• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | مقالات شرعية   دراسات شرعية   نوازل وشبهات   منبر الجمعة   روافد   من ثمرات المواقع  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    الأمن والاستقرار... نعمة الإيمان وأساس العمران
    د. أحمد بن حمد البوعلي
  •  
    {الله لطيف بعباده} خطبة
    د. محمد حرز
  •  
    تحريم الصد عن آيات الله الكونية والشرعية أو عن ...
    فواز بن علي بن عباس السليماني
  •  
    مواعظ سورة ق (خطبة)
    عبدالعزيز أبو يوسف
  •  
    الأكل من عمل اليد تشبه بالأنبياء
    د. خالد بن محمود بن عبدالعزيز الجهني
  •  
    حسن الخلق وصية النبي صلى الله عليه وسلم
    الشيخ ندا أبو أحمد
  •  
    سلوا الله العفو والعافية (خطبة)
    الشيخ الحسين أشقرا
  •  
    دليل مختصر في علم السيرة النبوية (يتضمن مصادر ...
    بدر عبدالله الصاعدي
  •  
    زكاة الوقت.. كيف تبارك الصلاة في عمر الإنسان؟
    د. نصر من الله مجاهد
  •  
    فضائل سورة الفاتحة
    د. أحمد عادل العازمي
  •  
    خطبة: قصة أصحاب الأخدود، دروس وعبر
    أ. د. حسن بن محمد بن علي شبالة
  •  
    من وسائل الثبات على دين الله عز وجل (8) المحافظة ...
    محمد بن عبدالله العبدلي
  •  
    من دروس تحويل القبلة: جبر خاطر نبي الأمة صلى الله ...
    أ. د. السيد أحمد سحلول
  •  
    ومضة نبوية لقلبك: الجنة عند قدميك فلا تبتعد ...
    نوال محمد سعيد حدور
  •  
    (كأين) الواردة في القرآن معنى وإعرابا
    محمد بن علي بنان الغامدي
  •  
    خطبة: رسالة للمرابطين والمدافعين عن بلادنا
    يحيى سليمان العقيلي
شبكة الألوكة / آفاق الشريعة / منبر الجمعة / الخطب / تفسير القرآن
علامة باركود

مواعظ سورة ق (خطبة)

مواعظ سورة ق (خطبة)
عبدالعزيز أبو يوسف

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 30/4/2026 ميلادي - 13/11/1447 هجري

الزيارات: 594

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

مواعظ سورة ق

 

الخطبة الأولى

اللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك، وعظيم سلطانك، لك الحمد إلهنا وأنت للحمد أهل، وأنت الحقيق بالنعمة والفضل، والصلاة والسلام على خير البرية وأزكى البشرية محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فأوصيكم عباد الله ونفسي بتقوى الله تعالى في السر والعلن، فهي خير زاد للمعاد ولقاء الملك العلام، القائل: ﴿ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى ﴾ [البقرة: 197].


أيها المسلمون، وعظ الله تعالى بكتابه العزيز عباده، ورغَّبهم به فيما يقربهم إليه، وحذَّرهم ونهاهم فيه عما يضرهم ويُبعدهم عنه ورحمته، ويجلب لهم غضبه وعقابه، قال سبحانه: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ [يونس: 57]، فخير ما يُوعظ به كتاب الله تعالى، قال سبحانه: ﴿ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ ﴾ [ق: 45].


أيها المؤمنون، لما كان القرآن العظيم خير ما يُوعظ به، وأعظم ما يُذكر به، فهذه وقفة مع آيات مباركات، نستقي من هداها، وما تضمنته من هدًى ورشاد وموعظة وذكرى، وهي قوله سبحانه في سورة "ق": ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ * إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ * وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ * وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ * وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ * لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ * وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ * أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ * مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ * الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ * قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ * قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ * مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ * يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ * وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ * هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ * مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ * ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ * لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ ﴾ [ق: 16 - 35].


قال الشيخ عبدالرحمن السعدي في تفسير هذه الآيات العظيمة: "يُخبر تعالى أنه المتفرد بخلق جنس الإنسان، وأنه يعلم أحواله، وما يُسِره ويوسوس في صدره، وأنه أقرب إليه من حبل الوريد، الذي هو أقرب شيء إلى الإنسان، وهو العرق المكتنف لثغرة النحر، وهذا مما يدعو الإنسان إلى مراقبة خالقه، المطلع على ضميره وباطنه، القريب منه في جميع أحواله، فيستحي منه أن يراه حيث نهاه، أو يفقده حيث أمره، وكذلك ينبغي له أن يجعل الملائكة الكرام الكاتبين منه على بال، فيحذر أن يفعل أو يقول ما يُكتب عنه، مما لا يرضي رب العالمين.


وقوله: ﴿ إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ ﴾؛ أي: يتلقيان عن العبد أعماله كلها، واحد ﴿ عَنِ الْيَمِينِ ﴾ يكتب الحسنات، والآخر ﴿ وَعَنِ الشِّمَالِ ﴾ يكتب السيئات، وكل منهما ﴿ قَعِيدٌ ﴾ متهيئ لعمله الذي أُعِدَّ له، ملازم له، وقوله: ﴿ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ ﴾ (خير أو شر) ﴿ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴾؛ (أي: مراقب له، حاضر لحاله، وقوله: ﴿ وَجَاءَتْ ﴾ (لهذا الغافل المكذب بآيات الله، ﴿ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ﴾ (الذي لا مرد له ولا مناص) ﴿ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ ﴾؛ (أي: تتأخر وتنكص عنه).


وقوله: ﴿ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ ﴾؛ (أي: اليوم الذي يلحق الظالمين ما أوعدهم الله به من العقاب، والمؤمنين ما وعدهم به من الثواب).


وقوله: ﴿ وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِق ﴾؛ (أي: يسوقها إلى موقف القيامة، فلا يمكنها أن تتأخر عنه)، ﴿ وَشَهِيدٌ ﴾ يشهد عليها بأعمالها، خيرها وشرها؛ وهذا يدل على اعتناء الله بالعباد، وحفظه لأعمالهم، ومجازاته لهم بالعدل، فهذا الأمر مما يجب أن يجعله العبد منه على بالٍ، ولكن أكثر الناس غافلون.


وقوله: ﴿ لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا ﴾، يُقال للمعرض المكذب يوم القيامة هذا الكلام؛ توبيخًا، ولومًا وتعنيفًا؛ أي: لقد كنت مكذبًا بهذا، تاركًا للعمل له، فالآن ﴿ فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ ﴾ الذي غطَّى قلبك، فكثُر نومك، واستمر إعراضك، ﴿ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ﴾ ينظر ما يزعجه ويروعه، من أنواع العذاب والنكال، في وقت لا يمكنه أن يتدارك الفارط، ولا يستدرك الفائت، وهذا كله تخويف من الله للعباد، وترهيب بذكر ما يكون على المكذبين في ذلك اليوم العظيم".


أيها المسلمون، وممن فسَّر هذه الآيات العظيمة وبيَّنها الإمام ابن القيم رحمه الله فقال: "أخبر سبحانه عن القيامةِ الصغرى؛ وهي سَكْرَةُ الموتِ، وأنها تجيءُ بالحقِّ؛ وهو: لقاؤُه سبحانَه، والقدومُ عليه، وعَرْضُ الرُّوح عليهِ، والثوابُ والعقابُ الذي تُعجَّلَ لها قبل القيامة الكبرى.


ثم ذكر القيامة الكبرى بقولهِ:﴿ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ ﴾، ثم أخبر عن أحوال الخَلْقِ في هذا اليوم، وأنَّ كل أحدٍ يأتي الله سبحانه ذلك اليوم ومعه سائقٌ يَسوقُه، وشهيدٌ يَشهدُ عليه، وهذا غير شهادةِ جوارحِهِ، وغيرُ شهادةِ الأرض التي كان عليها له وعليه، وغيرُ شهادةِ رسولِهِ والمؤمنين؛ فإنَّ الله سبحانه يستشهدُ على العبادِ الحفظةَ والأنبياءَ والأمكنةَ التي عملوا عليها الخير والشرَّ، والجلود التي عَصَوْه بها، ولا يَحكُمُ بينهم بمجرَّد علمِهِ؛ وهو أعدلُ العادلينَ، وأحكمُ الحاكمين؛ ولهذا أخبر نبيّه أنه يحكُمُ بين الناس بما سَمِعَهُ من إقرارِهم، وشهادة البيِّنَةِ لا بمجرَّد علمِهِ.


ثم أخبر سبحانه أن الإنسان في غفلةٍ من هذا الشأن الذي هو حقيقٌ بألَّا يَغْفُلَ عنه، وألَّا يزالَ على ذكرِهِ وبالِهِ،ثم أخبر أنَّ غطاءَ الغفلة والذُّهول يُكْشَفُ عنه ذلك اليوم؛ كما يُكْشَفُ غطاءُ النوم عن القلب فيستيقظُ، وعن العين فتنفتحُ؛ فنسبةُ كَشْفِ هذا الغطاءِ عن العبدِ عند المعاينةِ كنسبةِ كَشْفِ غطاءِ النوم عنه عند الانتباهِ.


ثم أخبر سبحانه أنَّ قرينَه وهو الذي قُرِنَ به في الدُّنيا من الملائكةِ يَكْتُبُ عَمَلَه وقوله، يقولُ لما يُحْضِرُهُ: "هذا الذي كنتَ وَكَلْتَني به في الدُّنيا قد أحضرتُه وأتيتكَ به".


فحينئذٍ يقول الله عز وجل: ﴿ أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ ﴾، ثم ذَكَرَ الله تعالى صفاتِ هذا المُلْقَى في النار،فذَكَرَ له ستَّ صفاتٍ:

إحداها: أنَّه ﴿ كَفَّارٍ ﴾ لنِعَمِ الله وحقوقه، كفَّارٌ بديِنِه وتوحيدِهِ وأسمائِهِ وصفاتِهِ، كَفَّارٌ برُسُلِه وملائكتِهِ، كفَّارٌ بكتبِهِ ولقائِهِ.


الثانية: ﴿ عَنِيدٍ ﴾ أنه مُعانِدٌ للحقِّ بدَفْعِهِ جَحْدًا وعِنادًا.


الثالثة: أنه ﴿ مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ ﴾، وهذا يَعُمُّ منعَهُ للخيرِ الذي هو إحسانٌ إلى نفسِهِ من الطاعاتِ، والقُرَبِ إلى الله، والخير الذي هو إحسانٌ إلى الناس؛ فليس فيه خيرٌ لنفسِهِ ولا لبني جنسِهِ؛ كما هو حالُ أكثرِ الخَلْقِ.


الرابعة: أنه مع مَنْعِهِ للخيرِ مُعتدٍ على الناس، ظلومٌ، غَشُومٌ، مُعتدٍ عليهم بيدِهِ ولسانِهِ.


الخامسة: أنه ﴿ مُرِيبٍ ﴾؛أي: صاحبُ رَيْبٍ وشكٍّ، ومع هذا فهو آتٍ لكلِّ رِيبةٍ، يُقال: فلان مُرِيبٌ؛ إذا كان صاحِبَ رِيبةٍ.


السادسةُ: أنه مع ذلك مُشرِكٌ باللهِ، قد اتَّخَذَ مع الله إلهًا آخر؛ يَعبُدُه، ويُحِبُّه، ويَغضَبُ له، ويَرضى له، ويَحلِفُ باسمِهِ، وَينذُرُ له، ويُوالي فيه، ويُعادي فيه.


فيَختصِمُ هو وقرينهُ من الشياطين، ويُحِيلُ الأمرَ عليه، وأنه هو الذي أَطغاه وأَضلَّهُ، فيقولُ قرينُه: لم يكن لي قُوةٌ أن أُضِلَّهُ وأُطْغِيَهُ؛ ولكن كان في ضلال بعيدٍ؛ اختاره لنفسهِ، وآثَرَهُ على الحقِّ؛ كما قال إبليسُ لأهل النار:﴿ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي ﴾ [إبراهيم: 22]، وعلى هذا؛ فالقرينُ هنا هو شيطانُه؛ يَختصمان عند الله.


وقالت طائفةٌ: بل قرينُه ها هنا هو المَلَكُ، يدَّعي عليهِ أنَّه زاد عليه فيما كَتبَهُ عليه وطَغَى، وأنَّه لم يَفْعَلْ ذلك كلَّه، وأنه أعْجَلَهُ بالكتابةِ عن التوبة، ولم يُمْهِلْهُ حتى يتوبَ! فيقولُ المَلَكُ: ما زِدتُ في الكتابةِ على ما عَمِلَ، ولا أَعجَلْتُه عن التوبة، ﴿ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ ﴾.


فيقولُ الربُّ تعالى:﴿ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ ﴾، وقد أخْبَرَ سبحانَه عن اختصام الكُفَّار والشياطين بين يديه في سورتي الصافات والأعراف، وأخبر عن اختصام الناس بين يديهِ سبحانَه في سورة الزمر، وأخبر عن اختصام أهل النار فيها في سورة الشعراءِ وسورة ص.


ثم أخبر سبحانه أنه لا يُبدَّلُ القولُ لديه بقوله: ﴿ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ﴾ [السجدة: 13]، قال ابن عباس رضي الله عنهما: "يرِيدُ: ما لِوَعْدِي خُلْفٌ لأهل طاعتي ولا أهل معصيتي".


وقولُه:﴿ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾ [ق: 29]من تمام قولِهِ: ﴿ مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ ﴾؛ أي: ما قلتُهُ ووَعدتُ به لا بدَّ من فعِلِه، ومع هذا فهو عدلٌ لا ظلمَ فيه ولا جَوْرَ.


ثم أخبرَ عن سَعَةِ جهنَّمَ، وأنها كلَّما أُلْقِيَ فيها ﴿ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ ﴾.


بارك الله لي ولكم في الكتاب والسنة، ونفعنا بما فيهما من الآيات والحكمة، أقول ما سمعتم، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة، فاستغفروه، وتوبوا إليه إن ربي غفور رحيم.

 

الخطبة الثانية

الحمد لله حق حمده، والشكر له حق شكره، والصلاة والسلام على رسوله وعبده محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

عباد الله،بعد أن ذكر الله تعالى صفات أهل النار نسأل الله السلامة والعافية، بيَّن حال أهل الجنة وصفاتهم، وفي بيان ذلك يقول الإمام ابن القيم رحمه الله: "ثم أخبر عن تقريب الجنَّة من المتَّقينَ، وأنَّ أهلَها هم الذين اتَّصفوا بهذه الصفاتِ الأربع:

إحداها: أن يكون أوَّابًا؛ أي: رَجَّاعًا إلى الله؛ من معصيتِهِ إلى طاعتِهِ، ومن الغفلةِ عنه إلى ذِكْرِهِ.


الثانية: أن يكون حفيظًا،قال ابنُ عباس: لِمَا ائتَمَنَهُ الله عليه وافتَرَضَهُ.


ولما كانت النفس لها قوَّتان: قوةُ الطلب، وقوةُ الإمساك؛ كان الأوَّابُ مُستعملًا لقوَّةِ الطلب في رجوعه إلى الله ومَرْضاتِهِ وطاعتِهِ، والحفيظُ مستعملًا لقوَّةِ الحفظِ في الإمساك عن معاصيه ونواهيه؛ فالحفيظُ: المُمْسِكُ نفسه عما حُرِّم عليه، والأوَّابُ: المُقْبِلُ على الله بطاعتِهِ.


الثالثةُ: قولُه: ﴿ مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ ﴾ يَتضمَّنُ الإقرار بوجودِهِ وربوبيتِهِ، وقدرتهِ وعلمِهِ، واطلاعِهِ على تفاصيلِ أحوالِ العبدِ، ويَتضمَّنُ الإقرار بكتبِهِ ورسلِهِ، وأمرِهِ ونهيِهِ، ويَتضمَّنُ الإقرار بوَعْدِهِ ووَعيدِهِ ولِقائِهِ؛ فلا تَصِحُّ خشيةُ الرحمن بالغيبِ إلَّا بعد هذا كلِّه.


الرابعةُ: قولُه: ﴿ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ ﴾؛ حقيقةُ الإنابةِ عُكوفُ القلبِ على طاعةِ الله ومحبَّتِهِ، والإقبالِ عليه.


ثم ذكر سبحانه جزاء من قامتْ به هذه الأوصافُ بقوله: ﴿ ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ ﴾، ﴿ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ ﴾.


ثم خَوَّفهم بأن يُصيبهم من الهلاك ما أصاب من قبْلَهم، وأنَّهم كانوا أشدَّ منهم بَطْشًا، ولم يَدْفَعْ عنهم الهلاك شدةُ بطشِهم، وأنَّهم عند الهلاكِ تقلَّبوا وطافوا في البلاد، هل يَجِدون مَحِيْصًا ومَنجًى من عذاب الله؟


ثم أخبر سبحانَه أنَّ في هذا الذي ذُكِرَ ذِكرى ﴿ لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ ﴾ [ق: 37]، ثم أخبر أنَّه خَلَقَ السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام، ولم يَمَسَّهُ من تَعَبٍ ولا إعياءٍ؛ تكذيبًا لأعدائِهِ من اليهودِ؛ حيثُ قالوا: إنه استراح في اليوم السابع.


ثم أمرَ نبيَّهُ بالتأسِّي به سبحانَه في الصبرِ على ما يقول أعداؤه فيه، ثم أمَرَهُ بما يَستعينُ به على الصبر، وهو التسبيحُ بحمدِ ربِّه قبلَ طلوع الشمس وقبلَ غروبِها، وبالليل وأدبارَ السُّجود: قيل: هو الوِتْرُ، وقيل: الركعتان بعد المغرب، وقيل: التسبيحُ باللسانِ أدبارَ الصَّلَواتِ المكتوبات.


ثم ختَمَ السورة بذكر المعاد، ونداءِ المنادي برجوع الأرواح إلى أجسادها للحشر، وأخبرَ أنَّ هذا النداء من مكانٍ قريبٍ يَسمعُه كلُّ أحدٍ، ﴿ يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ﴾ [ق: 42]، بالبعث ولقاء الله، ﴿ يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ ﴾ [ق: 44]، كما تَتشقَّقُ عن النباتِ، فيَخرُجونَ ﴿ سِرَاعًا ﴾ [ق: 44] من غير مُهلةٍ ولا بُطءٍ، ذلك حشرٌ يَسيرٌ عليه سبحانَه.


ثم أخبر سبحانه أنَّه عالمٌ بما يقولُ أعداؤه، وذلك يَتضمَّنُ مُجازاتَهُ لهم بقولِهِم إذ لم يخْفَ عليه، وهو سبحانَه يذكُر علمَه وقدرتَه لتحقيقِ الجزاءِ.


ثم أخبره أنَّه ليس بمسلَّطٍ عليهم، ولا قهَّارٍ، ولم يُبْعَثْ لِيُجْبِرَهُم على الإسلام، ويُكْرِهَهُم عليه، وأمَرَهُ أن يُذَكِّرَ بكلامِهِ مَنْ يَخافُ وعيدَه؛ فهو الذي ينتفعُ بالتذكير، وأما مَنْ لا يؤمنُ بلقائِهِ، ولا يخافُ وعيدَه، ولا يرجو ثوابَه؛ فلا ينتفع بالتذكير"؛ انتهى كلامه.


اللهم اجعلنا من عبادك المنيبين، ووفقنا لتدبر كتابك، والانتفاع بمواعظه وعبره، وتلاوته حق تلاوته والعمل به، ونسألك هداك، وأن تجعل أعمالنا وأقوالنا في رضاك.


عباد الله، صلوا وسلموا على من أمرنا المولى بالصلاة والسلام عليه، فقال عز من قائل عليمًا: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [الأحزاب: 56]، اللهم صلِّ وسلِّم وبارك على نبينا محمد صاحب الوجه الأنور والجبين الأزهر، وارْضَ اللهم عن خلفائه الراشدين والأئمة المهديين: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن سائر الصحب والآل، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم التناد، وعنا معهم بمنك وكرمك يا أكرم الأكرمين.


اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداءك أعداء الدين، وانصر عبادك الموحدين، اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل هذا البلد آمنًا مطمئنًّا سخاءً رخاءً، اللهم وفق ولي أمرنا خادم الحرمين الشريفين وولي عهده لما تحبه وترضاه من الأقوال والأعمال، ومدَّهما بنصرك وإعانتك وتوفيقك وتسديدك، اللهم أدم على هذه البلاد عزها وأمنها وإيمانها، ورغد عيشها، اللهم إنا نسألك من الخير كله، عاجله وآجله ما علمنا منه وما لم نعلم، ونعوذ بك من الشر كله، عاجله وآجله ما علمنا منه وما لم نعلم، اللهم اغفر لنا ولوالدينا وللمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات، اللهم أصلح نياتنا وذرياتنا، وبلغنا فيما يرضيك آمالنا، وحرم على النار أجسادنا، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار.


عباد الله، ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ [النحل: 90] فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ﴿ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ ﴾ [العنكبوت: 45].





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • تفسير سورة قريش
  • من مائدة التفسير سورة قريش
  • تأملات في سورة ق (خطبة)
  • وقفات تربوية مع سورة قريش (خطبة)

مختارات من الشبكة

  • خطبة: سورة ( ق ) وقفات وعظات(مقالة - آفاق الشريعة)
  • سورة ق في خطبة الجمعة وأبرز سننها الكونية والشرعية (خطبة)(مقالة - موقع د. صغير بن محمد الصغير)
  • من مواعظ العلامة ابن القيم(مقالة - آفاق الشريعة)
  • سورة الكهف سورة النجاة من الفتن(مقالة - موقع د. عبدالعزيز بن سعد الدغيثر)
  • سورة الكهف فوائد ومقاصد (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • هدايات سورة طه (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • أضواء حول سورة الغاشية (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • معالم من سورة الكوثر (خطبة)(مقالة - موقع د. صغير بن محمد الصغير)
  • وقفات تربوية مع سورة الناس (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • هدايات سورة النحل (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • ندوة شاملة لإعداد حجاج ألبانيا تجمع بين التنظيم والتأهيل
  • اختتام الدورة السابعة عشرة من "مدرسة اليوم الواحد" لتعليم أصول الإسلام في تتارستان
  • الذكاء الاصطناعي وتعليم اللغة العربية محور نقاش أكاديمي في قازان
  • استعدادا لموسم الحج... محاضرات تأهيلية للحجاج في موسكو
  • دورة تدريبية لتعزيز مهارات البحث بالمؤسسات الدينية في بلقاريا
  • برنامج الإرشاد والتوجيه الإيماني يختتم دورته الأولى بنجاح في بلغاريا
  • تطوير مسجد تاريخي من 6 طوابق في بنجلاديش
  • متخصصون يبحثون تطوير تعليم القرآن للكبار في سراييفو

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1447هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 12/11/1447هـ - الساعة: 18:21
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب