• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | مقالات شرعية   دراسات شرعية   نوازل وشبهات   منبر الجمعة   روافد   من ثمرات المواقع  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    {وأما بنعمة ربك فحدث} خطبة
    د. محمد حرز
  •  
    من وسائل الثبات على دين الله عز وجل (10) الزهد في ...
    محمد بن عبدالله العبدلي
  •  
    من فضائل حسن الخلق (1)
    الشيخ ندا أبو أحمد
  •  
    لطائف من مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (توحيد ...
    سائد بن جمال دياربكرلي
  •  
    تحريم تحريف القرآن والزيادة فيه والنقص منه
    فواز بن علي بن عباس السليماني
  •  
    أهلية القرآن ومقوماتها
    د. أحمد الدمرداش
  •  
    ومضات نبوية: "إن لصاحب الحق مقالا"
    علي بن حسين بن أحمد فقيهي
  •  
    الورع وترك الشبهات
    د. خالد بن محمود بن عبدالعزيز الجهني
  •  
    الكساء الرباني (خطبة)
    د. محمد بن عبدالله بن إبراهيم السحيم
  •  
    جنة الخلد (10) جنتان من ذهب وجنتان من فضة
    الشيخ د. إبراهيم بن محمد الحقيل
  •  
    ‫القلب قبل السبب‬‬‬‬
    عبدالله بن إبراهيم الحضريتي
  •  
    الرد على شبهة حول آية {وما من دابة في الأرض ولا ...
    د. جاسر يزن سيف الدين
  •  
    تفسير قوله تعالى: {وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى ...
    سعيد مصطفى دياب
  •  
    العتاب واللوم (خطبة)
    د. محمد بن عبدالعزيز بن إبراهيم بلوش ...
  •  
    مواقيت الحج وأنواع النسك
    الشيخ محمد بن عبدالله السبيل
  •  
    الحديث الأربعون: فضيلة حسن الخلق
    الدكتور أبو الحسن علي بن محمد المطري
شبكة الألوكة / آفاق الشريعة / مقالات شرعية / عقيدة وتوحيد
علامة باركود

لطائف من مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (توحيد الربوبية - 2)

لطائف من مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (توحيد الربوبية - 2)
سائد بن جمال دياربكرلي

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 7/5/2026 ميلادي - 20/11/1447 هجري

الزيارات: 63

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

لطائف من مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية

(توحيد الربوبية - 2)


ليس في القدر لابن آدم حجة ولا عذر:

وليس في القدر حجة لابن آدم ولا عذر، بل القدر يؤمن به ولا يحتج به، والمحتج بالقدر فاسد العقل والدين، متناقض، فإن القدر إن كان حجة وعذرًا لزم ألَّا يُلام أحد، ولا يعاقب ولا يقتص منه، وحينئذٍ فهذا المحتج بالقدر يلزمه - إذا ظُلم في نفسه وماله وعرضه وحرمته - ألَّا ينتصر من الظالم ولا يغضب عليه ولا يذمه، وهذا أمر ممتنع في الطبيعة لا يمكن أحدًا أن يفعله، فهو ممتنع طبعًا محرم شرعًا.


ولو كان القدر حجة وعذرًا لم يكن إبليس ملومًا ولا معاقبًا، ولا فرعون وقوم نوح وعاد وثمود وغيرهم من الكفار، ولا كان جهاد الكفار جائزًا، ولا إقامة الحدود جائزًا، ولا قطع السارق ولا جلد الزاني ولا رجمه ولا قتل القاتل ولا عقوبة معتدٍ بوجه من الوجوه.


ولما كان الاحتجاج بالقدر باطلًا في فطر الخلق وعقولهم لم تذهب إليه أمة من الأمم، ولا هو مذهب أحد من العقلاء الذين يطردون قولهم، فإنه لا يستقيم عليه مصلحة أحد لا في دنياه ولا آخرته، ولا يمكن اثنان أن يتعاشرا ساعة واحدة إن لم يكن أحدهما ملتزمًا مع الآخر نوعًا من الشرع، فالشرع نور الله في أرضه وعدله بين عباده[1].


من احتج بالقدر على ترك المأمور أو الجزع من المقدور فقد عكس الدين والإيمان:

فمن احتج بالقدر على ترك المأمور وجزع من حصول ما يكرهه من المقدور فقد عكس الإيمان والدين، وصار من حزب الملحدين المنافقين، وهذا حال المحتجين بالقدر، فإن أحدهم إذا أصابته مصيبة عظم جزعه وقل صبره، فلا ينظر إلى القدر ولا يسلم له، وإذا أذنب ذنبًا أخذ يحتج بالقدر، فلا يفعل المأمور ولا يترك المحظور ولا يصبر على المقدور، ويدعي مع هذا أنه من كبار أولياء الله المتقين، وأئمة المحققين الموحدين، وإنما هو من أعداء الله الملحدين، وحزب الشيطان اللعين، وهذا الطريق إنما يسلكه أبعد الناس عن الخير والدين والإيمان، تجد أحدهم أجبر الناس إذا قدر، وأعظمهم ظلمًا وعدوانًا، وأذل الناس إذا قُهر، وأعظمهم جزعًا ووهنًا، كما جربه الناس من الأحزاب البعيدين عن الإيمان بالكتاب والمقاتلة من أصناف الناس.


والمؤمن إن قدر عدل وأحسن، وإن قهر وغلب صبر واحتسب، كما قال كعب بن زهير في قصيدته التي أنشدها للنبي صلى الله عليه وسلم - التي أولها بانت سعاد... إلخ - في صفة المؤمنين:

ليسوا مفاريح إن نالت رماحهم يومًا
وليسوا مجازيعًا إذا نيلوا

وسئل بعض العرب عن شيء من أمر النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: ((رأيته يَغلب فلا يبطر، ويُغلب فلا يضجر))، وقد قال تعالى: ﴿ قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [يوسف: 90]، وقال تعالى: ﴿ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا ﴾ [آل عمران: 120]، وقال تعالى: ﴿ بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ ﴾ [آل عمران: 125]، وقال تعالى: ﴿ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ﴾ [آل عمران: 186]، فذكر الصبر والتقوى في هذه المواضع الأربعة، فالصبر يدخل فيه الصبر على المقدور، والتقوى يدخل فيها فعل المأمور وترك المحظور[2].


الرد من كتاب الله على أهل الاتحاد:

فقول القائل: "إن الرب والعبد شيء واحد ليس بينهما فرق" كفر صريح، لا سيما إذا دخل في ذلك كل عبد مخلوق، وأما إذا أراد بذلك عباد الله المؤمنين وأولياءه المتقين، فهؤلاء يحبهم ويحبونه ويوافقونه فيما يحبه ويرضاه ويأمر به، فقد رضي الله عنهم ورضوا عنه، ولما رضوا ما يرضى وسخطوا ما يسخط، كان الحق يرضى لرضاهم ويغضب لغضبهم، إذ ذلك متلازم من الطرفين.


ولا يقال في أفضل هؤلاء: "إن الرب والعبد شيء واحد ليس بينهما فرق"، لكن يقال لأفضل الخلق؛ كما قال الله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ﴾ [الفتح: 10]، وقال: ﴿ مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ﴾ [النساء: 80]، وقال: ﴿ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ ﴾ [التوبة: 62]، وقال: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ﴾ [الأحزاب: 57]، وأمثال ذلك، وأما سائر العباد فإن الله خالقهم ومالكهم وربهم، وخالق قدرتهم وأفعالهم، ثم ما كان من أفعالهم موافقًا لمحبته ورضاه كان محبًّا لأهله مكرمًا لهم، وما كان منها مما يسخطه ويكرهه كان مبغضًا لأهله مهينًا لهم.


وأفعال العباد مفعولة مخلوقة لله، ليست صفةً له ولا فعلًا قائمًا بذاته، وقوله تعالى: ﴿ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى ﴾ [الأنفال: 17]، فمعناه: وما أوصلت إذ حذفت ولكن الله أوصل المرمي، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان قد رمى المشركين بقبضة من تراب وقال: شاهت الوجوه، فأوصلها الله إلى وجوه المشركين وعيونهم، وكانت قدرة النبي صلى الله عليه وسلم عاجزة عن إيصالها إليهم، والرمي له مبدأ وهو الحذف، ومنتهى وهو الوصول؛ فأثبت الله لنبيه المبدأ بقوله: ﴿ إِذْ رَمَيْتَ ﴾ [الأنفال: 17] ونفى عنه المنتهى وأثبته لنفسه بقوله: ﴿ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى ﴾ [الأنفال: 17]، وإلا فلا يجوز أن يكون المثبت عين المنفي، فإن هذا تناقض.


والله تعالى - مع أنه هو خالق أفعال العباد - فإنه لا يصف نفسه بصفة من قامت به تلك الأفعال؛ فلا يسمي نفسه مصليًا ولا صائمًا ولا آكلًا ولا شاربًا، سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوًّا كبيرًا[3].


لا بد من قيام قلب المؤمن بمعرفة الله والمحبة له:

وهو أن المؤمن لا بد أن يقوم بقلبه من معرفة الله والمحبة له ما يوجب أن يكون للمعروف المحبوب في قلبه من الآثار ما يشبه الحلول من بعض الوجوه، لا أنه حلول ذات المعروف المحبوب، لكن هو الإيمان به ومعرفة أسمائه وصفاته؛ قال الله تعالى: ﴿ اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ ﴾ [النور: 35]؛ الآية، قال أبي بن كعب: "مثل نوره في قلب المؤمن"، فهذه هي الأنوار التي تحصل في قلوب المؤمنين، وقد قيل في قوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ ﴾ [المائدة: 5]، إنه الكفر بذلك؛ فإن من كفر بالإقرار الذي هو التصديق بالله وملائكته وكتبه ورسله، والإسلام له المتضمن للاعتقاد والانقياد لإيجاب الواجبات وتحريم المحرمات وإباحة المباحات فهو كافر؛ إذ المقصود لنا من إنزال الكتب وإرسال الرسل هو حصول الإيمان لنا، فمن كفر بهذا فهو كافر بذاك وهذا قد يسمى المثل والمثال، لأنه قد يقال: إن العلم مثال المعلوم في العالم، وكذلك الحب يكون فيه تمثيل المحبوب في المحب، ثم من الناس من يدعي أن كل علم وكل حب ففيه هذا المثال، كما يقوله قوم من المتفلسفة، ومنهم من ينكر حصول شيء من هذا المثال في شيء من العلم والحب[4].


هل في تقرب العبد لله حركة إلى الله؟

قد تحصل حركة بدن العبد إلى بعض الأمكنة المشرفة التي يظهر فيها الإيمان بالله من معرفته وذكره وعبادته، كالحج إلى بيته والقصد إلى مساجده، ومنه قول إبراهيم: ﴿ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ ﴾ [الصافات: 99]، وأما حركة روحه إلى مثل السماوات وغيرها من الأمكنة فأقر به جمهور أهل الإسلام، وأنكره الصابئة الفلاسفة المشاؤون ومن وافقهم، وحركة روحه أو بدنه إلى الله أقر بها أهل الفطرة وأهل السنة والجماعة، وأنكرها كثير من أهل الكلام[5].


الذاتان المتميزتان لا تتحد عين إحداهما بعين الأخرى إلا إذا أصبحتا ذاتًا ثالثة:

فإن الذاتين المتميزتين لا تتحد عين إحداهما بعين الأخرى، ولا عين صفتها بعين صفتها إلا إذا استحالتا بعد الاتحاد إلى ذات ثالثة، كاتحاد الماء واللبن؛ فإنهما بعد الاتحاد شيء ثالث، وليس ماءً محضًا ولا لبنًا محضًا، وأما اتحادهما وبقاؤهما بعد الاتحاد على ما كانا عليه فمحال، ومن هنا يُعلم أن الله لا يمكن أن يتحد بخلقه، فإن استحالته محال، وإنما تتحد الأسباب والأحكام في العين، وتتحد الأسماء والصفات في النوع، مثل المتحاربين المتخالين الذين صار أحدهما يحب عين ما يحبه الآخر ويبغض ما يبغضه، ويتنعم بما يتنعم به ويتألم بما يتألم به، وهذا فيه مراتب ودرجات لا تنضبط، فأسماؤهما وصفاتهما صارتا من نوع واحد[6].


في معنيين هما حقيقة الدين واليقين والإيمان:

أما الأول (وهو كون الله في قلبه بالمعرفة والمحبة): فهذا فرض على كل أحد ولا بد لكل مؤمن منه؛ فإن أدى واجبه فهو مقتصد، وإن ترك بعض واجبه فهو ظالم لنفسه، وإن تركه كله فهو كافر بربه.


وأما الثاني (وهو موافقة ربه فيما يحبه ويكرهه، ويرضاه ويسخطه): فهذا على الإطلاق إنما هو للسابقين المقربين الذين تقربوا إلى الله بالنوافل - التي يحبها ولم يفرضها - بعد الفرائض التي يحبها ويفرضها ويعذب تاركها، ولهذا كان هؤلاء - لما أتوا بمحبوب الحق من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة المنتظمة للمعارف والأحوال والأحمال - أحبهم الله تعالى فقال: ((ولا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه))، فعلوا محبوبه فأحبهم، فإن الجزاء من جنس العمل، مناسب له مناسبة المعلول لعلته، ولا يتوهم أن المراد بذلك أن يأتي العبد بعين كل حركة يحبها الله، فإن هذا ممتنع، وإنما المقصود أن يأتي بما يقدر عليه من الأعمال الباطنة والظاهرة، والباطنة يمكنه أن يأتي منها بأكثر مما يأتي به من الظاهرة، كما قال بعض السلف: "قوة المؤمن في قلبه، وضعفه في جسمه، وقوة المنافق في جسمه، وضعفه في قلبه"، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: ((المرء مع من أحب))، وقال: ((إن بالمدينة لرجالًا ما سرتم مسيرًا، ولا قطعتم واديًا، إلا كانوا معكم حبسهم العذر))، وقال: ((فهما في الأجر سواء))، في حديث القادر على الإنفاق والعاجز عنه الذي قال: ((لو أن لي مثل ما لفلان لعملت فيه مثل ما عمل))، فإنهما لما استويا في عمل القلب - وكان أحدهما معذور الجسم - استويا في الجزاء؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إذا مرض العبد أو سافر كُتب له من العمل مثل ما كان يعمل وهو صحيح مقيم))[7].


الباطل نوعان:

أحدهما: المعدوم، وإذا كان معدومًا كان اعتقاد وجوده والخبر عن وجوده باطلًا؛ لأن الاعتقاد والخبر تابع للمعتقد المخبر عنه، يصح بصحته ويبطل ببطلانه، فإذا كان المعتقد المخبر عنه باطلًا، كان الاعتقاد والخبر كذلك، وهو الكذب.


الثاني: ما ليس بنافع ولا مفيد؛ كقوله تعالى: ﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ﴾ [ص: 27]، وكقول النبي: ((كل لهو يلهو به الرجل فهو باطل، إلا رميه بقوسه وتأديبه فرسه وملاعبته امرأته، فإنهن من الحق))، وقوله عن عمر: ((إن هذا رجل لا يحب الباطل))، وما لا منفعة فيه فالأمر به باطل، وقصده وعمله باطل، إذ العمل به والقصد إليه والأمر به باطل.


ومن هذا قول العلماء: العبادات والعقود تنقسم إلى صحيح وباطل.


فالصحيح: ما ترتب عليه أثره وحصل به مقصوده.


والباطل: ما لم يترتب عليه أثره ولم يحصل به مقصوده.


ولهذا كانت أعمال الكفار باطلًا؛ فإن الكافر من جهة كونه كافرًا يعتقد ما لا وجود له ويخبر عنه، فيكون ذلك باطلًا، ويعبد ما لا تنفعه عبادته ويعمل له ويأمر به، فيكون ذلك أيضًا باطلًا[8].


اتحاد الذات بالذات باطل:

وأما اتحاد ذات العبد بذات الرب، بل اتحاد ذات عبد بذات عبد، أو حلول حقيقة في حقيقة كحلول الماء في الوعاء فهذا باطل قطعًا، بل ذلك باطل في العبد مع العبد، فإنه لا تتحد ذاته بذاته، ولا تحل ذات أحدهما في ذات الآخر، وهذا هو الذي وقعت فيه الاتحادية والحلولية من النصارى وغيرهم من غالية هذه الأمة وغيرها، وهو اتحاد متجدد بين ذاتين كانتا متميزتين فصارتا متحدتين، أو حلول إحداهما في الأخرى فهذا بين البطلان، وأبطل منه قول من يقول: "ما زال واحدًا وما ثم تعدد أصلًا وإنما التعدد في الحجاب، فلما انكشف الأمر رأيت أني أنا وكل شيء هو الله، سواء قال بالوحدة مطلقًا، أو بوحدة الوجود المطلق دون المعين، أو بوحدة الوجود دون الأعيان الثابتة في العدم"، فهذه وما قبلها مذاهب أهل الكفر والضلال، كما أن الأولى مذهب أهل الإيمان والعلم والهدى، ومن كفر بالحق من ذلك أو آمن بالباطل فهما في طرفي نقيض كاليهود والنصارى، وأما المؤمنون فيؤمنون بحق ذلك دون باطله، وكتاب الله وسنة رسوله فيهما الهدى والنور، وفيهما بيان الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين[9].


حصول المحبة ليس من الحلول:

وفي القرآن من ذكر الاصطفاء والاجتباء والتقريب والمناجاة والمناداة والخلة، ونحو ذلك، ما هو كثير، وكذلك في السنة، وهذا مما اتفق عليه قدماء أهل السنة والجماعة وأهل المعرفة والعبادة والعلم والإيمان، وخالف في حقيقته قوم من الملحدة المنافقين المضارعين للصابئين ومن وافقهم، والمضارعين لليهود والنصارى من الجهمية أو من فيه تجهم، وإن كان الغالب عليه السنة.


فتارة ينكرون أن الله يخالل أحدًا أو يحب أحدًا أو يواد أحدًا أو يكلم أحدًا أو يتكلم، ويحرفون الكلم عن مواضعه، فيفسرون ذلك تارة بإحسانه إلى عباده، وتارة بإرادته الإحسان إليهم، وتارة ينكرون أن الله يحب أو يخالل، ويحرفون الكلم عن مواضعه في محبة العبد له بأنه إرادة طاعته أو محبته على إحسانه.


وأما إنكار الباطل، فقد نزه الله نفسه عن الوالد والولد، وكفر من جعل له ولدًا أو والدًا أو شريكًا؛ فقال تعالى في السورة التي تعدل ثلث القرآن، التي هي صفة الرحمن، ولم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم في فضل سورة من القرآن ما صح في فضلها، حتى أفرد الحفاظ مصنفات في فضلها كالدارقطني وأبي نعيم وأبي محمد الخلال، وأخرج أصحاب الصحيح فيها أحاديث متعددة، قال فيها: ﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ ﴾ [الإخلاص: 1 - 4]، وعلى هذه السورة اعتماد الأئمة في التوحيد كالإمام أحمد والفضيل بن عياض وغيرهما من الأئمة قبلهم وبعدهم، فنفى عن نفسه الأصول والفروع والنظراء، وهي جماع ما ينسب إليه المخلوق من الآدميين والبهائم والملائكة والجن، بل والنبات ونحو ذلك[10].


نهي أهل الكتاب عن الغلو في الدين:

فنهى أهل الكتاب عن الغلو في الدين وعن أن يقولوا على الله إلا الحق، وذكر القول الحق في المسيح، ثم قال لهم: ﴿ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ﴾ [النساء: 171]؛ لأنهم كفروا بالله بتثليثهم، وكفروا برسله بالاتحاد والحلول، فكفروا بأصلي الإسلام العام: التي هي الشهادة لله بالوحدانية في الألوهية، والشهادة للرسل بالرسالة، وذكر أن المسيح والملائكة لا يستنكفون عن عبادته، لأن من الناس من جعل الملائكة أولاده كالمسيح، وعبدوا الملائكة والمسيح[11].


غلط من لم يفرقوا بين علم الله بالأشياء، وأنها مثبتة عنده في أم الكتاب وبين ثبوتها في الخارج:

وإنما غلط هؤلاء من حيث لم يفرقوا بين علم الله بالأشياء قبل كونها - وأنها مثبتة عنده في أم الكتاب في اللوح المحفوظ - وبين ثبوتها في الخارج عن علم الله تعالى، فإن مذهب المسلمين أهل السنة والجماعة أن الله سبحانه وتعالى كتب في اللوح المحفوظ مقادير الخلائق قبل أن يخلقها، فيفرقون بين الوجود العلمي وبين الوجود العيني الخارجي.


ولهذا كان أول ما نزل على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم سورة: ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴾ [العلق: 1 - 5]، فذكر المراتب الأربع وهي: الوجود العيني الذي خلقه، والوجود الرسمي المطابق للفظي الدال على العلمي، وبين أن الله تعالى علمه، ولهذا ذكر التعليم بالقلم فإنه مستلزم للمراتب الثلاثة.


وهذا القول - أعني قول من يقول: إن المعدوم شيء ثابت في نفسه خارج عن علم الله تعالى - وإن كان باطلًا ودلالته واضحة لكنه قد ابتدع في الإسلام من نحو أربعمائة سنة، وابن عربي وافق أصحابه وهو أحد أصلي مذهبه الذي في الفصوص[12].


سُئل عن الحلاج، وعمن قال: إنه يعتقد ما يعتقده الحلاج:

سُئل شيخ الإسلام قدس الله روحه:

ما تقول أئمة الإسلام في الحلاج؟ وفيمن قال: أنا أعتقد ما يعتقده الحلاج، ماذا يجب عليه؟ ويقول: إنه قتل ظلمًا كما قُتل بعض الأنبياء؟ ويقول: الحلاج من أولياء الله، فماذا يجب عليه بهذا الكلام؟ وهل قُتل بسيف الشريعة؟


فأجاب:

الحمد لله، من اعتقد ما يعتقده الحلاج من المقالات التي قتل الحلاج عليها فهو كافر مرتد باتفاق المسلمين؛ فإن المسلمين إنما قتلوه على الحلول والاتحاد ونحو ذلك من مقالات أهل الزندقة والإلحاد، كقوله: أنا الله، وقوله: إله في السماء وإله في الأرض، وقد عُلم بالاضطرار من دين الإسلام أنه لا إله إلا الله، وأن الله خالق كل شيء، وكل ما سواه مخلوق و: ﴿ إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا ﴾ [مريم: 93]، وقال تعالى: ﴿ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ ﴾ [النساء: 171] الآيات، وقال تعالى: ﴿ لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ﴾ [المائدة: 17] الآيتين، فالنصارى الذين كفرهم الله ورسوله واتفق المسلمون على كفرهم بالله ورسوله، كان من أعظم دعواهم الحلول والاتحاد بالمسيح ابن مريم، فمن قال بالحلول والاتحاد في غير المسيح - كما تقوله الغالية في علي وكما تقوله الحلاجية في الحلاج والحاكمية في الحاكم وأمثال هؤلاء - فقولهم شر من قول النصارى، لأن المسيح ابن مريم أفضل من هؤلاء كلهم.


وهؤلاء من جنس أتباع الدجال الذي يدعي الإلهية ليتبع، مع أن الدجال يقول للسماء أمطري فتمطر، وللأرض أنبتي فتنبت، وللخربة أخرجي كنوزك فتخرج معه كنوز الذهب والفضة، ويقتل رجلًا مؤمنًا ثم يأمر به فيقوم، ومع هذا فهو الأعور الكذاب الدجال، فمن ادعى الإلهية بدون هذه الخوارق كان دون هذا الدجال، والحلاج كانت له مخاريق وأنواع من السحر، وله كتب منسوبة إليه في السحر، وبالجملة فلا خلاف بين الأمة أن من قال بحلول الله في البشر واتحاده به، وأن البشر يكون إلهًا، وهذا من الآلهة، فهو كافر مباح الدم، وعلى هذا قُتل الحلاج.


ومن قال: إن الله نطق على لسان الحلاج، وأن الكلام المسموع من الحلاج كان كلام الله وكان الله هو القائل على لسانه: أنا الله، فهو كافر باتفاق المسلمين؛ فإن الله لا يحل في البشر، ولا تكلم على لسان بشر، ولكن يرسل الرسل بكلامه فيقولون عليه ما أمرهم ببلاغه، فيقول على ألسنة الرسل ما أمرهم بقوله كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((أما إن الله قال على لسان نبيه: سمع الله لمن حمده))، فإن كل واحد من المرسل والرسول قد يقال إنه يقول على لسان الآخر[13].


سُئل عمن يقول: ما ثم إلا الله، هل هو كافر؟

سُئل شيخ الإسلام وحجة الأنام أبو العباس ابن تيمية رضي الله عنه عمن يقول: إن ما ثَم إلا الله، فقال شخص كل من قال هذا الكلام فقد كفر.


فأجاب رضي الله عنه:

الحمد لله، قول القائل: ما ثم إلا الله لفظ مجمل يحتمل معنًى صحيحًا ومعنًى باطلًا، فإن أراد ما ثم خالق إلا الله ولا رب إلا الله، ولا يجيب المضطرين ويرزق العباد إلا الله، فهو الذي يعطي ويمنع ويخفض ويرفع ويعز ويذل، وهو الذي يستحق أن يُستعان به ويتوكل عليه، ويستعاذ به ويلتجئ العباد إليه، فإنه لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع ولا ينفع ذا الجد منه الجد؛ كما قال تعالى في فاتحة الكتاب: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ [الفاتحة: 5]، وقال تعالى: ﴿ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ﴾ [هود: 123]، وقال: ﴿ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ ﴾ [الرعد: 30]، فهذه المعاني كلها صحيحة، وهي من صريح التوحيد وبها جاء القرآن، فالعباد لا ينبغي لهم أن يخافوا إلا الله؛ كما قال تعالى: ﴿ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ ﴾ [المائدة: 44]، وقال تعالى: ﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ ﴾ [آل عمران: 173، 174] إلى قوله: ﴿ إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ ﴾ [آل عمران: 175]، وكذلك لا ينبغي ألَّا يُرجى إلا الله؛ قال الله تعالى: ﴿ مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ [فاطر: 2] وقال تعالى: ﴿ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ ﴾ [الزمر: 38]، ولا ينبغي لهم أن يتوكلوا إلا على الله، كما قال تعالى: ﴿ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ ﴾ [إبراهيم: 12]، ولا ينبغي لهم أن يعبدوا إلا الله؛ كما قال تعالى: ﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ ﴾ [البينة: 5]، ولا يدعوا إلا الله، كما قال تعالى: ﴿ وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا ﴾ [الجن: 18]، وقال تعالى: ﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ ﴾ [الشعراء: 213]، سواء كان دعاء عبادة أو دعاء مسألة.


وأما إن أراد القائل: ما ثم إلا الله، ما يقوله أهل الاتحاد من أنه ما ثم موجود إلا الله، ويقولون: ليس إلا الله، أي ليس موجود إلا الله، ويقولون: إن وجود المخلوقات هو وجود الخالق، والخالق هو المخلوق، والمخلوق هو الخالق، والعبد هو الرب، والرب هو العبد، ونحو ذلك من معاني الاتحادية الذين لا يفرقون بين الخالق والمخلوق، ولا يثبتون المباينة بين الرب والعبد، ونحو ذلك من المعاني التي توجد في كلام ابن عربي الطائي وابن سبعين وابن الفارض والتلمساني ونحوهم من الاتحادية، وكذلك من يقول بالحلول، كما يقوله الجهمية الذين يقولون: إن الله بذاته في كل مكان، ويجعلونه مختلطًا بالمخلوقات، حتى إن هؤلاء يجعلونه في الكلاب والخنازير والنجاسات، أو يجعلون وجود ذلك وجوده، فمن أراد هذه المعاني فهو ملحد ضال يجب أن يُستتاب فإن تاب وإلا قُتل، والله سبحانه وتعالى أعلم[14].


سُئل عن قوله صلى الله عليه وسلم: ((لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر))، فهل هذا موافق لما يقوله الاتحادية؟ بينوا لنا ذلك.


فأجاب:

الحمد لله، قوله: ((لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر)) مروي بألفاظ أخر، كقوله: ((يقول الله: يؤذيني ابن آدم، يسب الدهر وأنا الدهر، بيدي الأمر أقلب الليل والنهار))، وفي لفظ: ((لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر، يقلب الليل والنهار))، وفي لفظ: ((يقول ابن آدم: يا خيبة الدهر، وأنا الدهر))، فقوله في الحديث: ((بيدي الأمر أقلب الليل والنهار)) يبين أنه ليس المراد به أنه الزمان، فإنه قد أخبر أنه يقلب الليل والنهار، والزمان هو الليل والنهار؛ فدل نفس الحديث على أنه هو يقلب الزمان ويصرفه، كما دل عليه قوله تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ * يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ ﴾ [النور: 43، 44]، وإزجاء السحاب سوقه، والودق المطر، فقد بين سبحانه خلقه للمطر وإنزاله على الأرض، فإنه سبب الحياة في الأرض، فإنه سبحانه جعل من الماء كل شيء حي؛ ثم قال: ﴿ يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ﴾ [النور: 44] إذ تقليبه الليل والنهار تحويل أحوال العالم، بإنزال المطر الذي هو سبب خلق النبات والحيوان والمعدن، وذلك سبب تحويل الناس من حال إلى حال، المتضمن رفع قوم وخفض آخرين.


وقد أخبر سبحانه بخلقه الزمان في غير موضع، كقوله: ﴿ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ﴾ [الأنعام: 1] وقوله: ﴿ وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ﴾ [الأنبياء: 33]، وقوله: ﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا ﴾ [الفرقان: 62]، وقوله: ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ ﴾ [آل عمران: 190]، وغير ذلك من النصوص التي تبين أنه خالق الزمان، ولا يتوهم عاقل أن الله هو الزمان؛ فإن الزمان مقدار الحركة، والحركة مقدارها من باب الأعراض والصفات القائمة بغيرها كالحركة والسكون والسواد والبياض، ولا يقول عاقل: إن خالق العالم هو من باب الأعراض والصفات المفتقرة إلى الجواهر والأعيان، فإن الأعراض لا تقوم بنفسها بل هي مفتقرة إلى محل تقوم به، والمفتقر إلى ما يغايره لا يوجد بنفسه، بل بذلك الغير فهو محتاج إلى ما به في نفسه من غيره، فكيف يكون هو الخالق؟ ثم أن يستغني بنفسه وأن يحتاج إليه ما سواه، وهذه صفة الخالق سبحانه، فكيف يتوهم أنه من النوع الأول[15].



[1] انظر: مجموع الفتاوى، تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبدالحليم بن عبدالسلام ابن تيمية الحراني، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، ج2 ص323.

[2] انظر: مجموع الفتاوى، ج2 ص326-327.

[3] انظر: مجموع الفتاوى، ج2 ص374-376.

[4] انظر: مجموع الفتاوى، ج2 ص383.

[5] انظر: مجموع الفتاوى، ج2 ص386.

[6] انظر: مجموع الفتاوى، ج2 ص387.

[7] انظر: مجموع الفتاوى، ج2 ص394-395.

[8] انظر: مجموع الفتاوى، ج2 ص415-416.

[9] انظر: مجموع الفتاوى، ج2 ص435-436.

[10] انظر: مجموع الفتاوى، ج2 ص437-438.

[11] انظر: مجموع الفتاوى، ج2 ص441-442.

[12] انظر: مجموع الفتاوى، ج2 ص470.

[13] انظر: مجموع الفتاوى، ج2 ص480-482.

[14] انظر: مجموع الفتاوى، ج2 ص488-490.

[15]انظر: مجموع الفتاوى، ج2 ص491-492.





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • لطائف من مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (تمهيد)
  • لطائف من مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (توحيد الألوهية - 1)
  • لطائف من مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (توحيد الألوهية - 2)
  • لطائف من مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (توحيد الربوبية - 1)

مختارات من الشبكة

  • أنيس الحفاظ في لطائف الألفاظ (205) سؤالا في لطائف ألفاظ الكتاب العزيز (PDF)(كتاب - مكتبة الألوكة)
  • لطائف البيان في تفسير القرآن: تفسير جزئي يوسف والحجر (13 - 14) (PDF)(كتاب - مكتبة الألوكة)
  • لطائف من القرآن (5)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • لطائف البيان في تفسير القرآن: تفسير جزئي الأنبياء والمؤمنون (17 - 18) (PDF)(كتاب - مكتبة الألوكة)
  • لطائف من القرآن (4)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • لطائف من القرآن (3)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • لطائف البيان في تفسير القرآن: تفسير جزئي الذاريات والمجادلة (27 - 28) (PDF)(كتاب - مكتبة الألوكة)
  • لطائف البيان في تفسير القرآن: تفسير جزئي الفرقان والنمل (19 - 20) (PDF)(كتاب - مكتبة الألوكة)
  • لطائف من القرآن (2)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • لطائف البيان في تفسير القرآن: تفسير جزئي العنكبوت والأحزاب (21 - 22) (PDF)(كتاب - مكتبة الألوكة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • اختتام الدورة الثالثة عشرة لمسابقة التربية الإسلامية في فيليكو تشاينو
  • مسجد "توجاي" يرى النور بعد اكتمال أعمال بنائه في يوتازين
  • وضع حجر أساس مسجد جديد في غاليتشيتشي
  • تعديلات جديدة تمهد للموافقة على بناء مركز إسلامي في ستوفيل
  • ندوة شاملة لإعداد حجاج ألبانيا تجمع بين التنظيم والتأهيل
  • اختتام الدورة السابعة عشرة من "مدرسة اليوم الواحد" لتعليم أصول الإسلام في تتارستان
  • الذكاء الاصطناعي وتعليم اللغة العربية محور نقاش أكاديمي في قازان
  • استعدادا لموسم الحج... محاضرات تأهيلية للحجاج في موسكو

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1447هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 19/11/1447هـ - الساعة: 15:12
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب