• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | مقالات شرعية   دراسات شرعية   نوازل وشبهات   منبر الجمعة   روافد   من ثمرات المواقع  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    {وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا} (خطبة)
    وضاح سيف الجبزي
  •  
    درجات إنكار المنكر
    الشيخ عبدالعزيز السلمان
  •  
    حديث: عذبت امرأة في هرة سجنتها حتى ماتت
    الشيخ عبدالقادر شيبة الحمد
  •  
    التحذير من التبرج
    الشيخ محمد بن عبدالله السبيل
  •  
    الأنس بالله تعالى
    إبراهيم الدميجي
  •  
    الاغتيال من تحت
    أ. د. السيد أحمد سحلول
  •  
    الإحسان إلى الفقراء بين صدق العبودية وجمال السلوك
    د. حسام العيسوي سنيد
  •  
    من مائدة الحديث: التحذير من التهاجر والتشاحن
    عبدالرحمن عبدالله الشريف
  •  
    الشعيرة العظيمة: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
    د. أمير بن محمد المدري
  •  
    تفسير سورة آل عمران الآية (18)
    يوسف بن عبدالعزيز بن عبدالرحمن السيف
  •  
    خطبة عن الجوار
    د. سعود بن غندور الميموني
  •  
    الأمانة الغائبة (خطبة)
    أحمد عبدالله صالح
  •  
    فضل من ستر عورة مسلم
    د. خالد بن محمود بن عبدالعزيز الجهني
  •  
    خطبة: علامات الدجال (1)
    الدكتور علي بن عبدالعزيز الشبل
  •  
    عبادة الإصلاح بين الناس
    عدنان بن سلمان الدريويش
  •  
    سر الأمان في زمن الفتن (خطبة)
    ياسر عبدالله محمد الحوري
شبكة الألوكة / آفاق الشريعة / مقالات شرعية / النصائح والمواعظ
علامة باركود

الأنس بالله تعالى

الأنس بالله تعالى
إبراهيم الدميجي

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 5/9/2026 ميلادي - 24/3/1448 هجري

الزيارات: 136

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

الأنس بالله تعالى

 

الحمد لله أَنِسَ به من عَرَفَه، وفاز بمناجاته من وفّقه، وأفلح بقُربه من أزلفه، ﴿ وَمَا بِكُم مِّن نِّعۡمَةٖ فَمِنَ ٱللَّهِۖ ﴾ [النحل: 53]، الدنيا موحشةٌ بدون ذكره، مظلمةٌ خلا من عبادته، خرابٌ إلا مِن دينه، هو أنيسُ مَن ذَكره، ومُجيبُ من دعاه، وحبيبُ من عَبَده، ومغيثُ من رفع إليه كُربته، ومُجيرُ من لجأ لحِماه، اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجَدِّ منك الجَدّ، ﴿ مَّا يَفۡتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحۡمَةٖ فَلَا مُمۡسِكَ لَهَاۖ وَمَا يُمۡسِكۡ فَلَا مُرۡسِلَ لَهُۥ مِنۢ بَعۡدِهِۦۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ﴾ [فاطر: 2].


أما بعد؛ فإنّ الأنس بالله تعالى جَنّةُ الدنيا والدين، ومستراحُ الأولياء والصالحين، وجائزةُ الله تعالى لمُؤمِنيهِ في دار الفانين.


وإن كانت في الدنيا جنة؛ فهي جنة الأُنْسِ بالله تعالى، وحلاوة قربه، ولذة مناجاته، وعلى هذه الثمرة كانت قلوب السابقين تغتذي، ولتحصيل المزيد منها كانت مُهَجُهم بضيائها تهتدي، وأرواحهم على عتبات رضوان ربهم قرابين تفتدي. فيذوقون بألسنة قلوبهم شهدًا للأرواح مصفّى، وتبتهج نفوسهم بسعادة من نعيم الجنة، وهي ما عُبّر عنها بحلاوة الإيمان، وهذه حروف مما فتح الله تعالى بها على عبده الفقير إليه، سائلَهُ سبحانه وبحمده المعونة والتسديد والهدى والتوفيق، إنّ ربي سميع قريب.


وسأبدأ بالحد والتعريف، ثم أثنّي بالفضل والمنزلة، وبالله التوفيق.

 

التعريف:

جاء في معجم المقاييس في مادة أنس: «الهمزة والنون والسين أصلٌ واحد، وهو ظهور الشيء، وكل شيء خالف طريقة التوحُّش. والأُنْس: أَنْسُ الإنسان بالشيء إذا لم يستوحش منه، والعرب تقول: كيف ابن إِنْسِك؟ إذا سأله عن نفسه»[1]، وفي معجم التهذيب: «قال ابن الأعرابي: أنِسْتُ بفلان، أي فرحت به، وفي كلام العرب: إذا جاء الليل استأنس كل وحشي، واستوحش كل إنسيِّ»[2].


وفي لسان العرب: «والأُنْسُ والاستئناس هو التأنّس، وقد أنِسْتُ بفلان. والأُنْسُ ضدّ الوحشة، وقد جاء فيه الكسر قليلاً»[3]، وفي القاموس: «الأُنْسُ بالضم وبالتحريك، والأنَسَة محركة: ضد الوحشة، وقد أَنِسَ به مثلثة النون، وآنسَهُ ضد أوحَشَهُ، وما بالدار من أنيس: أي من أحد»[4].

 

مكانته وفضله وثمراته والطريق إلى تحصيله:

لا قرار للروح بلا أُنْس، ولا سكون للنفس بدونه، ولا نعيم للقلب وهو فاقد له، ذلك أن الأنس أمانٌ وراحة وسكينة وطمأنينة وحُبّ وسلام، فكيف إن كان أُنسًا بالله رب العالمين؟! نسأل الله الكريم لنا جميعًا ووالدينا وأحبابنا والمسلمين من واسع فضله، وعميم إنعامه، وأن يؤنسنا في الحياة وبعد الممات.


قال ابن القيم ‘: «حياة أهل السعادة والفلاح في الدنيا أطيب الحياة، كذلك في البرزخ، ولهم في الآخرة أفضل الثواب. قال تعالى: ﴿ مَنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَلَنُحۡيِيَنَّهُۥ حَيَوٰةٗ طَيِّبَةٗۖ ﴾ [النحل: 97] فهذا في الدنيا، ثم قال: ﴿ وَلَنَجۡزِيَنَّهُمۡ أَجۡرَهُم بِأَحۡسَنِ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ﴾ [النحل: 97] فهذا في البرزخ والآخرة.


وقال تعالى: ﴿ قُلۡ يَٰعِبَادِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمۡۚ لِلَّذِينَ أَحۡسَنُواْ فِي هَٰذِهِ ٱلدُّنۡيَا حَسَنَةٞۗ وَأَرۡضُ ٱللَّهِ وَٰسِعَةٌۗ إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّٰبِرُونَ أَجۡرَهُم بِغَيۡرِ حِسَابٖ﴾ [الزمر: 10]، وقال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ [النحل: 41]، وقال تعالى: ﴿ وَأَنِ ٱسۡتَغۡفِرُواْ رَبَّكُمۡ ثُمَّ تُوبُوٓاْ إِلَيۡهِ يُمَتِّعۡكُم مَّتَٰعًا حَسَنًا إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗى وَيُؤۡتِ كُلَّ ذِي فَضۡلٖ فَضۡلَهُۥۖ وَإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنِّيٓ أَخَافُ عَلَيۡكُمۡ عَذَابَ يَوۡمٖ كَبِيرٍ ﴾ [هود:3].


فهذه أربعة مواضع ذكر الله فيها أنه يجزي المحسن بإحسانه جزاءين: جزاءً في الدنيا وجزاءً في الآخرة.


ولو لم يكن إلا ما يُجازى به المحسن من انشراح صدره، وانفساح قلبه، وسروره، ولذته بمعاملة ربه عز وجل، وطاعته، وذكره، ونعيم روحه بمحبته وذكره، وفرحه بربه سبحانه أعظم مما يفرح القريب من السلطان الكريم عليه بسلطانه.


والإقبال على الله تعالى، والإنابة إليه، والرضا به وعنه، وامتلاء القلب من محبته، واللَّهج بذكره، والفرح والسرور بمعرفته، ثواب عاجل، وجَنَّةٌ حاضرة، وعيشٌ لا نسبة لعيش الملوك إليه البتة.


وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدّس الله روحه يقول: «إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة». وقال لي مرّة: «ما يصنع أعدائي بي[5]؟ أنا جنّتي وبستاني في صدري، أين رحْتَ فهي معي لا تفارقني، أنا حبسي خلوة، وقتلي شهادة[6] وإخراجي من بلدي سياحة».


وكان يقول في محبسه في القلعة: «لو بذلت لهم ملء هذه القلعة ذهبًا ما عَدَلَ عندي شكر هذه النعمة»[7].


وكان يقول في سجوده: «اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك»[8] ما شاء الله، وقال لي مرّة: «المحبوس من حُبسَ قلبه عن ربه تعالى، والمأسور من أسَرَهُ هواه». ولما أُدخل القلعة وصار داخل سورها نظر إليه وقال[9]: ﴿ فَضُرِبَ بَيۡنَهُم بِسُورٖ لَّهُۥ بَابُۢ بَاطِنُهُۥ فِيهِ ٱلرَّحۡمَةُ وَظَٰهِرُهُۥ مِن قِبَلِهِ ٱلۡعَذَابُ ﴾ [الحديد: 13].


وعَلِمَ الله ما رأيتُ أحدًا أطيب عيشًا منه قط، مع ما كان فيه من ضيق العيش، وخلاف الرفاهية والنعيم، بل ضدّها، ومع ما كان فيه من الحبس والتهديد والإرجاف، وهو مع ذلك أطيب الناس عيشًا، وأشرحهم صدرًا، وأقواهم قلبًا، وأسرَّهم نفسًا، تلوح نضرة النعيم على وجهه.


وكنا إذا اشتد بنا الخوف، وساءت منا الظنون، وضاقت بنا الأرض، أتيناه، فما هو إلا أن نراه، ونسمع كلامه، فيذهب ذلك كله، وينقلب انشراحًا وقوّة ويقينًا وطمأنينة.


فسبحان من أشهد عباده جنته قبل لقائه، وفتح لهم أبوابها في دار العمل، فأتاهم من رَوْحِها ونسيمها وطيبها ما استفرغ قواهم لطلبها والمسابقة إليها.


فمحبة الله تعالى، ومعرفته، ودوام ذكره، والسكون إليه، والطمأنينة إليه، وإفراده بالحب والخوف والرجاء، والتوكل، والمعاملة؛ بحيث يكون هو وحده المستولي على هموم العبد وعزماته وإرادته، هو جنة الدنيا، والنعيم الذي لا يشبهه نعيم، وهو قرّة عين المحبين، وحياة العارفين.


وإنما تقرّ أعين الناس على حسب قرة أعينهم بالله عز وجل؛ فمن قرَّت عينه بالله قَرَّت به كل عين، ومن لم تقَرَّ عينه بالله تقطّعت نفسه على الدنيا حسرات.


وإنما يُصدّق بهذه الأمور من في قلبه حياة، وأما ميت القلب فيوحشك، فاستأنِسْ بغيبته ما أمكنك، فإنه لا يوحشك إلا حضوره عندك، فإذا ابتليت به فأعطه ظاهرك، وترحّل عنه بقلبك وفارقه بسرّك، ولا تشتغل به عما هو أولى بك.


واعلم أن الحسرة كلَّ الحسرة الاشتغالُ بمن لا يُجدي عليك الاشتغال به إلا فوت نصيبك وحظّك من الله عز وجل، وانقطاعك عنه، وضياع وقتك عليك، وشتات قلبك عليك، وضعف عزيمتك، وتفرّق همك.


فإن بُليت بهذا ــ ولابد لك منه ــ فعامِل الله تعالى فيه، واحتسب عليه ما أمكن، وتقرّب إلى الله بمرضاته فيه، واجتهد أن تأخذه معك وتسير به، فتحمله ولا يحملك، فإن أبى فلا تقف معه، بل اركب الدرب وَدَعْهُ، فإنه قاطع طريق، ولو كان من كان، فانجُ بقلبك، وَضِنَّ بيومك وليلتك، ولا تغرب عليك الشمس قبل وجود المنزلة فتؤخذ، أو يطلع الفجر وأنت في المنزلة فيسير الرفاقُ فتصبح وحدك، وأنَّى لك بلحاقهم»[10]!

 

هذا؛ وأعظم طرق تحصيل الأنس بالله تعالى هو حسن المعتقد أولاً ودوام الذكر ثانيًا، وأعظم الذكر القرآن تلاوة وسماعًا وتدبرًا، ثم الأذكار المادحة المثنية على الله تعالى كالتهليل والتسبيح والتحميد ونحوها، ثم الأدعية والأوراد.

 

كذلك فمن أسباب حصوله تعظيم قدر الصلاة، حتى تكون صلاة المرء كصلاة المقربين فتكون روحه وريحانه، ويجتمع للعبد فيها ما لا يجتمع فيما سواها من العبادات، كذلك فعل الصالحات عمومًا، كالصدقة والصيام وتحصيل العلم النافع والعمل به.


قال ابن القيم رحمه الله: «ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين: منزلة الأنس بالله، قال الله تعالى: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌۖ أُجِيبُ دَعۡوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِۖ فَلۡيَسۡتَجِيبُواْ لِي وَلۡيُؤۡمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمۡ يَرۡشُدُونَ ﴾ [البقرة: 186] فاستحضار القلب هذا البر والإحسان واللطف، يوجب قربه من الرب سبحانه وتعالى، وقربه منه يوجب له الأنس، والأنس ثمرة الطاعة والمحبة، فكل مطيع مستأنسٌ، وكل عاصٍ مستوحش، كما قيل:

فإن كنت قد أوحشتك الذنوب
فدعها إذا شئت واستأنس

والقرب يوجب الأُنس والهيبة والمحبة، والمحب الصادق العامل على مرضاة الله يكون غذاء قلبه بالسماع القرآني، الذي كان غذاء سادات العارفين من هذه الأمة، وأبرها قلوبًا، وأصحها أحوالاً، وهم الصحابة رضي الله عنهم، فهو يستأنس بالذكر وأعلاه القرآن طلبًا للاستئناس بالمذكور سبحانه، ويحصل للأذهان الصافية من السماع القرآني معانٍ وإشارات، ومعارف وعلوم تتغذى به القلوب المشرقة بنور الأنس، فيجد بها ولها لذة روحانية يصل نعيمها إلى القلوب والأرواح، وربما فاض حتى وصل إلى الأجسام، فيجد من اللذة ما لم يعهد مثله من اللذات الحسية.

 

وللتغذي بالسماع سرّ لطيف، نذكره للطف موضعه، وهو الذي أوقع كثيرًا من السالكين في إيثار سماع الأبيات لما رأى فيه من غذاء القلب وقوته ونعيمه، فلو جئته بألف آية وألف خبر لما أعطاك شطرًا من إصغائه.

 

اعلم أن الله عز وجل جعل للقلوب نوعين من الغذاء: نوعًا من الطعام والشراب الحسي، وللقلب منه خلاصته وصفوه، ولكل عضو منه بحسب استعداده وقبوله. والثاني: غذاء روحاني، خارج عن الطعام والشراب من السرور والفرح والابتهاج واللذة، والعلوم والمعارف، وبهذا الغذاء كان سماويًّا علويًّا، وبالغذاء المشترك كان أرضيًّا سفليًّا، وقوامه بهذين الغذاءين، وله ارتباط بكل واحدة من الحواس الخمس، وغذاء يصل إليه منها.


فله ارتباط بحاسة اللمس ويصل إليه منها غذاء، وكذلك حاسة الشم، وكذلك حاسة الذوق، وكذلك ارتباطه بحاستي السمع والبصر أشد من ارتباطه بغيرهما، ووصول الغذاء منهما إليه أكمل وأقوى من سائر الحواس، وانفعاله عنهما أشد من انفعاله عن غيرهما، ولهذا تجد في القرآن اقترانه بهما أكثر من اقترانه بغيرهما، بل لا يكاد يُقرن إلا بهما أو بأحدهما. قال الله تعالى: ﴿ وَٱللَّهُ أَخۡرَجَكُم مِّنۢ بُطُونِ أُمَّهَٰتِكُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ شَيۡـٔٗا وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡأَبۡصَٰرَ وَٱلۡأَفۡـِٔدَةَ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ﴾ [النحل: 78] وهذا كثير جدًّا في القرآن، فتأثر القلب بالسمع والبصر أشد من تأثره بغيرهما.


وتعلق القلب بالسمع وارتباطه به أشد من تعلقه بالبصر وارتباطه به، ولهذا يتأثر بما يسمعه من الملذوذات أعظم مما يتأثر بما يراه من المستحسنات، وكذلك في المكروهات سماعًا ورؤية، ورجحت طائفة البصر لكمال مدركها، وامتناع الكذب فيه[11]. وحكم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بين الطائفتين حكمًا حسنًا فقال: المدرك بحاسة السمع أعم وأشمل، والمدرك بحاسة البصر أتم وأكمل، فللسمع: العموم والشمول، والإحاطة بالموجود والمعدوم، والحاضر والغائب، والحسي والمعنوي، وللبصر: التمام والكمال.


إذا عرف هذا فهذه الحواس الخمس لها أشباح وأرواح، وأرواحها حظ القلب ونصيبه منها، فمن الناس من ليس لقلبه منها نصيب إلا كنصيب الحيوانات البهيمية منها، فهو بمنزلتها، وبينه وبينها أول درجة الإنسانية، ولهذا شبه الله سبحانه أولئك بالأنعام بل جعلهم أضلّ، فقال تعالى: ﴿ أَمۡ تَحۡسَبُ أَنَّ أَكۡثَرَهُمۡ يَسۡمَعُونَ أَوۡ يَعۡقِلُونَۚ إِنۡ هُمۡ إِلَّا كَٱلۡأَنۡعَٰمِ بَلۡ هُمۡ أَضَلُّ سَبِيلًا ﴾ [الفرقان: 44]، ولهذا نفى الله سبحانه عن الكفار السمع والبصر والعقول؛ إما لعدم انتفاعهم بها فنزّلت منزلة المعدوم، وإما لأن النفي توجّه إلى إسماع قلوبهم وأبصارهم وإدراكها، ولهذا يظهر لهم ذلك عند انكشاف حقائق الأمور.


هذا وحصول السمع الحقيقي مبدأ لظهور آثار الحياة الطيبة التي هي أكمل أنواع الحياة في هذا العالم، فإن بها يحصل غذاء القلب ويعتدل، فتتمّ قوّته وحياته وسروره ونعيمه وبهجته، وإذا فقد غذاءه الصالح احتاج إلى أن يعتاض عنه بغذاء قبيح خبيث، وإذا فسد غذاؤه خَبُثَ ونقص من حياته وقوّته وسروره ونعيمه بحسب ما فسد من غذائه، كالبدن إذا فسد غذاؤه نقص.


وقد يكون المسموع شديد التأثير في القلب ولا يشعر به القلب لاشتغاله بغيره، فإذا حصل له نوع تجرّد ورياضة ظهرت قوته، وكلّما تجرّدت الروح والقلب وانقطعتا[12] عن علائق البدن كان حظهما من ذلك السماع أوفر، وتأثرهما به أقوى.


فإن كان المسموع معنىً شريفًا بصوت لذيذ؛ حصل للقلب حظه ونصيبه من إدراك المعنى، وابتهج به أتم ابتهاج على حسب إدراكه له، وللروح حظها ونصيبُها من لذة الصوت ونغمته وحسنه، فابتهجت به، فتتضاعف اللذة، ويتم الابتهاج، ويحصل الارتياح، حتى ربما فاض على البدن والجوارح، وعلى الجليس.


وهذا لا يحصل على الكمال في هذا العالم إلا عند سماع كلام الله؛ فإذا تجردت الروح وكانت مستعدة، وباشر القلب روح المعنى، وأقبل بكليته على المسموع، فألقى السمع وهو شهيد، وساعده طيب صوت القارئ، كاد القلب يُفارق هذا العالم، ويلج عالمًا آخر، ويجد له لذة وحالة لا يعهدها في شيء غيره البتة، وذلك رقيقة من حال أهل الجنة، فيا له من غذاء ما أصلحه وأنفعه.


وحرام على قلب تربّى على غذاء السماع الشيطاني أن يجد شيئًا من ذلك في سماع القرآن، بل إن حصل له نوع لذة فهو من قبل الصوت المشترك، لا من قبل المعنى الخاص.


وليس في نعيم أهل الجنة أعلى من رؤيتهم وجه الله ومحبوبهم سبحانه وتعالى عيانًا، وسماع كلامه منه.


وأكمل السماع؛ سماعُ من يسمع بالله ما هو مسموع من الله وهو كلامه، وهو سماع المحبين المحبوبين، كما في الحديث الذي في صحيح البخاري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى أنه قال: «ما تقرّب إليّ عبدي بمثل أداء ما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، فبي يسمع، وبي يُبصر، وبي يبطش، وبي يمشي»[13].


والقلب يتأثر بالسماع بحسب ما فيه من المحبة، فإذا امتلأ من محبة الله وسمع كلام محبوبه فله من سماعه هذا شأن، ولغيره شأن آخر»[14].


وفي عوارف المعارف: «وسئل الجنيد عن الأُنس فقال: ارتفاع الحشمة مع وجود الهيبة.


وسئل ذو النون عنه فقال: هو انبساط المحب إلى المحبوب. وقيل: معناه قول الخليل عليه السلام: ﴿ رَبِّ أَرِنِي كَيۡفَ تُحۡيِ ٱلۡمَوۡتَىٰۖ ﴾ [البقرة: 260] وقول موسى عليه السلام: ﴿ قَالَ رَبِّ أَرِنِيٓ أَنظُرۡ إِلَيۡكَۚ ﴾ [الأعراف: 143]، وروي أن مطرف بن الشخير كتب إلى عمر بن عبد العزيز: ليكن أُنسك بالله وانقطاعك إليه، فإن لله عبادًا استأنسوا بالله، وكانوا في وحدتهم أشد استئناسًا من الناس في كثرتهم، وأوحش ما يكون آنس ما يكونون، وآنس ما يكون أوحش ما يكونون. وقالت رابعة[15]: كل مطيع مستأنس، وأنشدت:

ولقد جعلتُك في الفؤاد مُحَدِّثي
وأبحتُ جسمي من أراد جلوسي
فالجسم منّي للجليس مؤانسٌ
وحبيبُ قلبي في الفؤاد أنيسي

 

وقال مالك بن دينار: من لم يأنس بمحادثة الله عن محادثة المخلوقين، فقد قلّ عملُه وعمي قلبُه وضيّع عمره»[16].


وقال أبو حامد رحمه الله: «الأنس معناه استبشار القلب وفرحه بمطالعة الجمال، حتى إذا غلب وتجرّد عن ملاحظة ما غاب عنه وما يتطرّق إليه من خطر الزوال؛ عظم نعيمه ولذّته»[17].


ومعنى كلامه رحمه الله أن المؤمن إذا استأنس بربه وخلا بمناجاته وتفكر في آلائه وتذكر أسماءه وتأمل صفاته فإن ذلك يملأ قلبه نعيمًا وسرورًا وفرحًا بحيث لا يريد أن يخرج من هذا الحال الإيماني، فهو في رقيقة من رقائق الجنة لا يريد بها بدلاً من الدنيا وما فيها.


هذا ولا يمنع الأنس بالله وحلاوة مناجاته من مخالطة الناس في الخير والإحسان، فأعظم الناس أُنسًا بالله تعالى هو نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، مع ذلك فلم يمنعه ذلك من مخالطة الناس واستصلاحهم والإحسان إليهم، بل قال: «المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم»[18].


وقال ابن الجوزي رحمه الله: «لما خرج موسى بأهله من مدينة مَدْيَنَ، انطلق طَلْقُ الطلق بزوجته، فما زال يُكادح المكادح فلم تُورِ[19]، لأن عروس نار الطور لمّا همَّت بالتجلّي، نُوديت النيران بلسان الغيرة من المشاركة: غُضّي، فقام على أقدام التحيُّر، فهتف به أنيسُ ﴿ ءَانَسَ ﴾ [القصص: 29] فَأَنِسَ:

يا حارِ[20] إن الرَّكْبَ قد حارُوا
فاذهب تحسَّسْ لمن النارُ
تبدو وتخبو إن خَبَتْ وقفوا
وإن ضَاءَتْ لهم ساروا

 

فشمَّرَ موسى عن ساق القصد وساق، فلما أتى النادي ﴿ نُودِيَ ﴾ [طه: 11]، فحين ذاق لذة التكليم جرح قلبه نصلُ الشوق، فلم يداوِهِ إلا طبيبُ ﴿ وَوَٰعَدۡنَا ﴾ [الأعراف: 142].

ليالِينا بذي الأثلاثِ عودي
ليُورق في رُبى الأثلات عُودِيِ
فإن نسيم ذاك الشيح أذْكى
لديَّ من انتشاقي نشر عُودِ
وإن حديثكم في القلب أحلى
وأطيبُ نغمةً من صوت عُودِ[21]

 

ولما تمّ ميقات ربه، وأُحضر لحظيرة القدس، فنسي الإنسَ بما آنسَ من الأُنس»[22].


هذا ومن وسائل تحقيق الأنس بالله تعالى التوبة النصوح وإكثار الصالحات وتذكر الآخرة، «فيا مشغولاً بتلفيق ماله عن تحقيق أعماله، مَنْ خَطَر ذكر الرحيل بباله قنع بالبُلَغِ ولم يُباله.

مالُكَ للحادثاتِ نهبٌ
أو للذي حازه وِراثة
أو لك أن تتخذه ذُخرًا
فلا تكن أعجز الثلاثة

 

لابد والله من العبور إلى منزل القبور، يَسفي عليك الصَّبا والدَّبور، وأنت تحت الأرض تبور، آهٍ من طول الثبور بعد طيب الحبور.


لقد بان للكل أن الدنيا غرور، وتيّقنوا أن تزوير الأمل للخُلْدِ زور، وتفصّلت أعضاؤهم ولا تفصيل لحم الجزور، ودُكّت بهم الأرض ولا كما دُكَّ الطور، وبانت حسباناتهم وفيها قُصور.


فإذا انقضت بعده تلك العصور، ونُفخ في الصور، وخرجت أطيار الأرواح من أعجب الوكور، وباتت الأرض تموجُ والسماء تمور، ولقي الكفور نارًا تلتهبُ وتفور.


ويحك إن الدنيا تَغرّ ولابد لك منها، فخذ قدر الحاجة على حذر، أما ترى الطائر كيف يختلس قوته؟


هذا العصفور يألف الناس فلا يسكنُ دارًا لا أهل بها، وهو مع هذا الأُنس شديد الحذر ممن جاور.


هذا الخُطَّافُ[23] يقطع البحر لطلب الأُنسِ بالإنس، ثم يتخذ وكره في أحصن الأماكن بالبيت، ولا يحمله الأُنسُ بهم على ترك الحذر منهم، بل يُعطي الأُنس حقّه والحزمَ حقّه.


أما عرفت أدب الشرع في تناول المطعم، ثلثٌ طعام، وثلث شراب، وثلث نفس.


شَرَهُ الحرص يُعبّئ بلاغم البلادة، ولا يقدر على الحمية إلا من تلمّح العافية في العاقبة، شُغْل العقل النظر في العواقب، فأما الهوى فإيثاره لذة قليلة تُعقب ندامة طويلة، فملبّسٌ في قضاياه.


المؤمن بين حربٍ ومحراب، وكلاهما مفتقر إلى جمع الهمِّ، طريق المتقين تفتقر إلى رواحل، وإبلُ عزائمكم كلُّها كالٌّ، إنما يصلح للمَلِك قلب فارغ ممن سواه.

وقلبُك خانٌ كلَّ يوم وليلةٍ
يفارقه ركبٌ وينزله ركبُ

في كل يوم ترهنُ قلبك على ثمن شهوة، فيستعمله المرتهن، فقد أخلَقَ، أنت توقد نار التوبة في المجلس في الحلفاء[24] فإذا أردت منها قبسًا بعد خروجك لم تجد، تبكي ساعة الحضور على الخيانة والمسروق في جيبك!


يا مظهرًا من الخير ما ليس فيه لا تبع ما ليس عندك، كم نهاك عن نظرة وتعلم أنه بالحضرة، أفلا تراقب المناظرَ برد الناظر، وكأنك لا تعرف أن الحاضرَ حاضرٌ!


وا عجبًا لك! تَعُدُّ التسبيح بسبحة، فهلّا جعلت للمعاصي أخرى؟! يا من يختار الظلام على الضوء! الذباب أعلى همّة منك، متى أظلم البيتُ خرج الذبابُ إلى الضوء، أما ترى الطفل في القِماط[25] يناغي المصباح؟


يا هذا! إن كنت محبًّا فحبيبُك معك في كل حال[26] حتى عند الموت، وفي بطن اللحد.

يا حبّذا العرعر النجديُّ والبانُ
ودارُ قومٍ بأكناف الحِمَى بانُوا
وأطيبُ الأرض ما للقلبِ فيه هوًى
سَمُّ الخياطِ مع الأحباب ميدانُ

 

إذا أقفرَ قلبُك من ساكن المحبة والأنس، فتحتِ النفسُ بابًا لعناكب الغفلة، فنسجت في زواياه من لُعَابِ الأملِ طاقات المُنى.


اللهم أجرِ القلوب من جَوْر النفوس، يا سلطان القلب نشكوا إليك النازلة»[27].


ألا إن للأنس ثمارًا حلوة، وينابيع عذبة، يتذوقها المؤمن بلسان قلبه، ويُشبعُ بها بطن روحه، فلا كانت الدنيا إذا لم يكن أُنسٌ بالله تعالى.


ومن وسائل تحصيل الأنس بالله تعالى الذكر الدائم، ورطوبة اللسان بذلك، ولهجه لربه بدعاء الثناء والمسألة، وصرفُ طاقات الجوارح في مراضي ربه الكريم الوهاب، بالصلاة بعد الصلاة، والقرآن تلاوة وتدبرًا، وبالصدقة، وبالصيام، وبما أطاق من الباقيات الصالحات، فولاية الله مهرُها عسفُ النفوس على مراضيه.


وما من رجلٍ حسنت صلاته إلا واستأنس به كل شيء، والرجلُ يكون نائمًا فيحركه من نومه لطفٌ من ربه فيقوم للصلاة منتبهًا من غير تنبيه من الخلائق.


وفي قول الله تعالى: ﴿ ذَٰلِكَ فَضۡلُ ٱللَّهِ يُؤۡتِيهِ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ ذُو ٱلۡفَضۡلِ ٱلۡعَظِيمِ ﴾ [الجمعة: 4]، «قال أبو علي الجوزجاني: ذلك الفضل هو الأُنس بالله، إذا وجدوا نعمة الأُنس نسوا كلَّ نعمة دونه، ووجدوه نعمةً فوق كل نعمة؛ لأن ربهم نعّمهم في معرفته»[28]، وهذا لبابُ الفضل، فالهداية للعلم النافع والتوفيق للعمل الصالح الذي يورث الأنس بالله هو لعمر الحق من أعظم النعيم.


وفي قوله تعالى: ﴿ فَسَبِّحۡ بِحَمۡدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ ٱلسَّٰجِدِينَ ﴾ [الحجر: 98] قال الشعراوي ‘: «وهكذا يُمكن أن تُذهب عنك أيَّ ضيق بأن تُسبح الله. وإذا ما جافاك البشر أو ضايقك الخلق، فاعلم أنك قادر على الأُنس بالله عن طريق التسبيح، ولن تجد أرحم منه سبحانه، ولذلك قال سبحانه في موضع آخر: ﴿ فَلَوۡلَآ أَنَّهُۥ كَانَ مِنَ ٱلۡمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطۡنِهِۦٓ إِلَىٰ يَوۡمِ يُبۡعَثُونَ ﴾ [الصافات: 143، 144]، ولذلك إذا ضاق صدرك بالأسباب فاذهب إلى المُسبِّب»[29].


«وقيل لسباع الموصلي: يا أبا محمد، أي شيء أفضى بهم إلى الزهد؟ قال: الأنسُ بالله»[30].

مَحَلّ قلوبِ العارفين بروضةٍ
سماويةٍ من دونها حُجُبُ الرَّبِّ
معسكرُها فيها ومجنى ثمارُهَا
تَنْسِمُ رُوحَ الأُنْسِ بالله من قُرْبِ[31]

 

«وقال الخوَّاص: لا يُطمع في لين القلب مع فضول الكلام، ولا يُطمع في حب الله مع حبِّ المال والشرف، ولا يُطمع في الأنس بالله مع الأنس بالمخلوقين»[32].


«وقال ذو النون في صفة المؤمن: إن لله صفوةً من عباده، فقيل له: يا أبا الفيض، فما علامتهم؟ قال: إذا خَلَعَ العبد الراحة، وأعطى المجهود في الطاعة، وأحب سقوط المنزلة. فقيل له: فما علامة إقبال الله عز وجل على العبد؟ فقال: إذا رأيته صابرًا شاكرًا ذاكرًا. فقيل له: فما علامة إعراض الله عن العبد؟ فقال: إذا رأيته ساهيًا لاهيًا معرضًا عن ذكر الله عز وجل، فذاك حين يعرض الله عنه. فقيل له: يا أبا الفيض، فما علامة الأنس بالله؟ قال: إذا رأيته يوحشك من خلقه فإنه يؤنسك من نفسه، وإذا رأيته يؤنسك من خلقه فإنه يوحشك من نفسه»[33].


«وقال يحيى بن معاذ الرازي: إذا أحب القلب الخلوة، أوصله حب الخلوة إلى الأنس بالله، ومن أَنِسَ بالله استوحش من غيره، وأنشد:

سَلِّمْ على الخلق وارحل نحو مولاكا
واهجر على الصدق والإخلاص دنياكا
عساك في الحشر تُعطى ما تؤمِّلُهُ
ويكرمُ الله ذو الآلاء مثواكا

 

وقال: الصبر على الخلوة من علامة الإخلاص. وقال: أولياء الله أُسراءُ نِعَمِهِ، وأصفياؤه رهائن كرمه، وأحباؤه عبيد مننه، فهم أُسراء نعم لا يُطلقون، ورهائن كرم لا يُفكُّون، وعبيد مننٍ لا يُطلقون»[34].


قلت: ولا شك أن الخلوة والعزلة مما يُعين على السير الصحيح؛ لذلك شرع الله للمؤمن عزلة كل ليلة يناجي فيها ربه في قيام الليل، بل وفي الصلوات الخمس حين ينعزل بروحه مناجيًا الله في صلواته، ثم شرع الله له في كل سنة عشرة أيام يعتكف فيها منعزلاً عن الخلائق متعلقًا بربه لهجًا بذكره مُلِظًا بدعائه، مُلِحًّا باستغاثته واسترحامه واستغفاره.


ولا يزال العبد في حاجة لمثل هذه حتى يحصّل الأنس بربه تعالى فيزهد عما سواه. وتأمل قول ابن القيم ‘: «إن في القلب وحشة لا يذهبها إلا الأنس بالله، وفيه حزن لا يذهبه إلا السرور بمعرفته، وفيه فاقة ــ وهي غاية الفقر ــ لا يُذهبها إلا صدقُ اللجوء إليه، ولو أُعطي الدنيا وما فيها لم تذهب تلك الفاقة أبدًا»[35].


وهل أعظم من الأنس بصحبة القرآن الكريم وهي الصحبة التي تدخلك باب الملك سبحانه، فعن أنس بن مالك ؓ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن لله أهلين من الناس» قالوا: يا رسول الله من هم؟ قال: «هم أهل القرآن أهل الله وخاصته»[36]، وعلى مقدار تحقيق مقومات أهل القرآن الكريم تلاوة وتدبرًا وتأدبًا وتعلمًا وتعليمًا وعملاً يكون مقدار دخول العبد في أهلية الله وخاصته.


أما العزلة التامة عن الخلق فهي ليست من الإسلام في شيء خلا أزمنة الفتن، وعند خوف المرء على دينه أو نفسه، فرهبانية الإسلام هي الجهاد في سبيل الله، فعن أبي سعيد الخدري ؓ أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أوصني، فقال: «أوصيك بتقوى الله فإنه رأس كل شيء، وعليك بالجهاد فإنه رهبانية الإسلام، وعليك بذكر الله وتلاوة القرآن؛ فإنه روحك في السماء وذكرك في الأرض»[37].


أما من انفرد عن الخلق بالكلية وانحاز إلى قُلَلِ الجبال وآثر التوحش عن الخلق لطلب الأنس بالله عز وجل دون سبب آخر ملجئ فقد سلك هديًا ليس بهدي النبي صلى الله عليه وسلم، بل هو هدي الرهبان الذين ابتدعوا الرهبانية في دين المسيح عليه السلام ﴿ وَرَهۡبَانِيَّةً ٱبۡتَدَعُوهَا مَا كَتَبۡنَٰهَا عَلَيۡهِمۡ ﴾ [الحديد: 27]. وخير الهدي هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم.


«فإذا سجى الليل ودجى، خلا العابد الصالح بوليه وربه وسيده يناجيه ويضرع إليه، وقد يستثقله في بداية أمره ثم يكون عين سعادته، كما قيل: إن قيام الليل من أثقل شيء على النفس، ولاسيما بعد النوم، وإنما يصير خفيفًا بالاعتياد والمداومة والصبر على المشقة والمجاهدة في أول الأمر، ثم بعد ذلك ينفتح باب الأنس بالله تعالى وحلاوة المناجاة له، ولذة الخلوة به عز وجل، وعند ذلك لا يشبع الإنسان من القيام فضلاً عن أن يستثقله أو يكسل عنه، كما وقع ذلك للصالحين من عباد الله حتى قال قائلهم: إن كان أهل الجنة في مثل ما نحن فيه بالليل إنهم لفي عيشٍ طيّب. وقال آخر: منذ أربعين سنة ما غمّني إلا طلوع الفجر، وقال آخر: أهل الليل في ليلهم ألذّ من أهل اللهو في لهوهم»[38].


وسئل العلامة المربي محمد بن محمد المختار الشنقيطي عمن كان يجد الأنس بالله تعالى وبذكره ثم فقده. فقال: «هذه فتنة أصابتك، وبليّة نزلت بك، ولا ملجأ ولا منجى من الله إلا إليه، فتُب إليه واستغفره، فإن الله تعالى يقول: ﴿ وَٱسۡتَغۡفِرُوهُۗ ﴾ [فصلت: 6]، فمن كان على استقامة وهداية وصلاح ثم سُلِبَ شيئًا منها فبسبب ذنوبه، قال تعالى: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوۡمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمۡۗ ﴾ [الرعد: 11] فتب وأنب إلى الله، وأعدَّ لهذه الفتنة كثرة الاستغفار والبكاء والندم، ولعل الله إذا نظر إلى دمعة من عينك وخشوع من قلبك وندمٍ من نفسك، أن يُبلّغك منازلك التي كنت فيها، فلربما فقد الإنسان حلاوة المناجاة ولذة العبادة من صيام وقيام، فتقطّع قلبُه على تلك الساعات، ولهفت نفسه على تلك اللحظات المباركات، فكتب الله له الأجرين: أجر العمل الصالح بتلهُّفه وتألمه، وأجر صبره على الفتنة التي هو فيها»[39].


وقال: «كلّما كان الإنسان بعيدًا عن الخلطة كان آنس بالله عز وجل، ومن كان أنسه بالناس أعظم من أنسه بالله فلا خير فيه، إنما يكون الأنس بالله جل جلاله، وسرور العبد بالناس لا يكون شيئًا أمام سروره بالله عز وجل، وإذا أحس الإنسان بالأنس بالله عز وجل فإنه يُقبل على الله بكليّته»[40].


وقال في الرضا بمرّ القضاء: «وانظر إلى كل بلاء ينزل بك، فبمجرد ما تنزل المصيبة تتلقاها بنفس مطمئنة، وخاطرٍ راضٍ غير منكسر لحقّ الله جل جلاله، وتتلقاها بمحبة وإقبال على الله عز وجل، فتجد كل يوم يمر بك، وكل ساعة، بل كل لحظة تمر بك وأنت في أُنس ولذّة، وقد كان بعض العلماء يحب مثل هذه المقامات التي فيها قربٌ من الله عز وجل، ولذلك تجد في أيام المرض من حلاوة ذكر الله ما لا تجده أيام العافية، وتجد في أيام الضر والنكبات من الأُنْس بالله ما لا تجده في أيام الصحة والعافية»[41].


وقال أويس القرني رحمه الله: «ما كنت أرى أن أحدًا يعرف ربه فيأنس بغيره»[42].


وحلاوة الأنس بالله لا تحصل إلا بالاشتغال بذكره ودوام عبادته، والبعد عن القواطع والشواغل التي تقسّي القلب وتحول بينه وبين التفكر في آلاء الله، والتذكر لنعمائه، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن للإيمان حلاوة وطعمًا كما في قوله: «ثلاث من كُنَّ فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يُقذف في النار»[43]. وقال صلى الله عليه وسلم: «ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًّا وبالإسلام دينًا وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولاً ونبيًّا»[44]، وأخبر أن عينه تقرّ بالعبادة ويرتاح بها بدنه فقال عليه الصلاة والسلام: «وجعلت قرة عيني في الصلاة»[45]، قال شيخ الإسلام: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «حبب إليّ من دنياكم النساء والطيب، وجعلت قرة عيني في الصلاة» هكذا لفظ الحديث، ولم يقل: «حبب إلي ثلاث»؛ فإن المحبب إليه من الدنيا اثنان وجعلت قرة عينه في الصلاة، فهي أعظم من ذينك، ولم يجعلها من الدنيا»[46].


وقال صلى الله عليه وسلم:«أرحنا يا بلال بالصلاة»[47]، فرسول الله صلوات الله وسلامه عليه يجد في الصلاة لذة قلبه وسروره وابتهاجه وغاية فرحه وراحة بدنه، حيث ينقطع عن الخلائق ويُقبل بقلبه وقالبه على ربه، ويلتذ بذكره ومناجاته، ويتقلّب في العبادات من حال إلى حال، يجد في كلٍّ منها الأُنس بالعبادة، ولم يكن صلى الله عليه وسلم يؤثر الخلوة والانفراد على الدوام بل يخالط الناس ويعلمهم ويفيدهم ويُحسن إليهم، وليس في كون الصلاة قرّة عينه ما يدل على أحوال المتصوّفة والطُرقية وأذواقهم ومواجيدهم.


«وليس من شرط الأنس بالذكر والصلاة والدعاء والانفراد والعزلة وترك الجمع والجماعات، بل حلاوة العبادات يحسّ بها كل من أحضر قلبه حال أدائها، وأعرض عن كل ما يشغل القلب عن الإقبال على التدبر من أوهام ووساوس وحديث نفس، فتفريغ القلب من ذلك سهل يسير على من يسره الله عليه، فهؤلاء هم الذين يوليهم الله عنايته ولطفه، ومن آثار ذلك حمايتهم وحفظهم عن القواطع والعلائق والعوائق وعصمتهم من كبائر الإثم والفواحش، وحمايتهم من الشهوات الزائدة التي تُعيق سيرهم إلى ربهم، ويكون من آثار لطفه سبحانه بأوليائه هؤلاء توفيقهم وتسديدهم في الأقوال والأعمال والإقبال بقلوبهم على الطاعات والاستكثار من الصالحات، وهذه سيرة الصحابة رضوان الله عليهم ومن سار على نهجهم الذين عمروا أوقاتهم بالتعلّم والتفهم والعمل والتطبيق، وهم مع ذلك لم ينقطعوا عن الشهوات المباحة أسوةً بنبيهم صلى الله عليه وسلم الذي قال: «لكني أصوم وأفطر، وأقوم وأنام، وآكل اللحم وأتزوج النساء، فمن يرغب عن سنتي فليس مني»»[48][49].


هذا والأنس بالله منحة شريفة سنيّة لا تدركها العبارة ولا يحوطها كلام، «وكتب عامر بن عبد الله إلى بعض إخوانه: آنَسَكَ الله بنفسه. وأنشدوا:

الأُنسُ بالله لا يحويه بَطَّالُ
وليس يدركه بالحول محتالُ
الآنسُون عبادٌ كلُّهم نُجُبٌ
وكلّهم صفوةٌ لله عُمّالُ

 

وعن قتادة رحمه الله في قوله تعالى: ﴿ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَتَطۡمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكۡرِ ٱللَّهِۗ ﴾ [الرعد: 28] قال: «هشّتْ إليه وأنِسَتْ به». وفي مقام الأنس يكون التملّق والمناجاة»[50].


وذكر الشيخ إبراهيم الغياني رحمه الله في بيانه لمحنة شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وتحزّب أعدائه عليه، من علماء السوء وأمراء السوء في مصر حتى أرادوا تسفيره للإسكندرية بعيدًا عن أصحابه أملاً في أن يُقتل هناك أو يؤذى أو يُنسى، «وجاءه المشايخ التدامرة وقالوا له: كل هذا يعملونه حتى توافقهم ــ أي على بدعتهم ــ وهم عاملون على قتلك أو نفيك أو حبسك، فقال لهم: إنا إن قُتلت كانت لي شهادة، وإن نفوني كانت لي هجرة، ولو نفوني إلى قبرص لدعوت أهلها إلى الله وأجابوني[51]، وإن حبسوني كان لي معبدًا، وأنا مثل الغنمة[52] كيفما تقلّبت تقلّبت على صوف.


فلما صلينا المغرب بقي يدعو بدعاء الكرب. وأنزل الله عليه من النور والبهاء والحال شيئًا عظيمًا، وأشرت إلى المحبوسين، كأن وجهه شمعٌ يجلوه مثل العروس، حتى إذا راق الليل جاء نائب الوالي فقال: باسم الله. فبقوا يودّعونه ويبكون.. وركب على باب الحبس فقال له إنسان: يا سيدي هذا مقام الصبر. فقال: بل هذا مقام الحمد والشكر، والله إنه نازل على قلبي من الفرح والسرور شيءٌ لو قُسِمَ على أهل الشام ومصر لفضل منهم. ولو أن معي في هذا الموضع ذهبًا وأنفقته ما أدّيت عُشْرَ هذه النعمة التي أنا فيها»[53]!


ولما حبس المرة السابعة والأخيرة التي فاضت فيها روحه قال في آخر أيامه كما ذكر الحافظ ابن رجب رحمه الله: «وقد فتح الله علي في هذا الحصن[54] في هذه المرة من معاني القرآن، ومن أصول العلم بأشياء كان كثير من العلماء يتمنونها، وندمت على تضييع أكثر أوقاتي في غير معاني القرآن»[55]. ثم إنه منع من الكتابة، ولم يُترك عنده دواة ولا قلم ولا ورق، فأقبل على التلاوة والتهجد والمناجاة والذكر[56].


ثم نقل تلميذه ابن القيم رحمهما الله قوله: «سمعت شيخنا شيخ الإسلام ابن تيمية قدّس الله روحه ونوّر ضريحه يقول: إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة.


وقال لي مرة: ما يصنع أعدائي بي؟ أنا جنّتي وبستاني في صدري، أين رحت فهي معي لا تفارقني، أنا حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة.


وكان في حبسه في القلعة يقول: لو بذلت ملء هذه القلعة ذهبًا ما عدل عندي شكر هذه النعمة. أو قال: ما جزيتهم على ما تسببوا لي فيه من الخير. وكان يقول في سجوده وهو محبوس: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، ما شاء الله[57].


وقال مرة: المحبوس من حُبس قلبه عن ربّه، والمأسور من أسره هواه، ولما دخل إلى القلعة، وصار داخل سورها نظر إليه وتلا: ﴿ فَضُرِبَ بَيۡنَهُم بِسُورٖ لَّهُۥ بَابُۢ بَاطِنُهُۥ فِيهِ ٱلرَّحۡمَةُ وَظَٰهِرُهُۥ مِن قِبَلِهِ ٱلۡعَذَابُ ﴾ [الحديد: ١٣].


قال شيخنا ــ أي ابن القيم ــ: وعلم الله ما رأيتُ أحدًا أطيب عيشًا منه قط، مع ما كان فيه من الحبس والتهديد والإرجاف، وهو مع ذلك أطيب الناس عيشًا، وأشرحهم صدرًا، وأقواهم قلبًا، وأسرُّهم نفسًا، تلوح نُضرَةُ النعيم على وجهه، وكُنا إذا اشتد بنا الخوف[58] وساءت بنا الظنون، وضاقت بنا الأرض أتيناه، فما هو إلا أن نراه ونسمع كلامه فيذهب عنا ذلك كله، وينقلب انشراحًا وقوّة ويقينًا وطمأنينة[59]، فسبحان من أشهد عباده جنته قبل لقائه، وفتح لهم أبوابها في دار العمل، فأتاهم من رَوْحِها ونسيمها وطيبها ما استفرغ قواهم لطلبها، والمسابقة إليها»[60].


وسئل بعضهم: متى يذوق العبد حلاوة الأنس بالله؟ فقال: إذا صفى الود وخلصت المعاملة. قيل: فمتى يصفو الود؟ قال: إذا اجتمع الهم في الطاعة، قيل فمتى تخلص المعاملة؟ قال: إذا كان الهمّ همًّا واحدًا. قيل: فبم يُستعان على ذلك؟ قال: بالتحرّي في المكسب، فكل حلالاً وارقد حيث شئت.


قلت: يكفي في تحري الحلال وإطابة المطعم إجابة الدعوة كما قال صلى الله عليه وسلم: «يا أيها الناس، إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال تعالى: ﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَٱعۡمَلُواْ صَٰلِحًاۖ إِنِّي بِمَا تَعۡمَلُونَ عَلِيمٞ ﴾ [المؤمنون: 51]، وقال تعالى: ﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقۡنَٰكُمۡ ﴾ [البقرة: 172]، ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء: يا رب، يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك»»[61].


وقال بعض السلف: مساكين أهل الدنيا خرجوا منها وما ذاقوا ألذ ما فيها، قيل: ما ألذّ ما فيها؟ قال: الأنس بالله، والتلذذ بخطابه والوقوف بين يديه. وكما قال ذو النون المصري: «الأُنس بالله نور ساطعٌ، والأنس بالناس غمّ واقع»[62].


ومن سبل تحصيل الأنس بالله عز وجل عمارة الدين باتباع السنة وترك البدعة، كما قال بعض السلف: «ما ابتدع أحدٌ بدعة إلا خرجت حلاوة الحديث من قلبه»[63].


ومن طرق تحصيل الأنس بالله تعالى التعبد بأسماء الله وصفاته تدبرًا وتفهمًا وإحصاءً، وهذا من أعظم الأمور في لمّ شعث القلب وجمعيته على الله تعالى والأنس به سبحانه وبحمده، فتأمل معيته وقربه ومحبته وإنعامه ولطفه وجماله وألوهيته وكرمه وبره ورأفته وإحسانه ونحو ذلك يثمر الأنس به سبحانه.


وأختم حروف الأنس بالله بأن أهمس في أذن القارئ الحبيب فأقول: إذا رُمت الأنس الآن فصلّ صلاة خاشعة، وأطل سجودك، فكلما أطلته فتحت عليك من الألطاف والنعم ما تود معها ألا ترفع رأسك، خاصة إذا صليت تلك الصلاة وأنت مستعدٌ لها بقلبك وقالبك. والله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا به.



[1] معجم المقاييس لابن فارس (76).

[2] معجم التهذيب للأزهري (216)، وبعضهم يجعل ضم الهمزة لحديث النساء ومؤانستهن أي الغزل، وأن المراد بما كان على خلاف الوحشة أن تكسر الهمزة فتقول: إِنْسًا، وقد رجح ابن منظور خلاف ذلك وقال: إن الأكثر على ضمها.

قلت: وهو جادة أهل اللغة الآن، وبما أن الضم ليس بدخيل ولا مولّد، وحيث إنه المعمول به عند الناس فقد اخترته. وبالله التوفيق.

[3] لسان العرب لابن منظور (241، 242).

[4] القاموس المحيط للفيروز آبادي (79، 80).

[5] حين حبسوه في القلعة حتى مات فيها رحمه الله. وانظر: الفتاوى (3/259).

[6] شهادة كلمة الحق عند سلطان جائر، وشهادة قتله ظلمًا، وانظر: العقود الدرية، كذلك الجامع لسيرة شيخ الإسلام ففيهما من حسن السيرة ما يهول ويعجب.

[7] أي نعمة الأنس والمناجاة وحلاوة الذكر بلا شواغل وعلائق وقواطع وعوائق.

[8] وهو دعاء مأثور عن النبي صلوات الله وسلامه عليه وقد وصَّى به معاذًا وهو من أجمع الأدعية وأوفاها.

[9] أي: تلا.

[10] الوابل الصيب، ابن القيم (109ــ 112) باختصار يسير.

[11] أما اليوم فلا، بل حتى قديمًا كسحر الأعين، وهو كما قال من تقديم السمع على البصر، وقس ذلك على من فقد إحداهما.

[12] لو ذكرهما بصيغة التذكير لكان أجمل، فالروح والقلب مذكّران، وقد تُؤنَّثُ الروح، وهي لغة صحيحة.

[13] جزء من الحديث القدسي «من عادى لي وليًا» رواه البخاري (6502) بدون قوله: «فبي يسمع، وبي يبصر...»، وهذه الزيادة ضعيفة، وقد رواها الحكيم الترمذي في نوادر الأصول (1/ 265).

[14] مدارج السالكين (3/ 234ــ 244) باختصار.

[15] وهي من العابدات الصالحات، وروي عنها أقوال منكرة ولا أظنها تصح. وليت من يتفرغ لجرد الأقاويل المنكرة المنسوبة لكثير من المشاهير وينخلها نخلًا، حتى ينصح لهم وللأمة من بعدهم.

[16] عوارف المعارف (2147)، وانظر: إحياء علوم الدين (2/ 1642).

[17] الإحياء (4/ 1642)، وقد نبّه رحمه الله إلى أن بعض الناس قد يذكر مع غلبه أنسه أقوالاً غير مرتضاه، ولكنها قد تحتمل ممن أقيم مقام الأنس، وأنّى ذلك إلا بنور العلم وشعاع الوحي.

ثم قال: ومن لم يقم في ذلك المقام ويتشبه بهم في الفعل والكلام هلك به وأشرف على الكفر. (2/ 1643). قلت: ولا شك أن الأولى ترك ذلك الحمى بالكلية، فمقام المحبة والأنس لابد أن يلجم بلجام الهيبة والتعظيم والوجل حتى يستقيم المؤمن. ومن ليس له في كتاب الله ولا سنة رسوله صلى الله عليه وسلم غُنية؛ فليس له فيما سواهما غُنية.

[18] البخاري في الأدب المفرد (388) بسند صحيح.

[19] فلم تور: أي فلم تشتعل.

[20] يا حار: ترخيم حارث، وهذا في النداء، وهو للرباعي فما فوقه خاصة.

[21] الأثلات: جمع أثلة وهي شجر كبار. والشيح من نبات جزيرة العرب وورده عبق الرائحة. ومعنى أذكى: أي أقوى وأجمل رائحة. والنشر هو الرائحة الذكية. والغرض من ذكر مثل هذه الأبيات ذكر المعنى الكُلِّي للشوق والأنس لتحريك القلوب إلى الشوق الحقيقي والأنس الكامل، وإلا فالله ليس كمثله شيء، وله المثل الأعلى سبحانه وبحمده. وهذا الأسلوب مستعمل بكثرة في كتب المواعظ وهو جيد لمن يحسنه، شريطة ألا يطغى ولا يزيد ولا يصرف عن الوحي، فهو من مُلح القوم لا متينه، وبعضُ المُلح معينة على المتين الأصيل، وقد مرّ معنا.

[22] المدهش (1/ 197، 198) باختصار.

[23] ويسمى السنونو والرقيعي.

[24] الحلفاء: نبت في الماء طويل، ويكثر في المستنقعات.

[25] القِماط: اللفافة على الوليد والرضيع.

[26] بسمعه وبصره وإحاطته وولايته ونصره وتسديده للصالحين.

[27] المدهش (2/ 566ــ 569) باختصار وتصرف.

[28] تفسير السلمي (2/ 327).

[29] تفسير الشعراوي (4835) سورة الحجر، آية (98).

[30] المجالسة وجواهر العلم؛ لأبي بكر الدينوري (5/ 245).

[31] السابق (7/ 139).

[32] شعب الإيمان، البيهقي (2/ 32). ولاحظ أن اختيارنا لبعض أقوال مَن يسمّون بأهل الطريق هو عبارة عن انتخاب لما رأيناه من حكم صافية وتجارب نافعة، مع عدم تسليمنا بكل ما ينسب إليهم، والحكمة ضالة المؤمن، وهم لهم نصيب كبير من الوصايا الحسنة والحكم المُحكمة، ومعلوم أن من تجرّد وتعلّق بالله وحاول جهده سلوك السنة أن الله يفتح عليه من ألطافه جزاء حسن معاملته، حتى وإن كان لديه قصور في نواحٍ أُخر، وهل مِنَّا إلا ناقص يروم الكمال؟!

[33] الزهد الكبير، البيهقي (1/ 76).

[34] طبقات الأولياء، ابن أبي الدنيا (1/ 55)، وليحيى بن معاذ رحمه الله أقوال رائقة عميقة جليلة، منها قوله: توحيدٌ هدم ما قبله من الشرك، إني لأرجو أن يهدم ما بعده من ذنوب.

وقال: العارف يخرج من الدنيا ولا يقضي وطره من شيئين: بكاؤه على نفسه، وثناؤه على ربه.

وقال في جملة دعائه: إلهي، قد قلت: ﴿ فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى ﴾ [طه: 44] إلهي هذا رفقك بمن يقول: أنا إله، فكيف بمن يقول: أنت إلهه؟!

وقال: جميع الدنيا من أولها إلى آخرها لا تساوي غمّ ساعة، فكيف بغمّ عمرك فيها مع قليل نصيبك فيها؟!

وقال: على قدر حبك لله يحبك الخلق، وعلى قدر خوفك منه يهابك الخلق.

وقال: ليكن حظ المؤمن منك ثلاث خصال: إن لم تنفعه فلا تضره، وإن لم تسرّه فلا تغمّه، وإن لم تمدحه فلا تذمه.

وقال: من لم ينظر إلى الدقيق من الورع لم يصل إلى الجليل من العطاء.

وقال: كيف يكون زاهدًا من لا ورع له؟ تورّع عما ليس لك، ثم ازهد فيما لك.

وقال: لا تكن ممن يفضحه يوم موته ميراثه، ويوم حشره ميزانه.

وقال: حقيقة المحبة ما لا تنقص بالجفاء، ولا تزيد بالبر. توفي سنة (258هـ).

[35] المدارج (3/156).

[36] ابن ماجه، المقدمة (215)، وأحمد (12292)، والنسائي في الكبرى (7977) واللفظ لهم. وقد صححه الزرقاني في مختصر المقاصد (227) والألباني في صحيح ابن ماجه (179). وانظر: شذرات الذهب، دراسات في البلاغة القرآنية، محمود توفيق محمد سعد (1/ 107).

[37] رواه أحمد (3/ 82)، وصححه الألباني في الصحيحة (555).

[38] حاشية إعانة الطالبين، الدمياطي (1/ 267).

[39] شرح زاد المستقنع، الشنقيطي (19/29).

[40] السابق (110/8) باب الاعتكاف.

[41] السابق (134/ 6).

[42] منهاج القاصدين، المقدسي (2/ 48).

[43] متفق عليه. البخاري (16)، ومسلم (43).

[44] رواه مسلم (34).

[45] رواه أحمد والترمذي وصححه الألباني في صحيح الجامع (5435).

[46] الصفدية (2/272).

[47] رواه أبو داود (4986) وصححه الألباني.

[48] متفق عليه. البخاري (5063)، ومسلم (1401).

[49] انظر: مجلة البحوث الإسلامية (9/ 175، 176).

[50] قوت القلوب، أبو طالب المكي (2/ 104) وبعضهم يتوسع وينبسط مع الأُنس حتى يُسيء الأدب مع الله تعالى وهو يظن أن هذا من الإدلال ولم يعلم أنه من الخذلان، لذلك فلابد من حفظ مقام الهيبة والتعظيم والإجلال وإلا زلت الأقدام، كما نُقل عن شيخ الطائفة قوله في وصفهم: «وفي هذا المقام يعلم العبد أن الله عز وجل يحبه. (قلت: ومن أين له هذا العلم؟! وجوابهم: الذوق والكشف! وكم وقع أخيارٌ مِنْ دَحَضَ هذين البابين اللذين ما أنزل الله بهما من سلطان) ثم قال: ويقول العبد: بحقي عليك وبجاهي عندك، ويقول: بحبك لي، قال: وهؤلاء هم المدلّون على الله تبارك وتعالى، والمستأنسون بالله تعالى، وهم جلساءُ الله تعالى! قد رفع الحشمة بينه وبينهم (قلت: ومن أين لكم هذا؟) وزالت الوحشة بينهم وبينه، فهم يتكلمون بأشياء هي عند العامة (أي أهل الشريعة) كفر بالله.

قلت: وقد نقل عنهم في ذلك عشرات الأخبار والأقوال التي يقف شعر رأس المؤمن عند ورودها على سمعه مسبحًا ربه عما يقول الجاهلون. ثم قال مبينًا سبب تلك الأقوال المنكرة: لما قد علموا أن الله تعالى يحبهم، وأن لهم جاهًا ومنزلة (قلت: وهل هذه إلا حجة يهود!) وقد نقل ذلك عنه صاحب قوت القلوب (2/ 126).

لذلك فمن تبع ذوقه القاصر واستبصر بكشفه المخادع ورغب عن نور الوحي إلى ذينك الوهمين فلا تسل عن ضلاله. والله المستعان.

[51] وهذا من إحسانه الظن بربه عز وجل، وليس من التألّي.

[52] الغنمة: واحدة الغنم وهي لفظة مولّدة وليست فصيحة، وتطلق الغنم على الضأن والماعز إلا أنها بالثانية ألصق، ومفردها ليس من لفظها، وهو الشاة، وتطلق على واحدة الماعز والضأن.

ولعل كلامه قد رُوي بالمعنى دون حقيقة اللفظ، أو أن الياء قد سقطت من غنيمة، فالغنيمة جمع وهذا سائغ في اللغة. فإن شيخ الإسلام إمام في اللغة، وبحر لا تكدّره الدلاء. قال ابن منظور: الغنم: الشاء، لا واحد له من لفظه (اللسان 6/ 686)، وقال الفيروز: «الغنم: الشاء، لا واحد لها من لفظها، الواحدة شاة، وهو اسم مؤنث للجنس، يقع على الذكور والإناث، وعليها جميعًا». القاموس (1281).

[53] فصل في تكسير الأحجار، إبراهيم الغياني عن الجامع لسيرة شيخ الإسلام (148ــ 150) باختصار.

[54] وقد حُبس فيه ويسمى القلعة، ولا زالت آثاره باقية عند الجامع الأموي في دمشق.

[55] على أن العلماء كانوا يتعجبون من استحضاره وحسن استدلاله بالقرآن وغزارة ما يدليه به في المسائل.

[56] وقد ختم القرآن في بضعة أشهر إحدى وثمانين ختمة، في كل ثلاثة أيام ختمة، وكانت آخر آية قرأها خاتمة القمر: ﴿إِنَّ ٱلۡمُتَّقِينَ فِي جَنَّٰتٖ وَنَهَرٖ ٥٤ فِي مَقۡعَدِ صِدۡقٍ عِندَ مَلِيكٖ مُّقۡتَدِرِۭ ٥٥﴾ [القمر: ٥٤، ٥٥]. ‘ وجمعنا به ووالدينا في الجنة.

[57] أي كثيرًا.

[58] وقد سجن ابن القيم في ذات الله تعالى مع شيخه في القلعة وضرب وطِيف به في دمشق على حمار منكسًا بسبب نصره لفتيا شيخه في تحريم إنشاء السفر لزيارة القبور، وهو الحق كما في حديث: «لا تُشد الرحال...» رواه البخاري (1189) ومسلم (1397). وقد قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في بيان مناقب شيخ الإسلام: «ولو لم يكن من مناقب ابن تيمية إلا تلميذه ابن القيم لكفاه».

[59] ولله إسحاق بن أبي بكر إذ قال في شيخه ابن تيمية:

عليمٌ بأدواءِ النفوسِ يسوسُها
بحكمته فِعْلَ الطبيب المجرّب
حليمٌ كريم مشفقٌ بيد أَنّهُ
إذا لم يُطَعْ في الله للهِ يَغْضَبُ
ربيبُ المعالي يافعُ الجود والندى
وإظهارَ دينِ الله أربحَ مَكْسَبِ

[60] الذيل على طبقات الحنابلة للحافظ ابن رجب رحمه الله، عن الجامع لسيرة شيخ الإسلام (480ــ 482) باختصار.

[61] مسلم (1015).

[62] شعب الإيمان، البيهقي (1/ 375).

[63] نقله شيخ الإسلام في العقل والنقل (5/ 217).





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • الأنس بالله تعالى لأحمد بن ناصر الطيار
  • الأنس بالله تعالى (خطبة)

مختارات من الشبكة

  • حسبك الله وليا ونصيرا {والله أعلم بأعدائكم وكفى بالله وليا وكفى بالله نصيرا}(مقالة - آفاق الشريعة)
  • كيف أنسى الماضي المؤلم؟(استشارة - الاستشارات)
  • تحريم الحلف بالله تعالى كذبا(مقالة - آفاق الشريعة)
  • الأنس بالله تعالى (PDF)(كتاب - مكتبة الألوكة)
  • يغشى القلب وحشة وحزن وضيق لا يذهبه إلا الأنس بالله وطاعته(محاضرة - موقع الشيخ د. خالد بن عبدالرحمن الشايع)
  • الأنس بالله وقوله تعالى في الحديث القدسي: أنا مع عبدي حيثما ذكرني(محاضرة - موقع الشيخ د. خالد بن عبدالرحمن الشايع)
  • أهمية الاستعاذة بالله من شياطين الإنس والجن(محاضرة - موقع الشيخ عبدالرحمن بن حماد آل عمر)
  • رسالات القرآن للقلوب(مقالة - آفاق الشريعة)
  • الآيات الإنسانية المتعلقة بجلد الإنسان(مقالة - ثقافة ومعرفة)
  • الإنسان والكون بين مشهد جلال التوحيد وجمال التسخير(مقالة - آفاق الشريعة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • مسجد الأنجام يضيف صرحا إسلاميا جديدا إلى زيلينودولسك
  • شباب المسلمين في ملبورن على موعد مع مؤتمر «تحديات، مسؤوليات، تأثير»
  • بعد 129 عاما مسجد رجب التاريخي يتجدد في تتارستان
  • آلاف الأطفال يتنافسون في القرآن والمعرفة الإسلامية في أقاليم بلغاريا
  • انطلاق الدورة الـ18 من المدرسة اليومية لتعليم أساسيات الإسلام بتتارستان
  • ندوة نسائية في كاكانج تناقش بناء الأسرة على هدي القرآن والسنة
  • معلمو التربية الإسلامية في بانيا لوكا يبحثون توظيف الذكاء الاصطناعي في التعليم
  • برنامجان للتعليم الإسلامي والقرآن الكريم بعاصمة موزمبيق

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1448هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 23/3/1448هـ - الساعة: 8:22
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب