• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | مقالات شرعية   دراسات شرعية   نوازل وشبهات   منبر الجمعة   روافد   من ثمرات المواقع  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    أنتم شهداء الله في الأرض: شهادة الصالحين بشرى ...
    ياسر عبدالله محمد الحوري
  •  
    تعريف القصص القرآني
    سهام دسوقي شحاتة
  •  
    الحلم زينة العالم وسبيل السلامة
    محمد بن عبدالله العبدلي
  •  
    حديث: اللهم اهده فمال إلى أبيه فأخذه
    الشيخ عبدالقادر شيبة الحمد
  •  
    الدعاء.. مفتاح كل خير (خطبة)
    محمد موسى واصف حسين
  •  
    عام دراسي مختلف (خطبة)
    الشيخ عبدالله محمد الطوالة
  •  
    حقوق الطريق وآداب المرور (خطبة)
    الشيخ عبدالله بن محمد البصري
  •  
    تفسير: (ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا ...
    تفسير القرآن الكريم
  •  
    تخريج حديث: أيما امرأة مست فرجها فلتتوضأ (3)
    الشيخ محمد طه شعبان
  •  
    باب في اليقين
    د. خالد النجار
  •  
    إرشاد العابد إلى آداب المساجد
    د. جابر القصاص
  •  
    {واشتعل الرأس شيبا}: بين تجاوز الأمنية ومصارعة ...
    د. تيسير الغول
  •  
    حقوق الطريق.. أمانة ورحمة في واقعنا المعاصر
    محمد حسين حسن
  •  
    عاملوا الناس بأخلاقكم
    نورة سليمان عبدالله
  •  
    حديث: الخالة بمنزلة الأم
    الشيخ عبدالقادر شيبة الحمد
  •  
    تفسير سورة آل عمران الآية (15)
    يوسف بن عبدالعزيز بن عبدالرحمن السيف
شبكة الألوكة / آفاق الشريعة / مقالات شرعية / التفسير وعلوم القرآن
علامة باركود

تعريف القصص القرآني

تعريف القصص القرآني
سهام دسوقي شحاتة

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 30/8/2026 ميلادي - 18/3/1448 هجري

الزيارات: 55

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

دورة في القصص القرآني

المحاضرة الأولى: تعريف القصص القرآني

 

إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.

 

الحمد لله الذي أنزل القرآن تبيانًا لكل شيء، وجعله هدًى ونورًا، كلامه المقدس الذي تكلم به سبحانه، وقد أخبر الله تعالى عن هذا القرآن أنه يشتمل على أحسن القصص، فقال جل وعلا: ﴿ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ ﴾ [يوسف: 3].

 

والمعنى: نحن نقص عليك أيها الرسول الكريم أحسن القصص، أي: أحسن أنواع البيان وأوفاه بالغرض الذي سيق من أجله، وإنما كان قصص القرآن أحسن القصص لاشتماله على أصدق الأخبار، وأبلغ الأساليب، وأجمعها للحكم والعبر والعظات.

 

قال ابن عاشور: فلا يوجد من القصص في شيء من الكتب مثل هذا القرآن.

 

انطلاقًا من هذه المكانة الرفيعة للقصص القرآني، جاءت هذه الدورة لتستعرض فيها بإذن الله تعالى هذا القصص الحسن المبارك بأسلوب تفسيري موضوعي. وسنسير وفق المنهجية الآتية:

نستهل بأربع محاضرات تمهيدية، نتناول فيها تعريف القصص القرآني ومعانيه كما أشار إليها السلف الصالح، ونستعرض مقاصده، ونبين الفرق بينه وبين التاريخ، ونكشف أقسامه وعناصره، فضلًا عن الوقوف على أسلوب القرآن الكريم في إيراد القصص وسر التكرار فيه، ثم يلي ذلك الحديث عن قصص الأنبياء عليهم وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام، إذ نتدبر في كل قصة أبرز ما يميزها، والعبر والمواعظ المستفادة منها.

 

ونبدأ اليوم بالدرس الأول: تعريف القصص القرآني.

مدخل تمهيدي:

تأملي معي خطاب القرآن الكريم، تجدي ملكًا له الملك كله، وله الحمد كله، أزمة الأمور كلها بيده، ومصدرها منه، ومردها إليه، عالمًا بما في نفوس عبيده، مطلعًا على أسرارهم وعلانيتهم، يسمع ويرى، ويعطي ويمنع، ويثيب ويعاقب، ويميت ويحيي، ويقدر ويقضي ويدبر، لا تتحرك ذرة إلا بإذنه سبحانه، ولا تسقط ورقة إلا بعلمهِ.


فتأملي كيف يناصح عباده، فيدلهم على ما فيه سعادتهم وفلاحهم، ويحذرهم مما فيه هلاكهم، ويخبرهم بصنعه في أوليائه وأعدائه، وكيف كانت عاقبة هؤلاء وهؤلاء.

[ابن القيم، الفوائد، ص39 وما بعدها، بتصرف].

 

هذه الكلمات التي خطها ابن القيم رحمه الله ليست مجرد وصف بليغ، بل هي مفتاح نلج به إلى موضوع محاضرتنا؛ فإن القصص القرآني هو أحد أبرز الأبواب التي يطلعنا الله تعالى من خلالها على صنعه في أوليائه وأعدائه، وعلى كيف كانت عاقبة هؤلاء وهؤلاء؛ فحين نقرأ قصة نوح أو موسى عليهم السلام أو أصحاب الكهف، فإننا في الحقيقة نقرأ فصلًا من حكمة وعظمة وعدل الله عز وجل، الملك العظيم الذي يدبر الأمور، ويحكم بين عباده بعدله وحكمته.

 

وما هذا الإخبار عن الأمم الماضية عبثًا أو حشوًا، بل هو من أعظم نعم الله على هذه الأمة، كما قال الإمام ابن كثير رحمه الله في مستهل تاريخه:

كان من أعظم نعم الله على عباده وإحسانه إليهم، بعد أن خلقهم ورزقهم ويسر لهم السبيل وأنطقهم، أن أرسل رسله إليهم، وأنزل كتبه عليهم، مبينةً حلاله وحرامه، وأخباره وأحكامه، وتفصيل كل شيء في المبدأ والمعاد إلى يوم القيامة.

[ابن كثير، البداية والنهاية، ج1، ص5، بتصرف يسير].

 

فالأخبار التي أشار إليها ابن كثير، وعلى رأسها أخبار الأمم السابقة وأنبيائها، هي جزء لا ينفصل عن منهج القرآن في تربية النفوس، وتثبيت القلوب، وتقرير العقيدة؛ ولهذا، كان من المناسب أن نقف -قبل الدخول في تفاصيل القصص- عند معناه: ما هو القصص؟ وما حدوده؟ وكيف يتميز عن مجرد سرد التاريخ؟

 

أولًا: تعريف القصص في اللغة:

الاشتقاق اللغوي:

إن أول ما ينبغي أن نقف عنده، هو أصل هذه الكلمة في لغة العرب، فإن فهم المعنى اللغوي يفتح لنا بابًا لفهم المعنى الاصطلاحي والقرآني فهمًا دقيقًا؛ يقول الإمام ابن فارس رحمه الله في معجمه:

القاف والصاد أصل صحيح يدل على تتبع الشيء، من ذلك قولهم: اقتصصت الأثر، إذا تتبعته، ومن ذلك اشتقاق القصاص في الجراح، وذلك أنه يفعل به مثل فعله بالأول، فكأنه اقتص أثره، ومن الباب القصة والقصص، كل ذلك يتتبع فيذكر.

[ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، ج5، ص11].

 

فانظري كيف ربط ابن فارس بين معانٍ قد تبدو متباينةً لأول نظرة: التتبع، والقصاص في الجراح، والقصة! والرابط الجامع بينها هو التتبع، فكأن القاص يتتبع خبرًا ما، حادثةً بعد حادثة، حتى يصل بالسامع إلى تمام الصورة، كما يتتبع المقتص أثر فعل الجاني فيرد عليه مثله.

 

ويزيدنا الإمام الراغب الأصفهاني رحمه الله بيانًا وتفصيلًا، فيربط هذا الأصل اللغوي بالشواهد القرآنية مباشرةً، فيقول:

القص: تتبع الأثر، يقال: قصصت أثره، والقصص: الأثر؛ قال تعالى: ﴿ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا ﴾ [الكهف: 64]، ﴿ وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ ﴾ [القصص: 11]، والقصص: الأخبار المتتبعة، قال تعالى: ﴿ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ ﴾ [آل عمران: 62]، وقال تعالى: ﴿ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ ﴾ [يوسف: 111]، ﴿ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ ﴾ [القصص: 25]، ﴿ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ ﴾ [يوسف: 3]، ﴿ فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ ﴾ [الأعراف: 7]، ﴿ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ ﴾ [النمل: 76]، ﴿ فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ [الأعراف: 176].

[الأصفهاني، المفردات في غريب القرآن، ص671، بتصرف بالحذف].

 

تأملي معي هذا الكنز من الآيات الذي جمعه الأصفهاني، إنه يصور لنا كيف أن القرآن الكريم نفسه استخدم هذه المادة اللغوية بكل تنوعها: فالقصص أثر يتتبع، وخبر يُروى على وجهه، وحق لا يأتيه باطل، وفيه عبرة لمن كان له قلب، وبهذا يتبين لنا أن القصص في القرآن الكريم ليس مجرد حكايات بالمعنى الذي قد يفهمه بعض الناس، بل هو تتبع دقيق لآثار من سبق، ورواية صادقة لأخبارهم، يقصد منها التذكر والاتعاظ.

 

وهنا تكتمل عندنا الصورة اللغوية: فالقص تتبع، والقصص هو الأثر المتتبع، والقصة هي الخبر المروي على وجهه، ومن هذا المعنى اللغوي العام، ننتقل إلى المعنى الخاص الذي يقصده العلماء حين يتحدثون عن القصص القرآني.

 

ثانيًا: تعريف القصص القرآني في الاصطلاح:

إذا كان المعنى اللغوي للقصص هو التتبع والخبر المروي، فإن العلماء حين تناولوا القصص القرآني بالتعريف، تفاوتت عباراتهم تبعًا لما رأوه أحق بالتقديم في الحد.

 

فذهب الشيخ عبدالكريم الخطيب إلى أن لفظ القصص يطلق على ما حدث من أخبار القرون الأولى، في مجالات الرسالات السماوية، وما كان يقع في محيطها من صراع بين قوى الحق والضلال، وبين مواكب النور وجحافل الظلام، وهذا التعريف يركز على الجانب الصراعي بين الحق والباطل، وهو جانب بارز حقًّا في كثير من القصص القرآني، إلا أنه -على أهميته- وصف لسمة من سمات القصص، لا حد جامع لحقيقته.

 

وهنا يأتي رأي المفسر الكبير ابن عاشور رحمه الله ليضيف قيدًا مهمًّا في باب التحديد، فهو يرى أن ما في القرآن الكريم من ذكر الأحوال الحاضرة زمن نزوله لا يعد قصصًا قرآنيًّا، كذكر أحوال المسلمين مع عدوهم، يقول رحمه الله:

والقصة: الخبر عن حادثة غائبة عن المخبر بها، فليس ما في القرآن من ذكر الأحوال الحاضرة في زمن نزوله قصصًا، مثل ذكر وقائع المسلمين مع عدوهم.

[ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج1، ص64].

 

فالقصة -عند ابن عاشور- لا بد أن تكون عن أمر ماضٍ غائب، وليس عن واقع حاضر يعيشه المخاطبون ويشهدونه بأعينهم، وهذا قيد دقيق يضبط موضوع القصص، ويميزه عما سواه من آيات القرآن الكريم المتعلقة بالواقع المعاصر للتنزيلِ.


وبعد هذين القولين -وكلاهما محرر لجانب من الحقيقة- نجد الدكتور مناع القطان رحمه الله قد صاغ تعريفًا جامعًا، يضم إلى معنى الصراع بين الحق والباطل عند الخطيب، وقيد الغيبة عن الحاضر عند ابن عاشور، في عبارة محررة موجزة، إذ يقول:

قصص القرآن الكريم: أخباره عن أحوال الأمم الماضية، والنبوات السابقة، والحوادث الواقعة، وقد اشتمل القرآن على كثير من وقائع الماضي، وتاريخ الأمم، وذكر البلاد والديار، وتتبع آثار كل قوم، وحكى عنهم صورةً ناطقةً لما كانوا عليه.

[القطان، مباحث في علوم القرآن، ص315 وما بعدها].

 

وهذا التعريف -في نظري- هو الأولى بالاعتماد والترجيح في هذا الباب؛ وذلك لثلاثة أوجه:

الوجه الأول: أنه تعريف جامع، لم يقتصر على جانب واحد من جوانب القصص، بل أدخل فيه ثلاثة متعلقات: أحوال الأمم، والنبوات، والحوادث الواقعة، فشمل بذلك أنواع القصص الثلاثة التي سنفصلها في الدرس الثالث.

 

الوجه الثاني: أنه تعريف منضبط، فلفظة الماضية والسابقة فيه تتوافق مع قيد ابن عاشور في كون القصة خبرًا عن غائب، فلا يدخل فيه ما هو من أحوال الحاضر المعاصر للتنزيل.

 

الوجه الثالث: أنه تعريف مرتبط بأثره، فلم يقف عند حد التعريف النظري، بل وصله مباشرةً ببيان ما اشتمل عليه هذا القصص من وقائع وتاريخ وصور ناطقة، وهذا يمهد تمهيدًا طبيعيًّا للمبحث التالي: علاقة القصص القرآني بالتاريخ.

 

فنعتمد -إذًا- تعريف القطان تعريفًا اصطلاحيًّا للقصص القرآني في هذه الدورة، على أن يبقى ما ذكره الخطيب وابن عاشور حاضرًا في الذهن، باعتبارهما قيدين مكملين لا متعارضين مع هذا التعريف الجامع.

 

ثالثًا: علاقة القصص القرآني بالتاريخ:

وهنا يبرز سؤال مهم: إذا كان القصص القرآني -كما رجحنا- إخبارًا عن أحوال الأمم الماضية، وتاريخ الأمم، فهل هو -إذًا- تاريخ بالمعنى المتعارف عليه عند أهل هذا الفن؟

 

1. قيمة التاريخ:

لنبدأ بفهم قيمة التاريخ نفسه عند أهل العلم، فإن في ذلك مدخلًا لفهم خصوصية القصص القرآني؛ يقول الإمام ابن خلدون رحمه الله في مقدمته الشهيرة:

اعلم أن فن التأريخ فن عزيز المذهب، جم الفوائد، شريف الغاية؛ إذ هو يوقفنا على أحوال الماضين من الأمم في أخلاقهم، والأنبياء في سيرهم، والملوك في دولهم وسياستهم.

[ابن خلدون، المقدمة، ج1، ص13، بتصرف بالحذف].

 

فالتاريخ -عند ابن خلدون- عزيز المذهب، جم الفوائد، شريف الغاية، لأنه يفتح لنا أبواب الاقتداء والاعتبار بأحوال من سبق، فإذا كان هذا شأن التاريخ بصفة عامة، عند من يكتبه البشر بجهدهم وتحريهم، فكيف بتاريخ كتبه رب العالمين، وأخبر به نبيه الأمين؟

 

2. خصوصية القصص القرآني: شهادة لا تتبع:

هنا يأتي كلام الإمام ابن كثير رحمه الله ليكشف لنا عن هذه الخصوصية، فيقول:

قال الله تعالى في كتابه: ﴿ كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا ﴾ [طه: 99]، وقد قص الله على نبيه صلى الله عليه وسلم خبر ما مضى: من خلق المخلوقات، وذكر الأمم الماضين، وكيف فعل بأوليائه، وماذا أحل بأعدائه، وبين ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته بيانًا شافيًا.

[ابن كثير، البداية والنهاية، ج1، ص7].

 

فهذا البيان الشافي الذي وصفه ابن كثير، هو الفارق الجوهري بين القصص القرآني والتاريخ البشري؛ فالتاريخ البشري يتطلب -كما قال ابن خلدون- مآخذ متعددةً وحسن نظر وتثبتٍ، وهذا يعني أنه عرضة للخطأ والنقص، أما القصص القرآني فهو خبر من لدن حكيم خبير، لا يحتاج إلى تحرٍّ من جهة صدقه، بل هو الحق المحض.

 

ولهذه الخصوصية عبر الشيخ عبدالكريم الخطيب رحمه الله تعبيرًا بديعًا، فرق فيه بين منهج القرآن ومنهج القصاص من البشر، فقال:

هذا القصص ليس على شاكلة ما يرويه القصاص من أخبار الماضين، فهم يتتبعون آثارها، إذ لم يكونوا من شهودها... أما هذا القصص، فهو من شهود علم الله، ماضيًا، وحاضرًا، ومستقبلًا... وإنما سميَ قصصًا بالنسبة لمن يتلقونه، بعد أن مضى الزمن به.

[عبدالكريم الخطيب، التفسير القرآني للقرآن، ج6، ص1234 وما بعدها].

 

فالقصاص من البشر يتتبعون آثارًا لأحداث غابت عنهم، فهم يجمعون الروايات، وقد يصيبون وقد يخطئون، أما الله سبحانه، فليس الأمر عنده تتبعًا لشيء غاب عنه، بل هو شهود علم محيط بكل شيء: ماضيه وحاضره ومستقبله، وإنما سمي قصصًا لأن الزمن مضى به بالنسبة لنا نحن المتلقين، لا لأنه غاب عن علم من أخبر به سبحانه.

 

3. الدليل الحسي على دقة القصص القرآني: حتى الأرقام:

ولكي ينتقل هذا الكلام النظري إلى مستوًى يلمسه العقل والحس معًا، يذكر الإمام محمد عبدالله دراز رحمه الله مثالًا عجيبًا، فيقول:

إن هذه النتف اليسيرة من أخبار الأمم الماضية قلما تعزب عن أحد من أهل البدو أو الحضر؛ لأنها مما توارثته الأجيال، وإنما الشأن في تلك التفاصيل الدقيقة، والكنوز المدفونة في بطون الكتب، وإنك لتجد الصحيح المفيد من هذه الأخبار محررًا في القرآن.

 

حتى الأرقام... طبق الأرقام: فترى مثلًا في قصة نوح عليه السلام في القرآن أنه لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا، وفي سفر التكوين من التوراة أنه عاش تسعمائة وخمسين سنةً، وترى في قصة أصحاب الكهف عند أهل الكتاب أنهم لبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنة شمسية، وفي القرآن أنهم لبثوا فيه ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعًا، وهذه السنون التسع هي فرق ما بين عدد السنين الشمسية والقمرية، يعني بتكميل الكسر، فانظر إلى هذا الحساب الدقيق في أمة أمية لا تكتب ولا تحسب.

[محمد عبدالله دراز، النبأ العظيم، ص65 وما بعدها، بتصرف بالحذف].

 

تأملي -أيتها المستمعة الكريمة- في هذا الاستدلال البديع! فحين يذكر القرآن ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعًا بدل ثلاثمائة سنة شمسية كما في كتب أهل الكتاب، فإن هذا الفارق الدقيق لا يمكن أن يصدر عن أمة أمية لا تكتب ولا تحسب، إلا أن يكون وحيًا من عند الله تعالى.


وبهذا يتبين الفرق الجوهري بين القصص القرآني والتاريخ بمعناه الاصطلاحي: فالتاريخ -وإن كان جم الفوائد- يبقى عرضةً للنقص والخطأ، لأنه نتاج جهد بشري يتتبع آثارًا غابت عنه، أما القصص القرآني، فهو شهود علم لا تتبع أثر، ولذلك كان أحسن القصص، محفوظًا بحفظ الله، دقيقًا في تفاصيله ولو كانت أرقامًا.


خاتمة المحاضرة:

وبعد هذه الوقفات اللغوية والاصطلاحية، والمقارنة بين القصص القرآني والتاريخ، نخرج بحقيقة جلية: أن القصص القرآني ليس سردًا تاريخيًّا يراد لذاته، ولا حكايات تروى للتسلية، بل هو -كما رأينا في كلام ابن القيم في مطلع هذه المحاضرة- جزء من خطاب الملك الذي يدبر الأمور سبحانه وتعالى، ويخبر عباده بصنعه في أوليائه وأعدائه.

 

ولذلك، فإن كل قصة سنتناولها -بإذن الله- في هذه الدورة، ينبغي أن نقرأها ونحن نستحضر هذا المعنى: أنها خبر صادق من عند الله، فيه عبرة وعظة، يستفيد منها من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، وفي هذا المعنى يقول الإمام الشافعي رحمه الله كلمةً جامعةً: فليست تنزل بأحد من أهل دين الله نازلة، إلا وفي كتاب الله الدليل على سبيل الهدى فيها.

[الشافعي، الرسالة، ص20].

 

فكما أن في كتاب الله الدليل على سبيل الهدى في كل نازلة، فإن في قصصه -أيضًا- الهدى والعبرة لكل من تأمل وتدبر، وهذا ما سنفصله -بإذن الله- في الدرس القادم، حين نتناول مقاصد القصص القرآني وأهدافه التربوية والعقدية.


هذا ما تيسر لنا في هذا الدرس، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

 

واعلموا أن قصص القرآن الكريم ليست حكاياتٍ تتلى للتسلية أو الترفيه، بل هي دروس وعبر ومواعظ، تبني القلوب، وتصلح الأعمال، وتثبت الإيمان في النفوس.

 

اللهم اجعل هذا العلم حجةً لنا لا علينا، وانفعنا بما سمعنا، وارزقنا العمل بما علمنا، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.

 

اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

 

نلقاكم -إن شاء الله تعالى- في الدرس القادم، مع محاضرة جديدة من قصص القرآن المباركة، نسأل الله أن يجعله لقاءً مباركًا.





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • القصص القرآني
  • كتب علوم القرآن والتفسير (5) القصص القرآني
  • القصص القرآني عبرة وتربية
  • مظاهر العظمة في القصص القرآني
  • مقاصد القصص القرآني
  • القصص القرآني: عبر ودروس

مختارات من الشبكة

  • فقه الأولويات في القصص القرآني (خطبة)(مقالة - موقع د. محمود بن أحمد الدوسري)
  • خمسون سرا من أسرار القصص القرآني (PDF)(كتاب - مكتبة الألوكة)
  • التعريف بطائفة من المصطلحات والألفاظ التي استخدمها نخبة من المفسرين؛ لتفسيرهم النص القرآني الكريم (PDF)(كتاب - مكتبة الألوكة)
  • أثر دلالة السياق القرآني في توجيه معنى المتشابه اللفظي في القصص القرآني(رسالة علمية - مكتبة الألوكة)
  • مشروعية السرد القرآني(مقالة - آفاق الشريعة)
  • لماذا تغير التعبير القرآني؟ وقفة تأملية: هل سوى القرآن بين قذف المحصنات ورمي الزوجات؟(مقالة - آفاق الشريعة)
  • التفسير القرآني بين الانضباط المنهجي والانفلات الحداثي(مقالة - آفاق الشريعة)
  • أمانة الحرف القرآني: مخارج الحروف توقيفية لا اجتهادية(مقالة - آفاق الشريعة)
  • تعيين تعلق الظرف والجار والمجرور وأثره في تحديد بؤرة النص القرآني (PDF)(كتاب - مكتبة الألوكة)
  • أثر الهَدْي القرآني في حماية المُستهلك (ملخص)(مقالة - آفاق الشريعة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • آلاف الأطفال يتنافسون في القرآن والمعرفة الإسلامية في أقاليم بلغاريا
  • انطلاق الدورة الـ18 من المدرسة اليومية لتعليم أساسيات الإسلام بتتارستان
  • ندوة نسائية في كاكانج تناقش بناء الأسرة على هدي القرآن والسنة
  • معلمو التربية الإسلامية في بانيا لوكا يبحثون توظيف الذكاء الاصطناعي في التعليم
  • برنامجان للتعليم الإسلامي والقرآن الكريم بعاصمة موزمبيق
  • أطفال قرية ميدوفيتس يختمون القرآن الكريم للمرة الأولى
  • ندوة أكاديمية عن أساسيات الدعم الديني والنفسي في عمل الأئمة
  • مسابقة أدبية بعنوان "الرسول يلهمنا" في مدينة زينيتسا

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1448هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 18/3/1448هـ - الساعة: 12:41
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب