• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | مقالات شرعية   دراسات شرعية   نوازل وشبهات   منبر الجمعة   روافد   من ثمرات المواقع  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    شهر صفر
    نورة سليمان عبدالله
  •  
    دواعي الصدق وحذر السلف ضده
    إبراهيم الدميجي
  •  
    تفسير سورة آل عمران الآيات (5-6)
    يوسف بن عبدالعزيز بن عبدالرحمن السيف
  •  
    آيات الله في أحداث عام 1447هـ (خطبة)
    د. مراد باخريصة
  •  
    حديث عمر أنه كتب إلى أمراء الأجناد في رجال غابوا ...
    الشيخ عبدالقادر شيبة الحمد
  •  
    التوكل على الله – سر القوة والطمأنينة
    د. أمير بن محمد المدري
  •  
    إبادة المجتمع (خطبة)
    محمد حسين حسن
  •  
    "حتى لا يعقروا ضروع مواشيهم إذا حلبوها" (خطبة)
    د. محمد جمعة الحلبوسي
  •  
    الصدق مع الله (خطبة)
    عبدالله بن إبراهيم الحضريتي
  •  
    التحذير من الرؤيا المكذوبة على المصطفى صلى الله ...
    الشيخ محمد بن عبدالله السبيل
  •  
    الثقة بالله وثمارها المبهرة (خطبة)
    الشيخ الدكتور صالح بن مقبل العصيمي ...
  •  
    عزة الإيمان (خطبة)
    الدكتور علي بن عبدالعزيز الشبل
  •  
    مراقبة الله تجعل الإنسان لا يدخل جوفه إلا الحلال
    الشيخ ندا أبو أحمد
  •  
    ماذا يحصل عندما يتعلق القلب بالله؟ (خطبة)
    ياسر عبدالله محمد الحوري
  •  
    باب في الاستسقاء
    د. خالد النجار
  •  
    خطبة: الفساد في الأرض
    أ. د. حسن بن محمد بن علي شبالة
شبكة الألوكة / آفاق الشريعة / منبر الجمعة / الخطب / الأسرة والمجتمع / قضايا المجتمع / في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
علامة باركود

إبادة المجتمع (خطبة)

إبادة المجتمع (خطبة)
محمد حسين حسن

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 8/8/2026 ميلادي - 25/2/1448 هجري

الزيارات: 44

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

إبادة المجتمع

 

الحمد لله الذي بنى الكون على العدل، وجعل الفساد مفتاح الزوال، والصلاة والسلام على نبينا محمد، الذي أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين؛ أما بعد:

فأوصيكم ونفسي أولًا بتقوى الله عز وجل، واعلموا أن أفضل ما يتزود به المسلم في حياته، وأعظم ما ينجيه في مماته، هو العلم بسنن الله في الخلق، وفهم كيف تقوم المجتمعات، وكيف تسوق نفسها إلى حفرة الهلاك بأيديها قبل أن تُصاب بسيف العدو.

 

أيها المؤمنون، إن المجتمع في نظر الإسلام ليس مجرد تجمع عشوائي من البشر، يتناحرون على اللقمة والجاه، بل هو كالبنيان المرصوص، يشد بعضه بعضًا، فإذا تفكك الإسمنت الذي يربطه، وهو الإيمان والأخلاق، تهاوى البنيان على من فيه، وقد أخبرنا ربنا في كتابه المبين بحقيقة مُرة، ينبغي أن تستنقذ الصحو من غفلتنا، حيث قال تعالى: ﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾ [الروم: 41]، فالفساد هو الأب الأكبر للإبادة، وإنما يذيق الله العباد بعض الجزاء في الدنيا كي يستيقظوا قبل أن يحين الفوات.

 

وما أهلك الله من قرية قط إلا وقد ترسخت فيها عادات الإبادة قبل وقوعها، فلما استحكم الفساد في ضمائرها، وطغى المنكر على شوارعها، وقطعت أرحامها، وظلم قويها ضعيفها، جاءها بأسنا بياتًا أو هم قائلون، وسنقف معكم في هذه الجمعة على خمس ظواهر مرضية، هي الباب الأعظم لإبادة أي مجتمع، ثم على أربعة أدوية نبوية، هي الباب الأوحد للنجاة والخلاص، أسأل الله أن يوفقنا للاتعاظ والتطبيق.

 

المحور الأول: خمس آفات تقود إلى الإبادة:

أولًا: انتشار الظلم والطغيان وأكل الحقوق:

إن الظلم يا عباد الله داء عضال، وإنه لو كان مجرد إساءة بين الفرد والفرد لكان أمره هينًا، لكنه يولِّد حقدًا في القلوب، وينشر الخوف في النفوس، ويُقتل بسببه الأبرياء، وتنتهك الحرمات؛ وقد حذرنا النبي صلى الله عليه وسلم أشد التحذير حيث قال في الحديث القدسي: ((يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرمًا، فلا تظالموا))؛ [رواه مسلم]، فإذا أصبح الظالم يكرم في المجتمع، والمظلوم يهان، وأغلقت أبواب العدل بين الناس في تجاراتهم وجيرانهم، فاعلموا أن السماء قد أمسكت بركتها، والأرض قد أخفت خيرها، وتهيئة الهلاك قد بدأت، تأملوا قوم عاد، كيف علوا في الأرض بالجبروت، وبغوا على أنبيائهم، فما كان جزاؤهم إلا الريح العقيم التي دمرتهم تدميرًا، وقال تعالى في محكم التنزيل: ﴿ وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا ﴾ [الكهف: 59]، فليحذر الناس من ظلم بعضهم بعضًا في الموازين، والحيازة، والمعاملات، فما أخذه شخص من حق أخيه بالجور، فإنما يشتري به حسرات وويلات يوم لا تنفعه دنياه.

 

ثانيًا: استشراء الفواحش وانتشار المخدرات:

إن المجتمع الذي يستبيح الفواحش يكون قد خلع رِبقة الإيمان من عنقه، لأن الإيمان يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، وإذا صارت الفاحشة متداولةً بين الناس، وساء الظن بأهل الخير، وصار المتلاعبون بالأعراض يلونون بالألقاب البراقة، حلَّ غضب الله جل جلاله، وعجل لهم العقاب في الدنيا قبل الآخرة؛ قال صلى الله عليه وسلم في حديث يزف البشرى لمن يتعظ: ((لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم))؛ [رواه ابن ماجه]، ومن أعظم الفواحش اليوم، تعاطي المسكرات والمخدرات التي تهدم العقول، وتفتت الأسر، وتضيع الأموال في غير منفعة، وتسهل ارتكاب كل جريمة، لأن صاحبها قد فقد وازن التمييز بين الحلال والحرام، ومعلوم بالضرورة أن أمةً تعاطى أبناؤها المسكرات، وانشغلوا بملاحقة الشهوات، تصبح فريسةً سهلةً للزوال، لأن همتها قد تحولت من عمارة الأرض إلى تخريب أبدانها.

 

ثالثًا: قطيعة الأرحام وتفكك النسيج الأسري:

لم يبنِ الإسلام مجتمع الحياة على الفردية المطلقة، بل بناه على الأسرة، وشد أوثاقها بحبل الرحم الوثيق، ثم وسع دائرتها إلى الجيران والأقارب، حتى تتكامل المودة والرحمة، فإذا نكست هذه القيم، وأصبح الولد لا يعرف حق والديه، والأب لا يسأل عن أولاده، وقطعت حبال الإخوة خلافًا على ميراث أو حسدًا على نعمة، فقد ضعف الجسد الاجتماعي وأصيب بالوهن، واعلموا أن الرحم ليست مجرد صلة دنيوية، بل هي معقودة بالعرش، تمد أصابعها نحو الرحمن، تستمد منه البقاء والفلاح لأهل الوصل، وتنتقم بالقطع والحرمان من أهل الفساد؛ قال تعالى واعظًا ومحذرًا: ﴿ فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ ﴾ [محمد: 22، 23]، فالقطيعة ليست ذنبًا صغيرًا يغتفر، بل هي سبب للطرد من رحمة الله وسلب البصيرة، وإذا فُقدت البصيرة في مجتمع، صار الناس يتلاعبون بمصيرهم كالعميان في الوحل، وكانت الإبادة عندئذٍ مسألة وقت لا محالة.

 

رابعًا: ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإعراض عن النصح:

هذه آفة خفية، بل إنها أخطر الآفات، لأنها تدل على موت الضمير الجماعي، حيث يصير الناس كالجيف المنتنة لا يغترب بعضها عن بعض، بل يألفون المنكر، ويقشعرون من المعروف كأنه أمر غريب، وإن أعظم ما يسقط الأمم هو أن يرى الفاجر منكره ولا أحد يغيره، ويرى الظالم ظلمه ولا أحد ينكره، فيطغى ويزداد استكبارًا، حتى إذا جاء العذاب عم الأبرياء مع المذنبين؛ وفي صحيح البخاري، عن زينب بنت جحش رضي الله عنها، أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها فزعًا، وقال: ((لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب، فُتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه، وحلق بأصبعه، فقلت: يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم، إذا كثر الخبث))؛ [متفق عليه]، فالخبث لا يكثر فجأةً، بل بتراكم السكوت عليه، فكل تاجر يسكت عن غش جاره، وكل جار يسكت عن إيذاء جيرانه، وكل معلم يغضي عن فساد تلاميذه، يكون قد رسم خطوط الإبادة بيده مع جماعة الخبث، ولا يعده نفعه أنه ناجٍ بنفسه من العقوبة العامة، فإن سفينة المجتمع إذا غرقت غرق الركاب كلهم أبرارهم وفجَّارهم.

 

خامسًا: التفاخر بالدنيا والغفلة عن الآخرة:

إذا استبدل المجتمع بحياة القلب حياة البطن، وصار مقياس التفاضل عندهم هو كثرة الأموال والعقارات، واستبدلوا القرآن بالألحان، والمساجد بالأندية الريانة، ونسوا يوم الفزع الأكبر، فقد أعدموا الحافز الأقوى على الإصلاح، والغفلة آكلة الإيمان، تحول الناس إلى حيوانات تأكل وتشرب ولا تعقل عواقب الأمور، وما أهلك الله الأمم إلا حين اشتغلوا بزينة الدنيا، وفاخروا بها، كما فعل قارون حين قال: ﴿ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي ﴾ [القصص: 78]، وكما فعل أصحاب الجنة حين آلوا أن يصرموها مصبحين، ولا يستثنوا، فأتاها بأس الله ليلًا وهم نائمون، فأصبحت كالصريم؛ وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم محذرًا من تسلط الدنيا على القلب: ((إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها، فينظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء))؛ [رواه مسلم]، فالغفلة تسقط الخشية من القلوب، فإذا سقطت الخشية، حل في المجتمع الأمن الزائف، ويأتيه البأس من حيث لا يشعر، كما أتى بني إسرائيل وهم في غفلتهم وتنعمهم.

 

أيها الإخوة المؤمنون، هذه خمس لدغات الحية تقتل المجتمع من داخله، وتجعله كالنخلة الخاوية تسقط عند أول هبة ريح، ولكن رحمة الله واسعة، وباب التوبة مفتوح، والأدوية النبوية حاضرة لمن يشتفي، فانتبهوا إلى المحور الثاني الذي سيبين لنا كيف نخرج من الظلمات إلى النور، ونعيد البركة إلى أرضنا وأنفسنا.

 

الخطبة الثانية

الحمد لله على نعمة العقل، والشكر له على نعمة الشرع، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونتوب إليه من جميع الزلات، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله، بعثه بالبينات والهدى، ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، وصلى الله عليه وسلم تسليمًا كثيرًا؛ أما بعد:

فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وسنوضح الآن أربعة علاجات يضعها الطبيب الرحيم محمد صلى الله عليه وسلم لتعالج الآفات الخمس.

 

المحور الثاني: أربع سبل للنجاة والإصلاح:

أولًا: التوبة النصوح والرجوع إلى الجادة الإيمانية:

لا يصلح ما فسد من الخارج إلا بصلاح ما في الداخل، ولا يصلح ما في الداخل إلا بالرجوع الأول إلى فطرة الله التي فطر الناس عليها، والرجوع الثاني إلى النبي صلى الله عليه وسلم تلقيًا لشرعه، والتخلي عن كل ما يغضب الجبار ويبعد عن مرضاته، فلو أصبح الناس في كل بيت يقيمون الصلاة، ويتلون القرآن، ويتذكرون أولى الآخرة، لطهرت قلوبهم من الحقد والحسد، وامتلأت بالطمأنينة، إن التوبة ليست كلمةً تُقال باللسان، بل هي إقلاع عن الذنب في الحال، وندم على ما مضى، وعزيمة على عدم العودة، مع رد المظالم إلى أهلها وإن كانت شاقةً؛ وقال تعالى مبشرًا الصادقين في توبتهم: ﴿ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [النور: 31]، فالفلاح موعود، وإن كانت آثار الفساد قد استحكمت، وإذا تاب الفرد تاب معه البيت، وإذا تاب البيت تاب معه الحي، وإذا تاب الحي عمَّ بالنجاة المجتمع كله.

 

ثانيًا: تجفيف منابع الفساد بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في المحيط الصغير:

قبل أن نصلح العالم، ينبغي أن نصلح من نستطيع حولنا؛ أبناءنا في البيت، إخواننا في المسجد، زملاءنا في العمل، فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مراتب، أعلاها اليد، وأدناها القلب، ولا يسقط عن المسلم شيء منها ما دام حيًّا، فمن عجز عن التغيير بيده، فلينكر بلسانه بكلمة حق عند سلطان جائر، أو عند جار مذنب، على ألَّا يكون نهيه أشد ضررًا من المنكر نفسه، ومن عجز عن اللسان فليغير بقلبه، أي يكره المنكر كراهيةً شديدةً، ولا يرضى به، فهذا الإنكار القلبي هو الحاجز الأخير بين المجتمع وبين الهلاك، فإذا زال، تساقطت الحواجز كلها؛ قال صلى الله عليه وسلم: ((من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان))؛ [رواه مسلم]، وإذا تضافرت هذه العزائم الفردية، صار المجتمع كحائط حصين لا يتسرب إليه المنكر بلا رادع، فتنتفي الإبادة من جذورها.

 

ثالثًا: إصلاح الأسرة وإعادة الرحم إلى حكمها الشرعي:

أي علاج يطبق على المجتمع، بينما الأسرة مهشمة والأرحام منقطعة، سيكون علامةً سطحيةً لا جدوى منها، فالواجب أن نبدأ بتلحيم الفرقة بين الأزواج، وإشباع العاطفة بين الآباء والأبناء، وإلزام كل واحد منا نفسه بصلة رحمه حتى لو كانت باغيةً أو مقصرةً، فصلته لها ليست مكافأةً على إحسانها، بل تطهيرًا لنفسه، واستجلابًا لرحمة ربه؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي: ((أنا الرحمن، وهي الرحم، شققت لها من اسمي، فمن وصلها وصلته، ومن قطعها بتته))؛ [رواه البخاري]، ومعنى بتته، أي قطعت مودتي ورحمتي عنه، وجفوته، فلنصلح العلاقات الأسرية بالصفح والتسامح، ولنُزل الخلافات العائلية بالحكمة، ولنربِّ أبناءنا على حب القرابة وزيارة الأقارب، حتى يعود الجسد الاجتماعي قويًّا بأعضائه المتلاحمة، التي يشد بعضها بعضًا فلا يهوي إلى الإبادة أبدًا.

 

رابعًا: نشر التكافل والرحمة بين الأغنياء والفقراء:

إن من أعظم أسباب استقرار المجتمع، وتصديه لعواصف الهلاك، أن يشعر الغني بحاجة الفقير، ويشعر القوي بضعف الضعيف، فليس المال ملكًا خالصًا لأصحابه، بل فيه حق معلوم للسائل والمحروم، ومن منعه كان قد منع قوت إخوانه، وأغلق باب الخير في وجهه، وأوجب عليه دعوة المظلومين التي لا ترد، والتكافل ليس منحصرًا في الزكاة الواجبة فقط، بل هو في الصدقة السرية، وفي التفرس في حاجات الجيران، وفي تفريج كربات المعسرين، وفي توفير فرص العمل للعاطلين، فإذا عمَّ الإخاء وتراحم الناس، رفع الله عنهم البلاء، ودرأ عنهم الإبادة، كما وعد سبحانه في قوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ﴾ [الأعراف: 96]، فالإيمان والتقوى يفتحان البركة، والرحمة والتكافل يسدان طريق الهلاك، ويجعلان المجتمع قلعةً منيعةً، وإن تكالبت عليه الأعداء من كل جانب، فإن الله يدافع عن الذين آمنوا، وإذا كان الله مع المجتمع، فلا إبادة عليه.

 

الخاتمة والدعاء:

أيها الإخوة المسلمون، الإفلاح لا يستقيم بغير صبر، والإصلاح لا يأتي بليلة، وإنما يبنى حجرًا حجرًا، وتوبةً توبةً، وصلةً صلةً، فما أنتم بفاعلين مع الجماعة إلا بما تبدؤون به مع أنفسكم، فلينوِ كل واحد منكم اليوم، بعد هذه الخطبة، أن يرجع إلى بيته وقلبه مشرق بقرار جديد: سأكف ظلمي عن الآخرين ولو كان بكلمة، سأصل قرابتي التي هجرتها، سآمر أهلي بالخير، سأتصدق ولو بشق تمرة، سأتوب إلى ربي توبةً لا أعود بعدها إلى ما يسخطه.

 

فتذكروا سنة الله في الأمم، فهل أهلك الله أمةً إلا بعد أن حذرها، وأزاح عللها، وأقام عليها الحجة بلسان رسله، فلما أصروا على الفساد جاءهم ما كانوا يوعدون، فاليوم، أنتم توعظون وتنذرون، لكي لا تكون لكم حجة بعد اليوم، إنها الدنيا تمر، والآخرة هي البقاء، فمن بذر الخير حصد السلامة، ومن بذر الفساد حصد الندامة.

 

ثم اعلموا أن الله أمركم بالصلاة على نبيه، فقال جل من قائل: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [الأحزاب: 56]، اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد.

 

اللهم إنا نعوذ بك من زوال نعمتك، وتحول عافيتك، وفجاءة نقمتك، وجميع سخطك، اللهم احفظ أمننا، واسقنا الغيث، وارزقنا القناعة، وألف بين قلوبنا، وأصلح ذات بيننا، واهدنا سبل السلام، وأخرجنا من الظلمات إلى النور، وجنبنا الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وبارك لنا في أزواجنا وذرياتنا، وتقبل توبتنا، إنك أنت التواب الرحيم، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، واحقن دماءنا، واجمع كلمتنا على الحق، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك فينا ولا يرحمنا، ربنا آتنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرة حسنةً، وقنا عذاب النار، وأدخلنا الجنة مع الأبرار يا كريم.

 

سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، وقوموا إلى صلاتكم رحمكم الله.





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • نصرة النبي على مستوى المجتمع (خطبة)
  • أضحية العيد بين مقاصد الشريعة وإكراهات المجتمع (خطبة)
  • سوء الظن وخطره على الفرد والمجتمع (خطبة)
  • حب الفاحشة ونشرها، وخطر ذلك على المجتمع (خطبة)
  • العلم رفعة للفرد والمجتمع (خطبة)
  • أثر الذنوب والمعاصي على الفرد والمجتمع (خطبة)
  • العلم عبادة ورسالة لبناء الإنسان والمجتمع (خطبة)

مختارات من الشبكة

  • خطبة: إصلاح المجتمع، أهميته ومعالمه(مقالة - آفاق الشريعة)
  • سوء الظن وآثاره على المجتمع المسلم (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • الجشع، داء ينخر المجتمعات ويمحق البركات (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • كيف تكون إيجابيا في مجتمعك (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • آيات الله في أحداث عام 1447هـ (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • "حتى لا يعقروا ضروع مواشيهم إذا حلبوها" (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • الصدق مع الله (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • الثقة بالله وثمارها المبهرة (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • عزة الإيمان (خطبة)(مقالة - موقع د. علي بن عبدالعزيز الشبل)
  • ماذا يحصل عندما يتعلق القلب بالله؟ (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • اختتام منافسات قرآنية متميزة في بنغلاديش بمشاركة 3000 متسابق
  • أكثر من 400 طالب يشاركون في مسابقة المعلومات الإسلامية بأستراليا
  • افتتاح تاريخي لأول مسجد في بلييفليا بالجبل الأسود منذ أكثر من قرن
  • منطقة ريبوفسي تحتفل بميلاد مسجد جديد في أجواء إيمانية مميزة
  • أكبر مشروع إسلامي في ريف أستراليا يفتتح أبوابه بعد سنوات من العمل والعطاء
  • القرآن والتربية في صدارة البرامج الصيفية للمسلمين في بينزا وساراتوف وموردوفيا هذا العام
  • اختتام الدورة التاسعة لمسابقة حفظ وتلاوة القرآن الكريم في أزناكاييف
  • تيسليتش تختتم برنامجا تعليميا لتعزيز القيم وبناء الشخصية للشباب المسلمين

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1448هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 24/2/1448هـ - الساعة: 8:21
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب