• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | مقالات شرعية   دراسات شرعية   نوازل وشبهات   منبر الجمعة   روافد   من ثمرات المواقع  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    الوصايا العشر (خطبة)
    د. أيمن منصور أيوب علي بيفاري
  •  
    أهل القبلة
    الشيخ عبدالعزيز السلمان
  •  
    كل شيء زائل والبقاء لله وحده {ولله ميراث السماوات ...
    د. عبدالرحمن بن سعيد الحازمي
  •  
    حقيقة الموت والاستعداد للآخرة (خطبة)
    ياسر عبدالله محمد الحوري
  •  
    حديث: يد المعطي العليا، وابدأ بمن تعول: أمك، ...
    الشيخ عبدالقادر شيبة الحمد
  •  
    الدعوة إلى الله وفضلها (خطبة)
    الشيخ محمد بن عبدالله السبيل
  •  
    الابتداء والاقتداء!
    سعيد بن محمد آل ثابت
  •  
    اتقوا الله.. وأحسنوا أخلاقكم
    نورة سليمان عبدالله
  •  
    خطبة: كبار السن
    د. سعود بن غندور الميموني
  •  
    الشحناء والبغضاء: الأسباب.. والعلاج (خطبة)
    ياسر عبدالله محمد الحوري
  •  
    وقفات مع حديث: "لا وصية لوارث"
    د. أحمد عبدالمجيد مكي
  •  
    نماذج مشرقة في سماء المراقبة: يوسف عليه السلام
    الشيخ ندا أبو أحمد
  •  
    مع سورة المرسلات
    د. خالد النجار
  •  
    محبة الله عز وجل
    شعيب ناصري
  •  
    كلمة وكلمات (20)
    د. عبدالسلام حمود غالب
  •  
    فضل من احتسب أولادا ولم يسخط على القدر
    د. خالد بن محمود بن عبدالعزيز الجهني
شبكة الألوكة / آفاق الشريعة / مقالات شرعية / التفسير وعلوم القرآن
علامة باركود

كل شيء زائل والبقاء لله وحده {ولله ميراث السماوات والأرض والله بما تعملون خبير}

كل شيء زائل والبقاء لله وحده {ولله ميراث السماوات والأرض والله بما تعملون خبير}
د. عبدالرحمن بن سعيد الحازمي

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 11/7/2026 ميلادي - 25/1/1448 هجري

الزيارات: 92

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

كل شيء زائل والبقاء لله وحده

﴿ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾


تمهيد:

الجملة القرآنية المشار إليها في العنوان جاءت في ختام قوله تعالى: ﴿ وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ [آل عمران: 180]، وهناك آية مشابهة لها هي قوله تعالى: ﴿ وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ [الحديد: 10]، ووجه الشبه بين الآيتين يَكمُن في اشتراكهما في جملتين؛ ﴿ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾، و﴿ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾، والآيتان تتحدثان عن الإنفاق في سبيل الله، ولكن من زاويتين متقابلتين؛ ففي آية آل عمران يأتي الحديث في سياق التحذير من البخل؛ حيث يُذكر البخلاء بأن المال الذي يحرصون عليه، سيؤول في النهاية إلى الله، ولن ينفعهم بُخلهم، بل سيحملون وزرَه يوم القيامة، أما آية الحديد، فتتناول الموضوع من زاوية الترغيب في الإنفاق، وتحفيز المؤمنين على السخاء في العطاء.

 

ولتجنُّب الإطالة سيتم حصر الموضوع حول الملامح التربوية المستنبطة من قوله تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ [آل عمران: 180].


أقوال العلماء في تفسير الآية محل الموضوع:

قال الطبري رحمه الله: "يعني بذلك جل ثناؤه: أنه الحي الذي لا يموت، والباقي بعد فناء جميع خلقه، فإن قال قائل: فما معنى قوله: ﴿ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾، والميراث المعروف: هو ما انتقل من ملك مالك إلى وارثه بموته، ولله الدنيا قبل فناء خلقه وبعده؟ قيل: إن معنى ذلك ما وصفنا من وصفه نفسَه بالبقاء، وإعلام خلقه أنه كتب عليهم الفناء، وذلك أن ملك المالك إنما يصير ميراثًا بعد وفاته، فإنما قال جل ثناؤه: ﴿ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ إعلامًا بذلك منه عبادَه أن أملاك جميع خلقه منتقلة عنهم بموتهم، وأنه لا أحد إلا وهو فانٍ سواه، فإنه الذي إذا هلك جميع خلقه، فزالت أملاكُهم عنهم، لم يبقَ أحد يكون له ما كانوا يَملِكونه غيره، ثم أخبر تعالى ذكره أنه بما يعمل هؤلاء الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضلٍ وغيرهم من سائر خلقه، ذو خبرة وعلم، مُحيط بذلك كله، حتى يجازي كلًّا منهم على قدر استحقاقه، المحسن بالإحسان، والمسيء على ما يرى تعالى ذكره"[1].

 

الملامح التربوية المستنبطة من الآية محل الموضوع:

أولًا: المتأمل لقوله تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾، يجد أنها تحمل تنبيهًا وتحذيرًا بأن كل ما في السماوات والأرض يعود في النهاية إلى الله تعالى، فهو المالك الحقيقي لكل شيء، وما يَملِكه الإنسان زائلٌ لا يدوم، وقد جاء هذا المعنى مؤكدًا في آيات عديدة، منها قوله سبحانه: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ ﴾ [مريم: 40]، وقوله عز وجل: ﴿ وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ ﴾ [الحجر: 23]، وقوله تعالى: ﴿ وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ ﴾ [القصص: 58]، فهذه الآيات وغيرها تؤكد أن الله تعالى هو الوارث الحقيقي لكل شيء، وأن ملكية الخلق جميعًا مؤقتة، وما بأيديهم سيؤول إليه سبحانه، مهما طال الزمن، ومن وفَّقه الله إلى إدراك هذه الحقيقة، أدرك زوال الدنيا وسعى إلى طاعته سبحانه، مسترشدًا بقوله تعالى: ﴿ وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ﴾ [القصص: 77].

 

ثانيًا: هناك فرقٌ شاسع بين وراثة الإنسان للمال، سواء كان ذلك من والده أو أي جهة أخرى، وبين كون الله تعالى هو الوارث الحقيقي، فوراثة الإنسان مالًا إنما هي مجازية؛ لأن المال في الأصل ملك لله تعالى؛ قال سبحانه: ﴿ لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [المائدة: 120]، أما الله عز وجل، فهو الوارث على الحقيقة؛ إذ إن ملك السماوات والأرض وسائر الموجودات له وحدَه، وكل ما في أيدي البشر إنما هو أمانة مستردة، وقد أشار القرطبي رحمه الله إلى هذا المعنى في تفسيره؛ حيث قال: "إن الوارث في الحقيقة هو الذي يرث شيئًا لم يكن ملكه من قبلُ، والله سبحانه وتعالى مالك السموات والأرض وما بينهما، وكانت السماوات وما فيها، والأرض وما فيها له، وإن الأموال كانت عارية عند أربابها، فإذا ماتوا رُدَّت العارية إلى صاحبها الذي كانت له في الأصل"[2].

 

ثالثًا: الإسلام يدعو إلى فعل الخير والحث عليه؛ كما قال الله تعالى: ﴿ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ ﴾ [الحج: 77]، قال ابن عاشور رحمه الله: "وقوله: ﴿ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ ﴾، أمر بإسداء الخير إلى الناس من الزكاة، وحسن المعاملة؛ كصلة الرَّحِم، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وسائر مكارم الأخلاق"[3]، وليس ذلك فحسب، بل يأمرنا الله عز وجل بالمسارعة والمسابقة إلى الخير؛ كما قال تعالى: ﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [آل عمران: 133، 134]، وقوله سبحانه: ﴿ سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ﴾ [الحديد: 21]، فالفرص لفعل الخير قد تأتي في أي لحظة، والأجدر بالمرء أن يبادر إليها دون تردُّد؛ لأن التباطؤ قد يفوِّت عليه أجرًا عظيمًا، وقد أشار الرازي رحمه الله إلى هذا المعنى بقوله: "إن الإنفاق فضيلة، والمسابقة في الإنفاق تمام الفضيلة"[4]، وصدق الله العظيم: ﴿ وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [التغابن: 16].

 

رابعًا: إن ميراث الله تعالى يشمل جميع ما أنعم به على عباده من مال، وجاه، وقوة، وعلم، فالموفَّق هو من يسعى إلى تزكية هذه النعم واستثمارها في وجوه الخير، فالله سبحانه رَزَقَ عباده من فضله بلا حصر؛ قال تعالى: ﴿ وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ﴾ [إبراهيم: 34]، وقد أشار ابن قتيبة رحمه الله إلى هذا المعنى بقوله: "فإن لله في كل نعمة أنعم بها حقًّا، وعلى كل بلاء أبلاه زكاة"[5].

 

فَرِزْقُ الله عز وجل واسع يشمل كلَّ ما ينفع العبد في دنياه وآخرته، وقد بيَّن الطِّيبي رحمه الله هذا بقوله: "الرزق ‌عام يُطلق على جميع ما يختص بالعبد، يقال: رزق المال والولد والعلم، وغير ذلك"[6].

 

ومن أعظم صور شكر النعمة أن يؤدي العبد زكاتها، فكما أن للمال زكاة، فإن للعلم زكاةً أيضًا، وقد قال ابن عثيمين رحمه الله في هذا السياق: "نشر العلم من زكاته، فكما يتصدق الإنسان بشيء من ماله، فهذا العالم يتصدق بشيء من علمه"[7].

 

خامسًا: من الأدلة الشرعية على أن الرزق لا يقتصر على المال فحسب، بل يشمل كل نعمة يُنْعِمُ الله تعالى بها على عباده - قول الرسول صلى الله عليه وسلم في فضل أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها: "إِنِّي قَدْ ‌رُزِقْتُ ‌حُبَّهَا"[8]، مما يدل على أن الحب والمودة رزق من الله عز وجل؛ كما قال صلى الله عيه وسلم عنها أيضًا: "وَرَزَقَنِي اللهُ عز وجل وَلَدَهَا ‌إِذْ ‌حَرَمَنِي أَوْلَادَ النِّسَاءِ"[9]، مما يؤكد أن الأولاد من أعظم الأرزاق التي يمنُّ الله بها على عباده.

 

سادسًا: حُب المال غَريزة متأصِّلة في النفس البشرية، وقد أشار القرآن الكريم إلى ذلك في قوله تعالى: ﴿ وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا ﴾ [الفجر: 20]، وقوله عز وجل: ﴿ وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ ﴾ [العاديات: 8]، قال ابن كثير رحمه الله في هذه الآية مذهبان: "أحدهما: أن المعنى: وإنه لشديد المحبة للمال، والثاني: وإنه لحريص بخيلٌ من محبة المال، وكلاهما صحيح"[10].

 

ويؤكد النبي صلى الله عليه وسلم هذا المعنى في حديثه الشريف: "يَهْرَمُ ‌ابْنُ ‌آدَمَ وَتَشِبُّ مِنْهُ اثْنَتَانِ: الْحِرْصُ عَلَى الْمَالِ، وَالْحِرْصُ عَلَى الْعُمُرِ"[11].

 

سابعًا: المالُ نعمة عظيمة من نعم الله تعالى، وهو زينة الحياة الدنيا؛ كما قال تعالى: ﴿ الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾ [الكهف: 46]، ولَما كان حُبُّه غريزةً قد تتملك الإنسان وتُسيطر عليه، مما قد يَدفعه إلى تجاوُزِ الحدود الشرعية والإضرار بنفسه أو بالآخرين لذلك دعا الإسلام إلى تهذيبها كغيرها من الغرائز الفطرية، وأكَّد مراعاةَ التوسط والاعتدال وَفق القاعدة الشرعية: (لا إفراط ولا تفريط)؛ قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا ﴾ [الفرقان: 67]، كما حذر الإسلام من الانشغال بالمال، وجعله الهمَّ الأكبر، مؤكدًا أن الانشغال به قد يصرف الإنسان عن ذكر الله؛ كما قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ﴾ [المنافقون: 9].

 

وأشار إلى أن المال والأولاد قد يكونان فتنة، لكن الأجر الحقيقي والعظيم هو عند الله؛ كما في قوله سبحانه: ﴿ إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ [التغابن: 15].

 

ثامنًا: أعلى الإسلام أهمية الإنفاق في سبيل الله تعالى، وذم البخل، فقال تعالى: ﴿ وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ ﴾ [آل عمران: 180]، قال القرطبي رحمه الله عند تفسير قوله تعالى: ﴿ وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ [الحديد: 10]؛ "أي شيء يَمنعكم من الإنفاق في سبيل الله، وفيما يقربكم من ربكم وأنتم تموتون وتخلفون أموالكم وهي صائرة إلى الله تعالى، فمعنى الكلام التوبيخ على عدم الإنفاق، ﴿ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ [الحديد: 10]؛ أي: إنهما راجعتان إليه بانقراض من فيهما، كرجوع الميراث إلى المستحق له"[12].

 

وقال ابن كثير رحمه الله: "﴿ وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾؛ أي: أنفقوا ولا تخشوا فقرًا وإقلالًا، فإن الذي أنفقتم في سبيله هو مالك السماوات والأرض، وبيده مقاليدهما، وعنده خزائنهما، وهو مالك العرش بما حوى، وهو القائل: ﴿ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ﴾ [سبأ: 39]، وقال: ﴿ مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ ﴾ [النحل: 96][13].

 

تاسعًا: الموفَّق من يبادر في الإنفاق في حياته قبل مماته؛ قال القاسمي رحمه الله في تفسيره: "فما أجدر أن ينفق المرء في حياته، ويتخذه ذخرًا يجده بعد مماته"[14]، وقال الشعراوي رحمه الله: "إن الإيمان يدعونا ألا ننتظر بالصدقة إلى حالة بلوغ الروح الحلقوم، فقد روي عن أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ‌أَيُّ ‌الصَّدَقَةِ ‌أَعْظَمُ ‌أَجْرًا؟ قَالَ: "أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ، تَخْشَى الْفَقْرَ وَتَأْمُلُ الْغِنَى، وَلَا تُمْهِلُ حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ، قُلْتَ: لِفُلَانٍ كَذَا، ولفلان كذا، وقد كان لفلان"[15]،[16].

 

عاشرًا: قد يأتي على بعض الناس أفرادًا أو جماعات شدائدُ تَقُضُّ مضاجعَهم من قلة ذات اليد، وهذا مشاهد وملموس قديمًا وحديثًا، فالواجب من لديه سعة في المال أن يقف بجانب إخوانه، ويبادر إلى مساعدتهم دون تردُّد، مستشعرًا فضلَ سدِّ حاجتهم، وتخفيف معاناتهم، وقد وردت نصوص كثيرة في الكتاب والسنة تحث على الإنفاق؛ منها: قوله تعالى: ﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ ﴾ [الحديد: 11]، قال ابن كثير رحمه الله: "قيل: هو الإنفاق في سبيل الله، وقيل: هو النفقة على العيال، والصحيح أنه أعم من ذلك، ‌فكل ‌مَن ‌أنفق ‌في ‌سبيل ‌الله ‌بنية ‌خالصة وعزيمة صادقة، دخل في عموم هذه الآية"[17].

 

والإنفاق على المحتاجين وقتَ الضرورة أشدُّ وقعًا وأعظم أجرًا من الإنفاق في الأحوال العادية، فقد فضَّل الله مَن يبادر إلى الصدقة والجهاد في أوقات الشدة؛ قال تعالى: ﴿ لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ [الحديد: 10].

 

الحادي عشر: هناك من الناس مَن يُجيد التلون والتهرب من أداء زكاة أموالهم، أو مساعدة الفقراء والمساكين؛ إما استجابةً لوسوسة الشيطان، أو طاعةً للنفس الأمارة بالسوء، لكن الله تعالى لا يخفى عليه شيء، فهو العليم الخبير بأعمال عباده، وقد قال سبحانه: ﴿ وَاللَّهُ بِمَا تَعمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾، وفي هذا المعنى قال الشعراوي رحمه الله: "قول الحق: ﴿ وَاللَّهُ بِمَا تَعمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ قضية تجعل القلب يرتجف خوفًا ورعبًا، فقد يدلِّس الإنسان على البشر، فتجد من يتهرب من الضرائب، ويصنع تزويرًا دفترين للضرائب، واحدًا للكسب الصحيح، وآخر للخسارة الخاطئة، ويكون هذا المتهرب من الضرائب يملك المال، ثم يُنكر ذلك، هذا الإنسان عليه أن يعرف أن الله خبيرٌ بكل ما يعمَل"[18].

 

ويؤكد ابن عثيمين رحمه الله قائلًا: "إن هؤلاء الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله، قد لا يطَّلع عليهم الخلق، فالإنسان قد يكون عنده ملايين ولا يعلم الناس عنه، ويبخل بزكاتها ولا يُعْلَم عنه، فبيَّن الله تعالى أنه خبير بعملهم، والغالب أن مَن منَع الحق في ماله سُلِّط على هلكته في الباطل، يعني: فتح له أبوابًا من الباطل يَصرف فيها ماله، فيكون مانعًا لما يجب، واقعًا فيما يحرم، ولهذا هدَّدهم الله بقوله: ﴿ وَاللَّهُ بِمَا تَعمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾".

 

فالواجب على المسلم أن يَحذَر من التهرب والتقصير في أداء حقوق الله، وأن يستشعر رقابته سبحانه؛ إذ لا ينفَع التدليس على الخلق إذا كان الخالق سبحانه مطلعًا على كل صغيرة وكبيرة.



[1] تفسير الطبري (7/ 440).

[2] تفسير القرطبي (4/ 293).

[3] التحرير والتنوير (17/ 346).

[4] تفسير الرازي (29/ 452).

[5] عيون الأخبار، ص 41.

[6] فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب، (2/ 503).

[7] كتاب العلم، ص 166.

[8] صحيح مسلم، باب: فضائل خديجة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها، حديث رقم: 2435.

[9] ‌‌مسند أحمد، مسند الصديقة عائشة بنت الصديق رضي الله عنها، حديث رقم: 24864.

[10] تفسير ابن كثير (8/ 447).

[11] صحيح مسلم، باب: كراهة الحرص على الدنيا، حديث رقم: 1047.

[12] تفسير القرطبي (17/ 239).

[13] تفسير ابن كثير (8/ 45).

[14] تفسير القاسمي (9/ 142).

[15] صحيح البخاري، باب: أي الصدقة أفضل، وصدقة الشحيح الصحيح، حديث رقم: 1353، صحيح مسلم، باب: بيان أن أفضل الصدقة صدقة الصحيح الشحيح، حديث رقم: 1032.

[16] تفسير الشعراوي (3/ 1906).

[17] تفسير ابن كثير (8/ 48).

[18] تفسير الشعراوي (3/ 1906).





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • ملامح تربوية مستنبطة من قول الله تعالى: ﴿يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها...﴾
  • الملامح التربوية المستنبطة من قوله تعالى: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ...}(1)
  • الملامح التربوية المستنبطة من آية {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم} [آل عمران: 31] (2)
  • جزاء الشاكرين وثبات المؤمنين {ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين}

مختارات من الشبكة

  • تفسير: (وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • فإنها صلاة كل شيء وبها يرزق كل شيء(مقالة - آفاق الشريعة)
  • تفسير: (الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد وكل شيء عنده بمقدار)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • تفسير: (قل أغير الله أبغي ربا وهو رب كل شيء ولا تكسب كل نفس إلا عليها)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • تفسير: (إن تبدوا شيئا أو تخفوه فإن الله كان بكل شيء عليما)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • خطبة عن الدنيا(مقالة - موقع الشيخ عبدالله بن صالح القصيِّر)
  • الصوم مظهر من مظاهر وحدة الأمة الإسلامية(مقالة - ملفات خاصة)
  • وحدة الأمة في ضوء مناسك الحج (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • وحدة دعوة الرسل (خطبة)(مقالة - موقع د. محمود بن أحمد الدوسري)
  • {وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة...}(مقالة - موقع أ. د. فؤاد محمد موسى)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • تخريج دفعة جديدة من دارسي العلوم الإسلامية في ألبانيا
  • مسجد أكسينوفو يختتم دوراته الصيفية بنجاح بموردوفيا
  • أزناكايفو تستضيف النسخة التاسعة من مسابقة «الإسلام» للقرآن الكريم
  • سراييفو تختتم برنامجا تدريبيا للأئمة والخطباء والمؤذنين
  • مئات الزوار يشاركون في يوم المسجد المفتوح الثالث عشر بمدينة توومبا الأسترالية
  • انطلاق دورتين صيفيتين لأطفال المسلمين بمقاطعة بنزا
  • أكثر من 600 شاب يشاركون في مؤتمر الشباب المسلم 2026 بأستراليا
  • مائدة مستديرة دولية في روسيا لتطوير تعليم العربية لغير الناطقين بها

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1448هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 25/1/1448هـ - الساعة: 10:21
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب