• الصفحة الرئيسية خريطة الموقع RSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
  • Facebook
  • Twitter
  • YouTube
  • Instagram
  • Telegram
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد   إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | مقالات شرعية   دراسات شرعية   نوازل وشبهات   منبر الجمعة   روافد   من ثمرات المواقع  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    الشهداء في غير قتال الكفار
    رمزي صالح محمد
  •  
    الأربعون (خطبة)
    ساير بن هليل المسباح
  •  
    الشفاء في القران الكريم حقيقة إعجازية
    د. تيسير الغول
  •  
    الرقية للحبس عن المرأة
    د. عبدالعزيز بن سعد الدغيثر
  •  
    تفسير سورة آل عمران الآيات (49 – 50)
    يوسف بن عبدالعزيز بن عبدالرحمن السيف
  •  
    الفرق بين التفسير النبوي والتفسير بالسنة
    الشيخ أ. د. عرفة بن طنطاوي
  •  
    "احفظ الله يحفظك..." وصية نبوية في زمن الفتن ...
    د. صغير بن محمد الصغير
  •  
    لا إله إلا الله وحلاوة الإيمان (خطبة)
    د. هيثم بن عبدالمنعم بن الغريب صقر
  •  
    {فاعف عنهم واصفح إن الله يحب المحسنين}
    أ. د. فؤاد محمد موسى
  •  
    من مائدة الحديث: فضل الإكثار من تلاوة القرآن
    عبدالرحمن عبدالله الشريف
  •  
    من آداب النوم (الجزء الثالث)
    د. أمير بن محمد المدري
  •  
    السنة بيان القرآن وتأويله
    أبو عاصم البركاتي المصري
  •  
    تحريم القول على الله تعالى بغير علم
    فواز بن علي بن عباس السليماني
  •  
    الصمت الأخلاقي: حين تتحدث القيم بلا صوت
    أحمد محمد القزعل
  •  
    تعظيم قدر الصحابة (خطبة)
    أحمد بن عبدالله الحزيمي
  •  
    الصبر عند البلاء
    ناصر عبدالغفور
شبكة الألوكة / آفاق الشريعة / منبر الجمعة / الخطب / الرقائق والأخلاق والآداب
علامة باركود

خلق الأقوياء

خلق الأقوياء
أحمد بن عبدالله الحزيمي

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 1/1/2018 ميلادي - 15/4/1439 هجري

الزيارات: 15747

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

خلق الأقوياء


الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مَالكِ يَوْمِ الدِّينِ، لَا عِزَّ إلّا فِي طَاعَتِهِ، وَلَا سَعَادَةَ إلّا فِي رِضاهُ، وَلَا نَعِيمَ إلّا فِي ذِكْرِهِ، الَّذِي إِذَا أُطِيعَ شَكَرَ، وَإِذَا عُصِيَ تَابَ وَغَفَرَ، وَالَّذِي إِذَا دُعِيَ أَجَابَ، وَإِذَا اسْتُعِيذَ بِهِ أَعَاذَ. وَأَشْهَدُ أَنَّ محمداً عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا...

 

أَمَّا بَعْدُ:

فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللَّهِ ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ﴾ [الطلاق: 2، 3].

عِبَادَ اللَّهِ: لَمَّا دَخَلَ الرَّسُولُ الْكَرِيمُ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ مَكَّةَ فَاتِحًا مُنْتَصِرًا عَلَى الْمُشْرِكِينَ، جَعَلَ عَلَيه السلامُ يَتَأَمَّلُ فِي وُجُوهِ الْكُفَّارِ وَهُوَ فِي قِمَّةِ عِزِّهِ وَمُلْكِهِ عِنْدَ بَابِ الْكَعْبَةِ، وَهُمْ فِي غَايَةِ ذُلِّهِمْ وَضَعْفِهِمْ، فِي مَكَانٍ طَالَمَا كَذَّبُوهُ فِيهِ وَأَهَانُوهُ وَأَلْقَوْا عَلَيهِ الْأَوْسَاخَ وَهُوَ سَاجِدٌ، وَكَفَّارُ قُرَيْشٍ الْيَوْمَ بَيْنَ يَدَيْهِ مَهْزُومِينَ أَذِلاءَ صَاغِرِينَ، ثُمَّ قَالَ: "يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، مَا تَرَوْنَ أَنَّي فَاعِلٌ بكُمْ؟" فَانْتَفَضُوا وَقَالُوا: تَفْعَلُ بِنَا خَيْرًا؛ أَنْتَ أَخٌ كَرِيمٌ وَابْنُ أَخٍ كَرِيمٍ.


عَجَبًا! هَلْ نَسُوا مَا كَانُوا يَفْعَلُونَهُ بِهَذَا الْأَخِ الْكَرِيمِ؟! أَيْنَ سَبُّكُمْ: مَجْنُونٌ.. سَاحِرٌ.. كَاهِنٌ؟! مَا دَامَ أَنَّه أَخٌ كَرِيمٌ فَلِماذا حَاربتُمُوهُ؟! أَيْنَ تَعْذِيبُكُمْ لِلْمُسْلِمِينَ وَاضطِهادُكُمْ لِلضُّعفاءِ؟! أَيْنَ حَرْبُكُمْ لَهُ فِي بَدْرٍ وَأُحُدٍ وَتَحَزُّبُكُمْ يَوْمَ الْخَنْدَقِ؟! أَيْنَ شَرِيطٌ طَوِيلٌ مِنَ الذِّكْرَيَاتِ الْمُؤْلِمَةِ؟! وَالْيَوْمَ تَقُولُونَ: أَخٌ كَرِيمٌ! كَانَ عَلَيهِ السّلامُ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُنْزِلَ بِهِمْ أقْسَى أَنْوَاعِ الْعُقُوبَاتِ، فَهُمْ أَعْدَاءٌ مُحَارِبُونَ مُعْتَدُونَ خَوَنَةٌ، فَإِذَا بِهِ عَلَيه السّلامُ يَدُوسُ عَلَى الْأَحْقَادِ وَيُحَلِّقُ بِهِمَّتِهِ عَالِيًا وَيَقُولُ كَلِمَةً يَهْتِفُ بِهَا التَّارِيخُ: "اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ".


وَقَدْ كَانَ الْعَرَبُ الْأَوَّلُونَ فِي جَاهِلِيَّتِهِمْ يَتَفَاخَرُونَ بِالْبَغِيِّ عَلَى بَعْضِهِمُ الْبَعْضِ، وَبِشِدَّةِ بَطْشِهِمْ بِمَنْ أَسَاءَ إِلَيهِمْ، حَتَّى قَالَ قَائِلُهُمْ:

أَلَا لَا يَجْهَلَنْ أحَدٌ عَلَينَا *** فَنَجْهَلَ فَوْقَ جَهْلِ الْجَاهِلِينَا


ثُمَّ جَاءَ الْإِسْلامُ فَتَغَيَّرَتِ الْمَوَازِينُ، وَتَبَدَّلَتِ الْمَفَاهِيمُ، أَتَى الْإِسْلامُ لِيَكْبَحَ جِماحَ هَذَا الشَّرِّ الْمُتَطايِرِ الَّذِي إِنْ بَدَأَ لَا يُبْقِي وَلَا يَذَرُ، جَاءَ هَذَا الدِّينُ الْعَظِيمُ لِيُعْلِنَ لِلْعَالَمِ أَجْمَع أَنَّهُ دِينُ التَّسَامُحِ وَالْعَفْوِ وَالرُّقِيِّ.

اقْرَؤوا الْقُرْآنَ الْكَرِيمَ، وَتَأَمَّلُوا أَحادِيثَ سَيِّدِ الْخَلْقِ أَجْمَعِينَ لَنْ تَجِدُوا غَيْرَ هَذَا الأمرِ.


عِبَادَ اللهِ: لَقَدْ جاءتِ الآياتُ مُتَضَافِرَةٌ فِي ذِكْرِ خُلُقِ الْعَفْوِ وَالسَّمَاحَةِ وَالتَّغَاضِي عَنِ الآخَرِينَ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [النور: 22]، وَاسْتَفَاضَتْ عَنْ رَسُولِ الْهُدَى صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ أَحادِيثٌ كَثِيرَةٌ تُبَيِّنُ قَدْرَ هَذَا الْخُلُقِ، مِنْهَا قَوْلُهُ: "وَمَا زادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إلاَّ عِزًّا" رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَفِي لَفْظٍ لِأَحْمَدَ: "مَا مِنْ عَبْدٍ ظُلِمَ بِمَظْلَمَةٍ فَيُغْضِي عَنْهَا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، إِلَّا أَعَزَّ اللَّهُ بِهَا نَصْرَهُ".


أَيُّهَا الْكرامُ:

مَا أَجْمَلَ الْعَفْوَ عَنِ النَّاسِ، وَمَا أَحْسَنَ التَّغَاضِي عَنْ زَلاَّتِهِمْ، وَنِسْيَانَ الْمَاضِي الْألِيمِ! هَذَا خُلُقٌ لَا يَسْتَطِيعُهُ إلّا الْعُظَماءُ مِنَ الرِّجَالِ الَّذِينَ يَتَرَفَّعُونَ بِأخْلاقِهِمْ عَنْ سَفَالَةِ الاِنْتِقامِ وَالْحِقدِ وَشِفَاءِ الْغَيْظِ.


شَيْخُ الْإِسْلامِ ابْنُ تَيمِيَّة -رَحِمَهُ اللهُ- أُوذِيَ وَرُمِيَ بِالْعظائِمِ، وَكَفَّرَهُ عُلَمَاءٌ وَأَفْتَوا السُّلْطَانَ بِقَتْلِهِ، وَضَرَبَ بَعْضُهُمْ عَلَى صَدْرِهِ وَقَالَ: دَمُهُ فِي عُنُقِي، دَمُهُ حَلالٌ، وَبَقِيَ -رَحِمَهُ اللهُ- يُقَادُ مِنْ سِجْنٍ إِلَى سِجْنٍ، قَامَ عَلَيهِ أهْلُ عَصْرِهِ مِنْ شُيُوخِ أهْلِ الْبِدَعِ وَالضَّلالِ وَالْأَهْوَاءِ، وَمِنَ الْحَسَدَةِ الَّذِينَ امْتَلأتْ قُلُوبُهُمْ غَيْظًا وَحنقًا عَلَى هَذَا الإمَامِ، الَّذِي مَلأَ الدُّنْيا عِلْمًا وَدَعْوَةً؛ وَكَسَرَ أَهْلَ الضَّلالِ وَالْبِدَعِ بِصَوارِمِ السُّنَّةِ؛ وَلا زَالَتْ كُتُبُهُ شَاهِدَةً بِذَلِكَ.


وَكَانَ مِنْ أَلَدِّ أَعْدَاءِ شَيْخِ الْإِسْلامِ الَّذِينَ يُفْتُونَ بِقَتْلِهِ، وَبِحِلِّ دَمِهِ، وَبِكُفْرِهِ: رَجُلٌ مِنْ فقهاءِ الْمالِكِيَّةِ يُقَالُ لَهُ "ابْنُ مَخْلُوفٍ"، مَاتَ ابْنُ مَخْلُوفٍ فِي حَيَاةِ شَيْخِ الْإِسْلامِ اِبْنِ تَيمِيَّةَ -رَحِمَهُ اللهُ- فَعَلِمَ بِذَلِكَ تِلْميذُهُ ابْنُ الْقَيِّمِ فَجَاءَ يُهَرْوِلُ إِلَيه يُبَشِّرُهُ بِمَوْتِ أَلَدِّ أَعْدَائِهِ يَقُولُ لَهُ: "أَبْشِرْ؛ قَدْ مَاتَ ابْنُ مَخْلُوفٍ"، فَمَاذَا صَنَعَ الشَّيْخُ؟ هَلْ سَجَدَ سَجْدَةَ شُكْرٍ؟ هل حَمِدَ اللهَ الَّذِي خَلَّصَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ شَرِّهِ؟! وهَلْ قَالَ عندَ اللهِ تَجْتَمِعُ الْخُصُومُ، كُلُّ ذلكَ لَمْ يَقُلْ، بَلْ يَقُولُ ابْنُ الْقَيِّمِ: "فَنَهَرَنِي وَتَنَكَّرَ لِي، ثُمَّ اسْتَرْجَعَ وَقَالَ: "إنَّا للهِ وإنَّا إِلَيهِ رَاجِعُونَ"، ثُمَّ قَامَ مِنْ فَوْرِهِ إِلَى بَيْتِ أَهْلِهِ فعَزَّاهُم، وَقَالَ: "إِنِّي لَكُمْ مَكَانَهُ، وَلَا يَكُونُ لَكُمْ أَمْرٌ تَحْتَاجُونَ فِيهِ إِلَى مُسَاعَدَةٍ إلّا وَسَاعَدْتُكُمْ فِيهِ، فَسُرُّوا بِهِ وَدَعَوا لَهُ.


مَنْ مِنَّا يَصْنَعُ ذَلِكَ أَيُّهَا الْإِخْوَةُ؟ مَنْ مِنَّا يُطِيقُ ذَلِكَ؟ أَصْحَابُ النُّفُوسِ الْكَبِيرَةِ يَصْنَعُونَ ذَلِكَ، الأَقوياءُ حَقاً هُمْ مَنْ يَقْوَونَ عَلَى ذَلِكَ.


بَلْ وأَكْثَرُ مِنْ هَذَا وأَعجَبُ.. لَمَّا وَقَعَ على الْمَلِكِ النَّاصِرِ انْقِلابٌ ذَهَبَ عَلَيهِ مُلْكَهُ فيهِ؛ وَكَانَ الَّذِي قَامَ بِهَذَا الاِنْقِلابِ "الْمُظَفَّرُ رُكْنُ الدِّينِ بيبَرس"؛ وَكَانَ هَؤُلَاءِ الْعُلَمَاءُ وَالْفقهاءُ وَالْقضاةُ وَالْحَسَدَةُ الَّذِينَ لَمْ يَفتَئُوا وَلَمْ يَأْلُوا جُهْدًا فِي الْوِشَايَةِ بِشَيْخِ الإِسْلامِ ابْنِ تَيمِيَّة -رَحِمَهُ اللهُ- كَانُوا قَدِ الْتَفُّوا حَوْلَ هَذَا الْمَلِكِ الْجَدِيدِ، وَصَارُوا حَاشِيَتَهُ وَجلَسَاءَهُ وَنُدمَاءَهُ، وَأَدَارُوا ظُهُورَهُمْ لِلأَوَّلِ! ثُمَّ اسْتَطَاعَ الْمَلِكُ النَّاصِرُ أَنْ يَسْتَرِدَّ مُلْكَهُ مِنْ جَدِيدٍ، فَجَاءَ وَجَلَسَ عَلَى سَرِيرِ مُلكِهِ، وَأَحْضَرَ هَؤُلَاءِ الْقضاةَ وَالْعُلَمَاءَ وَالْفقهاءَ وأَجلَسَهُم بَيْنَ يَدَيْهِ، وَقَدْ طَأْطَئُوا رُؤُوسَهُمْ، لَا يَدْرُونَ مَاذَا سَيَصْنَعُ بِهِمْ؟ وَلَا يَعْرِفُونَ كَيْفَ سَيَفْتِكُ بِهِمْ وَيَنْتَقِمُ مِنْهُمْ، فَبَيْنَما هُمْ كَذَلِكَ إِذْ طَلَعَ عَلَيهِمْ رَجُلٌ مِنْ بَعيدٍ لَمْ يُمَيِّزُوهُ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ؛ فَلَمَّا اقْتَرَبَ إِذَا هُوَ شَيْخُ الإِسْلامِ ابْنُ تَيمِيَّةَ الَّذِي كَانَ فِي السِّجْنِ قَدْ أَمَرَ الْمَلِكُ بِإِخْرَاجِهِ مِنْ جَدِيدٍ؛ وَدَعَاهُ إِلَى مَجْلِسِهِ فَأسقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَقَالُوا: الْآنَ يَتِمُّ الاِنْتِقامُ بِفَتْوَى وَنُذْبَحُ كَمَا الْخِرَاف، فَقَامَ الْمَلِكُ يَمْشِي إِلَى شَيْخِ الْإِسْلامِ مُظْهِرًا تَعْظِيمَهُ، ثُمَّ عَانَقَهُ وَأخَذَهُ إِلَى شُرْفَةٍ وَنَاحِيَةٍ فِي الْقَصْرِ وَسَارَّهُ، وَجَلَسَ يَتَحَدَّثُ مَعَهُ سِرًّا، فَمَاذَا قَالَ لَهُ؟ قَالَ لَهُ: مَاذَا تَقُولُ فِي هَؤُلَاءِ؟ يَقُولُ شَيْخُ الإِسْلامِ: فَعَلِمْتُ أَنَّه قَدْ حنقَ عَلَيهِمْ، وَأَنَّه أَرَادَ أَنْ يَنْتَقِمَ لِنَفْسِه، فَشَرَعْتُ فِي مَدْحِهِمْ وَالثَّناءِ عَلَيهِمْ وَشُكْرِهِمْ، وَأَنَّ هَؤُلَاءِ لَوْ ذَهَبُوا لَن تَجِدَ مِثْلَهُمْ فِي دَوْلَتِكَ، وَلَا قِيَامَ لِمُلْكِكَ إلّا بِهِمْ، فَهُمْ قُضاةُ الْبَلَدِ وَفقهَائِهِ، فَأَخْرَجَ لِي أَوْرَاقًا وَقَرَاطِيسَ مِنْ جَيْبِهِ فِيهَا فَتَاوَى بِخُطُوطِهِمْ، فقالَ لي: اُنْظُرْ مَاذَا قَالُوا فِيكَ؟ كَفَّرُوكَ، وَأَفْتَوْا بِقَتْلِكَ. فكَانَ جَوابُ شَيْخِ الْإِسْلامِ: أَمَّا أَنَا فَهُمْ فِي حِلٍّ مِنْ جِهَتِي قَدْ عَفَوْتُ عَنْهُمْ، وَأَمَّا فِي حَقِّ اللَّهِ فَاللهُ يَتَوَلَّى الْجَمِيعَ.


أَرَأَيْتُم أَيُّهَا السَّادَةُ كَيْفَ هِي أخْلاقُ الْكِبَارِ؟ كَيْفَ هِي أخْلاقُ الْأقوياءِ.


أسألُ الله أنْ يرْزقنا راحةَ المتقين، وسعادةَ المؤمنينَ، ودعاءَ الصالحينَ، وأجَر الصابرينَ، وأنْ يغفرَ لنا ولوالدينَ، ولجميع المسلمينَ.

بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُمْ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُمْ بِمَا فِيه مِنَ الآياتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ، قَدْ قُلْتُ مَا قُلْتُ، إِنْ صَوَابًا فَمِنَ اللَّهِ، وَإِنْ خطأً فَمِنْ نَفْسِي وَالشَّيْطَانِ، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ إِنَّه كَانَ غَفَّارًا.


الخطبة الثانية

الْحَمْدُ لِلَّهِ وَحْدَهُ، وَالصَّلاَةُ وَالسّلامُ عَلَى مَنْ لَا نَبِيَّ بَعْدَه.

وَبَعْدُ -يا رَعَاكُمُ اللهُ- قَدْ يَرَى بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ الْعَفْوَ ذُلٌّ وَمَهَانَةٌ وَإهَانَةُ الْمَرْءِ لِنَفْسِهِ أَمَامَ النَّاسِ، وَأَنَّ الْعِزَّةَ فِي الاِنْتِقامِ، وَالْقُوَّةَ فِي التَّشَفِّي، وَهَذَا -وَاَللَّهِ ثُمَّ وَاللهِ- مُجَانَبَةٌ للْحَقِيقَةِ؛ فَالْعِزُّ إِنَّمَا هُوَ فِي الْعَفْوِ، بَلْ إِنَّه قِمَّةُ الشَّجَاعَةِ وَالاِمْتِنانِ وَغَلَبَةِ الْهَوَى، لَا سِيَّما إِذَا كَانَ الْعَفْوُ عِنْدَ الْمَقْدِرَةِ عَلَى الاِنْتِصَارِ، فَقَدْ بَوَّبَ الْبُخَارِيُّ -رحمهُ اللهُ- فِي "صَحِيحِهِ" بَابًا عَنِ الاِنْتِصارِ مِنَ الظَّالِمِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ [الشورى: 39]، وَذَكَرَ عَنْ إِبراهيمَ النَّخَعِيِّ قَوْلَهُ: "كَانُوا يَكْرَهُونَ أَنْ يُسْتَذَلُّوا، فَإِذَا قَدَرُوا عَفَوْا".


وَقَالَ جَعْفَرُ الصَّادِقُ رَحِمَهُ اللهُ: "لِأَنْ أَنْدَمَ عَلَى الْعَفْوِ عِشْرِينَ مَرَّةً أَحَبُّ إليَّ مِنَ النَّدَمِ عَلَى الْعُقُوبَةِ مَرَّةً وَاحِدَةً".


ثُمَّ إِنَّ بَعْضَ النَّاسِ -عِبَادَ اللَّهِ- قَدْ بَلَغَ مِنَ الْقَسْوَةِ مَا لا يُمْكِنُ مَعَهَا أَنْ يَعْفُوَ لأَحَدٍ أَوْ يَتَجَاوَزَ عَنْه، لَا يَرى فِي حَيَاتِهِ إلاَّ الاِنْتِقامَ والتَّشَفِّي، وَالاِنْتِصارَ لِلنَّفْسِ لَيْسَ إلاَّ! وَلَا يَقْبَلُ مِنْ أحَدٍ أَنْ يَصْدُرَ مِنْه خَلَلٌ أَوْ تَقْصيرٌ أَو نَقْصٌ، وَإِذَا حَصَلَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَلَا عَفْوَ وَلَا مُسامَحَةَ، وَلَا تَذَكُّرَ لِصَنَائِعِ الْمَعْرُوفِ السَّابِقَةِ، وَلَا نَظَرَ إِلَى الْحَسَنَاتِ الْكَثِيرَةِ وَأَوَاصِرِ الْمَحَبَّةِ وَالرّوابطِ الَّتِي جَمَعَتْ بَيْنَ هَؤُلَاءِ الْمُتَحابِّينَ، يَنْسَى ذَلِكَ كُلَّه، وَيَفْجُرُ فِي خُصُومَتِهِ وَعَدَاوَتِهِ، قَارِنْ هَذَا بِخُلُقِ الرَّجُلِ الْعَظِيمِ الْكَرِيمِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ؛ تَقُولُ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا: "مَا ضَرَبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا قَطُّ بِيَدِهِ، وَلَا امْرَأَةً، وَلَا خَادِمًا، إِلَّا أَنْ يُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَمَا نِيلَ مِنْهُ شَيْءٌ قَطُّ، فَيَنْتَقِمَ مِنْ صَاحِبِهِ، إِلَّا أَنْ يُنْتَهَكَ شَيْءٌ مِنْ مَحَارِمِ اللهِ، فَيَنْتَقِمَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ" رَوَاهُ مُسْلِمٌ.


أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ:

تَسَامَحُوا، تَصَافَحُوا، وَلْيَعْفُ كُلُّ أَخٍ عَنْ أَخِيهِ، فَمَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ، فَلْيَبشرْ بِالْخَيْرِ الْعَمِيمِ، وَالْقَلْبِ السَّلِيمِ، وَالْحَيَاةِ الْهَانِئَةِ. وَتَذَكَّرُوا دَائِمًا أَنَّ الْبَقاءَ فِي الدُّنْيا قَلِيلٌ، وأنَّ هَذهِ الدارُ ليسَتْ هي الدارُ الحقيقيةُ الَّتِي أعدَّها اللهُ لعِبادهِ المؤمنينَ، بلْ هي دارُ زوالٍ وارتحالٍ، وبالتالي لَا تَسْتَحِقُّ هَذَا كُلَّه.


هَذَا وَصَلُّوا -رحِمَكُمُ اللهُ- عَلَى خَيْرِ الْبَرِيَّةِ وَأَزْكَى الْبَشَرِيَّةِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِاللهِ صَاحِبِ الْحَوْضِ وَالشَّفَاعَةِ، فَقَدْ أَمَرَكُمُ اللهُ بِأَمْرٍ بَدَأَ فِيهِ بِنَفْسِهِ، وَثَنَّى بِمَلاَئِكَتِهِ المسبِّحةِ بِقُدسِهِ، وثلَّثَ بِكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ، فَقَالَ جَلَّ وَعَلا: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [الأحزاب: 56]. وَقَالَ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسلامُهُ عَلَيهِ: "مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلاَةً صَلَّى اللهُ عَلَيهِ بِهَا عَشْرًا".

اللهم صل وسلم وبارك عليه ...





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • التاريخ يصنعه الأقوياء
  • الاعتراف بالخطأ خلق الأقوياء لا الضعفاء
  • الأذكار والعبادات والدعاء أقوى سلاح للضعفاء والأقوياء

مختارات من الشبكة

  • الاعتراف بالخطأ خلق الأقوياء لا الضعفاء(محاضرة - مكتبة الألوكة)
  • هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه(مقالة - آفاق الشريعة)
  • قراءات اقتصادية (83) فرص العولمة الأقوياء سيزدادون قوة(مقالة - موقع د. زيد بن محمد الرماني)
  • الحديث الثاني والعشرون: وجوب الابتعاد عن الغضب؛ لما فيه من الأضرار الجسمية والنفسية والاجتماعية(مقالة - آفاق الشريعة)
  • من أقوال السلف في أسماء الله الحسنى: (القوي، المتين)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • تحريم قول: من خلق الله ونحوه وما يقول من ابتلي بذلك(مقالة - آفاق الشريعة)
  • خلق آدم عليه السلام(مقالة - ثقافة ومعرفة)
  • خلق المسلم نحو بيئته(مقالة - آفاق الشريعة)
  • تربية الأولاد بين الحكمة والرحمة (1 /3)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • حقيقة الزمن (1)(مقالة - موقع الشيخ إبراهيم بن محمد الحقيل)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • قازان تستضيف الندوة الروسية الثالثة حول الابتكارات في التعليم الإسلامي بمشاركة دولية
  • مؤتمر علمي في بريشتينا يوثق إسهامات المدارس الإسلامية في التعليم والهوية
  • 15 فتاة يختمن القرآن الكريم في احتفال ديني بالمسجد الجديد في لوبيزدا
  • احتفاء بمرور 100 عام على تأسيسه.. إعادة افتتاح مسجد يولديز في تتارستان
  • نوفا سكوشا تحتفي بالتراث الإسلامي وتفتح أبواب التعرف على الإسلام
  • للعام الرابع .. المجتمع المسلم في كورنوال يحتفي بالتراث والثقافة الإسلامية
  • بمناسبة شهر التراث الإسلامي.. مسجد في مانيتوبا يعرف الناس بالثقافة الإسلامية
  • مبادرة خيرية لمركز إسلامي في فلوريدا لأكثر من 200 مستفيد

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
  • Facebook
  • Twitter
  • YouTube
  • Instagram
  • Telegram
حقوق النشر محفوظة © 1448هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 24/5/1448هـ - الساعة: 17:36
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب