأن لنا بما سيأتي بعد ذلك.

 

بل على العكس تمامًا.

 

فبعد أن انتهى اللعان، وجَّه الأنظار إلى أمر سيظهر في المستقبل.

 

وكأن النبي صلى الله عليه وسلم يريد أن يلفت انتباه أصحابه- ومن بعدهم الأمة كلها- إلى شيء له علاقة بمعرفة جهة الولد في مثل هذه القضايا.

 

فقال: «أبصروها»؛ أي: راقبوها وانتظروا ما سيظهر، ثم لم يترك الأمر مطلقًا، بل حدد أوصافًا دقيقة جدًّا للمولود قبل أن يُولد، ثم ربط النتيجة بتلك الأوصاف.

 

فقال: «فإن جاءتْ بِهِ أَكْحلَ العَينَينِ سابغَ الأليتَينِ خَدلَّجَ السّاقَينِ فَهوَ لشريكِ بنِ السَّحماءِ».

 

وهناك نقطة أخرى تستحق التأمل؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يقل: «سيكون الولد لشريك بن سحماء»، وإنما قال: «فإن جاءت به...» وتعليق الأمر على هذا الشرط يلفت النظر إلى أمر مهم.

 

فمفهوم الكلام أن هناك احتمالًا آخر قائمًا؛ إذ لو كان الولد قد انتفى عن الزوج بمجرد اللِّعان، لما كان هناك معنى أصلًا لتعليق الأمر على أوصاف المولود.

 

لكن النبي صلى الله عليه وسلم جعل هذه الأوصاف قرينة تتعلق بالولد نفسه، لا قرينة لإثبات أصل الزنا، وهذا فرق مهم جدًّا.

 

فلو لم تأتِ به على تلك الأوصاف، فهذا لا يعني بالضرورة أن الزنا لم يقع؛ لأن المرأة قد تزني ولا تحمل أصلًا، وقد تحمل من زوجها لا من الزاني؛ إذن فالشبه هنا ليس لإثبات الزنا، وإنما لمعرفة جهة الولد - إن كان الزوج صادقًا في دعواه أصلًا - وهل يُنسَب إلى الزوج أم إلى الرجل الذي اتُّهِم بالزنا.

 

ومن هنا يظهر مرة أخرى أنَّ اللِّعان شيء، ونسبة الولد شيء آخر، فاللِّعان يعالج دعوى الزنا بين الزوجين، أما نسبة الولد فلا يصح أن تُبْنى على مجرد الدعوى، بل تحتاج إلى قرينة تتعلَّق بالولد نفسه، بل إن ظاهر الرواية يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يغلق الملف عند اللِّعان، بل أبقاه مفتوحًا حتى يظهر المولود وتظهر صفاته، وهذا وحده كافٍ لإثارة سؤال كبير:

 

هل كانت قضية اللِّعان أصلًا قضية نفي ولد؟ أم أنَّ اللِّعان كان متعلقًا بإثبات الزنا أو نفيه، ثم جاءت قضية الولد بعد ذلك في سياق مستقل تمامًا؟

 

وهل يمكن أن يكون الفقهاء قد جمعوا بين الأمرين وجعلوهما قضية واحدة، بينما الرواية نفسها تُفرِّق بينهما؟

 

ثم يأتي الراوي بعد ذلك ليقول: «فجاءت به كذلك»؛ أي: جاءت به مطابقًا للأوصاف التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم.

 

وهنا تبرز دلالة أخرى لا تقل أهمية.

 

فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يكتفِ بذكر الأوصاف، بل انتظر ظهورها فعلًا، ثم أخبرنا الراوي بأنها ظهرت كما وصف تمامًا، ولو كان اللِّعان وحده كافيًا لحسم مسألة الولد، لما كان لذكر هذه المرحلة كلها معنى ظاهر.

 

فإن الثابت أن النبي صلى الله عليه وسلم ربط تعليقه بما ظهر من أمر المولود، لا بمجرد وقوع اللِّعان.

 

وهذا يعيدنا مرة أخرى إلى السؤال نفسه:

إذا كان اللعان وحده قد حسم مسألة الولد، فما الحاجة أصلًا إلى الانتظار، وإلى النظر في صفات المولود، وإلى كل ما جاء بعد ولادته من تعليقات واستدلالات؟

 

إن ظاهر الرواية يوحي بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يتعامل مع الولد باعتباره منتفيًا بمجرد اللِّعان، وإنما وجَّه الأنظار إلى أمر يتعلق بالمولود نفسه، ثم انتظر ظهوره، ثم علَّق على النتيجة بعد ظهورها.

 

وهنا تبرز ملاحظة لا تقل أهمية.

 

فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يوجِّه الأنظار إلى صفات المولود عبثًا، ولم يذكر تلك الأوصاف لمجرد إثبات وقوع الزنا.

 

ذلك أن الزنا قد يقع ولا ينتج عنه حمل أصلًا.

 

وحتى إذا وقع الحمل، فإن السؤال الذي يبقى مطروحًا هو:

لمن يُنسب هذا الولد؟ ومن هو صاحب النُّطْفة التي جاء منها هذا الولد؟


فبعد أن ربط الأمر بصفات المولود قال: «فهو لشريك بن سحماء».

 

وهذا التعبير يثير تساؤلًا مهمًّا حول الجهة التي كان النبي صلى الله عليه وسلم ينظر إليها في هذه الواقعة.

 

إذ لم يقل: إن الزنا قد ثبت، ولم يقل: إنَّ هلالًا كان صادقًا؛ بل ربط الأمر بجهة الولد نفسها.

 

ويبدو أن عناية النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الرِّواية كانت متجهة إلى هذه الجهة تحديدًا.

 

فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يبحث عن مجرد إثبات واقعة الزنا، وإنما كان يوجِّه الأنظار إلى ما يكشف جهة النسب نفسها.

 

وهذا ما يدعو إلى مزيد من التأمُّل في العلاقة بين الشبه الظاهر وبين معرفة جهة النسب، حتى لا تختلط الأنساب، وهو المعنى الذي تؤكِّده نصوص الشريعة في نسبة الأبناء إلى آبائهم الحقيقيين.

 

ومما يزيد هذه الدلالة وضوحًا أنني لا أحتجُّ هنا بالطبِّ الحديث ولا بتحليل الحمض النووي (DNA)، بل أحتجُّ أولًا بالرواية نفسها.

 

فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يتعامل مع جهة الولد على أنها حُسِمت بمجرد انتهاء اللِّعان، بل وجَّه الأنظار إلى المولود نفسه، وربط الأمر بصفات تظهر فيه بعد ولادته، ثم علَّق نسبة الولد على تلك الصفات حين قال: «فهو لشريك بن سحماء».

 

فكأن الرواية تنقلنا من دائرة الدعوى المجردة إلى دائرة القرائن المتعلقة بالولد نفسه.

 

ولهذا كانت عناية النبي صلى الله عليه وسلم منصبَّة على ما سيظهر في المولود من علامات تدل على جهة نسبه، لا على مجرد الاتهام الذي وقع بين الزوجين.

 

فإذا كانت السُّنة قد أرشدتنا إلى الاستدلال بصفات المولود وشبهه لمعرفة جهة الولد، فإن وسائل العصر الحديث لا تخرج عن هذا المعنى من حيث الأصل، وإنما تمتاز بأنها أكثر دقَّة وأقوى في الكشف عن الصلة الوراثية.

 

فالفرق بين الشبه الظاهر الذي دلَّت عليه الرواية وبين تحليل الحمض النووي ليس فرقًا في المبدأ، وإنما هو فرق في درجة الدقَّة واليقين.

 

ويبقى السؤال مطروحًا: هل نفى هلال بن أمية الولد باللِّعان كما هو مشهور في كتب الفقه؟ أم أن الرواية نفسها ترسم صورة مختلفة تستحق إعادة النظر والتأمل؟

 

ومن خلال ما سبق، يظهر أن قصة هلال بن أمية رضي الله عنه تستحق إعادة قراءة متأنية بعيدًا عن التصورات المسبقة، وأن ظاهر الرواية لا يقدم دليلًا واضحًا على أن الولد قد انتفى بمجرد اللِّعان، بل يثير عددًا من التساؤلات التي لا يمكن تجاوزها دون نظر وتأمل.

والله تعالى أعلم.





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • كيف تحول «أحظى للمرأة» إلى حرمان لها؟
  • العقول تغير العالم... لا الشهادات
  • حين تذوب العقود تحت نيران التضخم
  • تأخر الزواج بين الفطرة والواقع: معضلة تبحث عن حلول
  • وهم الحرية... حين تسرق التجارب سعادة العمر
  • ما بعد الانهيار: سقوط العملات الورقية وبقاء الذهب
  • لماذا تغير التعبير القرآني؟ وقفة تأملية: هل سوى القرآن بين قذف المحصنات ورمي الزوجات؟
  • الموروث الشعبي .. وتداعيات المسخ بمفاعيل العصرنة
  • الثقافة.. من الكتاب الورقي إلى الرقمية الإلكترونية
  • جدلية التاريخ والإنسان.. من يصنع منهما الآخر؟
  • الانغماس في الفضاء الرقمي.. ضياع واستلاب
  • مخرجات التعليم.. وضرورة التناغم مع متطلبات سوق العمل

مختارات من الشبكة

  • نقصان الإيمان بالمعاصي ونفيه عن المتلبس بالمعصية على إرادة نفي كماله(مقالة - موقع الشيخ عبدالله بن حمود الفريح)
  • نفي النسب باللعان وشروطه(مقالة - موقع أ. د. محمد جبر الألفي)
  • حديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم أجاز نكاح امرأة على نعلين(مقالة - موقع الشيخ عبد القادر شيبة الحمد)
  • سالم بن عبد الله بن عمر رحمه الله وأثره في الجانب الاجتماعي والعلمي في المدينة المنورة(مقالة - ثقافة ومعرفة)
  • تراجم: المأمون – عبدالحميد الكاتب – عبدالله بن معاوية – طارق بن زياد – الأحنف بن قيس - عمرو بن العاص(مقالة - ثقافة ومعرفة)
  • السيرة النبوية للأطفال(مقالة - موقع عرب القرآن)
  • مخطوطة حديث محمد بن عبدالله بن المثنى بن أنس بن مالك الأنصاري عن شيوخه(مخطوط - مكتبة الألوكة)
  • حديث: الولد للفراش وللعاهر الحجر(مقالة - موقع الشيخ عبد القادر شيبة الحمد)
  • حديث: المطلقة ثلاثا: ليس لها سكنى ولا نفقة(مقالة - موقع الشيخ عبد القادر شيبة الحمد)
  • ظاهر الزبد في نفي الولد(مقالة - آفاق الشريعة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • انطلاق أولى محاضرات موسم الشباب المسلم بتتارستان
  • احتفالات قرآنية في بورغاس وفيلكو تارنوفو تكرم أطفالا أتموا قراءة القرآن الكريم
  • المالديف تستهدف الوصول إلى 500 حافظ وحافظة للقرآن الكريم خلال العام
  • فتح التسجيل لدورات القرآن الكريم للأطفال في غرناطة
  • رغم صعوبات النقل مساعدات إسلامية مستمرة لمتضرري فيضانات نيبال
  • دورتان للفتيات والفتيان حول الزواج والحياة الأسرية في قازان
  • تتويج متميزين في المسابقة الوطنية للمعارف الأساسية للإسلام ببلغاريا
  • بعد 13 عاما حلم أسرة يتحول إلى أول مسجد في سوتوفو

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1448هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 5/4/1448هـ - الساعة: 10:3
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب