• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | مقالات شرعية   دراسات شرعية   نوازل وشبهات   منبر الجمعة   روافد   من ثمرات المواقع  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    حديث: في الرجل لا يجد ما ينفق على أهله قال: يفرق ...
    الشيخ عبدالقادر شيبة الحمد
  •  
    الإمام الشافعي رضي الله عنه وأرضاه (خطبة)
    د. محمد حرز
  •  
    كيف يستقبل أهل الجنة
    نورة سليمان عبدالله
  •  
    لذة الطاعة (خطبة)
    عبدالله بن عبده نعمان العواضي
  •  
    ابتلاء الإنسان سنة كونية (خطبة)
    د. محمود بن أحمد الدوسري
  •  
    من مائدة العقيدة: الإيمان بالرسل
    عبدالرحمن عبدالله الشريف
  •  
    موعظة: أمهات المؤمنين – زوجات النبي صلى الله عليه ...
    د. أمير بن محمد المدري
  •  
    التحذير من المعاملات الربوية
    الشيخ محمد بن عبدالله السبيل
  •  
    موقف أهل السنة والجماعة حول ما شجر بين الصحابة
    الشيخ عبدالعزيز السلمان
  •  
    أحكام التسويق عبر منصات التواصل الاجتماعي (PDF)
    بندر بن سعود النمر
  •  
    علمتني السنة: من هدي النبي صلى الله عليه وسلم إلى ...
    جمعية مشكاة النبوة
  •  
    تمام البلاغ وشكر النعم (خطبة)
    الشيخ أحمد إبراهيم الجوني
  •  
    تفسير قوله تعالى: {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل ...
    الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم
  •  
    دعاة الجهل والصد عن سبيل الله
    أ. د. فؤاد محمد موسى
  •  
    تحريم سب الرسول صلى الله عليه وسلم وحكم الشرع فيه
    فواز بن علي بن عباس السليماني
  •  
    تفسير سورة آل عمران الآيات (1-2)
    يوسف بن عبدالعزيز بن عبدالرحمن السيف
شبكة الألوكة / آفاق الشريعة / منبر الجمعة / الخطب / الرقائق والأخلاق والآداب / في النصيحة والأمانة
علامة باركود

لذة الطاعة (خطبة)

لذة الطاعة (خطبة)
عبدالله بن عبده نعمان العواضي

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 4/8/2026 ميلادي - 19/2/1448 هجري

الزيارات: 633

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

لَذَّةُ الطاعة[1]


إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 102]، ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ [النساء: 1]، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: 70، 71]، أما بعد:

أيها المسلمون، في خطبة الجمعة الماضية كان الحديث عن لذَّات الدنيا، ولذَّات الآخرة، ورأينا هناك نقصانَ لذَّاتِ الدنيا، وتمام لذَّات الآخرة.

 

وفي هذه الخطبة- بعون الله- سيكون حديثنا عن لذة من لذَّات الدنيا تكون طريقًا للذَّات الآخرة.

 

هذه اللذَّةُ خاصةٌ بفضلاء العباد وأشرافهم، وخيارهم وأحاسنهم، الذين استطاعوا أن ينتصروا على شهواتهم وأهوائهم؛ لأنها لذَّة قائمة على مجاهدة النفس ومخالفتها، وخطمها عن محابِّها ورغباتها، ولأجلها قد تُترك أحيانًا بعض اللذَّات؛ كلذَّة المنام، ولذَّة كثرة الطعام، ولذَّة الراحة من العمل، ولذَّة البقاء مع الأحباب.

 

هذه اللذَّة هي: لذَّة طاعة رب العالمين، والعيش تحت ظلال عبادته، وكثرة الإقامة في مرضاته.

 

وتعني هذه اللذَّة الشريفة السامية: الشعور بالراحة والسكينة، والسعادة والطُّمَأْنينة، والألق الرُّوحي، والهدوء النفسي الذي يسيطر على النفس المؤمنة أثناء أدائها طاعةً من الطاعات، أو تركها- لأجل الله- خطيئةً من الخطيئات.

 

أيها المؤمنون، إن الحياة في ظلال الطاعة المستمرة القائمة على الإخلاص والاتِّباع؛ فيها ألذُّ اللذَّات، وأعظم الراحات، وهي الوجهة الصحيحة للسرور في الدنيا، فإن كان في هذه الحياة جنة تشبه جنة الآخرة، ونعيم يشبه نعيمها؛ فإنه جنة التلَذُّذ بالطاعات، والتنَعُّم في ثمارها اليانِعات.

 

قال الله تعالى: ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [النحل: 97].

 

"وقد فُسِّرت الحياة الطيبة بالقناعة والرِّضا والرزق الحسن وغير ذلك، والصواب أنها حياة القلب ونعيمه وبهجته وسروره بالإيمان، ومعرفة الله ومحبته والإنابة إليه والتوكُّل عليه؛ فإنه لا حياة أطيب من حياة صاحبها، ولا نعيم فوق نعيمه إلا نعيم الجنة"[2].

 

وقد تحدَّث المتلذِّذُون بهذه اللذَّة من الصالحين المؤمنين، وأظهروا ما هم فيه من السعادة المديدة بين العالمين؛ كان بعض العارفين يقول: "لو علم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه لجالَدُونا عليه بالسيوف. وقال آخر: مساكين أهل الدنيا خرَجُوا منها وما ذاقوا أطيب ما فيها. قيل: وما أطيب ما فيها؟ قال: محبة الله تعالى ومعرفته وذكره، أو نحو هذا. وقال آخر: إنه لتمُرُّ بي أوقات أقول: إن كان أهل الجنة في مثل هذا إنهم لفي عيش طيب"[3].

 

وقال آخر: أطيب ما في الدنيا معرفته ومحبَّتُه، وألذُّ ما في الآخرة رؤيته وسماع كلامه بلا واسطة [4].

 

أيها الأحباب الكرام، لو جئنا إلى تفصيل بعض تلك الطاعات التي يذوق فيها أهلوها أحسن اللذَّات لرأينا في طليعتها الصلاة.

 

فالصلاة إذا رافقها الخشوع وإحسان الأداء فهي مستراح العابدين، وقرة عيون المؤمنين، يجدون فيها من النعيم والبهجة، والسرور واللذة ما يعجز المرء عن وصفه.

 

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ((حُبِّبَ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا: النِّسَاءُ، وَالطِّيبُ، وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَلَاةِ))[5].

 

وعَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَسْلَمَ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((يا بِلَالُ، أَرِحْنَا بِالصَّلَاةِ))[6].

 

هذا التلذُّذ الكبير حاصل في عموم الصلاة.

 

أما صلاة الليل ومناجاة الله ودعاؤه فيه فلها حكاية أخرى، فما أحسن ما يجده القائمون في تلك اللحظات من التلذُّذ، وما أعظم ما تسكب تلك الصلاة في قلوبهم من السرور، حتى إنهم قد ينسون ما حولهم، ويكرهون الانتهاء من الصلاة، وتركَ الاستمرار عليها.

 

قال ابن أبي الدُّنْيا: قرأت في كتاب أبي جعفر الأدميّ بخطِّه، قال: "كنت باليمن في بعض أسفاري، فإذا رجل معه ابن له شابٌّ، فقال: إنَّ هذا أبي وهو من خير الآباء، وقد يصنع شيئًا أخاف عليه منه، قلت: وأيَّ شيء يصنع؟ قال: لي بقر تأتيني مساء فأحلبها، ثمَّ آتي أبي وهو في الصَّلاة، فأحبُّ أن يكون عيالي يشربون فَضْله، ولا أزال قائمًا عليه والإناء في يدي، وهو مقبل على صلاته فعسى ألَّا ينفتل ويقبل عليَّ حتَّى يطلُع الفجر. قلت للشَّيخ: ما تقول؟ قال: صدق، وأثنى على ابنه، وقال لي: أخبرك بعذري؟ إذا دخلت في الصَّلاة، فاستفتحت القرآن ذهب بي مذاهب، وشغلني حتَّى ما أذكره حتَّى أصبح"[7].

 

وقال بعض الصالحين: أهل الليل في ليلهم ألذُّ من أهل اللهو في لهوهم، ولولا الليل ما أحببت البقاء في الدنيا، وقال أيضًا: لو عوض اللهُ أهلَ الليل من ثواب أعمالهم ما يجدونه من اللذَّة لكان ذلك أكثر من ثواب أعمالهم. وقال بعض العلماء: ليس في الدنيا وقت يشبه نعيم أهل الجنة إلا ما يجده أهل التملُّق في قلوبهم بالليل من حلاوة المناجاة. وقال بعضهم: لذة المناجاة ليست من الدنيا، إنما هي من الجنة، أظهرها الله تعالى لأوليائه، لا يجدها سواهم [8].

 

وقال بعضهم: "ما عند المحبين ألذُّ من أوقات الخلوة بمناجاة محبوبهم-سبحانه وتعالى-، هو شفاء قلوبهم، ونهاية مطلوبهم"[9].

 

ومن تلك الطاعات التي توجد فيها اللذة السامية: تلاوة القرآن الكريم؛ فإن المسلم حين يتلو القرآن بقلب خاشع، وعقل حاضر، وجودة في القراءة، ويطيل البقاء في التلاوة؛ فإنه يجد لها حلاوة في قلبه، وانشراحًا في صدره، فمتى قام عن مائدتها ظل في سرور وابتهاج، وربما أطال الساعات في التلاوة من غير مَلَلٍ، واستمر عليها بدون فتور ولا كسل.

 

وهذا النعيم العظيم نجده عند المكثرين من التلاوة الذي يختمون في الشهر ختمات عدة، فما أعظم لذتهم وسعادتهم بسبب هذه الطاعة!

 

وانظروا متأملين في هذه القصة لتنظروا كيف تصنع لذة التلاوة في صاحبها:

جاء في مسند أحمد بسند حسن أن رسول الله عليه الصلاة والسلام كلف صحابيين: مهاجريًّا وأنصاريًّا على ثغر من ثغور المسلمين يحرسانه ليلًا، فنام المهاجري، وقام الأنصاري يصلي، قال: فافتتح سورة من القرآن، فبينا هو فيها يقرؤها إِذْ جَاءَ أحد المشركين فرَأَى الرَّجُلَ فرماه بسَهْم فأصابه، فنزعه الأنصاري واستمر في صلاته، ولم يتحرك؛ كراهية أن يقطع السورة، ثم عاد له المشرك بسَهْم آخر، فوضعه فيه، فانتزعه، فوضعه وهو قائم يصلي، ولم يتحرك كراهية أن يقطعها، قال: ثم عاد له المشرك الثالثة بسهم، فوضعه فيه، فانتزعه، فوضعه ثم ركع فسجد، ثم قال لصاحبه: اقعد فقد أُتيت، قال: وإذا الأنصاري يموج دمًا من رميات المشرك، قال: فقال له أخوه المهاجري: يغفر الله لك، ألا كنت آذنتني أولَ ما رماك؟ قال: فقال: كنت في سورة من القرآن قد افتتحتها أصلي بها، فكرهت أن أقطعها، وايم الله لولا أن أضيع ثغرًا أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظه، لقطع نفسي قبل أن أقطعها.

 

أرأيتم أي نفس هذه مع لذة القرآن!

 

ولما وجد المكثرون من تلاوة القرآن عظم اللذة استمر بعضهم عليها إلى آخر لحظات الدنيا عند مقاساة آلام الموت؛ قال بعضهم: "كنت عند الجنيد حين مات، فختم القرآن، ثم ابتدأ في ختمة أخرى، فقرأ من البقرة سبعين آية، ثم مات"[10].

 

ومن تلك الطاعات التي تُورِث اللذَّة والسرور: ذكر الله تعالى.

 

فما أعظم ما يجد الذاكرون لله تعالى المستمرون على ذلك من النعيم والبهجة، والطمأنينة والراحة، قال الله تعالى: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾ [الرعد: 28].

 

قال مالك بن دينار: "وما تلذَّذ المتلذِّذُون بمثل ذكر الله عز وجل، فليس شيءٌ من الأعمال أخفَّ مؤنةً منه، ولا أعظم لذةً، ولا أكثر فرحةً وابتهاجًا للقلب"[11].

 

فذكرُ اللهِ لديهم دواءُ قلوبهم، وصقال نفوسهم، ومؤنس وحشتهم، وسلوتهم في غمِّهم.

 

عَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: ((إِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ صِقَالَةً، وَإِنَّ صِقَالَةَ الْقُلُوبِ ذِكْرُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ)) [12].

 

وقال بعضهم:

إذا مرضنا تداوينا بذكركمُ
فنترك الذكر أحيانًا فننتكس

عباد الله، إن المسلم إذا نزل به من الأقدار ما يكره فصبر عند ذلك ورضي وسلَّم الأمر كله لله، وعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه؛ فإنه يجد عند ذلك سرورًا ولذَّةً في نفسه، وهدوءًا وراحةً في خاطره، فتصبح المرارةُ حلاوةً، والضيقُ سَعةً.

 

قالَ ابن مسعود رضي الله عنه: "الْفَرَحُ وَالرَّوْحُ [يعني: الراحة] فِي الْيَقِينِ وَالرِّضَى، وَالْغَمُّ وَالْحَزَنُ فِي الشَّكِّ وَالسَّخَطِ"[13].

 

وقال ابن الجوزي: "ليس في الدُّنْيا، ولا في الآخرة أطيب عيشًا من العارفين بالله عز وجل؛ فإن العارف به مستأنس به في خلوته، فإن عمَّت نعمةٌ علم من أهداها، وإن مرَّ مُرٌّ حلا مذاقُه في فيه، لمعرفته بالمبتلي، وإن سأل فتعوَّق مقصوده صار مراده ما جرى به القدر؛ علمًا منه بالمصلحة بعد يقينه بالحكمة، وثقته بحسن التدبير"[14].

 

عن جَابِر بْن عَبْدِاللهِ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، دَخَلَ عَلَى أُمِّ السَّائِبِ أَوْ أُمِّ الْمُسَيِّبِ فَقَالَ: ((مَا لَكِ؟ يَا أُمَّ السَّائِبِ، أَوْ يَا أُمَّ الْمُسَيِّبِ، تُزَفْزِفِينَ؟))، قَالَتْ: الْحُمَّى، لَا بَارَكَ اللهُ فِيهَا، فَقَالَ: ((لَا تَسُبِّي الْحُمَّى؛ فَإِنَّهَا تُذْهِبُ خَطَايَا بَنِي آدَمَ، كَمَا يُذْهِبُ الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ)) [15].

 

ومن الطاعات التي تعظم فيها اللذة والراحة: الانشغال بالعلم بشرع الله تعالى؛ حفظًا وقراءةً، وتدريسًا ودراسةً، وبحثًا وكتابةً.

 

ولا يعرف عظمة التلذُّذ في هذا الميدان إلا من ذاقَه.

 

ولعظم حلاوة الانشغال بالعلم الشريف قطع أهلُه القِفارَ، وتردَّدوا بين البلدان والأمصار، وتحمَّلوا عناء فِراق الأهل والأوطان، وتجرَّعوا غصص الآلام، وتركوا له لذيذ اللهو والمنام، وذاقوا طعمَ الحاجة وقلة الطعام.

 

واسمعوا- رحمكم الله- ما يقول ابن الجَوْزي عن نفسه في تحمُّل العناء في تحصيل العلم، وعظم اللذة التي يجدها رغم هذا العناء، يقول: "ولقد كنت في حلاوة طلبي العلم ألقى من الشدائد ما هو عندي أحلى من العَسَل؛ لأجل ما أطلب وأرجو، كنت في زمان الصبا آخذ معي أرغفةً يابسةً، فأخرج في طلب الحديث، وأقعد على نهر عيسى، فلا أقدر على أكلها إلا عند الماء، فكلما أكلت لقمة، شربت عليها، وعين همتي لا ترى إلا لذة تحصيل العلم"[16].

 

إن أهل العلم يجدون في العلم أُنْسًا بلا وحشةٍ، وراحةً في ثنايا التعب فـ "مَن تفرَّد بالعلم لم توحشه خلوة، ومَن تسلَّى بالكتب لم تفُتْه سلوة، ومَن آنسه قراءة القرآن لم توحشه مفارقة الإخوان"[17].

 

وهذا الإمام الشافعي بتحدث عن تلذُّذه العظيم بالعلم فيقول:

سَهَرِي لِتَنْقِيحِ العُلُومِ أَلَذُّ لِي
مِنْ وَصْلِ غَانِيةٍ وَطيبِ عِنَاقِ
وصريرُ أقلامي على صفحاتها
أحلى منَ الدَّوكاءِ للعشاقِ
وَأَلَذُّ مِنْ نَقْرِ الفتاة لِدُفِّهَا
نقري لألقي الرَّملَ عن أوراقي
يا من يحاول بالأماني رتبتي
كم بين مستفلٍ وآخرَ راقي
أأبيتُ سهرانَ الدُّجى وتبيتهُ
نَوْمًا وَتَبْغي بَعْدَ ذَاكَ لِحَاقِي؟![18]

 

نسأل الله أن يرزقنا حلاوة طاعاته، وأن ينزلنا في فسيح جناته.

 

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

 

الخطبة الثانية

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:

أيها المسلمون، ومن الطاعات التي تُورِث اللذَّة، وتجلب لصاحبها السعادة: طاعة قهر الهوى، والانتصار على النفس المائلة بشهواتها عن التقوى.

 

فإنكم لن تجدوا مؤمنًا دَعَتْه نفسُه إلى معصية فعصاها، وزيَّن له الهوى خطيئة فأباها- من أجل الله تعالى وحده-؛ إلا وجد لترك ذلك الذنب حلاوةً وراحةً؛ فلذة قهر الهوى تزيد على كل لذَّة.

 

وقد قيل: إن الهرة أحيانًا "تتلاعب بالفأرة وَلَا تقتلها؛ لتبين أثر اقتدارها، وَرُبما تغافلت عَنْها فتمعن الْفَأْرَة فِي الْهَرَب، فتثبُ فتُدرِكها وَلَا تقتلها؛ إيثارًا للذة الْقَهْر على لَذَّة الْأكل"[19].

 

وتأملوا في قصة يوسف عليه السلام فإنه قد وجد من ترك الاستجابة لامرأة العزيز من اللذات والكرامات والترقيات الدنيوية ما يعظم وصفه، كما وجد من لذة الانتصار على دواعي الانتقام من إخوته الذين آذوه ما جعله يحسن إليهم بعد عَفْوِه عنهم.

 

ونبي الله سليمان عليه السلام عقر الخيل من أجل الله تعالى حين سها بسببها يومًا عن صلاة العصر حتى غابت الشمس، فلما عقرها إرضاء لله عوَّضه اللهُ عن الخيلِ الريحَ تجري بأمره رخاء حيث أصاب.

 

قال ابن القيم: "قال ابن سيرين: سمعت شريحًا يحلف بالله: ما ترك عبدٌ لله شيئًا فوجد فقده. وقولهم: "من ترك لله شيئًا عوَّضه اللهُ خيرًا منه" حقٌّ، والعوض أنواع مختلفة، وأجَلُّ ما يعوض به: الأنس بالله، ومحبته، وطُمَأْنينة القلب به، وقوَّته ونشاطه، وفرحه ورضاه عن ربِّه تعالى"[20].

 

عباد الله، إن هذه اللذَّاتِ الآتية من فعل الطاعات لا تستمر ولا تزيد إلا إذا استمر المؤمن على تلك الطاعات، وأخلص لله تلك العبادات، وأحسن أداءها، وتخير زمانها ومكانها إذا أمكن ذلك؛ فالصلاة مثلًا إذا كانت خالصةً لله، على الكيفية الواردة عن رسول الله، ومعها خضوع وخوف، وكان مكانها بعيدًا عن الضَّوْضاء، وزمانها مشروعًا؛ فإن الله يورث صاحبها حلاوتها والالتذاذ بها، فإذا لم يجد المسلم تلك الحلاوة فليراجع صلاته؛ ففيها شيء من الخلل؛ كما قال بعض العلماء: "إذا لم تجد للعمل حلاوةً في قلبك وانشراحًا فاتِّهِمْه؛ فإن الربَّ تعالى شكور؛ يعني: أنه لا بُدَّ أن يثيب العامل على عمله في الدنيا من حلاوة يجدها في قلبه، وقوة انشراح، وقرة عين، فحيث لم يجد ذلك فعمله مدخول"[21].

 

أيها الإخوة الفضلاء، إن الإنسان إذا تلذَّذ بالطاعات، وصار يجد لها حلاوةً وبهجةً؛ فما أحسن آثار ذلك على حياته!

 

فلو كنت- يا عبد الله- واحدًا من هؤلاء المتلذِّذين بعبادة الله، فإنَّ تلك اللذَّات الرُّوحية ستُخفِّف عنك كثيرًا من ضغوطات الحياة المعاصرة، وتُذهِب عنك كثيرًا من أحزانها وهُمُومِها.

 

قال الله تعالى: ﴿ مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ [التغابن: 11].

 

وسَمِعَ بعضُهم عكرمة يقرأ: ومن يؤمن بالله يهدأ قلبه، من الهدوء؛ أي: يسكن ويطمئن [22].

 

ومن وجد تلك اللذَّات اشتاق إلى الآخرة، فاستعدَّ لها بصالح العمل، والتوبة من الزَّلَل.

 

ومَنْ ذاقَ تلك اللذَّات أحبَّ ملازمةَ تلك الطاعاتِ، وأصبحت ملجأه الذي يفِرُّ إليه من الغموم والأزمات.

 

بل إن هذه اللذة الإيمانية متى رسخت في النفوس أخرجت من القلوب الحسرةَ على ما يفوت الإنسانَ من متاع الدنيا.

 

ألا فاتقوا الله- يا عباد الله- لازموا حصون الطاعات، واهجروا جميع المحرمات؛ تظفروا بأحلى اللذَّات، وتسلكوا بذلك سبيل الجنَّات، وأخلصوا لله تلك العبادات وأحسنوها، وأبشروا بحسن عاقبتها في دنياكم وفي أُخْراكم.

 

جعلنا الله وإياكم ممن سمع فوعى، وسعد في الآخرة والأولى.

 

هذا، وصلوا وسلموا على خير البشرية.



[1] ألقيت في جامع الشوكاني في: 4/ 1/ 1448هـ، الموافق: 19/ 6/ 2026م.

[2] مدارج السالكين، لابن القيم (3/ 259).

[3] الوابل الصيب، لابن القيم (ص: 67).

[4] روضة المحبين، لابن القيم (ص: 164).

[5] رواه أحمد، والنسائي، والبيهقي، وهو صحيح.

[6] رواه أحمد، وأبو داود، وهو صحيح.

[7] الورع لابن أبي الدنيا (ص: 100).

[8] إحياء علوم الدين (1/ 358).

[9] لطائف المعارف لابن رجب (ص: 44).

[10] مدارج السالكين، لابن القيم (3/ 121).

[11] الوابل الصيب، لابن القيم (ص: 110).

[12] رواه البيهقي، وهو صحيح.

[13] الزهد والرقائق لابن المبارك، والزهد لنعيم بن حماد (1/ 355).

[14] صيد الخاطر، لابن الجوزي (ص: 102).

[15] رواه مسلم.

[16] صيد الخاطر (ص: 11).

[17] أدب الدنيا والدين (ص: 83).

[18] ديوان الإمام الشافعي (ص: 11).

[19] المدهش (ص: 316).

[20] الفوائد لابن القيم (ص: 107).

[21] مدارج السالكين (2/ 68).

[22] تفسير الثعلبي (9/ 329).





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • المعصية بعد الطاعة
  • الحزن لفوات الطاعة
  • الحجاب وتسهيل الطاعة (بطاقة)
  • رفقاء الطاعة (بطاقة دعوية)
  • لذة الطاعة بعد الصبر
  • الاستقامة على الطاعة

مختارات من الشبكة

  • العبادة لذة وطاعة (PDF)(كتاب - مكتبة الألوكة)
  • أثر الطاعة في حياة الفرد من خلال كلام ابن عباس رضي الله عنهما (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • مواسم الطاعة في مطلع العام: أجور تنال وبدع تزال (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • رحيل الموسم... لا يعني رحيل الطاعة (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • الطاعة والاتباع (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • برد الشتاء ودفء الطاعة (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • شرف الطاعة وعز الاستغناء (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • سلسلة آفات على الطريق (1): الفتور في الطاعة (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • الفواكه لذة الدنيا ونعيم الآخرة (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • كيف تحافظ على روح الطاعة بعد الحج والعمرة؟(مقالة - ملفات خاصة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • افتتاح تاريخي لأول مسجد في بلييفليا بالجبل الأسود منذ أكثر من قرن
  • منطقة ريبوفسي تحتفل بميلاد مسجد جديد في أجواء إيمانية مميزة
  • أكبر مشروع إسلامي في ريف أستراليا يفتتح أبوابه بعد سنوات من العمل والعطاء
  • القرآن والتربية في صدارة البرامج الصيفية للمسلمين في بينزا وساراتوف وموردوفيا هذا العام
  • اختتام الدورة التاسعة لمسابقة حفظ وتلاوة القرآن الكريم في أزناكاييف
  • تيسليتش تختتم برنامجا تعليميا لتعزيز القيم وبناء الشخصية للشباب المسلمين
  • انطلاق فعاليات "أيام مساجد إستولتس 2026" ببرنامج ديني وثقافي يمتد حتى أغسطس
  • قازان تحتضن المخيم الدولي الرابع للطلاب المسلمين

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1448هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 19/2/1448هـ - الساعة: 9:22
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب