• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | مقالات شرعية   دراسات شرعية   نوازل وشبهات   منبر الجمعة   روافد   من ثمرات المواقع  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    {ولتنظر نفس ما قدمت لغد} (خطبة)
    الشيخ عبدالله محمد الطوالة
  •  
    يوم عاشوراء يوم النصر للحق وأهله (خطبة)
    ياسر عبدالله محمد الحوري
  •  
    في ختام السنة احذر الخاتمة (1)
    د. محمود حمدي العاصي
  •  
    تربية الأبناء في الإسلام (خطبة)
    الشيخ محمد بن إبراهيم السبر
  •  
    تخريج حديث: من مس ذكره فليتوضأ (2)
    الشيخ محمد طه شعبان
  •  
    تطهير النفس
    محمد ونيس
  •  
    تفسير: (ولا الظل ولا الحرور)
    تفسير القرآن الكريم
  •  
    باب في فضل السواك
    د. خالد النجار
  •  
    حين يكبر معنى الرزق في قلب الإنسان (خطبة)
    عبدالله بن إبراهيم الحضريتي
  •  
    الحديث الثالث والأربعون: الأخلاق مع أسماء الله ...
    الدكتور أبو الحسن علي بن محمد المطري
  •  
    خلق الإتقان وأهم صوره
    د. حسام العيسوي سنيد
  •  
    {فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره}
    بدر شاشا
  •  
    مع الحجاج في ثواب الحج (خطبة)
    د. عبد الرقيب الراشدي
  •  
    خطبة: إبليس في أهل النار
    د. محمد بن عبدالعزيز بن إبراهيم بلوش ...
  •  
    خطبة أول العام الهجري
    الشيخ محمد بن عبدالله السبيل
  •  
    وإن عدتم عدنا
    أشرف شعبان أبو أحمد
شبكة الألوكة / آفاق الشريعة / منبر الجمعة / الخطب / الرقائق والأخلاق والآداب / في النصيحة والأمانة
علامة باركود

{ولتنظر نفس ما قدمت لغد} (خطبة)

{ولتنظر نفس ما قدمت لغد} (خطبة)
الشيخ عبدالله محمد الطوالة

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 14/6/2026 ميلادي - 28/12/1447 هجري

الزيارات: 94

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

﴿ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ﴾

 

الحمدُ للهِ، الحمدُ للهِ الكريمِ الشّكورِ، الحليمِ الصبورِ، ﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ ﴾ [الملك:2].. ﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ ﴾ [غافر:19]... وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدهُ لا شريكَ لهُ، ﴿ لهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ * يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴾ [الحديد:5].. وأشهدُ أن محمدًا عبدهُ ورسولهُ، ومصطفاهُ وخليلهُ، المبعوثُ بالهدى والرحمةِ والنورِ.. صلَّى اللهُ وسلَّمَ وباركَ عليهِ، وعلى آله وصحبهِ ذوي الفضلِ المشهورِ، والعملِ المبرورِ، والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم البعثِ والنشورِ، وسلَّم تسليما كثيرًا.

 

أمَّا بعدُ: فـ ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ ﴾ [لقمان:33].

 

معاشر المؤمنين الكرام: ليس هناك علاقةٌ في حياة الانسانِ أهمَّ ولا أعظمَ من علاقته بربه جلّ وعلا، فهي العلاقةُ التي يُحققُ الإنسانُ بها هدفَ وجوده، ويرتقي بها أرفعَ درجاتِ مجدِهِ.. إنها العلاقةُ التي إن توثَّقت وقويت، طابت حياةُ العبدِ وصلحت، وكانت سبباً بتوفيق اللهِ للفوز العظيم، والنعيم المقيم.. تأمّل: ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُون ﴾ [النحل:97].. وقال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُون ﴾ [البقرة:277].. وهذا ولا شك يتطلبُ من المسلم عملاً جاداً، ومحاسبةً للنفس، ومراجعةً لها بين الفينةِ والأخرى، خُصوصاً بعد المواسم الفاضلة، ومع نهاية كلِّ عام..

 

وإِنَّ في تَقَلُّبِ اللَّيالي وَالأيامِ لعِبرَةً، وإنّ في تصرُّم الزمانِ لذكرى.. أَيَّامٌ تُطوَى، وَأَعمَارٌ تَفنى، أَحبَابٌ يَنتقلونَ، وجيرانٌ يَرحلونَ، وأصدقاءٌ يموتون، دولٌ تتصارع، وفتنٌ تتابع، وأزماتٌ تعصف، وحروب ترجف، وأَحوَالٌ تتقلبُ، وأوضاعٌ تضطربُ، وكل ذلك يَدعُو العاقلَ للتأمُّل والتَّفكُّر، ويبعثُ على التَّدبُّر والتَّبصُّر.. ﴿ إِنَّ في خَلقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ وَاختِلاَفِ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُولي الألبَابِ ﴾ [آل عمران:190]، وَقَالَ سُبحَانَهُ: ﴿ إِنَّ في ذَلِكَ لَذِكرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلبٌ أَو أَلقَى السَّمعَ وَهُوَ شَهِيدٌ ﴾ [ق:37]..

 

نَعَم يا عِبَادَ اللهِ: فمن رزقهُ اللهُ قلباً يتذكَّر، وعقلاً يتفكَّر، فأولئك الَّذِينَ سيَنتَفِعُونَ بِالمواعظ والعِبَر، ويتعِظون بمُرُورِ الأَيَّامِ وتوالي الغِيرِ.. وَهمُ الذين يَزدَادُونُ بِطُولِ الأَعمَارِ مَعرِفَةً لأَنفُسِهِم، وَفَهمًا لِطبيعة مَا حَولَهُم، وقرباً من ربهم.. وَأَمَّا مَنِ طالت نَومَتُهُ، وَاستَحكَمَت غَفلَتُهُ، وَأَحَاطَت بِهِ خَطِيئَتُهُ، فَمَا أشدَّ مُصيبته: ﴿ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ ﴾ [فاطر:37].. ﴿ أَفَلَم يَسِيرُوا في الأَرضِ فَتَكُونَ لَهُم قُلُوبٌ يَعقِلُونَ بها أَو آذَانٌ يَسمَعُونَ بها فَإِنَّهَا لا تَعمَى الأَبصَارُ وَلَكِنْ تَعمَى القُلُوبُ الَّتي في الصُّدُورِ ﴾ [الحج:46].. وفي الحديث الصحيح قال صلى الله عليه وسلم: "كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو فَبَايِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا".. ﴿ لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّر ﴾ [المدثر:37].. وفي الحديث الحسن، قال عليه الصلاة والسلام: "لا تَزُولُ قَدَمَا عَبدٍ يَومَ القِيَامَةِ حَتى يُسأَلَ عَن عُمُرِهِ فِيمَ أَفنَاهُ، وَعَن عِلمِهِ فِيمَ فَعَلَ فِيهِ، وَعَن مَالِهِ مِن أَينَ اكتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنفَقَهُ، وَعَن جِسمِهِ فِيمَ أَبلاهُ".. وفي صحيح مسلم، حديثٌ قدسيٌ عظيم: قال الله تعالى: "يا عِبادي، إنَّما هي أعمالُكُم أُحصيها لَكُم، ثُمَّ أوفِّيكُم إيَّاها، فمَن وجَدَ خَيرًا فليَحمَدِ اللَّهَ، ومَن وجَدَ غيرَ ذلك فلا يَلومَنَّ إلَّا نَفسَه"..

 

فيا أيها الناصحُ لنفسه: هلَّا خلوت بنفسك وحاسِبتها حسابَ الشريك الشّحيح لشريكه، كما يقول ميمون بن مهران رحمه الله: "لا يكون العبدُ تقيًّا حتى يكونَ مع نفسهِ أشدَّ من الشريك الشحيح مع شريكه".. هلَّا وقفت مع نفسك وقفةً جادة، تراجعها وتُصحِّحُ مسارها، وتتدارك ما فات من زلَّاتَها.. فالعاقلُ لا بدَّ له أن يراجعَ نفسهُ، وأن يحاسبها على ما قدم في يومه وأمسه، وأن ينظرَ فيما مضى من أعماله؛ وماذا ادَّخرَ منها لقبره وآخرته؟.. فإنّ كان خيرًا فليحمد الله، وليُكثر من الصالحات، وإنّ كان غير ذلك فليتب وليهجر المعاصي والسيئات، وليتدارك نفسه بكثرة الاستغفار وفعل الصالحات.. فالإنسانُ مَهمَا تَجَاهَلَ أمورهُ وأهملها، أَو تَغَافَلَ عن واجباته وقصَّر فيها، فهو ألأَعلَمُ بأحواله، وهو الأَبصَرُ بِعُيُوبِهِ وهَفواتِهِ، ﴿ بَلِ الإِنسَانُ عَلَى نَفسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَو أَلقَى مَعَاذِيرَهُ ﴾ [القيامة:14].. وفي صحيح مُسلِمٌ، قال صلى الله عليه وسلم: "البِرُّ حُسنُ الخُلُق، وَالإِثمُ مَا حَاكَ في صَدرِكَ وَكَرِهتَ أَن يَطَّلِعَ عَلَيهِ النَّاسُ".. فكلٌّ يعرفُ من نفسه إن كان على صوابٍ أو خطأ..

 

فلا يليق بالعَبد النَّاصِحِ لِنَفسِهِ، أن يتمادى في غَفلَتِهِ، ولا يليقُ بالمسلم العاقلِ أن يطولَ رُقاده.. فإنَّ جِلسَةً صادقةً مَعَ النَفسِ، وَتَأَمُّلاً عميقاً فيما مضى من أحداث الحياة، وَمراجعةً لمَا مَرَّ بِهِ مِن المواقف والمُتَغَيِّرَاتٍ، وَتفكُّراً في العواقب والمألات، وإِلى أَينَ سيَصِيرُ بعد الممات؟.. إِنَّ هَذَا لكَفِيلٌ بِتَوفِيقِ اللهِ أَن يُرِيَهُ صُورَةً واضحةً لَمَّا هوَ عَلَيهِ الآن، وَأَن يُبصرَهُ بما يَجِبُ عليه أَن يفعلَ في المُستَقبَلِ؛ ذَلِكَ لأَنَّهُ يَعلَمُ أَنَّهُ مهما طالَ عمرهُ فإنه سيمَوت.. وَأنه سيبعثُ بعدها ويحَاسَبُ، وَلَن ينفعهُ بعدَ توفيق الله إِلاَّ مَا قَدَّمَ.. ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيد ﴾ [فصلت:46]..

 

والعَاقِلَ يَعلَمُ كذلك أَنَّ لِكُلِّ حَسَنَةٍ ثَوَابًا، وَأنَّ لِكُلِّ سَيِّئَةٍ عِقَابًا، وَأَنَّ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابًا، وأنَّ لكلِّ عملٍ حِساباً.. وأنَّ ﴿ مَن عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجزَى إِلاَّ مِثلَهَا وَمَن عَمِلَ صَالِحًا مِن ذَكَرٍ أَو أُنثى وَهُوَ مُؤمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدخُلُونَ الجَنَّةَ يُرزَقُونَ فِيهَا بِغَيرِ حِسَاب ﴾ [غافر:40]..

 

والعَاقِلَ يَعلَمُ كذلك أَنَّ تزكيةَ النفسِ وتقويمها وإصلاحها، من ألزم الواجبات، ومن أهمِّ الضرورات، فبتزكية النفسِ يكونُ الصلاح والفلاح، وتتحقق سعادةُ الدنيا والآخرة، وبإهمال التزكيةِ تكونُ الخيبةُ والخسارةُ والهلاك، قال تعالى: ﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ﴾ [الشمس:7].. وقال تعالى: ﴿ فَأَمَّا مَن طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى * وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى ﴾ [النازعات:37]..

 

وفي هذا السياق يأتي قولُ الحقِّ تبارك وتعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ [الحشر:18].. فهذه الآية العظيمة تُعدُّ أصلاً في باب محاسبةِ النفسِ وإصلاحِها، بل وتدلُ على وجوب محاسبةِ النفس ولومِها على تقصيرها وإهمالها، وعلى وجوب تذكيرها بيوم القيامة، وحثها على الاستعداد لذلك اليوم العظيم، ﴿ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِين ﴾ [المطففين:6].. وفي الآية تنبيهٌ عجيب، أنَّ هذا اليومَ يومٌ قريب، ومن قربه كأنه غداً: (وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ)، فـالغدُ يومٌ قريب، ويوم القيامة آتٍ لا ريب فيه، وسيقفُ العبدُ فيه بين يدي ربه ولا بد، وسيحاسبهُ ويسألهُ عن كل ما قدَّمَ وأخر.. ﴿ وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا ﴾ [الكهف:49]..

 

وفي قول الله جلَّ وعلا: ﴿ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى ﴾ [النازعات:40].. دليلٌ على أنَّ الجنةَ لا بدَّ لها من نهيٍ للنفس عن هواها، ومنعها من نزواتها وأطماعها وشهواتها، وأخذها بزمام الحقّ والفضيلة، وإلزامها بأوامر الشرعِ وحدوده، ومجاهدتها على فعل الطاعات، والبعد بها عن المعاصي والمخالفات، ﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [العنكبوت:69].. وفي الحديث الصحيح، قال عليه الصلاة والسلام: "المجاهد من جاهد نفسه على طاعة الله".. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاَهَا * وَالنَّهَارِ إِذَا جَلاَّهَا * وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا * وَالسَّمَاء وَمَا بَنَاهَا * وَالأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا * وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا ﴾ [الشمس:1]..

 

أقول ما تسمعون..

 

الخطبة الثانية

الحمد لله وكفى، وصلاة وسلاماً على عباده الذين اصطفى..

أما بعد: ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنفِقُوا خَيْرًا لِّأَنفُسِكُمْ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون ﴾ [التغابن:16]..

 

معاشر المؤمنين الكرام: الدُّنْيا أَمَدٌ قَصير، والآخِرةُ أَبدٌ طَويْل، والْيَــوْمَ عَـمَـلٌ وَلَا حِسَـابٌ، وَغَـدًا حِسَــابٌ وَلَا عَمَــلٌ.. واللياليَ والأيام، تَنتَقصُ الأَعْمارَ، وتقرِّبُ الآجالَ، وإنَّما أنت أَيَّامٌ، كُلَّمَا ذَهَبَ يَوْمٌ ذَهَبَ بَعْضُك.. فالكيِّسُ من دانَ نفسهُ وعمِلَ لما بعدَ الموت، والعاجزُ المتواني، من اتبعَ نفسهُ هواها، وتمنَّى على الله الأماني، ﴿ يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ * مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ [غافر:39]..

 

ومرورَ الليالي والأيامِ، وتصرُّم السنينَ والأعوامِ، يُدني كلَّ حيٍّ من نهايته، فهو اليومَ أقربُ منه أمس، وهو غداً أقربُ منه اليوم، وكما أنَّ لعامنا هذا يومٌ أخير، فإنّ لكل حيٍّ من المخلوقين يومٌ أخير.. ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَـٰنُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبّكَ كَدْحاً فَمُلَـٰقِيهِ ﴾ [الانشاق:6].. و﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُون ﴾ [العنكبوت:57]..

 

ومع نهاية العام يَحسنُ بالمسلم أن يقفَ مع نفسه وقفةَ مُراجعةٍ ومحاسبة، حِفاظاً على ما حقَّقَ من مكاسِب وحسنات، وتصحِيحاً لما وقع فيه من أخطاءٍ وهفوات، وتلافياً لما قصّر فيه وأهمل، وسعياً منه للأفضلِ والأكمل.. ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّـٰهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّـٰهَا ﴾ [الشمس:7]..

 

فلنتأمل يا عباد الله: سنةٌ كاملةٌ نقصَت من أعمارنا، أبعدتنا عن الدنيا، وقرَّبتنا من الآخرة.. اثنا عشرَ شهراً مُتوالِية، خمسون أسبوعاً، 350 يوماً.. كُلُّها مرَّت تِباعًا، وتصرّمت سِراعًا.. فما الذي أودعناه فيها، وهل ستشهدُ لنا أو علينا، ﴿ هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ [الجاثية:29].. ويقول جل وعلا: ﴿ وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا ﴾ [الإسراء:13]..

 

فيا لها من غفلةٍ وخيمةٍ أن يسيرَ الانسانُ في هذه الحياةِ بلا مُحاسبةٍ لنفسه، كيف والنفسُ كالطفل إن تهملهُ شبَّ على حبِّ الرضـاع وإن تفطِمهُ ينفطـم.. والنفسُ راغبةٌ إذا رغبتها.. وإذا تردُّ إلى قليلٍ تقنعُ.. والله جلَّ جلاله يقول: ﴿ اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ ﴾ [الأنبياء:1]، وقال أمير المؤمنين الفاروق رضي الله عنه: أيّها الناس، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوها قبل أن توزنوا، وتأهبوا للعرض الأكبر على الله، ﴿ يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ ﴾ [الحاقة:18].. وقالَ الإمام ابن القيم رحمه الله: "تركُ المحاسبةِ والاسترسالُ، وتسهيلُ الأمورِ وتمشيتُـها، يقودُ إلى الهلاكِ، وهذه حالُ أهلِ الغرور، يُغْمضُ أحدُهم عينَيهِ عن العواقبِ ويُمَشّيِ الحال، ويتكِلُ على العفو، ويُهمِلُ المحاسبةَ والنّظرُ في العواقب، فإذا فعل ذلك سهُلَ عليه مواقعةُ الذنوبِ وأنسَ بها، وعَسُر عليه فِطامها".. وكتبَ عمرُ بن الخطابِ رضي الله عنه إلى بعضِ عمُّالِهِ: "حاسب نفسكَ في الرخاء قبلَ حسابِ الشِدَّة، فإنّ من حاسبَ نفسهُ في الرخاءِ قبلَ حسابِ الشدة، عادَ أمرُه إلى الرضا والغِبطة، ومن ألهتهُ حياتهُ وشغلتْـهُ أهواؤه عادَ أمرُه إلى النَّدامةٍ والخسارة"، وقال الحسن البصري رحمه الله: "إنّ المؤمنَ لا تراهُ إلا يلومُ نفسهُ على كلِّ حالاته، ويندمُ ويحاسبُ نفسَهُ، وإنّ الفاجرَ يمضي قُدُمـاً ولا يُعاتبُ نفسَه"، وقال الإمام الماوردي: "محاسبةُ النفسِ أن يتصفحَ الإنسانُ في ليله ما صدرَ من أفعال نهارَه، فإن كان محمودًا أمضاه، وأتبعه بما شابهه وضاهاه، وإن كان مذمومًا استدركهُ إن أمكن، وامتنعَ عن مثله في المستقبل".. وقال الامام ابن حبان: "أفضلُ ذوِي العقولِ منزلةً أدومُهم لنفسه محاسبة".. وقال الإمام ابن القيم: "حقٌ على المؤمن الحازم، أن لا يغفَلَ عن محاسبة نفسهِ والتضييقِ عليها، فكلُّ نَفَسٍ من الأنفاسِ جوهرةٌ نفيسة، يمكن أن يُشترى بها كنزٌ لا يتناهى نعيمه، فإضاعةُ هذه الأنفاسِ خُسرانٌ عظيمٌ لا يَسمحُ بمثله إلا أجهلُ الناس، وأقلِهم عقلًا، وإنما يظهرُ لهُ حقيقةُ هذا الخسران يومُ التغابن، ﴿ يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوَءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا ﴾ [آل عمران:30]..

 

فليتعاهد كلٌّ منا نفسهُ وليتعوَّد أن يكون له في كل يومٍ قبل نومه جلسةً محاسبة، فإن لم يكن ففي الأسبوع مرة، فإن لم يكن ففي الشهر مرة، وليس وراء ذلك إلا الإهمالُ والغفلة..

 

وتذكر أيها المبارك: إنَّ بينك وبين الآخرةِ أنفاسًا تتناقص، وأنَّ بينك وبين القبرِ مسافةٌ تقصُرُ مع الوقت، وسيأتي اليوم الذي يُقالُ فيه: ماتَ فلانٌ وانقطعَ عملُه، وأفضى إلى ما قدَّم.. فماذا أعددتَ لتلك الساعة الرهيبة؟.. ﴿ يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾ [الشعراء:88]..

 

فبادرْ (يا رعاك الله) بإصلاحِ عملك، وتداركْ ما بقي من عمرك وزمنك، وتزوَّدْ من الصالحات لآخرتك.. قبل ﴿ أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِين ﴾ [الزمر:56]..

 

ويا ابن آدم عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزي به، البر لا يبلى والذنب لا ينسى، والديان لا يموت، وكما تدين تدان..

 

اللهم صل على محمد..





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • ولتنظر نفس ما قدمت لغد
  • تفسير: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد)
  • موعظة قرآنية (ولتنظر نفس ما قدمت لغد)
  • {ولتنظر نفس ما قدمت لغد}: معالم المحاسبة وتجديد السير إلى الله (خطبة)

مختارات من الشبكة

  • حديث: يا عائشة، انظرن من إخوانكن، فإنما الرضاعة من المجاعة(مقالة - موقع الشيخ عبد القادر شيبة الحمد)
  • من مائدة الحديث: محل نظر الله تعالى من عباده(مقالة - آفاق الشريعة)
  • خطبة: معالم محاسبة النفس(مقالة - آفاق الشريعة)
  • شدة جمالي ونظرات الرجال(استشارة - الاستشارات)
  • من فضل الله على العباد، هدايتهم، للفوز يوم المعاد (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • المهمات بعد مواسم الخيرات (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • اغتنام العشر وتذكير الزائر بتعظيم الشعائر (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • أقبل رمضان فيا قلوب أقبلي (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • واتقوا الظلم (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • نفوسنا بين المسارعة والمخادعة (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • تكريم 114 حافظا للقرآن في احتفالية بتوزلا
  • مسجد جديد في أيتونا يلبي احتياجات المصلين الزائدة
  • مساجد تتارستان تستعد لاستقبال مئات الأطفال في الدورات الصيفية
  • أهالي تاتارسكوي تيكاشيفو يحتفلون بافتتاح مسجد الإخلاص
  • تخريج 23 باحثا في الدراسات الإسلامية بالأكاديمية الإسلامية البلغارية
  • انطلاق فعاليات المدرسة الصيفية الإسلامية للباحثين في بلغاريا
  • مسجد جديد متكامل الخدمات بعد عام من أعمال البناء في نوفوشيشمينسكي
  • "الذكاء الاصطناعي في يد المسلم" عنوان فعالية علمية في تتارستان

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1447هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 27/12/1447هـ - الساعة: 15:52
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب