• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | مقالات شرعية   دراسات شرعية   نوازل وشبهات   منبر الجمعة   روافد   من ثمرات المواقع  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    الذنوب الجارية وخطرها في ميزان الإسلام
    حسام كمال النجار
  •  
    الرد على شبهة قول الحسن البصري عن معاوية إنه أخذ ...
    د. جاسر يزن سيف الدين
  •  
    فضل إقالة النادم بيعه
    د. خالد بن محمود بن عبدالعزيز الجهني
  •  
    الناجون من عذاب القبر (خطبة)
    د. عبد الرقيب الراشدي
  •  
    فوائد وأحكام من قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا ...
    الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم
  •  
    كبار السن (خطبة)
    د. محمد بن عبدالعزيز بن إبراهيم بلوش ...
  •  
    فضل العلم وأهله
    د. خالد النجار
  •  
    خطبة عيد الأضحى في جملة أحكام
    يحيى بن إبراهيم الشيخي
  •  
    الشفاعة
    الشيخ عبدالعزيز السلمان
  •  
    احفظ بصرك... تسلم قلبك!
    د. أمير بن محمد المدري
  •  
    بيان لبعض الأمثلة التي يُحمل فيها العام على الخاص
    الشيخ أ. د. عرفة بن طنطاوي
  •  
    الصراط
    الشيخ عبدالعزيز السلمان
  •  
    صلة الرحم (خطبة)
    د. عبد السلام عبده المعبأ
  •  
    الخوف من الله ... حياة للقلوب ونجاة يوم الكروب
    د. أمير بن محمد المدري
  •  
    العيد تضحية وفرحة (خطبة)
    ياسر عبدالله محمد الحوري
  •  
    خطبة عيد الأضحى 1446 هـ
    د. محمد بن عبدالعزيز بن إبراهيم بلوش ...
شبكة الألوكة / آفاق الشريعة / مقالات شرعية / النصائح والمواعظ
علامة باركود

الذنوب الجارية وخطرها في ميزان الإسلام

الذنوب الجارية وخطرها في ميزان الإسلام
حسام كمال النجار

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 1/6/2026 ميلادي - 15/12/1447 هجري

الزيارات: 60

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

الذنوب الجارية وخطرها في ميزان الإسلام

 

الحمد لله الذي خلق الإنسان وابتلاه، وهداه النجدين، وجعل له سمعًا وبصرًا وفؤادًا ليختار طريق الخير أو الشر، والصلاة والسلام على المبعوث رحمةً للعالمين، محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، الذي بلَّغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وكشف الله به الغمة، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

 

إن الحديث عن الذنوب الجارية من أهم الموضوعات التي ينبغي للمسلم أن يتأملها بجدية، خصوصًا في عصرنا الحاضر الذي أصبح فيه نقل الكلمة والصورة والفكرة لا يستغرق إلا لحظات معدودة عبر وسائل التواصل الحديثة. فالإنسان قد يرتكب معصيةً عابرة بينه وبين نفسه، فيستغفر منها، فيمحوها الله عز وجل بفضله ورحمته، أما حين يتعدى الأمر إلى نشر تلك المعصية وتعميمها بين الناس، فإنه يدخل في دائرة أشد خطورة: دائرة الذنوب الجارية، أي الذنوب التي تستمر آثارها بعد الفعل الأصلي وتتكاثر أوزارها بتكاثر من يقلدها أو يتأثر بها.

 

معنى الذنوب الجارية ومفهومها:

المقصود بالذنوب الجارية: هي تلك السيئات التي لا تتوقف عند فاعلها، بل تتعداه إلى غيره بالانتشار والاقتداء والتقليد. فهي عكس الحسنات الجارية التي تستمر لصاحبها بعد موته، كما ورد في الحديث المشهور عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم يُنتفع به، أو ولد صالح يدعو له» (رواه مسلم، كتاب الوصية، حديث رقم 1631).

 

فكما أن هناك حسنات جارية تستمر بعد موت الإنسان، فهناك أيضًا سيئات جارية تستمر بعد موته إن كان قد ترك أثرًا سيئًا أو بابًا مفتوحًا للشر يقتدي به الناس، كمن ينشر فكرة فاسدة، أو يسن بدعة ضلالة، أو يروج لمعصية عبر وسيلة من الوسائل.

 

وهذا الأمر خطير جدًا، لأنه قد يجعل ميزان العبد يوم القيامة مُثقلاً بأوزار لم يرتكبها بيده مباشرة، ولكنه كان السبب في انتشارها وإشاعتها.

 

الأدلة من القرآن الكريم:

إنَّ القرآن الكريم حافلٌ بالآيات البينات التي تُحذِّر الإنسان من خطورة أن يكون سببًا في إضلال غيره أو أن يسنَّ سنَّة سيئة أو يترك أثرًا منكرًا في الحياة، فالأمر لا يقتصر على معصيته الشخصية فقط، بل يمتد أثره إلى كل من تبعه أو تأثر به. وقد جاء هذا البيان في أكثر من موضع، تأكيدًا لعِظَم المسؤولية الملقاة على عاتق الإنسان.

 

يقول الله تعالى: ﴿ لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ ۗأَلَاسَاءَمَايَزِرُونَ ﴾ [النحل: 25]. وهذه الآية الكريمة صريحة في أن من دعا إلى ضلالة أو زيَّن الباطل للناس أو كان سببًا في انحراف غيره، فإن وزره لا يقف عند حدود نفسه، بل يحمل أوزاره وأوزار من اتبعه إلى يوم القيامة. يقول الإمام الطبري في تفسيره: أي إن هؤلاء المضلين لا يكتفون بإثمهم، بل يُضاف إلى أوزارهم أوزارُ من أضلُّوهم، من غير أن يُنقص ذلك من أوزار المضلَّلين شيئًا. وفي هذا تحذير شديد أن الكلمة أو الفعل أو الموقف قد يظل أثره ممتدًا في الناس، ويظل صاحبه يجني وِزرَه إلى أن تقوم الساعة.

 

ومن الآيات العظيمة كذلك قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ﴾ [النور: 19]. فالله جل وعلا لم يقل: "إن الذين ينشرون الفاحشة"، بل قال: يحبون أن تشيع، أي يكفي مجرد محبة إشاعة الفساد والفواحش في المجتمع المؤمن حتى يستحق الإنسان العذاب الأليم. فإذا كان هذا حال من أحبَّ، فكيف بحال من نشر وصنع المحتوى السيئ وشارك في ترويجه، أو زيَّن الباطل وفتح أبوابه للناس؟ يقول القرطبي في تفسيره: يكفي الميل القلبي إلى شيوع الفاحشة ليكون موجبًا للعقاب، فكيف بمن سعى بلسانه أو بيده في نشرها؟، ومن هنا ندرك أن المسؤولية تبدأ من النية والميل، وتزداد عِظَمًا حين تنتقل إلى الفعل والتنفيذ.

 

وكذلك قوله تعالى: ﴿ وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا ﴾ [الفرقان: 23]. هذه الآية تصور مشهدًا مهيبًا يوم القيامة، حيث يأتي الناس بأعمال ظنوا أنها صالحة نافعة، لكنها كانت قائمة على باطل أو كانت سببًا في الصد عن سبيل الله، فيجعلها الله سبحانه هباءً منثورًا لا قيمة له. يقول ابن كثير: أي بطَلَت أعمالهم وفقدت أثرها لأنها لم تكن على أساس من الإيمان الصحيح، أو لأنها صُرفت في معصية أو إضلال. وهذا تحذير من أن الإنسان قد يغتر بكثرة عمله أو مكانته، فإذا كان عمله وباله على الناس أُحبط كله، وضاع أجره، وصار صفرًا لا وزن له.

 

ومن أعظم الآيات التي تكشف خطورة الافتراء على الله قوله تعالى: ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ ﴾ [الأنعام: 93]. هذه الآية تشمل كل من نسب إلى الدين ما ليس منه، أو لبَّس على الناس أمر الحلال والحرام، أو اخترع أحكامًا تُبرِّر المعاصي وتسوِّغ المحرمات. فكل من نسب إلى الشرع ما لم يقلْه الله ولا رسوله فقد دخل في هذا الوعيد. وفي زمننا هذا يكثر من يزين الباطل تحت شعار "الحرية" أو "التجديد" أو "مواكبة العصر"، فيُفتَرى على الله الكذب بنسبة ما لا يجوز إلى دينه، وقد بيَّن المفسرون أن هذا من أعظم الظلم، لأنه ليس ظلمًا للنفس فقط، بل ظلمٌ لله ولدينه وللناس جميعًا.

 

ومن مجموع هذه الآيات يظهر لنا أن خطورة الذنب لا تقف عند حدود الفعل الشخصي، وإنما تمتد إلى أثره البعيد؛ فالمضل يتحمل وزره ووزر غيره، والمحب للفاحشة يُعاقب حتى قبل أن ينشرها، والمفترى على الله لا يُعذر بشبهة أو تبرير. وهذه الدلالات القرآنية تجعلنا نعيد النظر في مسؤوليتنا عن الكلمة والصورة والفعل، خاصة في زمن تنتشر فيه الرسائل والمقاطع والأفكار في ثوانٍ لتصل إلى الملايين.

 

الأدلة من السنة النبوية:

الأحاديث النبوية جاءت مكملة للآيات القرآنية في التحذير من هذا الباب؛ باب الأثر المتعدي للإنسان في غيره: إن دعا إلى هدى جرى له الأجر، وإن دعا إلى ضلالة جرى عليه الوزر. وهذا المعنى اليوم أشد وضوحًا مع وسائل النشر السريع؛ فالكلمة والصورة والمقطع تنتقل في لحظات، وتتحول إلى «سنة متَّبعة» أو «دعوة مستمرة» لا تنقطع آثارها.

 

قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء» (رواه مسلم، كتاب العلم، حديث رقم 2674).

 

هذا الحديث لب الفكرة التي ندور حولها فإن الخطر ليس في معصيتك الفردية فحسب، بل في تحويل المعصية إلى مسارٍ يسلكه الناس. فـ«السنة السيئة» لا تقتصر على البدع التعبدية، بل تشمل كل سلوكٍ محرَّم يفتحه المرء للناس: فكرة فاسدة، «تريند» ساخر من الدين، تحدٍّ يخدش الحياء، أو مقطع يروّج للفاحشة.

 

لماذا الوزر جارٍ؟ لأنك لم تفعل الذنب وحدك؛ صنعت طريقًا إليه. وكل من عبر الطريق على أثرك كان لك مثل وزره «من غير أن ينقص من أوزارهم شيء»، أي أن كل واحد يتحمل إثمه كاملًا، وتُضاف إليك أمثالها لأنك السبب.

 

في الواقع المعاصر «المنشور المثبت»، «القناة» أو «البلاي ليست» التي تجمع المحرمات، أو «هاشتاغ» يدعو للسخرية من شعيرة؛ كلها تتحول إلى «سنة سيئة» يسهل على الناس اتباعها، فيجتمع عليك من الآثام بقدر من اقتدى.

 

وقال صلى الله عليه وسلم: «من دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا» (رواه مسلم، كتاب العلم، حديث رقم 2674).

 

إذا كان الحديث الأول يحذِّر من الابتداء بسلوك سيئ، فهذا يبيِّن خطر الدعوة إليه ولو لم تكن أنت المبتدئ. فقد لا تكون أول من صنع المنكر، لكنك قد تصبح مروِّجًا له: إعادة نشر، تعليق مؤيِّد، وضع رابط، أو تطبيع للحرام باسم «الضحك».

 

الدعوة أوسع من الفعل، فقد يزعم المرء أنه «لم يفعل»، لكنه دلَّ و«حثَّ» و«زيَّن». في الشرع: الدلالة على المنكر إثمٌ جارٍ، لأن أثرها متعدٍّ.

 

لذا فإن ما تقوم به من «شير»، «ريتويت»، «فورورد» مع تعليق مشجِّع، أو تجميع روابط محرَّمة في «ثريد» واحد؛ كلها صور دعوة. ومجرَّد هذا يكفي لتحمُّل مثل آثام من تأثر بدعوتك.

 

وروى البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً يهوي بها في جهنم سبعين خريفاً» (صحيح البخاري، كتاب الرقاق، حديث رقم 6477).

 

الحديث يرسم هاويةً تصنعها كلمة واحدة قيلت بلا تفكير. فإن كانت كلمة مفردة تهوي بصاحبها هذا المدى، فكيف بمن يصنع سلسلة كلمات ومنشورات ومقاطع تُسخِّف المعروف وتزيِّن المنكر؟!

 

ونجد اليوم التعليق الساخر، «الكوميكس»، الكابشن البذيء؛ يراها صاحبها «خفيفة»، لكنها تشعل ضحكة عريضة على معصية، وتكسر الحواجز، وتُسقط الهيبة من حدود الله، فتزيد قابلية الانتشار ويكبر الإثم بقدر الأثر.

 

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها… ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها» (رواه مسلم).

 

الحديث يضع مفتاح البديل فكما أن للشر أثرًا جارياً، فللخير أثرٌ جارٍ. الحسابات والمنصَّات يمكن أن تكون صدقة جارية رقمية: تعليم، تلاوة، تذكير، إصلاح ذات البين، تفنيد الشبهات.

 

لذا قبل أن تضغط «نشر»، اسأل: هل يمكن تحويل هذه الدقائق إلى «سنة حسنة»؟ هل أستطيع أن أضع بدلها ذكرًا، علمًا، آيةً بشرحها، أو نصيحة موجزة؟ فالمجال واحد، لكن الوجهة هي الفارق بين أجرٍ يجري ووزرٍ يجري.

 

روى ابن ماجه في سننه عن أبي هريرة رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أشار إلى أخيه بحديدة فإن الملائكة تلعنه وإن كان أخاه لأبيه وأمه» (سنن ابن ماجه، كتاب الأدب، حديث رقم 3704).

 

إذا كانت إشارة بسلاح كافية لاستجلاب اللعن بسبب ما فيها من ترويع، فكيف بمن يروِّج فيديو فاحشًا، أو يسخر من الدين ورموزه، أو يحرِّض على معصية؟!

 

الشرع يعظِّم حرمة القلوب وصيانتها من الخوف والفتنة. فالترويع المعنوي، والابتزاز الرقمي، و«التشهير»، كلها داخلة في جنس الإيذاء المتوعَّد عليه. وحين يتحول ذلك إلى محتوى منتشر، صار إثمًا متعدّيًا بامتياز.

 

أقوال السلف عن الذنوب الجارية:

كان السلف الصالح ـ رحمهم الله ـ على وعيٍ عميق بأن الخطيئة لا تنتهي عند حدود صاحبها، وأن الذنوب قد تمتد لتجري في الناس جريان النار في الهشيم، ولذلك شدَّدوا في التحذير من الكلمة الجارية والبدعة المنتشرة والشر المتعدي.

 

قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «إن الرجل ليخرج من بيته ومعه دينه، فيرجع وما بقي منه شيء»، قيل: وكيف ذلك؟ قال: «يلقى الرجل لا يملك له ولا لنفسه ضرًا ولا نفعًا، فيقول له كلمة فيرجع وقد أسخط الله عليه» (المصنف لابن أبي شيبة 7/ 213).

 

وهذا القول ينطبق اليوم بصورة مخيفة على عالم السوشيال ميديا، حيث يكتب المرء كلمة في لحظة غضب أو تهور، فيقرؤها الآلاف، فيسخط الله عليه سخطًا عظيمًا، وتظل تلك الكلمة الجارية تلاحقه في صحائف أعماله، مع كل من أعاد نشرها أو تأثر بها أو ضل بسببها.

 

وقال الإمام مالك رحمه الله: «لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، فما لم يكن يومئذ دينًا فلا يكون اليوم دينًا» (الاعتصام للشاطبي 1/ 64).

 

وهذا تحذير بالغ من ابتداع صور جديدة من الضلال والشر تُلبَّس ثوب الدين، فإذا كان في زمنهم الخطر في البدع المحدثة، فما بالك بزماننا وقد صارت البدعة تُصاغ في مقطع قصير أو صورة أو منشور، فينتشر في دقائق معدودة إلى ملايين الناس، فيتحول من ذنب فردي إلى ذنب جماعي جارٍ يورث الأوزار لأصحابه أبد الدهر.

 

وكان الحسن البصري رحمه الله يقول: «من دعا إلى بدعة فقد أحب أن يُعصى الله، ومن أحب أن يُعصى الله فقد بارز الله بالمحاربة» (البدع والنهي عنها لابن وضاح ص: 54).

 

فتأمل كيف جعل مجرد الدعوة إلى البدعة حبًا لمعصية الله، ومن أحب المعصية فقد حارب رب العالمين. وهذا المعنى يتجلى اليوم فيمن يصنع محتوى مضللاً أو ينشر مقاطع ماجنة أو يسخر من شعائر الدين، ثم يفرح بمشاهداتها وتعليقاتها، وكأنه يُحب أن يُعصى الله في الأرض، فيكون من المحاربين لله بلا سيف.

 

وقال سفيان الثوري رحمه الله: «من ابتدع بدعة فقد ضل، ومن أحب أن يُذكر فقد أحب أن يُعصى الله» (جامع بيان العلم لابن عبد البر 2/ 942).

 

وهذا أيضًا نراه اليوم فيمن يبتغي الشهرة عبر نشر الغرائب والمخالفات، لا يريد وجه الله بل أن يُذكر بين الناس، فإذا به يفتح على نفسه بابًا من الذنوب الجارية لا يُغلق حتى بعد موته.

 

وقال أبو قلابة رحمه الله: «إذا أحدث الرجل بدعة فاحذروه، فإن بدعته تُعيد على بدعته» (البدع والنهي عنها لابن وضاح ص: 56).

 

وكأنها تنبيه إلى أن البدعة لا تقف عند أول الطريق، بل تجلب أختها، وتفتح أبوابًا أخرى من الشر، فإذا نُشرت بين الناس انتشرت شرورًا متتابعة.

 

فهذه الأقوال المضيئة تكشف بوضوح أن السلف فهموا خطورة الذنب الجاري، وأنه لا ينتهي بفعله، بل يمتد أثره عبر الزمان والناس. واليوم صارت وسائل التواصل من أخطر أبواب هذه الذنوب، لأن الكلمة أو الصورة أو المقطع لا يموت بموت صاحبه، بل يظل يجري بين الناس، ويُعاد نشره وتداوله، فيبقى الإثم جاريًا حتى بعد أن يُوارى جسده الثرى.

 

خطوات عملية للوقاية من الذنوب الجارية

إن أخطر ما يواجه الإنسان اليوم أن الذنب لم يعد يقتصر على لحظة عابرة أو كلمة تُقال وتنتهي، بل أصبح قابلًا للبقاء ممتدًا بامتداد التقنية، محفوظًا في ذاكرة المنصات، متداولًا بين الناس، يجري على الشاشات كما يجري الماء في النهر. لذلك فإن الوقاية من هذه الذنوب تحتاج إلى وعي عميق وانضباط صارم، يبدأ أولًا بالتثبت قبل النشر، فليس كل ما يصلح للنقل يصلح للنشر، وليس كل ما يُعجبك يُرضي الله عز وجل، وقد تكون كلمة "مشاركة" أو "إعادة نشر" سببًا في سلسلة طويلة من الآثام التي لا تتوقف عند حد. ولهذا يجب أن يربِّي المرء نفسه على التمهل، وأن يجعل بينه وبين زر النشر مسافة للتفكر، فلا يضغط إلا بعد أن يُوازن بين النفع والضرر.

 

ثم تأتي الخطوة الثانية: سؤال النفس بصدق قبل أي مشاركة. وليست المسألة سؤالًا عابرًا أو شكليًّا، بل مواجهة داخلية: هل هذا المحتوى ينفعني عند الله أم يضرني؟ هل سأتمنى يوم القيامة أن أراه في صحيفتي أم سأتمنى لو يُمحى؟ هذه الأسئلة البسيطة كفيلة بأن تجعل الإنسان أكثر يقظة، وتقيه من التورط في ذنوب قد تستمر بعد موته.

 

أما الخطوة الثالثة فهي استحضار مشهد الآخرة في القلب، أن يتذكر المرء أن الموازين يوم القيامة دقيقة لا تُغادر صغيرة ولا كبيرة. فما بالك بصورة هزلية نشرتها، أو خبر كاذب ساهمت في نشره، أو شبهة أشعلت بها الشكوك في قلوب الناس؟! إنَّ تذكُّر ثقل الميزان يجعل كل قرار على وسائل التواصل قرارًا أخرويًّا بالدرجة الأولى، لا قرارًا ترفيهيًّا أو وقتيًّا.

 

ثم تأتي خطوة في غاية الأهمية: تحويل منصاتنا إلى منابر خير. بدلًا من أن تكون الصفحات والمجموعات والرسائل الخاصة منصات لنقل الشائعات أو التفاهات أو الجدل العقيم، يمكن أن تتحول إلى صدقات جارية تنبض بالحياة: نشر علم نافع، أو دعاء طيب، أو ذكر يلين به قلب غافل، أو نصيحة حكيمة. وهنا يظهر الفرق بين من يترك أثرًا مظلمًا ومن يترك أثرًا منيرًا يبقى له بعد موته.

 

وأخيرًا، لأن البشر ليسوا معصومين، فإن الرجوع إلى الله بالتوبة ضرورة لا غنى عنها. فإن زلَّت اليد وضغطت على زر النشر في غير رضا الله، فلا تيأس، وسارع بمسح ما تستطيع مسحه، واعتذر لله عز وجل بتوبة صادقة، فالله يقبل التوبة عن عباده، ولا يضيع عمل من رجع إليه مخلصًا. المهم ألَّا يُصر الإنسان على الذنب، وألَّا يستسلم لفكرة "فات الأوان".

 

إن هذه الخطوات ليست تنظيرًا ولا مثالية بعيدة، بل هي واقع ممكن، بل واجب على كل مسلم في زمن صار فيه الذنب يُحفظ بالذاكرة السحابية كما يُحفظ باللوح المحفوظ، وصار الحساب الأخروي محتومًا على كل ما كتبناه بأيدينا أو نشرناه عبر هواتفنا.

 

فلنتق الله جميعًا، ولنحرص على ألا نكون سببًا في نشر معصية أو إفساد خلق، بل نجعل أثرنا في الدنيا خيرًا، حتى نلقى الله بميزان عامر بالحسنات لا مثقلًا بالسيئات الجارية.

 

ونسأل الله العظيم أن يرزقنا حسن الختام، وأن يعيننا على أنفسنا، وأن يجعلنا مفاتيح للخير مغاليق للشر، وأن يغفر لنا ذنوبنا كلها، صغيرها وكبيرها، أولها وآخرها، سرها وعلانيتها، إنه ولي ذلك والقادر عليه.





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • خطوات نحو العدالة
  • نبوءة النبي: زمان يغربل فيه الناس غربلة
  • العشر الأواخر من رمضان على خطى الحبيب صلى الله عليه وسلم
  • فرص العيد الكامنة وراء تأمل قصة مؤثرة

مختارات من الشبكة

  • إياكم ومحقرات الذنوب(مقالة - آفاق الشريعة)
  • أسباب انقطاع الرزق - الذنوب الخفية (ذنوب الخلوات)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • الذنوب.. وفرار النعم(محاضرة - موقع د. علي بن عبدالعزيز الشبل)
  • مكفرات الذنوب(مقالة - ملفات خاصة)
  • توبتك في رمضان(مقالة - ملفات خاصة)
  • رمضان مكفر لصغائر الذنوب(مقالة - ملفات خاصة)
  • كفارات الذنوب.. أبواب الرحمة المفتوحة(مقالة - آفاق الشريعة)
  • الاستغفار يمحو الذنوب(مقالة - آفاق الشريعة)
  • أثر الذنوب والمعاصي على الفرد والمجتمع (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • من هو السني؟ وهل يخرج المسلم من السنة بوقوعه في بدعة جاهلًا أو متأولا؟(مقالة - آفاق الشريعة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • مسجد جديد متكامل الخدمات بعد عام من أعمال البناء في نوفوشيشمينسكي
  • "الذكاء الاصطناعي في يد المسلم" عنوان فعالية علمية في تتارستان
  • مسجد في بلاكبيرن يطلق ثلاجة غذائية لدعم الأسر المحتاجة
  • مسجد جديد في قراتشاي – تشيركيسيا
  • إحياء الذكرى الـ450 لتأسيس مسجد شوجدين في روغاتيكا
  • دراسة علمية حول تناول الإسلام والمسلمين في الدوريات العلمية الكرواتية
  • دورة متقدمة في الذكاء الاصطناعي والمواطنة الرقمية للطلاب المسلمين في البوسنة
  • بدء تشييد مسجد جديد بمدينة ياكورودا جنوب غرب بلغاريا

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1447هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 14/12/1447هـ - الساعة: 12:49
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب