• الصفحة الرئيسية خريطة الموقع RSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
  • Facebook
  • Twitter
  • YouTube
  • Instagram
  • Telegram
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد   إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | مقالات شرعية   دراسات شرعية   نوازل وشبهات   منبر الجمعة   روافد   من ثمرات المواقع  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    رحى الندم (خطبة)
    عبدالله بن إبراهيم الحضريتي
  •  
    إن ربك على شفائك لقدير
    د. صلاح عبدالشكور
  •  
    سلسلة الميزان كيف نزن الشبهات (5) أبرهة والفيل ...
    د. هيثم بن عبدالمنعم بن الغريب صقر
  •  
    المقالة المليحة في آداب النصيحة
    نور الحق إبراهيم
  •  
    الحديث: قتل غلام غيلة، فقال عمر: لو اشترك فيه أهل ...
    الشيخ عبدالقادر شيبة الحمد
  •  
    الحث على تعليم الآليات الحربية
    الشيخ محمد بن عبدالله السبيل
  •  
    خواطر قيمية: القيم الأخلاقية من التنظير إلى ...
    د. عوض بن حمد الحسني
  •  
    باب في الحكمة وطرائف الكلام
    د. خالد النجار
  •  
    الأحاديث الطوال (24) بدء النفاق في الأمة
    الشيخ د. إبراهيم بن محمد الحقيل
  •  
    تصحيح عقود المشاركات المعاصرة: تصحيح عقد الشركات ...
    د. نايف بن محمد اليحيى
  •  
    أبحاث الإعجاز العلمي بين الواقع والمأمول
    د. عبدالسلام حمود غالب
  •  
    التوكل والتفاؤل زمن الفتن والقلاقل (ثبات القلوب ...
    د. خليل سيف المحيا
  •  
    حمد الله تعالى: معناه، وفضائله في الكتاب والسنة ...
    الشيخ عبدالرحمن بن سعد الشثري
  •  
    المستفاد من قصة صالح عليه السلام (خطبة)
    د. محمود بن أحمد الدوسري
  •  
    التضييق الجميل {ومن نعمره ننكسه في الخلق}
    د. محمد أحمد صبري النبتيتي
  •  
    سلسلة الفتاوى: (2) أهمية الفتوى
    عاقب أمين آهنغر (أبو يحيى)
شبكة الألوكة / آفاق الشريعة / مقالات شرعية / الآداب والأخلاق
علامة باركود

المقالة المليحة في آداب النصيحة

المقالة المليحة في آداب النصيحة
نور الحق إبراهيم

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 28/10/2026 ميلادي - 18/5/1448 هجري

الزيارات: 58

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

المقالة المليحة في آداب النصيحة

 

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الـمقدمة:

"الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ النَّصِيحَةَ لِلدِّينِ عِمَادًا، وَسَاقَ بِهَا الْعِبَادَ إِلَى سَبِيلِ الرَّشَادِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، خَلَصَتْ بِتَوْحِيدِهِ طَاعَةُ الْمُخْلِصِينَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدَهُ وَرَسُولَهُ، أَنْصَحُ الْخَلْقِ لِلْخَلْقِ، وَأَعْظَمُهُمْ رِفْقًا فِي دَعْوَةِ الْحَقِّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَمَنْ سَارَ عَلَى هَدْيِهِمْ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، أَمَّا بَعْدُ:

فَإِنَّ النَّصِيحَةَ جَوْهَرَةٌ غَالِيَةُ الثَّمَنِ، وَدِرْعٌ وَاقٍ مِنَ الْفِتَنِ، بِهَا تَلْتَئِمُ الْعَلَاقَاتُ بَعْدَ انْفِصَامِهَا، وَتَصْفُو النُّفُوسُ بَعْدَ كَدَرِهَا، وَلَمَّا كَانَتِ النَّفْسُ الْبَشَرِيَّةُ مَجْبُولَةً عَلَى نُفُورٍ مِنْ كَشْفِ عُيُوبِهَا، وَثِقَلٍ فِي قَبُولِ تَسْدِيدِهَا، كَانَ لِزَامًا عَلَى النَّاصِحِ أَنْ يَتَسَلَّحَ بِالْأَدَبِ الرَّفِيعِ، وَالْأُسْلُوبِ الشَّفِيقِ الْبَدِيعِ؛ حَتَّى يَسُوغَ الدَّوَاءُ الْمُرُّ فِي الْحُلُوقِ، وَتَنْقَادَ لَهُ الْقُلُوبُ بِالْمَعْرُوفِ وَالرِّفْقِ.

 

وَقَدْ جَمَعْتُ فِي هَذِهِ الْوَرَقَاتِ لُمَعًا مِنْ أَنْوَارِ الْوَحْيَيْنِ، وَأَقْوَالِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَجَوَاهِرِ الْعُلَمَاءِ وَالْحُكَمَاءِ، فِي مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا، وَرَتَّبْتُهَا فِي فُصُولٍ مُحْكَمَةٍ تُبَيِّنُ حَقِيقَتَهَا وَآدَابَهَا، لِتَكُونَ هَذِهِ: (الْمَقَالَةُ الْمَلِيحَةُ فِي آدَابِ النَّصِيحَةِ)، سَائِلًا اللَّهَ أَنْ يَنْفَعَ بِهَا الْبَاذِلَ وَالْقَابِلَ، وَيَجْعَلَهَا خَالِصَةً لِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ.

 

1. فصل في حقيقة النصيحة (أصلها ومعناها):

إنَّ أول ما تُفتتح به المقالة هو الوقوف على كنه اللفظ وحقيقته؛ فأصل النصيحة في لغة العرب يدور حول معنى الخلوص والصفاء، وفي الشرع الحنيف هي: إرادة الخير للمنصوح له.

 

وقد جوَّد الإمام المازري في بيان هذا المعنى واشتقاقه كما نقل الحافظ ابن حجر في فتح الباري فقال: "النصيحة مشتقة من «نصحت العسل» إذا صفيته، يقال: نصح الشيء إذا خلص، ونصح له القول إذا أخلص القول له، أو مشتقة من النصح وهي الخياطة بالمنصحة وهي الإبرة؛ والمعنى أنه يلمُّ شعث أخيه بالنصح كما تلم المنصحة، ومنه التوبة النصوح؛ كأن الذنب يمزق الدين والتوبة تخيطه"؛ فالنصيحة إذن طهارة في القصد، ورأْبٌ لصَدْع الأخطاء، وجبرٌ لخَلَل السلوك.

 

2. فصل في عِظَم شأن النصيحة وموقعها من الدين:

تتجلَّى أهمية النصيحة في ورود لفظها وما تصرَّف عنه في القرآن العظيم والحديث النبوي الشريف، وفي تطبيقاتها العملية على ألسنة الرُّسُل والأنبياء والصالحين. وفي مقدمة تلك النصوص هذا الحديث البليغ الموجز: «الدين النصيحة»، قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: «لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم»؛ رواه مسلم والبخاري معلقًا.

 

وبما أن الدين يشمل مصالح الدنيا والآخرة، فهذا يدل على الأهمية البالغة للنصيحة، وأن عليها تتوقف سعادة الدارين، قال الحافظ ابن حجر: "قوله: «الدين النصيحة» يُحمل على المبالغة، أو على ظاهره؛ لأن كل عمل لم يُرِد به عاملُه الإخلاصَ فليس من الدين".

 

وقد فكَّك ابن الأثير مغاليق هذا الحديث وبسط معانيه فقال: "ومعنى النصيحة لله عز وجل: صحة الاعتقاد في وحدانيته، وإخلاص النية في عبادته، والنصيحة لكتاب الله تعالى هي التصديق به والعمل بما فيه، والنصيحة لرسوله التصديق بنبوَّته وبذل الطاعة فيما أمر به ونهى عنه، والنصيحة لأئمة المسلمين أن يُطيعهم في الحق، ولا يرى الخروج عليهم بالسيف إذا جاروا، والنصيحة لعامة المسلمين إرشادهم إلى مصالحهم".

 

3. فصل في ينابيع النصيحة وعقود المبايعة عليها:

ويفيد الحديث السالف أن القرآن الكريم والسُّنَّة النبوية الصحيحة كل منهما ناصح قائم بذاته؛ فكل وصية وكل موعظة فيهما هي نصيحة بليغة، وقُرَّاء القرآن ومُفسِّروه، وجامعو الأحاديث وشُرَّاحها، والمهتمون بعلومهما، كلُّهم ناصحون بأقوى النصائح وجواهر الحكمة والأقوال.

 

ويؤيد هذا ما جرى بين أمير المؤمنين والزُّهَّاد؛ قال فضيل بن عياض: "لما دخل عليَّ هارون أمير المؤمنين... قال: عظني. قلت: بماذا أعظك؟ هذا كتاب الله بين الدفتين، انظر ماذا عمل بمن أطاعه، وما عمل بمن عصاه". وتصديقًا لهذا من حِكَم الفلاسفة، يقول جونسون: "تكون النصيحة أقوى إذا أتت من مصادر إلهية".

 

وممَّا يدل على عِظَم رتبة النصح في الإسلام، أن الصحابة كانوا يعقدون عليها بيعة مستقلة مع معالم الدين الكبرى، كـمبايعة جرير بن عبدالله رضي الله عنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم على: "إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم"؛ (متفق عليه). بل إن النصح الصادق هو عذر الصادقين الذين تخلفوا عن الجهاد لعجزهم، فرفع الله عنهم الحرج شريطة إخلاص النصح، كما في قوله تعالى: ﴿ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ [التوبة: 91].

 

4. فصل في فضل النصح وعلو رتبته في السلوك:

يرى علماء الأمة وسلفها الصالح أن النصيحة من أفضل الأعمال المقرِّبة إلى الله عز وجل، فعن أبي عبدالله الرازي قال: قال لي سفيان بن عيينة: "يا أبا عبدالله، عليك بالنُّصْح لله في خَلْقه، فلن تَلْقاه بعمل أفضل منه".

 

وقال أبو إسحاق: بلغني أن ابن المبارك سُئل: أي الأعمال أفضل؟ قال: "النصح لله". قيل: فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ قال: "جهده إذا نصح ألَّا يأمر ولا ينهى"؛ إشارة منه إلى أن روح الأمر والنهي هو النصح وبث الخير لا التسلُّط.

 

وجعلها الحكماء برهانًا ساطعًا على تحقق الإيمان؛ فعن سهل بن عبدالله قال: "أركان الدين أربعة: الصدق واليقين، والرضا والحب، فعلامة الصدق الصبر، وعلامة اليقين النصيحة".

 

وقد تجلَّت أهمية النصيحة عند كافة الشعوب وحكمائها من خلال أقوالهم وأمثالهم؛ قال بنهام: "النصيحة الجيدة لا تُقدَّر بثمن". وقال أراسموس: "النصيحة أغلى من الموهبة". بينما التفت بيرز إلى زهد الناس فيها فانتقدهم بقوله: "النصيحة أصغر قطعة نقود في الوقت الحاضر"؛ يريد أن الناس استرخصوها وهي غالية النفاسة، والواقع أنها كذلك في كل زمن.

 

5. فصل في طبيعة النصح بين مرارة الدواء وثقل الأداء:

إنَّ من كبريات الحقائق النفسية أن النصيحة مُرَّة وثقيلة على النفس مهما كان أسلوبها، فلا يستفيد المنصوح منها رغم ما فيها من فوائد تعود عليه؛ وصدق من قال: "النصيحة أثقل الكلام، لينًا كان أم خشنًا". وقيل أيضًا: "النصيحة كالدواء، إعطاؤها سهل، وقبولها صعب".

 

ويزداد الأمر صعوبةً وخطورةً إذا وُجِّهت النصيحة إلى كبراء القوم؛ إذ قيل: "خطر كبير في إسداء النصائح إلى من هم أرفع شأنًا". ويقول شيستر فيلد كاشفًا ندرة الإقبال عليها: "قبول النصيحة شيء نادر، وأقل الناس حماسة لها أحوجهم إليها". ويوافقه المثل الإندونيسي القائل: "أشد الناس حاجة إلى النصيحة أشدهم تأفُّفًا منها".

 

وقد لا يستفيد الناصح نفسه مما ينصح به غيره، فيكون موضع سخرية المنصوح وتبكيته؛ كما قيل في المثل الألماني: "ليس أسهل من أن نُوزِّع النصائح على الآخرين، ونهمل تطبيقها على أنفسنا"، وهو معنى المثل العربي القديم: "أيها الطبيب طَبِّب نفسك". والمثل الإنجليزي: "القدوة الحسنة خير نصيحة". ويقول ميخائيل نعيمة محذرًا من هذه الفجوة: "عظة الفم دون الفعل استخفاف بالموعوظ وشماتة بالواعظ".

 

بيد أن النصيحة رغمًا عن مرارتها تظل محض إحسان ومساعدة؛ كقول قس بن ساعدة: "من نصحك فقد أحسن إليك". وقال أفلاطون: "إسداء النصيحة مساعدة". وتنبثق المأساة حين يُحرم العبد هذا العون، إذ قيل: "من رفض النصح تعذرت مساعدته"، وهذا مما يؤسف له خاصة مع المراهقين وكبار السن. أما فائدتها العاجلة فيوجزها المثل العربي: "من سمع إلى النصيحة نجا من الفضيحة".

 

وقد غاص ابن عطاء السكندري في حِكَمه حول عسر قبول النصح المجرد، فبين كيف يعظ الله عباده بأفعاله وتقلبات الدنيا فقال: "عَلِم أنك لا تقبل النصح المجرد، فذوَّقك من ذواقها ما يسهل عليك وجود فراقها"؛ (أي: الدنيا)، فهو سبحانه زهَّدك فيها بما هي عليه من أكدار، وأكد ذلك بما يلابسك منها ليكون الواقع هو الناصح الفعلي.

 

6. فصل في طبائع النفوس ومواقف العباد من النصح:

أثر البناء النفسي في طرد الحق أو قبوله:

الناس درجات متباينة في التفاعل مع التوجيه؛ فمنهم من يقبل راضيًا ويطلب النصح، ومنهم من يرفض وينفر، ومنهم المتأرجح بين بين، وذلك راجع لأحوال نفوسهم الثلاثة:

• النفوس الأمَّارة بالسوء: المريضة بالكفر والشكوك والشبهات، وهي التي لا تتقبل النصح ولا تحبه، ويمثلها موقف قوم صالح عليه السلام: ﴿ وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ ﴾ [الأعراف: 79].

 

• النفوس المطمئنة: أصحاب العقيدة السليمة، والمجتهدون في العمل الصالح، وهؤلاء لا يكرهون الناصحين غالبًا بل يستبشرون بهم.

 

• النفوس اللوَّامة: العصاة الذين يخلطون عملًا صالحًا وآخر سيئًا، فتارة يغلب عليهم الخير وتارة يغلبهم المنكر.

 

• آفة رد السنة وهوى الأرائك: يدخل في صنف النفوس العليلة كل مَن يرد الحق بدعوى الاكتفاء بالقرآن ورفض الأحكام النبوية الصحيحة، وهو المسلك المذموم في حديث أبي رافع مرفوعًا: "لا ألفين أحدكم متكئًا على أريكته، يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به، ونهيت عنه، فيقول: لا ندري، ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه"؛ (رواه أبو داود والبخاري في المناقب عن أبي هريرة).

 

• الفارق الدقيق بين الهدية المصلحة والجلد الجارح: النفوس السوية تقبل كشف عيوبها شريطة سلامة قصد الواعظ، ويتجلى ذلك في محاورة سفيان الثوري لمسعر بن كدام حين سأله: "تحب أن تُهدى إليك عيوبك؟"، فأجابه بقاعدة نفسية جامعة: "أما من ناصح فنعم، وأما من مُوبِّخ فلا".

 

7. فصل في مشروعية طلب النصح وفقه المراجعة:

إذا كانت النصيحة ثقيلة، فإن الشرع والعقل يحثان على المبادرة بطلبها تلمُّسًا للرشاد؛ فالاستنصاح مشروع بنص قوله صلى الله عليه وسلم: «وإذا استنصحك فانصحه»، فالمسلم مرآة أخيه يكشف له ما خفي عنه من العيوب؛ كحديث أبي هريرة مرفوعًا: «المؤمن مرآة المؤمن، والمؤمن أخو المؤمن، يكف عليه ضيعته، ويحوطه من ورائه»؛ (رواه أبو داود).

 

وتطبيقًا لهذا المعنى، كان السلف يُفتِّشون عن عيوبهم بسؤال جلسائهم؛ قال بلال بن سعد: "بلغني أن المسلم مرآة أخيه، فهل تستريب من أمري شيئًا؟". وقال جعفر بن برقان: قال لي ميمون بن مهران: "يا جعفر، قل لي في وجهي ما أكره، فإن الرجل لا ينصح أخاه حتى يقول له في وجهه ما يكره".

 

وفي هذا السياق تتضافر حِكَم العقلاء؛ إذ يقول أندريه جيد: "فكِّر طويلًا واطلب النصيحة، واستشر ضميرك، واستشر الناس، ثم اتخذ قرارًا مطمئنًّا، وامضِ على سنتك غير عابئ بما تلقاه من عقبات". وقيل أيضًا: "لا تتوانَ في طلب النصيحة، فكل إنسان يُسديها بلا تردُّد". غير أن كولتون يضع يده على داء النفس وشهوتها الخفية، فيطلب المدح المبطَّن بغلاف الاسترشاد بقوله: "نحن نطلب النصيحة، ولكن ما نريده هو الاستحسان".

 

8. فصل في تنوُّع أساليب النصح ومسالك الإرشاد العملية:

النصيحة حكمة بالغة، والحكمة تتشكَّل وتتنوَّع مسالكها بحسب الحال؛ فقد تكون بالقول أو بالفعل والقدوة. وقد تأتي على شكل قصة، أو مثل، أو تحذير، أو سؤال، أو موعظة، أو وصية، أو دعوة، أو تربية وتعليم.

 

أما النصيحة التحذيرية، فنجدها في أبهى صورها القرآنية في قوله تعالى: ﴿ وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ ﴾ [القصص: 20]، فكانت نصيحة استباقية كتب الله بها نجاة نبيه موسى عليه السلام.

 

وأما النصيحة بأسلوب السؤال والتعليم الملطف، فما رواه ابن حميد قال: "عطس رجل عند ابن المبارك، فقال له ابن المبارك: أيش يقول الرجل إذا عطس؟ قال: الحمد لله، فقال له: يرحمك الله". فلم يُوبِّخه بل استخرج السُّنَّة من فَمِه صيانةً لقلبه.

 

وفي فقه مناصحة ولاة الأمر وتنوع وسائله، يقسم الشيخ ابن عثيمين قنوات النصح بحسب المكنة في شرح حديث: «وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم»، فيقول: "والمناصحة في كل شيء بحسبه؛ إما بالقول مشافهة إذا أمكن، وإما بالكتابة، وإما بالواسطة: يوسطون من يتكلم مع السلطان إذا كانوا لا يستطيعون".

 

9. فصل في آفات النصح ومزالق التشهير والجدل والرياء

أولى آفات النصح لزومه وكونه علانيةً أمام الأشهاد؛ فالتوبيخ جهارًا فضيحة ممقوتة، قال الإمام الشافعي: "مَن وعظ أخاه سرًّا فقد نصحه وزانه، ومن وعظه علانيةً فقد فَضَحه وشانه".

 

وقد أدرك السلف الفارق النفسي بين "التقويم" الرقيق و"التعيير" الفج؛ قال الكسائي: "كنت أقرأ على حمزة، فجاء سليم بن عيسى فتلكأت، فقال حمزة: تهابه ولا تهابني؟! قلت: أيها الأستاذ، إن أخطأتُ قوَّمْتني، وهذا إن أخطأتُ عيَّرني".

 

ومن شيم الأكابر صيانة المنصوح وقطع دابر الشماتة به؛ قال يحيى بن معين: "أخطأ عفان في نيف وعشرين حديثًا ما أعلمت بها أحدًا، أعلمتُه سرًّا، وطلب إليَّ خلف بن سالم فقال: قل لي أي شيء هي؟ فما قلت له، كان يحب أن يجد عليه".

 

وبلغ من رقَّة أدبهم في الستر ما رواه عبدالرحمن بن مصرِّف قال: "كان الحسن بن حي إذا أراد أن يعظ أخًا له، كتبه في لوح وناوله".

 

وينبري أمير الشعراء أحمد شوقي ليصوغ آفات النصح شعرًا، فيحذر من اللجاج (وهو التمادي في الخصومة والإلحاح الممل) ومن الجهر، فيقول:

وَآفَةُ النُصحِ أَن يَكونَ لَجاجًا
وَأَذى النصحِ أَن يَكونَ جهارًا

ويقول أيضًا مبينًا أن الجدل العقيم يفسد بركة التوجيه:

لَكَ نُصحي وَما عَلَيكَ جِدالي
وَآفَةُ النُّصحِ أَن يَكونَ جِدالًا

وإذا كان المنصوح معجبًا برأيه معاندًا، فإن بذل النصح له مفسدة وتضييع للحق، كما قال الشاعر:

إِذا نَصَحتَ لِذي عُجبٍ لِتُرشِدَهُ
فَلَم يُطِعكَ فَلا تَنصَح لَهُ أَبَدًا

وذلك لأن النصائح جواهر ثقيلة الوزن، فلا تُبذَل لغير أهلها؛ وصدق الآخر إذ يقول:

لا تُعطِيَنَّ الرَّأيَ مَن لا يُريدُهُ
فَلا أَنتَ مَحمُودٌ وَلا الرَّأيُ نافِعُه


ومن أخطر الآفات النفسية التي تصيب الناصح بعد بذل نصيحته، آفة الـمَنِّ والرياء بالتمدح؛ وفي هذا يحذر العلَّامة السعدي بقوله: "واحذر أيها الناصح لهم على هذا الوجه المحمود أن تفسد نصيحتك بالتمدح عند الناس، فتقول لهم: إني نصحتهم وقلت كذا وكذا، فإن هذا عنوان الرياء وعلامة ضعف الإخلاص، وفيه أضرار أُخَر معروفة".

 

10. فصل في زيف ادعاء النصح وموازين النقد والفحص:

ليس كل من لَبس مسوح النصح كان أمينًا بارًّا، بل كم من عدوٍّ تقنَّع بالقناع الجميل ليمرر مكيدته؛ لذا وجب عرض محتوى النصيحة على النقل والعقل، والوقوف على حال الناصح في صلاحه، وعلمه، وفقهه، وظروفه المحيطة.

 

لقد قصَّ لنا القرآن الكريم أخطر نماذج الخديعة باسم النصح؛ فهذا إبليس اللعين أقسم بالله زورًا لأبينا آدم وأُمِّنا حواء لإغوائهما، كما حكى تعالى: ﴿ وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ ﴾ [الأعراف: 21].

 

وهؤلاء إخوة يوسف عليه السلام -قبل توبتهم- ادَّعوا الإشفاق والنصح لأبيهم لتسهيل غدرهم بأخيهم، فقالوا: ﴿ قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ ﴾ [يوسف: 11].

 

وحذَّر الله من المنافقين الذين يقلبون الحقائق، ويسوقون المنكر تحت شعار المصلحة، فقال سبحانه: ﴿ قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ ﴾. وفي هذا يقول الشاعر علي بن مقرب التميمي:

وَمَا كُلُّ مَنْ يُبْدِي المَوَدَّةَ نَاصِحٌ
كَمَا لَيْسَ كُلُّ البَرْقِ يَصْدُقُ نَائِلُهْ

11. فصل في حِلْيَة الناصح وشِيَمِ الداعي الحق:

لكي يثمر غرس النصيحة، ويُكتب لها القبول، وجب على الناصح أن يتحلى بصفات رفيعة استقيت من مدرسة الأنبياء وحكم السلف:

1. التمهيد وتطييب النفوس: كاستئذان المنصوح بكلمة رقيقة، ومثاله صنيع عبيدالله بن عدي مع الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه حين مهد لنصيحته بقوله: "إن لي إليك حاجة وهي نصيحة"، فقبلها ذو النورين، وأقام الحد على الوليد بن عقبة.

 

2. العلم بما ينصح به: فالعالم حجة على الجاهل، وكما قال نوح عليه السلام لقومه: ﴿ أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [الأعراف: 62]، فركز على العلم؛ لأن الجهل كان فاشيًا فيهم.

 

3. الأمانة والصدق: كما قال هود عليه السلام لقومه: ﴿ أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [الأعراف: 62]، فلا كذب في البلاغ ولا غش في المقصد.

 

4. الصبر على الأذى: لأن النصح قد يواجه بالجفاء؛ ولذا قرن لقمان الحكيم الصبر بالأمر والنهي في وصيته لابنه: ﴿ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ ﴾ [لقمان: 17].

 

5. الإيجاز والبعد عن الإسهاب: فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا سُئل أوجز، كقوله: «لا تغضب». ويقول جورج واشنطن متوافقًا مع هذا الأدب: "إذا سئلت نصيحة فاختصر".

 

6. الخوف من الله في المنصوح: قال معمر: "كان يقال: أنصح الناس إليك مَن خاف الله فيك".

 

7. الاقتصاد تجنبًا للملل: فالإفراط في التوجيه يورث السأم؛ ولذا قيل: "اقتصد ما استطعت في إسداء النصائح".

 

8. الرفق والستر مقابل الخرق والتشهير: قال عبدالعزيز بن أبي داود: "كان من قبلكم إذا رأى من أخيه شيئًا يأمره في رفق فيؤجر في أمره ونهيه، وإن أحد هؤلاء يخرق بصاحبه ويستعقب أخاه ويهتك ستره". ومع ذلك ينبغي التماس العذر للناصح المشفق وإن قسا أسلوبه، كقول سيروس: "مهما كان الناصح مُتشدِّدًا، فإنه لا يؤذي".

 

9. العقل والتجربة والفطنة: فلا ينصح إلا ذو لُبٍّ بصير؛ قال نصر بن سيار:

اسمَع نَصيحةَ ذي لُبٍّ وَتَجرِبةٍ
يُفِدكَ في اليَومِ ما في دَهرِهِ عَلِما

ويقول الأرجاني مستجمعًا شروط القبول في بيتين من ذهب:

فَمَا كُلُّ ذِي نُصْحٍ بِمُؤْتِيكَ نُصْحَهُ
وَلَا كُلُّ مُؤْتٍ نُصْحَهُ بِلَبِيبِ
وَلَكِنْ إِذَا مَا اسْتُجْمِعَا عِنْدَ وَاحِدٍ
فَحَقٌّ لَهُ مِنْ طَاعَةٍ بِنَصِيبِ

 

10. عدم الحزن والأسى على رفض النصيحة: فالداعي يبذل السبب والهدى بيد الله؛ كما قال شعيب عليه السلام بعد إصرار قومه على الغش والكفر: ﴿ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ ﴾ [الأعراف: 93]، وكما قال نوح عليه السلام مبينًا أن النصح لا يخرق المشيئة الإلهية: ﴿ وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ ﴾ [هود: 34].

 

ومما يخفف هذا الحزن فقه طبائع البشر في كراهيتهم لمن يكشف عيوبهم، كما قال صالح عليه السلام لقومه: ﴿ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ ﴾ [الأعراف: 79].

 

12. فصل في مَيادين النُّصح ومجالاته العَمَلية:

إنَّ النصيحة ليست وعظًا مجردًا، بل هي سارية في شرايين الحياة والمعاملات:

• النصيحة في البيع والشراء: وهي أمانة تمنع الغش؛ عن جابر مرفوعًا: «دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض، فإذا استنصح أحدكم أخاه فلينصحه»؛ (رواه البيهقي والبخاري معلقًا).

 

وكان جرير بن عبدالله يبالغ في النصح والسماحة للمشتري تفعيلًا لبيعته. وقد بوَّب البخاري في صحيحه: "باب هل يبيع حاضرٌ لبادٍ بغير أجر؟ هل يعينه أو ينصحه؟".

 

• النصح في تعبير الرؤيا: صيانة للغيب، وعواطف الرائي؛ عن أبي هريرة مرفوعًا: "لا تقص الرؤيا إلا على عالم أو ناصح"؛ (رواه الترمذي). وعن أبي رزين: "ولا تحدث بها إلا لبيبًا أو حبيبًا".

 

• النصح في المشورة والفتيا: بذل الرأي الحق أمانة ومسؤولية؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «المستشار مؤتمن»، وقوله الصارم: «ومن أشار على أخيه بأمر يعلم أن الرشد في غيره، فقد خانه»؛ (رواه أبو داود). وفي هذا يقول معاوية الجعفري:

وَأَجِب أَخاكَ إِذا استَشارَكَ ناصِحًا
وَعَلى أَخيكَ نَصيحَةٌ لا تُردَدُ

• النصح في المناظرة ومقارعة الحجة: غايتها تجريد الحق لا حب الغلبة؛ قال الإمام الشافعي: "ما ناظرت أحدًا قطُّ إلَّا على النصيحة". وهو الهدي الفكري والتربوي الذي نراه في مناظرات الشيخ أحمد ديدات مع النصارى. أما المناظرات السياسية الرئاسية في الغرب فهي تقوم غالبًا على المشاحنة والمغالبة وإفحام الخصم؛ لابتنائها على حب الإمارة والاستماتة في طلبها، وهو مسلك مذموم في الشرع إلا لضرورة وبضوابطها.

 

• النصح في الحرب وإدارة المعارك: ببذل الرأي السديد للقادة؛ كمناصحة الصحابة لنبيِّهم صلى الله عليه وسلم قبيل بدر الكبرى، ومناصحتهم لأبي بكر الصديق في غزو الروم، ولعمر بن الخطاب في الخروج إلى فارس رضي الله عنهم أجمعين.

 

13. فصل في روائع النصح ومواقف السلف عند السلاطين:

• موازنة الخوف وتقديم نفع المنصوح: شجاعة ابن الجوزي في وعظه لأمير المؤمنين بتقديم النصح المر على المدح المزيف الكاذب، حين قال بلسان ناصح مشفق: "يا أمير المؤمنين، إن تكلمتُ خفتُ منك، وإن سكتُّ خفتُ عليك، وأنا أقدم خوفي عليك على خوفي منك، فقول الناصح: اتق الله، خير من قول القائل: أنتم أهل بيت مغفور لكم".

 

• موعظة الموت وزوال الملك: رقة فخر الدين الرازي مع السلطان شهاب الدين، التي قلبت هيبة الملك إلى خشوع وبكاء تذكرةً بـالآخرة ومرد العباد إلى الله، حين وعظه قائلًا: "يا سلطان العالم، لا سلطانك يبقى، ولا تلبيس الرازي يبقى، ﴿ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ ﴾ [غافر: 43]"، فانتحب السلطان بكاءً.

 

• ثنائية الهلاك والنجاة في ميزان التعامل الاجتماعي: قانون ابن المبارك الصارم في صيانة أقدار الناس والتحذير من مغبة الاستخفاف بهم؛ حيث قال: "حق على العاقل ألا يستخف بثلاثة: العلماء، والسلاطين، والإخوان"، مبينًا عاقبة الغفلة عنهم في ثلاث صدمات:

• الاستخفاف بالعلماء: يؤدي إلى ضياع الآخرة والشرع.

• الاستخفاف بالسلطان: يؤدي إلى ضياع الدنيا والأمن.

• الاستخفاف بالإخوان: يؤدي إلى ضياع المروءة والأخوة.

 

14. فصل في ظلال النصح الأسري وألوان الود الاجتماعي:

تتنزل النصيحة داخل البيوت لتضبط العلاقات بأعلى درجات الأدب والبر:

• النصح للوالدين: يُشترط فيه خفض الجناح والرفق البالغ؛ قال سلَّام بن مسكين: سألت الحسن قلت: "يا أبا سعيد، الرجل يأمر والديه بالمعروف وينهاهما عن المنكر؟ قال: يأمرهما إن قبلا، وإن كرها سكت عنهما". فلا يجوز بحال عقوقهما بحجة رفض النصح، بل يصار في حال كراهيتهما للنصح المباشر إلى التعريض بـالقصص والأمثال غير المباشرة.

 

• النصح للأبناء والبنات: وهو أصدق النصح وأخلصه لخلائه من حظوظ النفس، ومنه النموذج القرآني في وصايا لقمان لابنه، ونصيحة الشاعر الجاهلي عبد قيس بن خفاف لابنه جبير في لاميته بالأصمعيات يحثه فيها على التقوى وإكرام الضيف.

 

• نصح المرأة لزوجها: ويكون بحفظ ماله وصيانة غيبته؛ ففي حديث بيعة نساء الأنصار اشترط صلى الله عليه وسلم: «ولا تغششن أزواجكن»، ولما سئل عن الغش قال: «تأخذ ماله فتحابي به غيره»؛ (رواه أحمد).

 

• نصح الجليس وصيانة الصداقة: فالصاحب مرآة صاحبه؛ قال ابن المقفع: "خير الأعوان والإخوان أشدُّهم مبالغة في النصيحة". ومثاله موقف سفيان الثوري البليغ حين وعظ جليسه الأعمى بترك التكَسُّب بالقرآن، فلما عاتبه الأعمى قال الثوري مبينًا مسؤولية المجالس: "أخاف أن يقال لي يوم القيامة: كان هذا جليسك، أفلا نصحته". ويضع الإمام البربهاري ميزانًا للمجالس بقوله: "المجالسة للمناصحة فتح باب الفائدة، والمجالسة للمناظرة غلق باب الفائدة".

 

• نصح المؤمن غائبًا وشاهدًا: لقوله صلى الله عليه وسلم في خصال الأخوة: «وينصح له إذا غاب أو شهد»، وفي رواية أحمد: «وينصح له بالغيب»؛ ويكون بحفظ عرضه والذب عنه والدعاء له. ويشرح المباركفوري حقيقة هذا النصح بقوله: "أي يريد خيره في حضوره وغيبته، فلا يتمَلَّق في حضوره، ويغتاب في غيبته، فإن هذا صفة المنافقين".

 

15. فصل في نُصح الـمصنفين للأمة (البخاري أُنموذجًا):

ومن أرفع مقامات النصح وأبقاها أثرًا على مَرِّ العصور، نصح العلماء والمؤلفين للأمة عبر مصنفاتهم؛ وتتجلى براعة هذا المسلك في صنيع الإمام البخاري في صحيحه كما فكَّك أسراره الحافظ ابن حجر في فتح الباري فقال: "ختم البخاري كتاب الإيمان بباب النصيحة، مشيرًا إلى أنه عمل بمقتضاه في الإرشاد إلى العمل بالحديث الصحيح، ثم ختمه بخطبة جرير المتضمنة لشرح حاله في تصنيفه، فأومأ بقوله: «فإنما يأتيكم الآن» إلى وجوب التمسك بالشرائع حتى يأتي من يقيمها؛ إذ لا تزال طائفة منصورة وهم فقهاء أصحاب الحديث، وبقوله: «استعفوا لأميركم» إلى طلب الدعاء له لعمله الفاضل، ثم ختم بقول: «استغفر ونزل» فأشعر بختم الباب، ثم أعقبه بكتاب العلم لما دل عليه حديث النصيحة أن معظمها يقع بالتعلم والتعليم".

 

16. فصل في نصح النفس ومُساءلة الذات:

ختام المقالة ومسك أوراقها هو التفات الإنسان إلى "نفسه" بالنصح والتقويم أولًا؛ فالتغيير الصادق يبدأ من الداخل بالسيطرة على الجوارح عند الغضب، كما فعل ابن عمر رضي الله عنهما حين أراد أن يلعن خادمه فكبح لسانه قائلًا: "اللهم الع... فلم يتمَّها، وقال: هذه كلمة ما أحب أن أقولها".

 

ولا يعني تقصير العبد في بعض شأنه أن يترك شعيرة النصح فيتصلب المجتمع، وفي معالجة هذه المعضلة النفسية يقول الخليفة الراشد عمر بن عبدالعزيز: "لو أن المرء لا يعظ أخاه حتى يحكم أمر نفسه، ويكمل الذي خلق له من عبادة ربه، إذن لتواكل الناس الخير، وإذن يرفع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقل الواعظون والساعون لله عز وجل بالنصيحة في الأرض".

 

وقد توافقت حِكم الفلاسفة الغربيين مع هذا المعنى الأصيل؛ قال شيشرون: "ما نصحك مثل نفسك". وتساءل سانت جيروم مستنكرًا: "لماذا لا تمارس أنت الموعظة التي تنطق بها؟". بينما يعترف سيروس بعجز النفس الإنسانية أحيانًا فيقول: "أحيانًا أسدي النصائح الجيدة لنفسي، ولكنني أعجز عن العمل بها".

 

ويشير لورد هالينكس إلى أن رغبة الإنسان المفرطة في توجيه الآخرين قد تخفي نقصًا داخليًّا بقوله: "رغبة المرء في إسداء النصيحة دليل على حاجته إليها". ويقول أوفير بليغًا: "حاجتنا إلى الحكمة للإفادة من النصيحة، أكبر من حاجتنا إلى الحكمة لإسدائها".

 

وفي الختام، يضع العقلاء حصانة فكرية للمنصوح كي لا تتلاشى شخصيته خلف آراء الناس؛ إذ قيل: "إذا أفرطت في الاستماع إلى النصائح، انتهى بك الحال إلى ارتكاب أخطاء الآخرين". وقيل في منتهى ميزان الوعي والعقل: "إذا كان في استطاعتك إدراك الفرق بين النصيحة النافعة والنصيحة الضارة، لم تكن في حاجة إلى نصائح".

 

الْخَاتِمَة:

وَفِي خِتَامِ هَذِهِ (الْمَقَالَةِ الْمَلِيحَةِ)، نَكُونُ قَدْ طُفْنَا فِي رِيَاضِ النُّصْحِ الْعَطِرَةِ، وَوَقَفْنَا عَلَى مَعَالِمِهِ السَّنِيَّةِ وَآفَاتِهِ الْمُهْلِكَةِ، وَتَبَيَّنَ لَنَا أَنَّ النَّصِيحَةَ لَيْسَتْ سَوْطًا لِلتَّشْهِيرِ وَالْجَلْدِ، بَلْ هِيَ يَدٌ حَانِيَةٌ تَبْتَغِي الْبِنَاءَ وَالْمَجْدَ، تَبْدَأُ مِنْ نُصْحِ النَّفْسِ وَتَأْدِيبِهَا، ثُمَّ تَمْتَدُّ إِلَى دَوَائِرِ الْأُسْرَةِ وَالْمُجْتَمَعِ بِالرِّفْقِ وَالصِّيَانَةِ.

 

فَأَسْأَلُ اللَّهَ الْعَظِيمَ، رَبَّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ، أَنْ يَجْعَلَنَا مِمَّنْ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ، وَأَنْ يَرْزُقَنَا قُلُوبًا طَاهِرَةً تَقْبَلُ الْحَقَّ وَتَنْقَادُ لَهُ، وَأَلْسِنَةً صَادِقَةً تَنْصَحُ لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ، نَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ نَكُونَ مِنَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَيَنْسَوْنَ أَنْفُسَهُمْ، أَوْ أَنْ نَكُونَ مِنَ الطَّاغِينَ الَّذِينَ لَا يُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ.

 

وَآخِرُ دَعْوَانَا أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَصَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.

 

المراجع:

القرآن الكريم.

 

• الصحيحان والسنن الأربعة وغيرها.

 

• تحفة العلماء بترتيب سير أعلام النبلاء، لأحمد بن سلمان وأم صفية بنت محمد صفوت نورالدين، دار الإيمان، إسكندرية، الطبعة الثانية، د.ت (2002 من رقم الإيداع)، مادة "النصيحة" (ص517- 537).

 

• التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد، محمد بن عبدالله الهبدان، دار ابن الجوزي، الدمام، الطبعة الأولى، 1430هـ، "باب المناصحة" (ص797- 801).

 

التعليق على "السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية لشيخ الإسلام ابن تيمية"، لمحمد بن صالح العثيمين، مدار الوطن للنشر، الرياض، الطبعة السادسة، 1436هـ 2015م. "مناصحة الحكام" (ص452).

 

• التهذيب الموضوعي لحلية الأولياء، محمد بن عبدالله الهبدان، دار طيبة، الرياض، الطبعة الأولى، 1426هـ، 2005م. مادة "النصيحة" (ص875- 885).

 

• جامع الأصول في أحاديث الرسول، للإمام مجد الدين أبي السعادات المبارك بن محمد بن الأثير الجزري (544هـ -606هـ)، تحقيق عبدالقادر الأرناؤوط، المكتبة التجارية، دار الفكر، بيروت، الطبعة الثانية، 1403هـ، 1983. كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (1/ 324- 333)، كتاب في النصح والمشورة (11/ 557- 561).

 

• الجامع الكامل في الحديث الصحيح الشامل، المرتب على أبواب الفقه، لأبي أحمد محمد عبدالله الأعظمي المعروف بالضياء. دار السلام، الرياض، طبعة أولى 1437هـ، 2016م. باب بيان أن النهي عن المنكر من كمال الإيمان (1/ 169)، باب مناصحة الحاكم باللين والحكمة والموعظة (7/ 154).

 

• صحيح "حياة الصحابة للشيخ محمد يوسف الكاندهلوي"، للدكتور عبدالمعطي قلعجي، دار طيبة، دمشق، الطبعة الأولى، 1436، 2015م. الباب السابع: باب اهتمام الصحابة باجتماع الكلمة، وفيه: "قول الحق عند الأمير ورد أمره إذا خالف أمر الله" (ص380).

 

• فتح الباري بشرح صحيح البخاري، لأحمد بن علي بن حجر العسقلاني (ت852هـ)، وعليه تعليقات الشيخ عبدالرحمن بن ناصر البراك، اعتنى به: أبو قتيبة نظر محمد الفاريابي. دار طيبة، الرياض، الطبعة الثالثة 1431هـ- 2010م. كتاب الإيمان، باب قول النبي: «الدين النصيحة» (1/ 246).

 

• موسوعة الإمام ابن أبي الدنيا، لأبي بكر عبدالله بن محمد القرشي (ت281هـ)، المكتبة العصرية، صيدا، بيروت، 1432هـ 2011م. "كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" (2/ 187- 223).

 

• موسوعة الأمثال والحكم والأقوال العالمية، لمنير عبود، صياغة الأقوال المترجمة: أحمد حاطوم، شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، بيروت، الطبعة السادسة، 2011م، الباب السادس: جولة في القيم، مادة "النصيحة والموعظة" (ص301- 303).

 

• الموسوعة الشعرية للكاتب والأديب والواعظ والخطيب، إعداد: بدر بن عبدالله بن عبدالكريم الناصر، دار العاصمة، الرياض، الطبعة الثالثة، 1434هـ، 2013م. كتاب الأدب: "باب النصيحة" (ص388- 390).





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • آداب النصيحة والناصح الظاهرة
  • وقفات مع آداب النصيحة
  • آداب النصيحة (خطبة)

مختارات من الشبكة

  • مقالات قي تربية الأطفال: المقالات المنشورة في شبكة الألوكة أنموذجا (WORD)(كتاب - مكتبة الألوكة)
  • النصيحة: مفتاح صلاح القلوب والمجتمعات(مقالة - آفاق الشريعة)
  • الهدي النبوي في النصيحة بين التصريح والتلميح(مقالة - حضارة الكلمة)
  • النصيحة(مقالة - آفاق الشريعة)
  • من الأخلاق الإسلامية (قبول النصيحة)(مادة مرئية - مكتبة الألوكة)
  • مداد النصيحة: تأملات في وصية الشيخ الألباني رحمه الله(مقالة - آفاق الشريعة)
  • وجوب النصيحة في البيع والشراء(مقالة - آفاق الشريعة)
  • الدين النصيحة (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • من الدلائل العقلية على صدق النبي صلى الله عليه وسلم (10)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • نصيحة الوالدين بتعليم الأبناء العلم الشرعي والتمسك بالدين (PDF)(كتاب - مكتبة الألوكة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • للعام الرابع .. المجتمع المسلم في كورنوال يحتفي بالتراث والثقافة الإسلامية
  • بمناسبة شهر التراث الإسلامي.. مسجد في مانيتوبا يعرف الناس بالثقافة الإسلامية
  • مبادرة خيرية لمركز إسلامي في فلوريدا لأكثر من 200 مستفيد
  • «الاستعداد للحياة الزوجية»: ورشة إسلامية لتعزيز الاستقرار الأسري في فيينا
  • كالغاري الكندية تحتفي بتاريخ المسلمين وثقافتهم خلال شهر أكتوبر
  • «الإسلام والصحة النفسية».. محاضرة توعوية بعاصمة النمسا
  • الملتقى العالمي الرابع للأئمة والعلماء يعزز التعاون الإسلامي في أستراليا
  • حملة إسلامية في بلغاريا لاستكمال مشروع تعليمي يخدم الأجيال الجديدة

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
  • Facebook
  • Twitter
  • YouTube
  • Instagram
  • Telegram
حقوق النشر محفوظة © 1448هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 18/5/1448هـ - الساعة: 10:24
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب