• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | مقالات شرعية   دراسات شرعية   نوازل وشبهات   منبر الجمعة   روافد   من ثمرات المواقع  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    خطبة (المولد النبوي) 2
    الدكتور علي بن عبدالعزيز الشبل
  •  
    التربية النبوية بالترغيب والترهيب (خطبة)
    د. محمود بن أحمد الدوسري
  •  
    وجوب العدل
    الشيخ محمد بن عبدالله السبيل
  •  
    واجبنا تجاه النبي (صلى الله عليه وسلم)
    د. حسام العيسوي سنيد
  •  
    مراقبة الله سبب لتزكية النفس
    الشيخ ندا أبو أحمد
  •  
    لا إسلام بغير السنة النبوية على صاحبها أفضل ...
    محمد بن عبدالله العبدلي
  •  
    خطبة: عظمة القرآن وتعظيمه
    أ. د. حسن بن محمد بن علي شبالة
  •  
    عتاب للشباب (خطبة)
    شعيب العلمي
  •  
    تحريم سب دين الله تعالى أو شيء منه
    فواز بن علي بن عباس السليماني
  •  
    الذكر... حياة القلوب ومنشور الولاية
    د. علي شومان محمد علي أبو دية
  •  
    حوار ودي..
    نورة سليمان عبدالله
  •  
    الآيات القرآنية المتعلقة بالقدمين وأبعادها
    محمد عبدالعاطي محمد عطية
  •  
    حكم الاستدلال بالقرآن الكريم بما لم يرد عن السلف ...
    د. محمد بن علي بن جميل المطري
  •  
    عبادات لا تحتاج إلى مال
    عدنان بن سلمان الدريويش
  •  
    لا تغضب... ترض الرب، وتسلم من العطب (خطبة)
    ياسر عبدالله محمد الحوري
  •  
    الرحمة بالحيوان سبب من أسباب المغفرة
    د. خالد بن محمود بن عبدالعزيز الجهني
شبكة الألوكة / آفاق الشريعة / منبر الجمعة / الخطب / الأسرة والمجتمع / قضايا المجتمع
علامة باركود

إنه لا يحب المسرفين

الشيخ عبدالله بن محمد البصري

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 27/6/2011 ميلادي - 27/7/1432 هجري

الزيارات: 22155

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

إنه لا يحب المسرفين

 

أَمَّا بَعدُ، فَأُوصِيكُم - أَيُّهَا النَّاسُ - وَنَفسِي بِتَقوَى اللهِ - عَزَّ وَجَلَّ - ﴿ وَمَن يَتَّقِ اللهَ يَجعَلْ لَهُ مِن أَمرِهِ يُسرًا ﴾.

أَيُّهَا المُسلِمُونَ، في كُلِّ عَامٍ تَأتي الإِجَازَةُ الصَّيفِيَّةُ، لِتَأتيَ مَعَهَا مُشكِلاتُهَا وَقَضَايَاهَا، إِنَّهَا مُشكِلاتٌ تُعِيدُ نَفسَهَا، وَقَضَايَا تَتَكَرَّرُ كَمَا هِيَ غَالِبًا. وَيَتَكَلَّمُ الخُطَبَاءُ وَيُنَاقِشُونَ، وَيُبَيِّنُونَ لِلنَّاسِ وَيَنصَحُونَ، وَيُحَاوِلُونَ رَسمَ الحُلُولِ لِلمُشكِلاتِ وَإِيجَادَ البَدَائِلِ الشَّرعِيَّةِ في كَثِيرٍ مِنَ المُخَالَفَاتِ، وَمَعَ هَذَا تَظَلُّ الأَخطَاءُ هِيَ الأَخطَاءَ، وَلا تَزدَادُ بَعضُ المُشكِلاتِ إِلاَّ تَدَاخُلاً وتَعقُّدًا. غَيرَ أَنَّ مِنَ الغَريِبِ أَنَّ ثَمَّةَ أُمُورًا إِلى جَانِبِ كَونِهَا مِمَّا يَأثَمُ بها أَصحَابُهَا وَلا يُؤجَرُونَ، فَقَد تُكَلِّفُهُم أَموَالاً طَائِلَةً وَتُحَمِّلُهُم أَعبَاءً ثَقِيلَةً، وَمَعَ هَذَا يَغُضُّونَ فِيهَا الطَّرفَ عَن ذَوَاتِهِم وَيَتَسَامَحُونَ مَعَهَا، وَقَد يَتَكَلَّفُونَ لأَنفُسِهِمُ المَعَاذِيرَ وَيُرضُونَهَا بِأَتفَهِ المُسَوِّغَاتِ، لا لِمَجدٍ يَستَفِيدُونَهُ وَلا لِشَرَفٍ يَكسِبُونَهُ، وَلَكِنْ مُجَارَاةً لِلآخَرِينَ وَتَقلِيدًا لِمَن حَولَهُم، وَإِظهَارًا لِلنُّفُوسِ بِغَيرِ مَا هِيَ عَلَيهِ في الوَاقِعِ، مِن ذَلِكَ الإِسرَافُ في الوَلائِمِ وَالتَّكَلُّفُ في الحَفَلاتِ، وَهِيَ الصِّفَةُ الَّتي يُجمِعُ النَّاسُ نَظَرِيًّا عَلَى ذَمِّهَا وَتَقبِيحِهَا، وَتَتَنَوَّعُ أَسَالِيبُهُم في التَّنفِيرِ مِنهَا وَالتَّشنِيعِ عَلَى أَهلِهَا، فَإِذَا تَأَمَّلتَ وَاقِعَهُم في أَنفُسِهِم وَسَبَرتَ تَصَرُّفَاتِهِم، وَجَدتَهُم في بُحُورِهَا غَارِقِينَ، لا يَمتَنِعُونَ عَنهَا وَلا يَتَحَرَّزُونَ، يَستَدِينُ أَحَدُهُم مَا لا طَاقَةَ لَهُ بِسَدَادِهِ، وَقَد يَستَرفِدُ ويُلحِفُ في المَسأَلَةِ، ثُمَّ يُبَدِّدُ مَا جَمَعَهُ فِيمَا لا يَرضَاهُ اللهُ، وَيُبَذِّرُ الأَموَالَ مِن أَجلِ أَن يُرضِيَ فُلانًا وَلِئَلاَّ يَغضَبَ عَلَيهِ عَلاَّنٌ.

 

أَيُّهَا المُسلِمُونَ، لَقَد كَانَ الإِسرَافُ في السَّنَوَاتِ المَاضِيَةِ يَظهَرُ في حَفَلاتِ الزَّفَافِ، وَيَتَحَمَّلُ مَغَبَّتَهُ عَدَدٌ غَيرُ قَلِيلٍ مِنَ المُتَزَوِّجِينَ وَآبَاؤُهُم وَأَقَارِبُهُم، مِمَّا أَدَّى إِلى تَأَخُّرِ كَثِيرٍ مِنَ الشَّبَابِ في الزَّوَاجِ، وَعُزُوفِ بَعضِهِم عَن بَنَاتِ بَلَدِهِ وَاستِسَهَالِهِ الزَّوَاجَ مِنَ الخَارِجِ لِقِلَّةِ مَا يَدفَعُهُ هُنَالِكَ. وَمَا زَالَ العُقَلاءُ يُحَذِّرُونَ مِن هَذَا البَلاءِ وَيَسعَونَ لِلقَضَاءِ عَلَيهِ وَدَفعِ شَرِّهِ، خَاصَّةً في ظِلِّ هَذَا الغَلاءِ وَالجَشَعِ وَالطَّمَعِ، وَزِيَادَةِ أَسعَارِ البَضَائِعِ وَالسِّلَعِ، غَيرَ أَنَّ هَذَا الإِسرَافَ في السُّنَيَّاتِ المُتَأَخِّرَةِ دَخَلَ في مَجَالاتٍ أُخرَى غَيرِ الزَّوَاجِ، وَخَاصَّةً فِيمَا يُسَمَّى حَفَلاتِ التَّخَرُّجِ، وَالَّتي بَعدَ أَن كَانَت تُقَامُ في البُيُوتِ وَعَلَى نِطَاقِ الأُسَرِ أَوِ العَوَائِلِ الصَّغِيرَةِ وَلا تَكَلِّفُ شَيئًا ذَا بَالٍ، أَصبَحَت في بَعضِ المُدُنِ احتِفَالاً كَبِيرًا يُخَطَّطُ لَهُ قَبلَ أَسَابِيعَ، وَتُوَزَّعُ لَهُ بِطَاقَاتُ الدَّعوَةِ الفَاخِرَةُ، وَتُستَأَجَرُ لَهُ القُصُورُ وَتُحجَزُ الاستِرَاحَاتُ، بَل وَيُبَالِغُ بَعضُهُم حتى لا يَرضَى لَهُ مَقَرًّا دُونَ أَفخَمِ الفَنَادِقِ أَو أَكبَرِ المُنتَجَعَاتِ، وَقَد يُحضَرُ لإِحيَاءِ هَذِهِ الحَفَلاتِ فِرَقٌ تَرفِيهِيَّةٌ، أَو يُدعَى لها مُغَنُّونَ وَمُغَنِّيَاتٌ وَمُصَوِّرُونَ وَمُصَوِّرَاتٌ، وَلا تَسَلْ بَعدَ ذَلِكَ عن تَنَافُسِ النَّاسِ في تَقدِيمِ أطعِمَةٍ وَأشرِبَةٍ تَكفِي لِلمِئَاتِ بَل لِلآلافِ، مَعَ مَا يُجعَلُ مَعَهَا مِن مُقَبِّلاتٍ وَحَلْوَيَاتٍ وَعَصَائِرَ وَأَطعِمَةٍ خَفِيفَةٍ، ثُمَّ تَظَلُّ كَمَا هِيَ في كَثِيرٍ مِنَ الأَحيَانِ لم تَصِلْ إِلَيهَا يَدُ لامِسٍ، وَالأَشُدُّ إِيلامًا لِلنُّفُوسِ وَإِيذَاءً لِلقُلُوبِ، أَلاَّ تَجِدَ هَذِهِ الأَطعِمَةُ مَن يَحفَظُهَا وَيُوَزِّعُهَا عَلَى مَن يَحتَاجُ إِلَيهَا، فَلا يَكُونُ لها مَصِيرٌ غَيرَ أَكيَاسِ الزَبَائِلِ وَصَنَادِيقِ القُمَامَاتِ، وَبَدَلاً مِن أَن تَكُونَ المُنَاسَبَاتُ السَّعِيدَةُ فُرَصًا لانشِرَاحِ الصُّدُورِ وَالفَرَحِ المَشرُوعِ بِفَضلِ اللهِ بِشُكرِهِ وَذِكرِهِ، تُصبِحُ مَحَطَّاتٍ مُظلِمَةً في طَرِيقِ النَّاسِ، وَنِقَاطًا سَودَاءَ في صَفَحَاتِ حَيَاتِهِم، وَمَجَالاً لِلإِسرَافِ وَالتَّبذِيرِ المَنهِيِّ عَنهُمَا، وَسَبَبًا في تَقَلُّبِهِم بَعدَ تِلكَ الحَفَلاتِ شُهُورًا في عَيشٍ نَكِدٍ وَحَيَاةٍ بَائِسَةٍ، بَينَ غَلَبَةِ الدَّينِ وَقَهرِ الرِّجَالِ.

 

أَيُّهَا المُسلِمُونَ، لم يَدُرْ بِخَلَدِ مَن يُبَالِغُونَ في إِقَامَةِ الحَفَلاتِ وتَضخِيمِ المُنَاسَبَاتِ، أَنَّهُم فَضلاً عَن كَونِهِم قَد خَالَفُوا أَمرَ اللهِ - تَعَالى - بِالاعتِدَالِ في المَأكَلِ وَالمَشرَبِ، وَوَقَعُوا في النَّهيِ عَنِ الإِسرَافِ وَنَالُوا مَعَرَّةَ بُغضِهِ - سُبحَانَهُ - لِلمُسرِفِينَ، لم يَدُرْ بِخَلَدِهِمِ أَنَّهُم فَضلاً عَن ذَلِكَ يُدمُونَ قُلُوبَ الضُّعَفَاءِ وَيُضَيِّقُونَ صُدُورَهُم، وَيُقَرِّحُونَ عُيُونَ الفُقَرَاءِ وَيَكسِرُونَ خَوَاطِرَهُم، حَيثُ لا يَجِدُ بَعضُهُم مَا يَسُدُّ الرَّمَقَ وَيَستُرُ الحَالَ، وَيَتَمَنَّى آخَرُونَ أَن يَتَمَكَّنُوا مِن شِرَاءِ مَلبَسٍ جَدِيدٍ في مُنَاسَبَةٍ سَعِيدَةٍ أَو يَومِ عِيدٍ، أَو يَتَمَلَّكُوا مَسكَنًا مُتَوَاضِعًا يَكفِيهِم سُعَارَ التُّجَّارِ وَيُؤيهِم عَن مُطَارَدَةِ المُؤَجِّرِينَ، نَعَم - أَيُّهَا المُسلِمُونَ - إِنَّ الإِسرَافَ في الوَلائِمِ وَالتَّكَلُّفَ في الحَفَلاتِ يَوغِرُ صُدُورَ المَسَاكِينِ، وَيُقَرِّحُ أَكبَادَ الفُقَرَاءِ وَالمُقِلِّينَ، وَيُنبِتُ في البُيُوتِ وَبَينَ الأُسَرِ مِنَ الخِلافَاتِ وَالمُشكِلاتِ مَا لا يُحِسُّ بِهِ إِلاَّ مَنِ اكتَوَى بِنَارِهِ مِن ذَوِي الدُّخُولِ المَحدُودَةِ، الَّذِينَ يُلجَؤُونَ لِلإِنفَاقِ لِئَلاَّ يُحرَجَ أبنَاؤَهُم بَينَ المَلأِ، أَو تَظهَرَ زَوجَاتُهُم وَبَنَاتُهُم بَينَ النِّسَاءِ بِمَظهَرٍ لا يَلِيقُ، وَإِنْ أَبى أَحَدُهُم أَن يُنفِقَ مِثلَ الآخَرِينَ لِقِلَّةِ ذَاتِ يَدِهِ، أَو لأَنَّهُ يَعلَمُ يَقِينًا أَنَّ هَذَا المَبلَغَ فَوقَ طَاقَتِهِ، انطَلَقَت مِن هُنَالِكَ شَرَارَةُ خِلافَاتٍ عَائِلِيَّةٍ، وَضَاقَت عَلَيهِ صُدُورٌ مَا كَانَ لها أَن تَضِيقَ، وَتَحَوَّلَت حَيَاةُ ذَلِكَ البَيتِ إِلى جَحِيمٍ مُلتَهِبٍ وَسَعِيرٍ مُشتَعِلٍ، سَبَبُهُ مُشكِلاتٌ قَدَحَ شَرَارَتَهَا بَعضُ مَن أَنعَمَ اللهُ عَلَيهِم بِسَعَةِ المَالِ وَحَرَمَهُم مِن حُسنِ التَّصَرُّفِ وَسَعَةِ الأُفُقِ، إِذْ حَمَّلُوا إِخوَانَهُم مُتَوَسِّطِي الحَالِ بِتَبذِيرِهِم مَا لا يُطِيقُونَ، وَكَلَّفُوهُم بِإِسرَافِهِم صُعُودَ كُلِّ مُرتَقًى صَعبٍ.

 

أَيُّهَا المُسلِمُونَ، إِنَّ الإِسرَافَ سَبَبٌ مِن أَسبَابِ الضَّلالِ وَعَدَمِ الهِدَايَةِ، وَهُوَ طَرِيقٌ لِلهَلاكِ وَالخَسَارَةِ، قَالَ - تَعَالى -: ﴿ إِنَّ اللهَ لا يَهدِي مَن هُوَ مُسرِفٌ كَذَّابٌ ﴾ وقال - سُبحَانَهُ -: ﴿ كَذَلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَن هُوَ مُسرِفٌ مُرتَابٌ ﴾ وَقَالَ - جَلَّ وَعَلا -: ﴿ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلمُسرِفِينَ مَا كَانُوا يَعمَلُونَ ﴾ وَقَالَ - تَعَالى -: ﴿ ثُمَّ صَدَقنَاهُمُ الوَعدَ فَأَنجَينَاهُم وَمَن نَشَاءُ وَأَهلَكنَا المُسرِفِينَ ﴾ وَقَدِ اتَّصَفَ بِالإِسرَافِ شَرُّ خَلقِ اللهِ، قَالَ - سُبحَانَهُ - عَن فِرعَونَ: ﴿ وَإِنَّ فِرعَونَ لَعَالٍ في الأَرضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ المُسرِفِين ﴾ وَقَالَ عَن قَومِ لُوطٍ: ﴿ إِنَّكُم لَتَأتُونَ الرِّجَالَ شَهوَةً مِن دُونِ النِّسَاءِ بَل أَنتُم قَومٌ مُسرِفُونَ ﴾ وَقَالَ عَن أَهلِ الشِّمَالِ وَأَصحَابِ النَّارِ: ﴿ وَأَصحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصحَابُ الشِّمَالِ * في سَمُومٍ وَحَمِيمٍ * وَظِلٍّ مِن يَحمُومٍ * لا بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ * إِنَّهُم كَانُوا قَبلَ ذَلِكَ مُترَفِينَ ﴾ وَقَالَ - تَعَالى -: ﴿ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلى اللهِ وَأَنَّ المُسرِفِينَ هُم أَصحَابُ النَّارِ ﴾ وَإِنَّ التَّعَوُّدَ عَلَى الإِسرَافِ وَالتَّمَادِيَ فِيهِ يُمَكِّنُهُ مِنَ النُّفُوسِ، وَإِذَا تَمَكَّنَ الإِسرَافُ في الشَّهَوَاتِ مِن قَومٍ حَتَّى يَغلِبَ عَلَيهِم، فَإِنَّهُ لا حَدَّ لَهُ وَلا مُنتَهَى، بَل إِنَّهُ لَيُوقِعُهُم في طَلَبِ شَهَوَاتٍ غَرِيبَةٍ، لا تُقِرُّهَا عُقُولٌ زَاكِيَةٌ وَلا تَقبَلُهَا فِطَرٌ سَلِيمَةٌ، وَلا تَهَشُّ لِمِثلِهَا نُفُوسٌ طَيِّبَةٌ ولا تَشتَاقُ لها أَذوَاقٌ رَفِيعَةٌ، وَانظُرُوا إِلى قَومِ لُوطٍ حِينَ استَرسَلُوا مَعَ الشَّهَوَاتِ المُعتَادَةِ وَأَخَذُوا مِنهَا مَا رَاق لَهُم وَلم يَقِفُوا فِيهَا عِندَ حَدٍّ، لَقَد أَدَّى بهم ذَلِكَ إِلى أَن وَقَعُوا في فَاحِشَةٍ مَا سَبَقَهُم بها أَحَدٌ مِنَ العَالمِينَ، وَهَذِهِ شِنشِنَةُ الاستِرسَالِ في الشَّهَوَاتِ، تَجعَلُ الآدَمِيَّ سَبُعًا ضَارِيًا بَل حَيَوَانًا بَهِيمًا، لا تُشفَى شَهوَتُهُ ولا تَبرُدُ غُلَّتُهُ، قَالَ - تَعَالى - عَن قَومِ لُوطٍ: ﴿ وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَومِهِ أَتَأتُونَ الفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بها مِن أَحَدٍ مِنَ العَالمِينَ * إِنَّكُم لَتَأتُونَ الرِّجَالَ شَهوَةً مِنَ دُونِ النِّسَاءِ بَل أَنتُم قَومٌ مُسرِفُونَ ﴾ وَقَالَ عَنهُم: ﴿ أَتَأتُونَ الذُّكرَانَ مِنَ العَالمِينَ * وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُم رَبُّكُم مِن أَزوَاجِكُم بَل أَنتُم قَومٌ عَادُونَ ﴾ وَمِن ثَمَّ فَلا عَجَبَ أَن يَكرَهَ اللهُ - سُبحَانَهُ - إِضَاعَةَ المَالِ، قَالَ - عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ -: "إِنَّ اللهَ كَرِهَ لَكُم ثَلاثًا: قِيلَ وَقَالَ، وَإِضَاعَةَ المَالِ، وَكَثرَةَ السُّؤَالِ" أَخرَجَهُ البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ.

 

أَيُّهَا المُسلِمُونَ، وَلا تَقتَصِرُ صُوَرُ الإِسرَافِ في الإِجَازَاتِ عَلَى المَآكِلِ وَالمَشَارِبِ وَالمُبَالَغَةِ في تَفصِيلِ الثِّيَابِ وَالمُغَالاةِ في شِرَاءِ المَلابِسِ فَحَسبُ، بَل لها صُوَرٌ مُتَنَوِّعَةٌ وَمَظَاهِرُ مُتَعَدِّدَةٌ، مِن سَهَرٍ في اللَّيلِ طَوِيلٍ، وَنَومٍ في النَّهَارِ كَثِيرٍ، وَاستِهلاكٍ لِلمِيَاهِ وَالكَهرَبَاءِ فَوقَ الحَاجَةِ، أَلا فَلْنَتَّقِ اللهَ - أَيُّهَا المُسلِمُونَ - وَلْنَكُنْ مِن عِبَادِ الرَّحمَنِ الَّذِينَ وَصَفَهُم بِقَولِهِ: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لم يُسرِفُوا وَلم يَقتُرُوا وَكَانَ بَينَ ذَلِكَ قَوَامًا ﴾ وَلْنَأتَمِرْ بِأَمرِهِ - تَعَالى - وَأَمرِ رَسُولِهِ، فَقَد قَالَ - سُبحَانَهُ -: ﴿ يَا بَني آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُم عِندَ كُلِّ مَسجِدٍ وَكُلُوا وَاشرَبُوا وَلا تُسرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ المُسرِفِينَ ﴾ وَقَالَ - صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: "كُلُوا وَاشرَبُوا وَتَصَدَّقُوا وَالبَسُوا مَا لم يُخَالِطْهُ إِسرَافٌ وَلا مَخِيلَةٌ" رَوَاهُ أَحمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَابنُ مَاجَه وَحَسَّنَهُ الأَلبَانيُّ. أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ: ﴿ وَآتِ ذَا القُربى حَقَّهُ وَالمِسكِينَ وَابنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبذِيرًا * إِنَّ المُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا * وَإِمَّا تُعرِضَنَّ عَنهُمُ ابتِغَاءَ رَحمَةٍ مِن رَبِّكَ تَرجُوهَا فَقُلْ لَهُم قَولاً مَيسُورًا * وَلا تَجعَلْ يَدَكَ مَغلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبسُطْهَا كُلَّ البَسطِ فَتَقعُدَ مَلُومًا مَحسُورًا ﴾.

 

الخطبة الثانية

أَمَّا بَعدُ، فَاتَّقُوا اللهَ - عَزَّ وَجَلَّ - وَأَطِيعُوهُ وَلا تَعصُوهُ ﴿ وَاتَّقُوا اللهَ وَاعلَمُوا أَنَّكُم مُلاقُوهُ ﴾.

أَيُّهَا المُسلِمُونَ، إِنَّ المَالَ مَالُ اللهِ، وَنَحنُ عَلَيهِ مُستَخلَفُونَ مُؤتَمَنُونَ، وَعَنهُ عَمَّا قَرِيبٍ رَاحِلُون مُنتَقِلُونَ، وَإِذَا كَانَ الدَّاعِي لِلإِسرَافِ وَالتَّبذِيرِ لَدَى بَعضِنَا هُوَ كَثرَةَ المَالِ، فَمَا هَذِهِ بِطَرِيقِ المُؤمِنِينَ الشَّاكِرِينَ، الَّذِينَ يُرِيدُونَ الزِّيَادَةَ مِن فَضلِ اللهِ وَحِفظَ مَا لَهُ عَلَيهِم مِن النِّعَمِ، حَيثُ وَعَدَ بِذَلِكَ بِقَولِهِ - سُبحَانَهُ -: ﴿ وَإِذ تَأَذَّنَ رَبُّكُم لَئِن شَكَرتُم لأَزِيدَنَّكُم ﴾ وَتَعَالَوا بِنَا نَتَأَمَّلْ حَدِيثَينِ شَرِيفَينِ عَظِيمَينِ؛ لِنَعلَمَ هَديَ رَسُولِ اللهِ وَطَرِيقَتَهُ في تَصرِيفِ مَا زَادَ عَنِ الحَاجَةِ، عَن أَبي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ - رَضِيَ اللهُ عَنهُ - أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: "مَن كَانَ مَعَهُ فَضلُ ظَهرٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَن لا ظَهرَ لَهُ، وَمَن كَانَ لَهُ فَضلٌ مِن زَادٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَن لا زَادَ لَهُ" قَالَ: فَذَكَرَ مِن أَصنَافِ المَالِ حَتَّى رَأَينَا أَنَّهُ لا حَقَّ لأَحَدٍ مِنَّا في فَضلٍ. رَوَاهُ مُسلِمٌ وَغَيرُهُ. وَعَن عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ أَبي بَكرٍ - رَضِيَ اللهُ عَنهُ - أَنَّ أَصحَابَ الصُّفَّةِ كَانُوا أُنَاسًا فُقَرَاءَ، وَإِنَّ النَّبيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: "مَن كَانَ عِندَهُ طَعَامُ اثنَينِ فَلْيَذهَبْ بِثَالِثٍ، وَإِنْ كَانَ عِندَهُ طَعَامُ أَربَعَةٍ فَلْيَذهَبْ بِخَامِسٍ أَو سَادِسٍ" وَأَنَّ أَبَا بَكرٍ جَاءَ بِثَلاثَةٍ، فَانطَلَقَ النَّبيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بِعَشَرَةٍ، وَإِنَّ أَبَا بَكرٍ تَعَشَّى عِندَ النَّبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ لَبِثَ حَتَّى صُلِّيَتِ العِشَاءُ ثُمَّ رَجَعَ فَلَبِثَ حَتَّى تَعَشَّى النَّبيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فَجَاءَ بَعدَ مَا مَضَى مِنَ اللَّيلِ مَا شَاءَ اللهُ. قَالَت لَهُ امرَأَتُهُ: وَمَا حَبَسَكَ عَن أَضيَافِكَ ؟ قَالَ: أَوَمَا عَشَّيتِيهِم ؟ قَالَت: أَبَوا حَتَّى تَجِيءَ، فَغَضِبَ وَقَالَ: لا أَطعَمُهُ أَبَدًا، فَحَلَفَتِ المَرأَةُ أَلاَّ تَطعَمَهُ، وَحَلَفَ الأَضيَافُ أَلاَّ يَطعَمُوهُ. قَالَ أَبُو بَكرٍ: كَانَ هَذَا مِنَ الشَّيطَانِ، فَدَعَا بِالطَّعَامِ فَأَكَلَ وَأَكَلُوا، فَجَعَلُوا لا يَرفَعُونَ لُقمَةً إِلاَّ رَبَت مِن أَسفَلِهَا أَكثَرُ مِنهَا. فَقَالَ لأَمرَأَتِهِ: يَا أُختَ بَني فِرَاسٍ مَا هَذَا ؟ قَالَت: وَقُرَّةِ عَيني إِنَّهَا الآنَ لأَكثَرُ مِنهَا قَبلَ ذَلِكَ بِثَلاثِ مِرَارٍ، فَأَكَلُوا وَبَعَثَ بها إِلى النَّبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرَ أَنَّهُ أَكَلَ مِنهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. لَقَد وَجَّهَ - عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ - مَن زَادَ عِندَهُ مِنَ المَالِ شَيءٌ أَن يَجُودَ بِهِ عَلَى مَن لا مَالَ لَهُ، وَلَو أَنَّنَا عَمِلنَا بِذَلِكَ - أُمَّةَ الإِسلامِ - لَمَا أَضَعنَا الأَمَوَالَ في التَّفَاخُرِ وَالتَّبَاهِي، وَلَرَأَينَا أَغنِيَاءَنا يَجُودُونَ عَلَى مَن هُوَ دُونَهُم وَلا سِيَّمَا في دَعمِ مَن لم يَتَزَوَّجُوا، وَلَو أَنَّهُم فَعَلُوا ذَلِكَ ابتِغَاءَ وَجهِ اللهِ، لَعَفَّ بِذَلِكَ شَبَابٌ كَثِيرٌ وَشَابَّاتٌ، وَلَبُنِيَت بِبَرَكَتِهِم أُسَرٌ عَلَى الطُّهرِ وَالعَفَافِ وَسَترِ العَورَاتِ، وَلَفَرَّجَ اللهُ عَنهُم مَا هُم فِيهِ مِن كُرَبٍ جَزَاءً وِفَاقًا، قَالَ - سُبحَانَهُ -: ﴿ هَل جَزَاءُ الإِحسَانِ إِلاَّ الإِحسَانُ ﴾ وَقَالَ - عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ -: "المُسلِمُ أَخُو المُسلِمِ، لا يَظلِمُهُ وَلا يُسلِمُهُ، وَمَن كَانَ في حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللهُ في حَاجَتِهِ، وَمَن فَرَّجَ عَن مُسلِمٍ كُربَةً فَرَّجَ اللهُ عَنهُ بها كُربَةً مِن كُرَبِ يَومِ القِيَامَةِ، وَمَن سَتَرَ مُسلِمًا سَتَرَهُ اللهُ يَومَ القِيَامَةِ" مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • النهي عن الإسراف
  • الإسراف في استهلاك الطعام
  • الإسراف: الداء والدواء!!
  • الإسراف بين طرفي نقيض.. بذخ وتقتير وكلاهما محرم
  • الإسراف والتبذير
  • الإسراف وضرره في الدين والدنيا
  • خطبة: إن الله لا يحب المسرفين

مختارات من الشبكة

  • { ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين } (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • خطر الإسراف والتبذير، وقول الله تعالى: (وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين)(مقالة - موقع الشيخ د. خالد بن عبدالرحمن الشايع)
  • خطر الإسراف والتبذير وقول الله تعالى (وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين)(محاضرة - موقع الشيخ د. خالد بن عبدالرحمن الشايع)
  • فتاة مسرفة على نفسها بالذنوب(استشارة - الاستشارات)
  • إنه يحب الله ورسوله(مقالة - آفاق الشريعة)
  • قال تعالى: {ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين}(مقالة - آفاق الشريعة)
  • تفسير: (لا جرم أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون إنه لا يحب المستكبرين)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • تفسير: (ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • إنه لا يحب المستكبرين(مقالة - آفاق الشريعة)
  • الله لا يحب المسرفين(مقالة - آفاق الشريعة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • ندوة نسائية في كاكانج تناقش بناء الأسرة على هدي القرآن والسنة
  • معلمو التربية الإسلامية في بانيا لوكا يبحثون توظيف الذكاء الاصطناعي في التعليم
  • برنامجان للتعليم الإسلامي والقرآن الكريم بعاصمة موزمبيق
  • أطفال قرية ميدوفيتس يختمون القرآن الكريم للمرة الأولى
  • ندوة أكاديمية عن أساسيات الدعم الديني والنفسي في عمل الأئمة
  • مسابقة أدبية بعنوان "الرسول يلهمنا" في مدينة زينيتسا
  • قرية روبينيتشي تتزين بمسجدها المرمم بعد 3 سنوات من البناء
  • صلاة الاستسقاء تجمع مساجد بريطانيا لمواجهة الجفاف

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1448هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 16/3/1448هـ - الساعة: 9:7
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب