• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | مقالات شرعية   دراسات شرعية   نوازل وشبهات   منبر الجمعة   روافد   من ثمرات المواقع  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    سنن مهجورة في الحج
    عمار محمد أعظم
  •  
    رسول الهدى في سورة الضحى (خطبة)
    عبدالله بن عبده نعمان العواضي
  •  
    مراتب الهداية
    الشيخ د. إبراهيم بن محمد الحقيل
  •  
    وقفات: (الوقفة الأولى) مشاهد من الجنة والنار
    ملهم دوباني
  •  
    حديث: لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله
    الشيخ عبدالقادر شيبة الحمد
  •  
    باب في الحب في الله والبغض في الله
    د. خالد النجار
  •  
    مقاصد القصص القرآني
    سهام دسوقي شحاتة
  •  
    ما أعظم ما يثبت القلوب؟ (خطبة)
    ياسر عبدالله محمد الحوري
  •  
    من مائدة العقيدة: الإيمان باليوم الآخر
    عبدالرحمن عبدالله الشريف
  •  
    خطبة عن الجود
    د. سعود بن غندور الميموني
  •  
    حياة الروح
    إبراهيم الدميجي
  •  
    صلة الرحم
    د. أمير بن محمد المدري
  •  
    مكانة السنة المطهرة كمصدر من مصادر التفسير ...
    الشيخ أ. د. عرفة بن طنطاوي
  •  
    تفسير سورة آل عمران الآيات (19)
    يوسف بن عبدالعزيز بن عبدالرحمن السيف
  •  
    النصيحة
    الشيخ عبدالعزيز السلمان
  •  
    القرآن الكريم أساس الفصاحة والبلاغة والإعجاز
    الدكتور أبو الحسن علي بن محمد المطري
شبكة الألوكة / آفاق الشريعة / مقالات شرعية / عقيدة وتوحيد
علامة باركود

وقفات: (الوقفة الأولى) مشاهد من الجنة والنار

وقفات: (الوقفة الأولى) مشاهد من الجنة والنار
ملهم دوباني

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 9/9/2026 ميلادي - 28/3/1448 هجري

الزيارات: 96

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

وقفات

الوقفة الأولى:

مشاهد من الجنة والنار

 

قال عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: (ابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا فوالذي نفسي بيده لو يعلم العلم أحدكم لصرخ حتى ينقطع صوته وصلى حتى ينكسر صلبه) [إحياء علوم الدين: 4 / 163].

 

1- عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «يُؤْتَىٰ بِأَنْعَمِ أَهْلِ الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُصْبَغُ فِي النَّارِ صَبْغَةً[1]، ثُمَّ يُقَالُ: يَا ابْنَ آدَمَ هَلْ رَأَيْتَ خَيْرًا قَطُّ؟ هَلْ مَرَّ بِكَ نَعِيمٌ قَطُّ؟ فَيَقُولُ: لَا وَالله يَا رَبِّ. وَيُؤْتَىٰ بِأَشَدِّ النَّاسِ بُؤْسًا[2] فِي الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَيُصْبَغُ فِي الْجَنَّةِ صَبْغَةً، فَيُقَالُ لَهُ: يَا ابْنَ آدَمَ هَلْ رَأَيْتَ بُؤْسًا قَطُّ؟ هَلْ مَرَّ بِكَ شِدَّةٌ قَطُّ؟ فَيَقُولُ: لَا وَالله يَا رَبِّ، مَا مَرَّ بِي بُؤُسٌ قَطُّ، وَلَا رَأَيْتُ شِدَّةً قَطُّ»[3].

 

حديث النفس:

خلق الله تعالى الناس في هذه الدار الدنيا وأرسل إليهم الأنبياء والرسل ليهدوهم إلى جادة الصواب كلما انحرفت بهم الطريق وزلت بهم الأقدام.. فمن الناس من لبّى نداء ربه واهتدى بهدي رسله، واستنار بنورهم، واقتفى أثرهم.. ومن الناس من أبى واستغنى، وكذّب وتولّىٰ، وآثر سبيل الغَيِّ على سبيل الرُّشْد.. فهل يكون مصير الفريقين واحداً؟؟ وهل يكون المآل والمآب واحداً؟؟ حاشا لله..

 

إنَّ الله سبحانه وتعالى القائل في كتابه العزيز: ﴿ وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ قَلِيلًا مَا تَتَذَكَّرُونَ ﴾ [غافر: 58] لم يكن ليسوِّيَ في المصير والخاتمة بينهما.. أي بين من يعمل ومن لا يعمل[4]..

 

• ما هو نعيم الجنة؟..إن الله تعالى أعدَّ لمن آمن ثم عَلِمَ ثم عَمِلَ الجنة مستقراً ومقاماً خالداً فيها، وجعل فيها من النعيم الكامل الذي لا يشوبه نقص، ولا يعكر صفوه كدر ما لا يعلم قدره إلا الله تعالى الذي خلقها بيده، وقد حدثنا رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم عن شيء من ذلك في حديث أبي هريرة رضي الله عنه حيث قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قَالَ اللهُ تَعَالَىٰ: أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنَ رَأَتْ، وَلَا أُذُنَ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ، فَاقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [السجدة: 17] »[5].

 

ومما يُظْهِرُ لنا بَعْضَاً مِن عظيم نعيم الجنة أن نقارنه بمتاع الدنيا الذي نمضي أعمارنا ونحن نلهث وراءه، وهو يأسر قلوبنا ويشغلنا عن الآخرة.. وهو المتاع الذي في أعلى مراتبه لا يرقى لأن نقارنه بنعيم الجنة أبداً، ويدل لذلك حديثين شريفين هما:

• عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَوْضِعُ سَوْطٍ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا»[6].

 

• عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَشَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ الْجَوَادَ الْـمُضَمَّرَ[7] السَّرِيعَ مِائَةَ عَامٍ، مَا يَقْطَعُهَا»[8]، وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَشَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ سَنَةٍ، وَاقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُمْ ﴿ وَظِلٍّ مَمْدُودٍ ﴾ [الواقعة: 30]»[9].

 

• والجنة أيها الأحبة درجات بعضها فوق بعض، وإن ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض!!، وأهل الجنة متفاضلون فيها بحسب قوة إيمانهم وما قدموا من أعمال صالحة في الحياة الدنيا، فليس من كان يعمل ليل نهار بإخلاصٍ وتقىً، جامعاً بين الخوف والرجاء، واضعاً نصب عينيه وقفة الحساب والعَرْضِ على الله تعالى.. كمن كان يعمل من الصالحات ما كان قريب المأخذ سهل المتناول، لا يتطلب من الجهد والعناء إلا القليل.. لا يستوون.. لاسيما وأن الأجر على قدر المشقة.. وإن النعيم الذي يتقلب فيه أهل الدرجات العاليات لهو أرقى من نعيم من دونهم في الدرجات، قال الله تعالى: ﴿ انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا ﴾ [الإسراء: 21].

 

وعن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «سَأَلَ مُوسَىٰ رَبَّهُ مَا أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً؟ قَالَ: هُوَ رَجُلٌ يَجِيءُ بَعْدَ مَا أُدْخِلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، فَيُقَالُ لَهُ: ادْخُلِ الْجَنَّةَ. فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ، كَيْفَ وَقَدْ نَزَلَ النَّاسُ مَنَازِلَهُمْ وَأَخَذُوا أَخَذَاتِهِمْ، فَيُقَالُ لَهُ: أَتَرْضَىٰ أَنْ يَكُونَ لَكَ مِثْلُ مُلْكِ مَلِكٍ مِنْ مُلُوكِ الدُّنْيَا؟ فَيَقُولُ: رَضِيتُ رَبِّ. فَيَقُولُ اللهُ: لَكَ ذَلِكَ، وَمِثْلُهُ، وَمِثْلُهُ، وَمِثْلُهُ، وَمِثْلُهُ. فَقَالَ فِي الْخَامِسَةِ: رَضِيتُ رَبِّ. فَيَقُولُ: هَذَا لَكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ، وَلَكَ مَا اشْتَهَتْ نَفْسُكَ وَلَذَّتْ عَيْنُكَ. فَيَقُولُ: رَضِيتُ رَبِّ. قَالَ مُوْسَىٰ: رَبِّ فَأَعْلَاهُمْ مَنْزِلَةً؟ قَالَ: أُولَئِكَ الَّذِينَ أَرَدْتُ، غَرَسْتُ كَرَامَتَهُمْ بِيَدِي، وَخَتَمْتُ عَلَيْهَا، فَلَمْ تَرَ عَيْنٌ وَلَمْ تَسْمَعْ أُذُنٌ وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ». قَالَ: وَمِصْدَاقُهُ فِي كِتَابِ الله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [السجدة: 17]الآيَةَ»[10].

 

والجنة يُدْخِلها الله تعالى من شاء من عباده بمحض فضله ورحمته إذ لا يمكن أن ينالها المؤمن بأعماله التي قدمها في الحياة الدنيا فقط، بل برحمة الله تعالى ومِنَّتِهِ، ودليل ذلك ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لَنْ يُدْخِلَ أَحَدًا مِنْكُمْ عَمَلُهُ الْجَنَّةَ». قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: «وَلَا أَنَا إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللهُ مِنْهُ بِفَضْلٍ وَرَحْمَةٍ»[11]، ثم إذا دخل الجنة برحمة الله تعالى فهو يَخْلُدُ فيها خُلُوداً أبدياً لا يُخْرِجُهُ منها شيء أبد الآبدين، فدخول الجنة له بداية وليس للإقامة فيها نهاية.. ويُنَادِي عليهم منادٍ: «إِنَّ لَكُمْ أَنْ تَصِحُّوا فَلَا تَسْقَمُوا أَبَدًا، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَحْيَوْا فَلَا تَمُوتُوا أَبَدًا، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَشِبُّوا فَلَا تَهْرَمُوا أَبَدًا، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَنْعَمُوا فَلَا تَبْأَسُوا أَبَدًا». فَذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ [الأعراف: 43]»[12].

 

• أما عن هيئة أهل الجنة.. فإن أهل الجنة يكونون جرداً مرداً مكحلون على أجمل وأبهى صورة، وكلهم في عمر القوة والفتوة والشباب أبناء ثلاثين أو ثلاث وثلاثين، على أتم صحة وأكمل عافية، يلبسون أفخر الثياب، ويتزينون بأجمل الحلي من الذهب والفضة والأحجار الكريمة، وهم أيضاً لا يمرضون، لا يتمخطون، ولا يبصقون، ولا يتغوطون ولا يبولون، ولا يجوعون ولا يعطشون، ولا ينامون، بل رشحهم – أي: عرقهم - لمسك[13]، وقد جاء في سنن الترمذي عن معاذ بن جبل رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يَدْخُلُ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ جُرْدًا مُرْدًا مُكَحَّلِينَ أَبْنَاءَ ثَلَاثِينَ أَوْ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً»[14]، وقال صلى الله عليه وسلم في صفتهم أيضاً: «مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ يَنْعَمُ لَا يَبْأَسُ لَا تَبْلَى ثِيَابُهُ وَلَا يَفْنَى شَبَابُهُ»[15]، وقال أيضاً: «عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ لَا يَبْصُقُونَ فِيهَا وَلَا يَمْتَخِطُونَ وَلَا يَتَغَوَّطُونَ فِيهَا»[16]، وأيضاً: «الْنَّومُ أَخُو المَوْتُ، وَأَهْلُ الجَنَّةِ لَا يَنَامُونَ»[17].

 

قال ابن الجوزي رحمه الله: (لما كانت أغذية أهل الجنة في غاية اللطافة والاعتدال لم يكن فيها أذى ولا فضلة تستقذر بل يتولد عن تلك الأغذية أطيب ريح وأحسنه)[18].

 

قال القرطبي رحمه الله تعالى: (ذكر أبو الفرج بن الجوزي رحمه الله: ليس في الجنة ليل ولا نهار، وإنما هم في نور دائم أبداً، وإنما يعرفون مقدار الليل بإرخاء الحجب وإغلاق الأبواب، ويعرفون مقدار النهار برفع الحجب وفتح الأبواب)[19].

 

وقال العلماء: (والجنة ليس فيها شمس ولا قمر، ولا ليل ولا نهار، ولكن تعرف البكرة والعشية بنور يظهر من قبل العرش)[20].

 

وقد أجمع العلماء رحمهم الله تعالى على أن أفضل وأعلى نعيم أهل الجنة هو أن يَمُنَّ الله تعالى عليهم برؤيته بعد أن ينكشف الحجاب ويتجلَّىٰ عليهم سبحانه وتعالى.

 

وقد صَرَّح الله سبحانه برؤية العباد لربهم في الجنة بعيون رأسهم، بغير إحاطة ولا كيفية، وأنَّ وجوههم تُنَضَّرُ من رؤيته تعالى، فقال: ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ﴾ [القيامة: 22، 23].

 

وإن أهل النار من العصاة والكفار محرمون من هذه النعمة الكبيرة والتكرمة الجليلة بدليل قول الله تعالى: ﴿ كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ﴾ [المطففين: 15][21]، فدلَّ منعهم من رؤية وجه الله تعالى على أن أهل الجنة يُكرمون بالسماح لهم برؤيته تعالى.

 

استدراك:

أخي المسلم.. اعلم أن الجنة حسناء ليس لها إلا مهر واحد.. وهو أن تبيع نفسك لله تعالى.. لا مهر لها إلا ذلك، فطريق الجنة طريق وَعِرٌ، مليء بالمنزلقات، وإن المضي فيه يحتاج إلى عزيمة ماضية وإرادة قوية، وهمة متوقدة لا تعرف الفتور حتى تبلغ الغاية المنشودة، وقد حدثنا أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «حُفَّتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ، وَحُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ»[22].

 

قال الإمام النووي رحمه الله تعالى معلقاً على هذا الحديث: (هذا من بديع الكلام وفصيحه وجوامعه التي أوتيها صلى الله عليه وسلم من التمثيل الحسن، ومعناه: لا يوصل الجنة إلا بارتكاب المكاره، والنار بالشهوات، وكذلك هما محجوبتان بهما، فمن هتك الحجاب وصل إلى المحجوب، فهتك حجاب الجنة باقتحام المكاره، وهتك حجاب النار بارتكاب الشهوات، فأما المكاره فيدخل فيها: الاجتهاد في العبادات والمواظبة عليها والصبر على مشاقها وكظم الغيظ والعفو والحلم والصدقة والإحسان إلى المسيء، والصبر عن الشهوات ونحو ذلك، وأما الشهوات التي النار محفوفة بها فالظاهر أنها الشهوات المحرمة: كالخمر والزنا والسرقة والغش والنظر المحرّم والغيبة ونحو ذلك)[23].

 

وقال عبد الرؤوف المناوي رحمه الله: («حفت النار بالشهوات» أي ما يستلذ من أمور الدنيا مما منع الشرع منه أصالة أو لاستلزامه ترك مأمور وألحق به الشبهات والإكثار من المباحات خوف الوقوع في محرم «وحفت الجنة بالمكاره» أي بما أمر المكلف بمجاهدة نفسه فيه فعلاً وتركاً كالإتيان بالعبادة على وجهها والمحافظة عليها وتجنب المنهي قولاً وفعلاً وأطلق عليها مكاره لمشقتها وصعوبتها على العامل فلا يصل إلى النار إلا بتعاطي الشهوات ولا إلى الجنة إلا بارتكاب المشقات المعبر عنها بالمكروهات وهما محجوبتان فمن هتك الحجاب اقتحم)[24].

 

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لَمَّا خَلَقَ اللهُ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ أَرْسَلَ جِبْرِيلَ إِلَى الْجَنَّةِ، فَقَالَ: انْظُرْ إِلَيْهَا وَإِلَى مَا أَعْدَدْتُ لِأَهْلِهَا فِيهَا، قَالَ: فَجَاءَهَا وَنَظَرَ إِلَيْهَا وَإِلَى مَا أَعَدَّ اللهُ لأَهْلِهَا فِيهَا، قَالَ: فَرَجَعَ إِلَيْهِ، وَقَالَ: فَوَعِزَّتِكَ لَا يَسْمَعُ بِهَا أَحَدٌ إِلَّا دَخَلَهَا. فَأَمَرَ بِهَا فَحُفَّتْ بِالْمَكَارِهِ، فَقَالَ: ارْجِعْ إِلَيْهَا فَانْظُرْ إِلَى مَا أَعْدَدْتُ لِأَهْلِهَا فِيهَا، قَالَ: فَرَجَعَ إِلَيْهَا فَإِذَا هِيَ قَدْ حُفَّتْ بِالْمَكَارِهِ، فَرَجَعَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: وَعِزَّتِكَ، لَقَدْ خِفْتُ أَنْ لَا يَدْخُلَهَا أَحَدٌ. قَالَ: اذْهَبْ إِلَى النَّارِ فَانْظُرْ إِلَيْهَا وَإِلَى مَا أَعْدَدْتُ لأَهْلِهَا فِيهَا. فَإِذَا هِيَ يَرْكَبُ بَعْضُهَا بَعْضًا، فَرَجَعَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: وَعِزَّتِكَ لَا يَسْمَعُ بِهَا أَحَدٌ فَيَدْخُلُهَا. فَأَمَرَ بِهَا فَحُفَّتْ بِالشَّهَوَاتِ، فَقَالَ: ارْجِعْ إِلَيْهَا. فَرَجَعَ إِلَيْهَا، فَقَالَ: وَعِزَّتِكَ لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ لَا يَنْجُوَ مِنْهَا أَحَدٌ إِلَّا دَخَلَهَا»[25].

 

أما النار.. نار جهنم.. فهي النهاية المشؤومة.. والعذاب الأعظم الأبدي، والتي أعدَّها الله تعالى جزاءً وفاقاً لمن حاد عن الطريق، وأبى إلا كفوراً.. وعذاب نار جهنم في حقيقته تعجز عن تسطيره الأقلام وعن وصفه الألسن وعن تخيله العقول.. كيف لا والله تعالى الذي خلقها يقول في كتابه: ﴿ إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا ﴾ [الفرقان: 66]وأيضاً: ﴿ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ ﴾ [ص: 56]، والنار وإن كانت مغيبةً عنا وغير مشاهدة، إلا أن الله تعالى وعلى لسان نبيّه صلى الله عليه وسلم نقل إلينا مشاهد وصوراً منها ومن أهلها ليكون في ذلك عبرة لمن أراد أن يدَّكِر.. فالمؤمن كيِّسٌ فَطِنٌ يستغني بالإشارة عن العبارة، ومما حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أحوال النار وأهلها ما يلي:

• أما دركات[26] النار فمتفاوتة أيضاً كما أن درجات الجنة متفاوتة.. فكلما ارتفع رصيد العبد من السيئات والتي مادتها المعاصي والكفر كان ارتفاع هذا الرصيد في حقيقته هبوطاً له في دركات النار.. فليس عذاب من كفر بالله تعالى فقط كعذاب من تغلّظ كفره بالله تعالى وأفسد في الأرض.. واعلم أنَّ النار كلما ذهبت سفلاً كلما اشتد حرّها ولهيبهاوالذي لا يعلم هَوْلَهُ إلا الله تعالى[27].. وقد حدثنا رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم عن شيء من ذلك:

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «نَارُكُمْ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ». قِيلَ: يَا رَسُولَ الله، إِنْ كَانَتْ لَكَافِيَةً. قَالَ صلى الله عليه وسلم: «فُضِّلَتْ عَلَيْهِنَّ بِتِسْعَةٍ وَسِتِّينَ جُزْءًا كُلُّهُنَّ مِثْلُ حَرِّهَا»[28]. وجاء في رواية الترمذي من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: «لِكُلِّ جُزْءٍ مِنْهَا حَرُّهَا»[29].

 

أي أن قوة إحراق وإيلام نار جهنم تزيد على قوة إحراق وإيلام نار الدنيا بسبعين ضعف، وما هذا إلا ليزيد عذاب أهل النار وشقاءهم بها، وقد قال الطيبي رحمه الله ما محصله: (إنما أعاد صلى الله عليه و سلم حكاية تفضيل نار جهنم على نار الدنيا إشارة إلى المنع من دعوى الأجزاء أي لا بد من الزيادة ليتميز ما يصدر من الخالق من العذاب على ما يصدر من خلقه).

 

• وقال مجاهد رحمه الله: (إنَّ ناركم هذه -أي التي في الدنيا- تتعوذ من نار جهنم)[30].

 

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «أُوقِدَ عَلَى النَّارِ أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّىٰ احْمَرَّتْ، ثُمَّ أُوقِدَ عَلَيْهَا أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّىٰ ابْيَضَّتْ، ثُمَّ أُوقِدَ عَلَيْهَا أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّىٰ اسْوَدَّتْ، فَهِيَ سَوْدَاءُ مُظْلِمَةٌ»[31].

 

ثم إنّ الناس وهم في الحياة الدنيا إذا اشتد عليهم الحر فإنهم يتبرّدون من الحر والقيظ بثلاثة أمور هي: الماء والهواء والظِّلُ.. أما في نار جهنم فإن هذه الأمور الثلاثة لا تغني عن أهل النار شيئاً.. لأن ماءها الحميم الذي اشتد حرّه، وهواءها السموم وهو الريح الحارة الشديدة الحر، وظلها اليحموم وهو قِطَعُ الدُّخان الأسود.. فَمِن أين لأهل النار أن يتبرَّدوا أو أن يخففوا مِن حَرِّها؟؟ قال تعالى: ﴿ وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ * فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ * وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ * لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ ﴾ [الواقعة: 41 - 44]، وقال تعالى: ﴿ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ ﴾ [محمد: 15]..

 

هذا.. وإن الله تعالى ليعذب أهل النار بالبرد الشديد كما يعذبهم بالحر الشديد، وقد دلَّ على ذلك أنه قال وهو يصف نعيم أهل الجنة: ﴿ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا ﴾ [الإنسان: 13] قال الطبراني في تفسيره: (لا يصيبُهم في الجنَّة شمسٌ ولا زمهريرٌ؛ أي لا يُصيبهم حرُّ الشمسِ ولا بردُ الزمَّهريرِ، البردُ الشديدُ الذي يحرِقُ ببُرودَتهِ إحراقَ النار)[32].

 

وقد أخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم أن ما حَرَّ الصيف الحارق، وبرد الشتاء القارس، إلا أنفاس من جهنم حيث قال صلى الله عليه وسلم: «اشْتَكَتِ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا، فَقَالَتْ: رَبِّ أَكَلَ بَعْضِيَ بَعْضًا، فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ: نَفَسٍ فِي الشِّتَاءِ وَنَفَسٍ فِي الصَّيْفِ، فَهو أَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الْحَرِّ، وَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الزَّمْهَرِيرِ»[33].

 

• أما أهون أهل النار عذاباً فقد حدثنا النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «إِنَّ أَهْوَنَ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَجُلٌ عَلَى أَخْمَصِ قَدَمَيْهِ جَمْرَتَانِ يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ كَمَا يَغْلِي الْمِرْجَلُ[34] وَالْقُمْقُمُ[35]»[36].. وَعَنْهُ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ أَهْوَنَ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا مَنْ لَهُ نَعْلَانِ وَشِرَاكَانِ مِنْ نَارٍ يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ كَمَا يَغْلِي الْمِرْجَلُ، مَا يَرَىٰ أَنَّ أَحَدًا أَشَدُّ مِنْهُ عَذَابًا وَإِنَّهُ لَأهْوَنُهُمْ عَذَابًا»[37].

 

هذا حال من كان أقل أهل النار عذاباً!! فكيف حال من قدَّر الله له أن يخسأ وأن يُلْقَى في الدرك الأسفل من النار؟؟!!

 

أما عن الحسرة والندامة التي تصيبهم وتميتهم كمداً فحدِّث ولا حرج.. وقد قال الله تعالى في وصف ذلك: ﴿ وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [سبأ: 33].

 

قال المراغي رحمه الله: (أي: وأسَرَّ أولئك الذين ظلموا غمّهم وأسفهم على ما فعلوا من الظلم حين معاينة العذاب بأبصارهم إذ برزت لهم نار جهنم، وأيقنوا أنهم مواقعوها لا مصرف لهم عنها، فما مثلهم إلا مثل من يُقَدَّمُ لِلْصَّلْبِ يثقله ما نزله به من الخطب الجلل، ويغلب عليه الحزن الفادح فيخرسه، ولا يستطيع أن ينطق ببنت شفة ويبقى جامداً مبهوتاً لا حراك به)[38].

 

• أما عن الهيئة التي يكون عليها أهل النار.. فمما يعذب به أهل النار أن خلق الواحد منهم يتضاعف ويزيد حتى إنّ ضرسه يكون مثل جبل أحد!! وما بين كتفيه مسيرة ثلاثة أيام!! قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَا بَيْنَ مَنْكِبَيِ الْكَافِرِ فِي النَّارِ مَسِيرَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ لِلرَّاكِبِ الْمُسْرِع»[39]، وقال صلى الله عليه وسلم أيضاً: «ضِرْسُ الْكَافِرِ أَوْ نَابُ الْكَافِرِ مِثْلُ أُحُدٍ وَغِلَظُ جِلْدِهِ مَسِيرَةُ ثَلَاثٍ»[40].

 

يقول النووي رحمه الله تعالى: (هذا كله لكونه أبلغ في إيلامه وكل هذا مقدور لله تعالى يجب الإيمان به لإخبار الصادق به)[41].

 

ويقول ابن كثير رحمه الله تعالى: (ليكون ذلك أنكى في تعذيبهم، وأعظم في تعبهم ولهيبهم، كما قال شديد العقاب: ﴿ لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ ﴾ [النساء: 56]).[42]


ومع هذا الحجم الضخم للواحد من أهل النار فإن النار تستوعبهم منهم الأعداد الهائلة، بل ويبقى فيها متسع!! وكلما ألقي فيها فوج قالت: هل من مزيد؟؟ فالنار في حقيقتها كالطاحونة العملاقة التي يلقى فيها الآلاف من أطنان الحبوب فتدور بذلك كله، لا تكل ولا تمل، وينتهي الحب والطاحونة ما زالت تدور انتظاراً للمزيد!! أعاذنا الله وإياكم منها.. ولا يملؤ جوف النار شيء من هذه الأعداد الهائلة من أهل النار حتى يضع الجبار تبارك وتعالى قدمه –من غير تشبيه ولا تمثيل- فيها، قال صلى الله عليه وسلم: «فَأَمَّا النَّارُ فَلَا تَمْتَلِئُ حَتَّىٰ يَضَعَ رِجْلَهُ فَتَقُولُ: قَطٍ قَطٍ قَطٍ. فَهُنَالِكَ تَمْتَلِئُ وَيُزْوَىٰ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، وَلَا يَظْلِمُ اللهُ - عَزَّ وَجَلَّ - مِنْ خَلْقِهِ أَحَدًا».[43]


• أما طعامهم وشرابهم ولباسهم.. فطعام أهل النار الضريع والزقوم، وشرابهم الحميم والصديد.. أما الضريع فهو شوكٌ حادٌّ يخرج بأرض الحجاز وصفه الله تعالى بقوله: ﴿ لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ * لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ ﴾ [الغاشية: 6، 7] وهذا طعام يأكله أهل النار إذا جاعوا فلا تنتفع به أجسامهم بل تزداد ألماً إلى ألمهم.. أو يأكلون الزقوم، وما أدراك ما الزقوم؟ والتي هي شجرة لم تدع للخبث معنىً إلا واشتملت عليه؟!! فهي شجرة تضرب بجذورها إلى قعر جهنم، وفروعها تمتد في أرجائها، يشبه ثمرها رؤوس الشياطين[44].. فعن ابن عباس رضي الله عنهما: أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿ اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 102]، قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «لَوْ أَنَّ قَطْرَةً مِنْ الزَّقُّومِ قُطِرَتْ فِي دَارِ الدُّنْيَا لَأَفْسَدَتْ عَلَى أَهْلِ الدُّنْيَا مَعَايِشَهُمْ، فَكَيْفَ بِمَنْ يَكُونُ طَعَامَهُ».[45]


ومع كل هذا فإن أهل جهنم يلقى عليهم من الجوع ما يضطرهم إلى الأكل منها حتى يملؤوا منها البطون، فإذا أكلوا منها التهبت عليهم ناراً قطعت أحشاءهم، وأيقظت فيهم الظمأ فيندفعوا للشرب فلا يجدوا إلا الماء الحميم، وهو الذي تناهى حرّه ﴿ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ ﴾ [محمد: 15]، أو الصديد وهو ما يسيل من لحوم أهل جهنم وجلودهم، فقد قال صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ عَلَى الله عَزَّ وَجَلَّ عَهْدًا لِمَنْ يَشْرَبُ الْمُسْكِرَ أَنْ يَسْقِيَهُ مِنْ طِينَةِ الْخَبَالِ». قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، وَمَا طِينَةُ الْخَبَالِ؟ قَالَ: «عَرَقُ أَهْلِ النَّارِ أَوْ عُصَارَةُ أَهْلِ النَّارِ.

 

فكيف لمن كان يأكل في الدنيا مِن الحرام أنواعاً.. أن يأكل في الآخرة مِن الطيبات؟؟!! حاشا لله، إنّ الإنسان يأكل في آخرته مِن جنس ما كان يأكل في دنياه.. إن كان حلالاً فحلال وإن كان حرماً فحرام.. وهذا ما يقضي به العدل الإلهي: ﴿ أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ ﴾ [القلم: 35]؟!!.

 

أما لباس أهل النار فهو القطران، قال الله تعالى: ﴿ سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ ﴾ [إبراهيم: 50]، القطران: هو النحاس المذاب الذي قد بلغ النهاية في الحرارة[46].

 

قال الزمخشري: (تطلى به جلود أهل النار حتى يعود طلاؤه لهم كالسرابيل، وهي القمص لتجتمع عليهم الأربع: لذع القطران، وحرقته، وإسراع النار في جلودهم، واللون الوحش، ونتن الريح، على أن التفاوت بين القطرانين كالتفاوت بين النارين، وكل ما وعده الله وأوعد به في الآخرة فبينه وبين ما نشاهده من جنسه ما لا يقادَرُ قدره، وكأنه ما عندنا منه إلا الأسامي والمسميات ثمة.. فبكرمه الواسع نعوذ من سخطه، ونسأله التوفيق فيما ينجينا من عذابه).[47]


• أما ألوان العذاب.. فهي كثيرة [48]، ونذكر بعضاً منها مما ذُكِرَ في القرآن الكريم، وهي:

1) إنضاج الجلود: فإن الجبار القهار يحرق بناره جلود أهل النار، والجلد موضع الإحساس بالألم، وليتجدد عذابهم فإن الله تعالى يبدل لهم جلودهم المحترقة بجلود غيرها لتحترق من جديد، وهذا دواليك حتى لا نهاية!! قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا ﴾ [النساء: 56].

 

2) الصهر: حيث يصب الماء الحميم فوق رؤوسهم، ولشدة حره فإنه يُذِيب كل ما يلامسه حتى ينفذ إلى الأمعاء وكل الأحشاء إلى أن يصل إلى قدميه.. قال تعالى: ﴿ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ * يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ ﴾ [الحج: 19، 20].

 

3) اللفح والسحب: جعل الله تعالى وجه الإنسان موضع الكرامة إذ هو مجمع الحواس من البصر والسمع والنطق، ولهذا نهانا عن ضرب الوجه أو تقبيحه، ولذا ناسب أن يهين الله تعالى أهل النار بأن يحشرهم عمياً وصمَّاً وبكماً.. قال تعالى﴿ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ﴾ [الإسراء: 97]، وقال تعالى: ﴿ يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ ﴾ [القمر: 48].

 

4) تسويد الوجوه: فكما أن الله تعالى يُكرِم أهل الجنة بتبييض وجوههم فإنه يُسوِّد وجوه أهل النار كأنما حلت ظلمة الليل وسواده في وجوههم.. قال تعالى: ﴿ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ﴾ [آل عمران: 106].

 

استدراك:

أخي المسلم.. اعلم أن في النار أعاذنا الله منها من الأهوال والشدائد وألوان العذاب ما يجعل الإنسان يفقد صوابه، ويجود بأنفس وأغلى ما يملك لقاء أن ينجو منها، وقد قال تعالى: ﴿ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ * وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ * وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ ﴾ [المعارج: 11 - 14] وقال أيضاً: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [المائدة: 36]، وقال صلى الله عليه وسلم: «لَوْ يَعْلَمُ المُؤْمِنُ مَا عِنْدَ الله مِنَ الْعُقُوبَةِ مَا طَمِعَ بِجَنَّتِهِ أَحَدٌ، وَلَوْ يَعْلَمُ الْكَافِرُ مَا عِنْدَ الله مِنَ الرَّحْمَةِ مَا قَنِطَ مِنْ جَنَّتِهِ أَحَدٌ».[49]


وقد قال العلماء: (لو قُدِّر لإنسان أن يطلع إلى جهنم نظرة واحدة لما عصى الله تعالى مرة في حياته!!)، ولكن بما أنّ نار جهنم هي جزء من الغيب الذي استأثر الله تعالى بعلمه ولا يعلم الإنسان منه إلا قليلاً، والشيطان لا يألوا جهداً ليلاً ونهاراً في الوسوسة وتزيين المعاصي للناس، وإيقاعهم في مستنقعات الآثام والذنوب، فإن هناك من الناس من يركن إلى مكر الشيطان، ويقع في حبائله وبالتالي يكون من نصيب جهنم.. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

 

وأيضاً: عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا مَاتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ، إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَمِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَمِنْ أَهْلِ النَّارِ، يُقَالُ: هَذَا مَقْعَدُكَ حَتَّىٰ يَبْعَثَكَ اللهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».[50]


فطوبى لمن كان من أهل الجنة، فهو يتنسم عبير منزله ومقعده بكرة وعشية، وبالتالي فهو في نعيم دائم إلى أن تقوم القيامة ويدخل الجنة.. وويل لمن كان من أهل النار، فهو يتجدد غمّه بكرة وعشية.. فهو في تعاسة وشقاء دائمين إلى أن تقوم القيامة ويُقذف في جهنم مذموماً مدحوراً..

 

اللهم ارزقنا الجنة وما قرّب إليها من قول أو عمل، وأعذنا من النار وما قرّب إليها من قول أو عمل.

 


[1] فيصبغ في النار صبغة: أي يغمس غمسة.

[2] بؤسًا: البؤس هو الشدَّة.

[3] أخرجه مسلم: (2807).

[4] فائدة: جعل الله تعالى لكل واحد من بني آدم منزلين منزلاً في الجنة، ومنزلاً في النار، ثم إن من كتب له الشقاوة من أهل المعاصي والكفر يرثون منازل أهل الجنة التي كانت لهم في النار، والذين كتب الله لهم السعادة من أهل الجنة يرثون منازل أهل النار التي كانت لهم في الجنة.. فخسارة هؤلاء مضاعفة، وربح هؤلاء كذلك!!

[5] أخرجه البخاري: (3244)، مسلم: (2824).

[6] أخرجه البخاري: (3250).

[7] المُضَمَّرِ: المُعَدُّ للسِّباق بالعَلْفِ والتَّمرين.

[8] أخرجه البخاري: (6553).

[9] أخرجه البخاري: (3252).

[10] أخرجه مسلم: (485).

[11] أخرجه مسلم: (7294).

[12] أخرجه مسلم: (2755).

[13] صفة الجنة لأبي نعيم الأصبهاني: 1/ 306.

[14] أخرجه الترمذي: (2742) وقال: هذا حديث حسن غريب.

[15] أخرجه مسلم: (7335) عن أبي هريرة رضي الله عنه.

[16] أخرجه البخاري: (2345)، ومسلم: (7330) عن أبي هريرة رضي الله عنه.

[17] رواه الطبراني في الأوسط والبزار ورجال البزار رجال الصحيح.

[18] فتح الباري شرح صحيح البخاري: (6/ 324).

[19] التذكرة للقرطبي: 504.

[20] الجنة والنار: د. عمر سليمان الأشقر: (174).

[21] شرح العقيدة الطحاوية: (203).

[22] أخرجه مسلم: (7308).

[23] صحيح مسلم بشرح النووي: كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها: (17/ 165).

[24] فيض القدير للمناوي: (3/ 373).

[25] أخرجه الترمذي: (2758) وقال: حديث حسن صحيح.

[26] تطلق العرب كلمة: (الدرك) على كل ما تسافل دنواً، كما تطلق: (الدرج) على كل ما تعالى صعوداً، فيقال: الجنة درجات، والنار دركات.

[27] الجنة والنار: د. عمر الأشقر: 97، التذكر للقرطبي: 382، التخويف من النار لابن رجب: 50.

[28] أخرجه البخاري: (3265)، ومسلم: (2843).

[29] أخرجه الترمذي: (2793) وقال: حديث حسن غريب.

[30] فتح الباري شرح صحيح البخاري: (6/ 334).

[31] أخرجه الترمذي: (2794) وقال: حسن غريب، وفي جامع الأصول من أحاديث الرسول: وروي موقوفاً على أبي هريرة رضي الله عنه وهو أصح.

[32] تفسير الطبراني: [سورة الإنسان: الآية 13].

[33] أخرجه البخاري: (537)، ومسلم: (617) عن أَبي هريرة رضي الله عنه.

[34] المِرْجَلْ: القِدْر مِن النُّحَاس أو الحجارة.

[35] القُمْقُمْ: ما يُسَخَّنُ فيه مِن نُحَاسٍ وغيره.

[36] أخرجه البخاري: (6562).

[37] أخرجه مسلم: (213).

[38] تفسير المراغي: (5/ 368).

[39] أخرجه مسلم: (7365) عن أبي هريرة رضي الله عنه يرفعه.

[40] أخرجه مسلم: (7364) عن أبي هريرة رضي الله عنه.

[41] صحيح مسلم بشرح النووي: (17/ 186).

[42] النهاية لابن كثير: (2/ 139).

[43] أخرجه البخاري: (4850)، ومسلم: (7354).

[44] تحفة الأحوذي: 7/ 260، الجنة والنار: د. عمر الأشقر: 87.

[45] أخرجه الترمذي: (102) وقال: حسن صحيح، والحاكم: (3158) وقال: حديث صحيح علىٰ شرط الشيخين، ووافقه الذهبي في التلخيص.

[46] تفسير الطبراني: [سورة إبراهيم: الآية 50].

[47] تفسير القاسمي: [سورة إبراهيم: الآية 50].

[48] الجنة والنار: د. عمر الأشقر: 97 وما بعدها، التذكر للقرطبي: 382، التخويف من النار لابن رجب: 145.

[49] أخرجه مسلم: (2755) عن أبي هريرة رضي الله عنه.

[50] أخرجه مسلم: (3790).





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • الجنة والنار وبعض ما يتعلق بهما
  • حجاب الجنة والنار
  • عقيدة أهل السنة والجماعة في الجنة والنار
  • مشاهد من عبودية الجنة والنار
  • الجنة والنار

مختارات من الشبكة

  • وقفات ودروس من سورة آل عمران (5)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • وقفات ودروس من سورة آل عمران (6)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • الوقفة الأولى: الفكر والسلطة(مقالة - موقع د. علي بن إبراهيم النملة)
  • وقفات مع عيد الأضحى(مقالة - ملفات خاصة)
  • خطبة: وقفات مع عيد الأضحى(مقالة - آفاق الشريعة)
  • وقفات بعد رمضان(مقالة - ملفات خاصة)
  • وقفات في استقبال رمضان(مقالة - ملفات خاصة)
  • وقفات ودروس من سورة آل عمران (9)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • وقفات ودروس من سورة آل عمران (8)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • وقفات ودروس من سورة آل عمران (7)(مقالة - آفاق الشريعة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • رغم صعوبات النقل مساعدات إسلامية مستمرة لمتضرري فيضانات نيبال
  • دورتان للفتيات والفتيان حول الزواج والحياة الأسرية في قازان
  • تتويج متميزين في المسابقة الوطنية للمعارف الأساسية للإسلام ببلغاريا
  • بعد 13 عاما حلم أسرة يتحول إلى أول مسجد في سوتوفو
  • مسجد الأنجام يضيف صرحا إسلاميا جديدا إلى زيلينودولسك
  • شباب المسلمين في ملبورن على موعد مع مؤتمر «تحديات، مسؤوليات، تأثير»
  • بعد 129 عاما مسجد رجب التاريخي يتجدد في تتارستان
  • آلاف الأطفال يتنافسون في القرآن والمعرفة الإسلامية في أقاليم بلغاريا

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1448هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 27/3/1448هـ - الساعة: 16:3
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب