• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | مقالات شرعية   دراسات شرعية   نوازل وشبهات   منبر الجمعة   روافد   من ثمرات المواقع  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    الأكل من عمل اليد تشبه بالأنبياء
    د. خالد بن محمود بن عبدالعزيز الجهني
  •  
    حسن الخلق وصية النبي صلى الله عليه وسلم
    الشيخ ندا أبو أحمد
  •  
    سلوا الله العفو والعافية (خطبة)
    الشيخ الحسين أشقرا
  •  
    دليل مختصر في علم السيرة النبوية (يتضمن مصادر ...
    بدر عبدالله الصاعدي
  •  
    زكاة الوقت.. كيف تبارك الصلاة في عمر الإنسان؟
    د. نصر من الله مجاهد
  •  
    فضائل سورة الفاتحة
    د. أحمد عادل العازمي
  •  
    خطبة: قصة أصحاب الأخدود، دروس وعبر
    أ. د. حسن بن محمد بن علي شبالة
  •  
    من وسائل الثبات على دين الله عز وجل (8) المحافظة ...
    محمد بن عبدالله العبدلي
  •  
    من دروس تحويل القبلة: جبر خاطر نبي الأمة صلى الله ...
    أ. د. السيد أحمد سحلول
  •  
    ومضة نبوية لقلبك: الجنة عند قدميك فلا تبتعد ...
    نوال محمد سعيد حدور
  •  
    (كأين) الواردة في القرآن معنى وإعرابا
    محمد بن علي بنان الغامدي
  •  
    خطبة: رسالة للمرابطين والمدافعين عن بلادنا
    يحيى سليمان العقيلي
  •  
    خطبة: الشوق إلى الحج واتخاذ الأسباب
    أبو عمران أنس بن يحيى الجزائري
  •  
    خطر الظلم وعاقبته (خطبة)
    عبدالله بن إبراهيم الحضريتي
  •  
    حكم إطالة السجدة الأخيرة من الصلاة
    د. فهد بن ابراهيم الجمعة
  •  
    تفسير قوله تعالى: {وآتوا اليتامى أموالهم ولا ...
    سعيد مصطفى دياب
شبكة الألوكة / آفاق الشريعة / منبر الجمعة / الخطب / عقيدة وتوحيد / التوحيد / في أسماء الله
علامة باركود

{الله لطيف بعباده} خطبة

{الله لطيف بعباده} خطبة
د. محمد حرز

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 30/4/2026 ميلادي - 13/11/1447 هجري

الزيارات: 1071

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

الله لطيف بعباده


إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهدِ الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وخليله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليمًا كثيرًا؛ أما بعد:

فأوصيكم - عباد الله - ونفسي بطاعة الله وتقواه؛ فإنه من اتقى الله وقاه، ومن توكل عليه كفاه؛ ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ﴾ [الطلاق: 2، 3].

 

عناصر اللقاء:

أولًا:ومن أسماء الله تعالى الحسنى: اللطيف.

ثانيًا: ومن لطف الله بنا أيها الأخيار.

ثالثًا وأخيرًا: اليقين بلطف الله يورث ثمراتٍ عظيمةً.

 

أيها السادة: بدايةً، ما أحوجنا في هذه الدقائق المعدودة أن يكون حديثنا عن العافية، وخاصةً ونحن فقدنا الثقة في أنفسنا، وفقدنا الثقة في كل شيء، ونسينا قول ربنا: ﴿ اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ ﴾ [الشورى: 19]، وخاصةً ومن لحظ لطف الله تعالى لم ييأس على ما يظنه خيرًا فاته أو شرًّا أصابه؛ لعلمه أن لله تعالى ألطافًا خفيةً في مقاديره، وأنه لا يقدر للمؤمن إلا ما هو خير له؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر، فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء، صبر فكان خيرًا له))؛ [رواه مسلم]، وخاصةً ولا يرى لطف الله به إلا من أحسن النظر إلى حكمته وما قدره تعالى؛ قال صلى الله عليه وسلم: ((والذي نفسي بيده، لا يقضي الله لمؤمن قضاءً إلا كان خيرًا له))؛ [رواه أحمد].


قال ابن القيم رحمه الله:

وهو اللطيف بعبده ولعبده
واللطف في أوصافه نوعان
إدراك أسرار الأمور بخبرة
واللطف عند مواقع الإحسان
فيريك عزته ويبدي لطفه
والعبد في الغفلات عن ذا الشأن

 

أولًا: ومن أسماء الله تعالى الحسنى: اللطيف:

أيها السادة: معرفة الله تعالى سبب لتعظيمه ومحبته وعبوديته، فمن لم يعرف الله تعالى حق المعرفة لم يعبده حق عبادته، ومعرفته سبحانه أشرف العلوم وأعلاها؛ لأنها علم بالخالق سبحانه، بينما معارف الدنيا مهما بلغت فهي علم بالخلائق، ولا مقارنة بين معرفة الخالق ومعرفة المخلوق، ومن أسماء الله تعالى الحسنى: اللطيف، ومن أوصافه عز وجل اللطف، وفي أفعاله عز وجل لطف كثير، بل أفعاله كلها لطف، ومن معاني لطفه سبحانه: إيصال البر أو دفع الضر من جهة لا يحتسبها الخلق، واللطيف هو العالم ببواطن الأمور والأشياء، المطَّلع على ما في الضمائر، والخبير بما دقَّ وخفيَ في السرائر؛ قال الله تعالى: ﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ ﴾ [غافر: 19]، وقال جل من قائلٍ كريم في وصايا لقمان لابنه: ﴿ يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ ﴾ [لقمان: 16]، وقد أثنى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم على ربه، وهو أعرف الخلق به، فوصفه بأنه اللطيف، فهذه عائشة رضي الله عنها تخرج خلف النبي صلى الله عليه وسلم في ليلة من الليالي في الظلام الدامس؛ غيرةً عليه صلى الله عليه وسلم، إذ ظنت أنه ذاهب إلى إحدى زوجاته، فإذا هو يذهب إلى "البقيع" قبور أصحابه ليستغفر لهم، ورجعت هي أمامه مسرعةً، فلما دخل وجدها ليست بحال النائم، بل تحت الغطاء وصدرها يخفق بشدة كأنها كانت تجري، ولم تك نائمةً، فسألها فلم ترد، فعندها قال لها: ((لتخبريني أو ليخبرني اللطيف الخبير))؛ [مسلم].

 

واللطيف سبحانه هو الذي يُجري رحمته تحت أستار الخفاء، يوصل إليهم مصالحهم بلطفه وإحسانه بالطرق الخفية التي لا يشعرون بها، ويهيئ مصالحهم من حيث لا يحتسبون؛ قال جل وعلا: ﴿ اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ ﴾ [الشورى: 19].

 

فالله هو اللطيف بعباده، يلطف بهم ويعصمهم من الشر من حيث لا يعلمون، ويسبب لهم من مصالحهم وأرزاقهم من حيث لا يحتسبون، ويسوق إليهم الرزق من حيث لا يشعرون، وبلغ من لطفه بعباده المؤمنين؛ أن حقق لهم آمالهم بلطفه وإحسانه، ويرقيهم إلى أعلى المراتب بأسبابٍ لا تكون على بالهم، ليتوصلوا بها إلى المحاب الجليلة، والمقامات النبيلة، واللطيف هو الذي أحاط علمه بالسرائر والخفايا والخبايا، ويريد بعباده الخير واليسر، ويقيض لهم أسباب الصلاح والبر، وينقلهم من حال إلى حال، بلطف عجيب، ويلطف بهم في أمورهم دون أن يشعروا في بعض الأحيان بحكمته، فهم لا يعلمون – مثلًا - لماذا في بعض الأيام يجدون حرًّا شديدًا؟ وما علموا أنه قد يكون لإنضاج ثمارهم، أو للقضاء على ميكروبات في بلدانهم، أو لغيرها من لطفه وحكمته.

 

وكما أن الله عالم ببواطن الأشياء، فهو مدبر شأن عباده بلطف وخفاء، يجري عليهم أقداره في رفق ورحمة، ويسوق إليهم الخير من حيث لا يحتسبون، ويصرف عنهم الشر بطرق وأساليب لا تدركها العقول ولا تبصرها الأبصار؛ قال الله تعالى: ﴿ لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ﴾ [الأنعام: 103].

 

إنه الكريم اللطيف؛ الذي يوصل إليك إحسانه بلطف ورفق، وهو أعلم بحالك منك، وألطف بك من نفسك، فإذا أراد اللطيف أن يرحمك؛ أرسل إلى نفسك نور الإيمان، فيبقى صدرك مشرقًا بنوره، كارهًا للفواحش والفتن، مجتنبًا للمعاصي، وهو اللطيف الخبير.

 

وإن من معاني اسم الله اللطيف أنه رفيق رؤوف بعباده، حفيٌّ كريم بأنبيائه وأوليائه، يحوطهم برعايته وصيانته، ويكتنفهم بحفظه وكلاءته، ومتى قرأ المسلم قصة يوسف عليه السلام أدرك ذلك بجلاء، وظهرت له آثار هذا الاسم بصفاء؛ شاب حدَث يلقى في البئر، ثم يُشترى بثمن بخس، ثم يخدم في بيت العزيز، وتنهال عليه البلايا من هنا وهناك، ثم يرسل الله تلك الرؤيا للملك، فيظهر الله فضله وبراءته أمام الملأ، فيصبح وزيرًا عزيزًا بعد أن كان سجينًا حبيسًا، وساق الله إليه إخوته تائبين منيبين، فاجتمع الشمل واللحمة بعد الفرقة والغربة؛ ﴿ وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ﴾ [يوسف: 100]؛ قال قتادة في قوله تعالى: ﴿ إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ ﴾ [يوسف: 100]: "لطف بيوسف، وصنع له حتى أخرجه من السجن، وجاء بأهله من البدو، ونزع من قلبه نزغ الشيطان، وتحريشه على إخوته".

 

(الله لطيف بعباده)، تؤمن بها عندما تنظر إلى إبراهيم عليه السلام عندما ألقاه قومه في النار، فما رد إلا بقوله: ﴿ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ﴾ [آل عمران: 173]، فكانت النار بردًا وسلامًا، بأمر الله: ﴿ قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ ﴾ [الأنبياء: 69]، ومن إحسان ظنه بربه، واليقين بمعيته ونصره، ولطفه به أنه لما ترك زوجته ورضيعه بمكان لا ماء فيه ولا حياة، موقنًا بحفظ الله لهما، قالت له زوجته: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم، قالت: إذًا لا يضيعنا.

 

(الله لطيف بعباده)، تؤمن بها عندما تنظر في أمٍّ ترمي ابنها الرضيع في البحر، فيحمله اللطيف على الأمواج ليعيش في القصر، ويلقي في قلب امرأة فرعون محبته، فيحميه الذي كانت تخاف عليه من بطشه، ثم يمنع عن الصغير الرضاعة مع جوعه وعطشه، ليرجع إلى قلب أمه الذي أصبح فارغًا، وعدًا من اللطيف حقًّا صادقًا، ﴿ وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ * فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [القصص: 12، 13].

 

وفي قصة موسى مع الخضر عليهما السلام ألطاف ربانية أجراها الله تعالى على يد الخضر خفِيت على كليم الرحمن سبحانه، فاعترض على خرق السفينة لتظهر المصلحة بعد ذلك في خرقها؛ حفاظًا عليها من أخذ الملك المغتصب لها، واعترض على قتل الغلام ليظهر بعد ذلك أن موته كان خيرًا لوالديه من بقائه، واعترض على بناء الجدار في القرية التي لم يكرمهما أهلها؛ ليبين بعد ذلك أن الجدار يخفي كنزًا لغلامين يتيمين كان أبوهما صالحًا؛ ولذا ختم الخضر بيانه لهذه التصرفات الصحيحة التي تبدو في الظاهر خاطئةً بأنها ألطاف من الله تعالى فقال: ﴿ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ﴾ [الكهف: 82].

 

(الله لطيف بعباده)، تؤمن بها عندما تنظر في حياة نبينا صلى الله عليه وسلم، تلحظ لطف الله تعالى في كل ما يمر به صلى الله عليه وسلم، ويوم الغار أحاط به المشركون، دار حوار هامس خفي بين الصديق الخائف على النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من خوفه على نفسه: يا رسول الله، لو أن أحدهم نظر إلى قدميه لرآنا، فيرد عليه الحبيب صلى الله عليه وسلم بلغة يحدوها الأمل، وبقلب يملؤه اليقين: ((يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما))، ((يا أبا بكر، لا تحزن إن الله معنا))؛ [رواه البخاري]، الله أكبر، فوالله ثم والله، لو جمع أبو جهل الأحياء كلهم، بل إن شئت وأخرج الأموات من قبورهم يسحبون أكفانهم خلف أبي جهل، يقلبون معه حجارة الأرض، ويزحزحون الجبال عن أماكنها، وينقبون في الرمال، ما وصلوا إلى اثنينِ الله ثالثهما: ﴿ إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ [التوبة: 40].

 

وألطاف الله تعالى في هذه الأمة كثيرة، فمن لطفه تعالى في غزوة بدر أنه قدرها سبحانه بلا ميعاد: ﴿ وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا ﴾ [الأنفال: 42]، ومن لطفه سبحانه أن المسلمين كانوا يريدون عير قريش فأعطاهم الله تعالى رقاب كبرائها ورؤسائها بدل العير بلا حساب من الطائفتين: ﴿ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ * لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ ﴾ [الأنفال: 7، 8]، ومن لطفه سبحانه في غزو المسلمين أنه يلقي النوم عليهم قبل معاركهم؛ ليجدد نشاطهم، ويذهب خوفهم، ويربط على قلوبهم، مع أن النوم ضعف في السلم، فكيف بالحرب؟! فسبحان من جعله قوةً للمؤمنين: ﴿ إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ ﴾ [الأنفال: 11]، وفي غزوة أحد وحين الهزيمة والانكسار والقتل والجراح اغتمَّ المسلمون غمًّا عظيمًا، فتابع الله تعالى عليهم غمًّا أكبر ينسيهم كل غم سابق، وهو إشاعة مقتل النبي صلى الله عليه وسلم، فكشفت هذه الإشاعة ما قبلها من أنواع الغم وخففتها، ولم يلبث هذا الغم إلا يسيرًا من الوقت حتى فرح الصحابة بسلامة النبي صلى الله عليه وسلم من القتل، ثم ألقى عليهم النوم ليزيل أثر الغم؛ وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا ﴾ [آل عمران: 153، 154]؛ فيا له من لطف بالمؤمنين لا يأتي إلا من اللطيف الخبير، حين يجعل الغم المؤقت ثوابًا وهو في الأصل عقاب؛ لينسي به غمًّا متعددًا دائمًا كان قبله، ثم يزول الغم الأكبر الذي أنسى ما كان قبله؛ لتتعافى القلوب المؤمنة من همها وغمها، وتدرك لطف الله تعالى بها.

 

ومن لطف الله تعالى بالمؤمنين في صلح الحديبية أن شروطه كانت - فيما يظهر - مجحفةً بحق المؤمنين حتى اغتموا بسبب ذلك واعترضوا، ورأوها دنيةً في دينهم، ولم يدركوا لطف الله تعالى بهم حين قدر الصلح وهيأ أسبابه، فأنزل فيه سورة الفتح، فكان ما ظنوه ذلًّا عزًّا، وما ظنوه ضعفًا كان قوةً، وما ظنوه تقييدًا صار فتحًا: ﴿ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا ﴾ [الفتح: 1]؛ حتى قال عمر رضي الله عنه: ((يا رسول الله، أوفتحٌ هو؟ قال: نعم))؛ [رواه البخاري]، فكان الفتح بعد الصلح بسنة وعشرة أشهر فقط، بعد أن نقض المشركون العقد، فأوصل الله تعالى المؤمنين بالصلح إلى الفتح في مدة وجيزة، وذلك من لطفه الذي خفي عليهم.

 

ولا تجزع إذا ما ناب خطب
فكم لله من لطف خفي
وكم يُسر أتى من بعد عُسر
ففرج كربة القلب الشجي
وكم أمر تُساء به صباحًا
وتأتيك المسرة بالعشي
إذا ضاقت بك الأحوال يومًا
فثق بالواحد الفرد العلي

 

ثانيًا: ومن لطف الله بنا أيها الأخيار:

أيها السادة: لله تعالى ألطاف كثيرة في عباده المؤمنين تخفى عليهم، فيوصل لهم الخير من طرق لا يظنونها، ويدفع عنهم الشر بما يظنونه شرًّا، وذلك تقدير العزيز العليم، اللطيف الخبير: ﴿ إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ﴾ [يوسف: 100]؛ قال ابن القيم رحمه الله: "لو كشف الله الغطاء لعبده وأظهر له كيف يدبر الله له أموره، وكيف أن الله أكثر حرصًا على مصلحة العبد من العبد نفسه، وأنه أرحم به من أمه؛ لذاب قلب العبد محبةً لله، ولتقطع قلبه شكرًا لله"، وصدق رحمه الله.

 

لذا كان من لطفه بعباده أن فتح لهم بابه ليلًا ونهارًا، يدعونه على مدار الساعة سرًّا وجهارًا؛ يقول بكر المزني رحمه الله: "من مثلك يا بن آدم، خُلي بينك وبين المحراب والماء، كلما شئت دخلت على الله عز وجل، ليس بينك وبينه ترجمان"، فالله تعالى لطيف بنا: فهو يعصمنا من الشر من حيث لا نعلم، ويسوق لنا الرزق من حيث لا نحتسب، ويقيض لنا من أسباب الصلاح والبر، وينقلنا من حال كرب إلى فرج، بلطف عجيب، قد نجد في أيامنا هذه حرًّا شديدًا، وما يعلم بعضنا أنه قد يكون لإنضاج ثمارنا، أو للقضاء على ميكروبات وفيروسات في بلداننا، وهذا من لطف الله وحكمته التي قد تخفى على بعض أفهامنا.

 

ومن لطف الله بعباده أنه يخرجهم من الظلمات إلى النور، ومن المعاصي إلى التوبة والاستغفار، فكم عاد أناس في هذه الأزمة إلى ربهم وعرفوا ضعفهم وشدة حاجتهم لمولاهم حقًّا: ﴿ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ﴾ [الأنعام: 103]، فمن لطفه بعباده أنه جعل فيهم يقظة الضمير، وأنفسًا تلوم وتندم على فعل المعاصي؛ وإلا ﴿ وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ ﴾ [فاطر: 45].

 

ومن لطف الله بنا: عندما تتذكر نفسك وأنت في بطن أمك، من كان يوصل الطعام والشراب إليك؟ من كان يحفظك من الأذى ويحميك؟ في وقت كانت أمك التي تحملك في بطنها لا تراك ولا تستطيع الوصول إليك، ﴿ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ ﴾ [الزمر: 6]، بل من جعل في صدر أمك مصنعًا يدر الحليب، وأرشدك إلى أن تمص الثدي لاستخراج الطعام، ثم تتركه إذا شبعت لتبدأ في اللعب والابتسام.

 

ومن لطفه بعبده أن يُبتلى بمرض عضال، الذي تندك بسببه شم الجبال، فيثبته تثبيتًا عظيمًا عجيبًا؛ فلا تراه إلا شاكرًا صابرًا منيبًا، يفرح إذا تذكر قوله صلى الله عليه وسلم: ((وإن الله إذا أحب قومًا ابتلاهم))، ويشتاق إذا تذكر قوله عليه الصلاة والسلام: ((يود أهل العافية يوم القيامة حين يُعطى أهل البلاء الثواب، لو أن جلودهم كانت قُرضت في الدنيا بالمقاريض))، يأتيه الناس ليواسوه على ما أصابه من البلاء، فيخرجون من عنده وقد أخذوا درسًا عمليًّا في الصبر على القضاء، ولسان حاله:

إذا ما ألمت شدة فاصطبر لها
فخير سلاح المرء في الشدة الصبرُ
وإني لأستحي من الله أن أرى
إلى غيره أشكو وإن مسني الضرُّ
عسى فرج يأتي به الدهر حازمًا
صبورًا فإن الخير مفتاحه الصبرُ
فكم من هموم بعد طول تكشفت
وآخر معسور الأمور له يسرُ

 

ومن لطف الله بنا: ترى العبد يسرف على نفسه طول عمره، حتى لم يبقَ إلا شبر بينه وبين قبره، وإذا باللطيف يفتح عليه أبواب التوبة والاستغفار، فيتوب ويؤمن ويعمل عمل الصالحين الأبرار، ﴿ فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ [الفرقان: 70]؛ فسبحان من كان بعباده لطيفًا كريمًا حليمًا.

 

ومن لطف الله بنا: عندما يموت لك حبيب كان يملأ حياتك، كان هو ليلك ونهارك وسائر أوقاتك، لم تكن يومًا تتصور الدنيا دون لقياه، ولا تتخيل أن تأتي إلى مكانه فلا تراه، كان هو ملء العين والبصر والفؤاد، كان هو بلسم الجروح ومصدر الإسعاد، وفي لحظة واحدة أصبح في عداد الأموات؛ فإذا باللطيف يلهمك الصبر والتسليم والثبات، فتقول ما أوصاك به عليه الصلاة والسلام: ((ما من عبد تصيبه مصيبة، فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي، وأخلف لي خيرًا منها، إلا أجره الله في مصيبته وأخلف له خيرًا منها))، وإذا بالأحزان والهموم تستبدل بالأفراح، وإذا الصدر الضيق يحس بالانشراح؛ فتتعلم أن حبيبك قد ذهب إلى الغفور الرحيم، الذي وعد عباده بجنات النعيم.

 

ومن لطف الله بنا: أحاط العسر الشديد بيسرين، وجعل بعد الكرب الفرج المبين، يعصيه الناس فيمهلهم إمهالًا، ويتوبون إليه فيكون لهم أشد إقبالًا، لا يعاجل بالعقوبة؛ لأنه حليم، ولا يمنع رزقه؛ لأنه كريم، ولا يبتلي إلا بما يطاق؛ لأنه رحيم، ويقدر لعباده ما ينفعهم؛ لأنه حكيم، ولا يخفى عليه شيء أبدًا؛ لأنه عليم؛ قال تعالى: ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ﴾ [البقرة: 185]، وقال تعالى: ﴿ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ [المائدة: 6].

 

ومن لطف الله بعباده أنه يجعل أرزاقهم بما هو أصلح لهم، لا بما تشتهي أنفسهم؛ كما قال مولانا: ﴿ وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ ﴾ [الشورى: 27]، وقال الله تعالى: ﴿ اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ ﴾ [الشورى: 19]، وفي حديث صححه الإمام الألباني أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((أن نفسًا لن تموت حتى تستكمل أجلها وتستوعب رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب)).

 

ومن مظاهر لطفه سبحانه بنا: أن ستر علينا بما نعمل ونقول في سرائرنا، وبما تخفيه ضمائرنا؛ فالله لطيف بنا، ستير علينا، كما قال رسولنا صلى الله عليه وآله وسلم: ((إن الله حيي ستير)).

 

ومن لطف الله بعباده أنه يقدر عليهم أنواع المصائب، والمحن والأوبئة والابتلاءات، لطفًا بهم، وسوقًا لهم للرجوع إلى رب البريات، وحتى لا يتعاظم أهل الفساد وناشرو المنكرات؛ فيكونوا كمن وصفهم الله بقوله: ﴿ كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى ﴾ [العلق: 6، 7].

 

ومن لطف الله بعبده المؤمن أن يعافيه من أسباب الابتلاء، التي قد تضعف إيمانه، كما أن من لطفه بالمؤمن أن يعينه على الصبر والرضا واليقين، وأن يجعل نصب عينيه قول الله تعالى: ﴿ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 216]، فسبحان اللطيف في ابتلائه، وعافيته، وعطائه، ومنعه!

 

ومن لطف الله بنا: في هذه الأزمة العصيبة، والجائحة التي أضرت بكثير من الدول، أن أمَّننا الله في أوطاننا، ووسع علينا في أرزاقنا، وجمع شملنا في أولادنا، فلله الحمد والمنة فاشكروا الله يشكركم ويزدكم، واذكروه يذكركم.


وكم لله من لطف خفي = يدق خفاه عن فهم الذكي

 

فمن تأمل ألطاف الرب سبحانه بعباده المؤمنين في القديم والحديث، فلن يجزع من تهديد الكفار ووعيدهم، ولن يرهب قوتهم وجمعهم، ولن يخاف مكر المنافقين وغدرهم، ولن يتنازل عن شيء من دينه لأجلهم؛ لعلمه أن لطف الله تعالى يحيط بالمؤمنين ما داموا بدينهم مستمسكين، وأن مكر الكفار وكيدهم عائد عليهم، وأن الله تعالى يأتيهم من حيث لا يحتسبون، فعلى أهل الإيمان واليقين أن يثبتوا على دينهم ولو كثر الناكصون على أعقابهم، المبدلون لدينهم، البائعون لضمائرهم بشيء من الدنيا؛ فإنهم فرطوا في غالٍ لرخيص، واستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير، وأعظم النصر وأعلاه أن يلقى المؤمنون ربهم على دينهم ولو كانوا مستضعفين مُضامين: ﴿ وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ ﴾ [آل عمران: 139 - 141]، وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم...

 

الخطبة الثانية

الحمد لله حمدًا طيبًا كثيرًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى.


ثالثًا وأخيرًا: اليقين بلطف الله يورث ثمرات عظيمةً:

أيها السادة:إن اليقين بلطف الله يورث ثمرات عظيمةً؛ منها: حسن الظن بالله، في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الله عز وجل قال: أنا عند ظن عبدي بي))، وفي لفظ عند أحمد: ((إن ظن بي خيرًا فله، وإن ظن شرًّا فله))، فلا يسيء العبد الظن بربه مهما اشتدت عليه الأمور، ومن ذلك: الصبر عند البلاء، لأن العبد يعلم أن وراءه لطفًا خفيًّا، ومن ذلك: الرضا بالقضاء، لأن قلبه امتلأ يقينًا أن الله لا يختار له إلا الخير، ولو كُشف لك الحجاب لما اخترت إلا ما اختاره الله لك؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قومًا ابتلاهم؛ فمن رضيَ فله الرضا، ومن سخط فله السخط))؛ [رواه الترمذي من حديث أنس رضي الله عنه وحسنه الألباني]؛ قال بعض الحكماء: "رب أمر ضاق به صدرك، وكان فيه نجاتك، ورب أمر أحببته، وكان فيه هلاكك، والله يعلم وأنتم لا تعلمون".


إن لطف الله معك حين لم تكن شيئًا مذكورًا، ألطافه سبحانه أحاطت بك عندما كنت في بطن أمك حيث الظلمات الثلاث: ظلمة الرحم، وظلمة المشيمة، وظلمة البطن، من الذي يسوق إليك الأرزاق، ويدفع عنك الآفات والعاهات وأنت في مثل هذا الحال؟ أمك لا تملك لك شيئًا؛ ﴿ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ ﴾ [الزمر: 6]، فأنت تعيش في ظل اللطيف الذي هداك وسوَّاك واصطفاك على من سواك، فعلام الخوف والاكتئاب، والحزن والاضطراب، وأنت في كنف اللطيف الخبير، وبمعية البر الرحيم؟ حق لك أن تفرح وتنام قرير العين مطمئن البال: ﴿ وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ﴾ [الملك: 13، 14]، فسبحانه قدر المقادير فتلطف، وابتلى أحباءه فخفف، من ذا الذي هداك، ومن خلقك فسواك، ومن يستجيب دعاك، ومن بالرحمة يرعاك، ومن ذا الذي يفرح بتقواك، ومن ذا الذي تنساه فلا ينساك، ومن ذا الذي سخر الكون كله لرضاك؟ رب عظيم لطيف بعباده وهو غير محتاج لهم، يعطي كرمًا وإن منع فرحمةً بهم.


اسمع لشيبان الراعي وهو يقول لسفيان: "يا سفيان عدَّ منع الله إياك عطاءً منه لك؛ فإنه لم يمنعك بخلًا، إنما منعك لطفًا".


فيا عبدالله: إن كان لك رب لطيف عظيم معين، فاطمئن ونم مرتاح البال قرير العين، ﴿ وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ﴾ [الملك: 13، 14].





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • خطبة: اليقين
  • دأب الصالحين: قيام الليل (خطبة)
  • كن جميلا تر الوجود جميلا (خطبة)
  • إنا كفيناك المستهزئين (خطبة)
  • مظاهر عناية الإسلام بالطفولة (خطبة)

مختارات من الشبكة

  • شكر الله بعد كل عبادة، عبادة (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • رسالة من رب العباد إلى عباده (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • حفظ الأمانات ومحاربة الفساد عبادة ومسؤولية مشتركة (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • العلم عبادة ورسالة لبناء الإنسان والمجتمع (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • من فضل الله على العباد، هدايتهم، للفوز يوم المعاد (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • اكتشف أبناءك كما اكتشف رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه رضوان الله عليهم (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • العبادة.. ميزان الأخلاق وروح الحياة (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • خطبة: العبادات القلبية في العشر الأواخر من رمضان(مقالة - آفاق الشريعة)
  • رمضان محطة لعباد الرحمن (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • توحيد العبادة أصل النجاة (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • ندوة شاملة لإعداد حجاج ألبانيا تجمع بين التنظيم والتأهيل
  • اختتام الدورة السابعة عشرة من "مدرسة اليوم الواحد" لتعليم أصول الإسلام في تتارستان
  • الذكاء الاصطناعي وتعليم اللغة العربية محور نقاش أكاديمي في قازان
  • استعدادا لموسم الحج... محاضرات تأهيلية للحجاج في موسكو
  • دورة تدريبية لتعزيز مهارات البحث بالمؤسسات الدينية في بلقاريا
  • برنامج الإرشاد والتوجيه الإيماني يختتم دورته الأولى بنجاح في بلغاريا
  • تطوير مسجد تاريخي من 6 طوابق في بنجلاديش
  • متخصصون يبحثون تطوير تعليم القرآن للكبار في سراييفو

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1447هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 12/11/1447هـ - الساعة: 13:52
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب