• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | مقالات شرعية   دراسات شرعية   نوازل وشبهات   منبر الجمعة   روافد   من ثمرات المواقع  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    المخالفات الشرعية المتعلقة بالعقود وأقسامها: ...
    د. نايف بن محمد اليحيى
  •  
    تأملات في اسمه تعالى الملك
    أ. د. وجيه يعقوب السيد
  •  
    تتمة متعلقة بكتب الله وملائكته وأنبيائه ورسله ...
    فواز بن علي بن عباس السليماني
  •  
    حياة الجمال الأسرية وروحها النابض (خطبة)
    د. أيمن منصور أيوب علي بيفاري
  •  
    عبادة الخوف من الله في السر
    عدنان بن سلمان الدريويش
  •  
    خطبة: فتنة المسيح الدجال (2)
    الدكتور علي بن عبدالعزيز الشبل
  •  
    سورة النساء (4) الترغيب والترهيب
    الشيخ د. إبراهيم بن محمد الحقيل
  •  
    الوطن الآمن (خطبة)
    الشيخ محمد بن إبراهيم السبر
  •  
    حب الوطن واجتماع الكلمة (خطبة)
    خالد سعد الشهري
  •  
    آداب الطعام والشراب (خطبة)
    د. محمد حرز
  •  
    رسالة الخليل - عليه السلام - إليك (خطبة)
    د. محمد بن عبدالله بن إبراهيم السحيم
  •  
    سلسلة القصص القرآنية المالية (2) قصة أصحاب الجنة
    مطيع الظفاري
  •  
    تسبيح الله تعالى: فضائله، وآدابه، وأحكامه، ...
    الشيخ عبدالرحمن بن سعد الشثري
  •  
    فخامة الاستدلال بأقوال السلف على معاني القرآن ...
    روضة محمد شويب
  •  
    حديث: أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء
    الشيخ عبدالقادر شيبة الحمد
  •  
    لطائف من مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ...
    سائد بن جمال دياربكرلي
شبكة الألوكة / آفاق الشريعة / مقالات شرعية / عقيدة وتوحيد
علامة باركود

تأملات في اسمه تعالى الملك

تأملات في اسمه تعالى الملك
أ. د. وجيه يعقوب السيد

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 17/9/2026 ميلادي - 6/4/1448 هجري

الزيارات: 57

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

تأملات في اسمه تعالى المَلِك

 

كان هارون الرشيد عظيمَ المُلك واسعَ السلطان، امتدَّ مُلْكُه شرقًا وغربًا وشمالًا وجنوبًا، حاز القصور والضياع والأموال، وبلغ من اتساع ملكه أنه كان يخاطب السحابة قائلًا: أمطري حيث شئتِ، فسوف يأتيني خراجك، فلما حضرته الوفاةُ ورأى أن كل شيء إلى زوال؛ ملكه ومجده وعافيته وسلطانه وماله، أخذ يناجي ربَّه باكيًا ويقول: يا من لا يزول مُلكُه، ارحم من قد زال ملكه! ويا لها من نفثة صدرت عن رجل عاين الحقيقة، وأبصر الأمور على حقيقتها لحظة احتضاره، وشاهد زوال ملكه وانفضاض الناس من حوله، فنطق بهذه الكلمة الصادقة البليغة.

 

إن ملوك الأرض مهما امتدَّ ملكهم، واتَّسَع سلطانُهم، وبلغ نفوذهم، فإنهم لا يملكون شيئًا على الحقيقة، وإنما تُوكَل إليهم مقاليدُ الحكم وتدبيرُ شئون الناس إلى حين، فإذا جاء أجلهم وحانت لحظة نهايتهم، أذن الله بنزع ملكهم، فهو مالك الملك وصاحب الأمر، أمره نافذ في ملكه، استغنى في ذاته وصفاته عن كل موجود، بينما يحتاج إليه كل موجود، ولا يستطيع الاستغناء عنه سبحانه وتعالى، قال تعالى: ﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ [آل عمران: 26، 27].


قيل في سبب نزول الآية الكريمة: إنَّ مشركي مكة قالوا: إن فارسَ والروم يبيتان في الحرير والديباج، فلو كان محمَّدٌ نبيًّا؛ كيف ينامُ على الحصير؟ فنزلت هذه الآية لتُبيِّن لهم أنَّ المتصرِّف في هذه المقادير هو اللهُ وحده، فهو الذي يعزُّ مَن يشاء ويذلُّ مَن يشاء، والعزَّةُ لا تكون بالمال ولا بالسُّلْطان؛ إنَّما العزُّ كلَّ العزِّ لمن استعصم بالله، فمَن اعتزَّ بالله أعزَّه ورفَعَ قدْرَه، ومَن اعتزَّ بغير الله أذلَّه وأرغم أنفه، وجعلَ فقْرَه بين عينيه، وهكذا يُصحِّح القرآنُ الكريمُ هذه المفاهيمَ المغلوطة، التي أرسَتْها قيمُ الجاهلية المتوارثة.

 

فلا أحد يملك شيئًا على الحقيقة سوى الله الملك الحق، الخلق كلهم عبيده، يدينون له بالطاعة والخضوع، ومن أراد أن ينال شرف الدنيا وعز الآخرة، فليقتدِ بالرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الأمر وغيره، فهو لم يتظاهر بالمُلْك ولا حاكى حياةَ الملوك، وإنما كان نبيًّا عبدًا، لا نبيًّا مَلِكًا، أسلم المُلك والأمر كله لله، وكذلك كان خلفاؤه الراشدون، أسلموا الملك لله فلم يلبسوا التيجان ولا الحرير، وعاشوا في شظف من العيش، ولانوا في الحق، ولم ينازعوا الله شيئًا من مُلْكه.

 

فالـمَلِك اسم من أسمائه تعالى الحسنى ومعناه: ذو الـمُلْك، وصاحبُ التَّصرُّف فيما يملك، وهو اسم جامع لمعاني الصفات العُلَى، يدل على إحاطة العلم والاقتدار؛ بحيث لا يغيب عنه علم شيء مما هو في ملكه، ولا يعجز عن إنفاذ ما يقتضيه حكمه. ويتحقق الملك لمن له القدرة على الإبداع والإنشاء؛ لذلك لا مالك في الحقيقة إلا الله، فهو تعالى الملك، وهو المالك، وهو المليك، وهو مالك الملك، والمَلِك أعمُّ من المالك؛ إذ ليس كل مالك ينفذ أمره ويتصرف فيما يملك.

 

وقد ورد هذا الاسم الجليل في القرآن الكريم خمس مرات، منها قوله تعالى: ﴿ فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا ﴾ [طه: 114]، وقوله تعالى: ﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ ﴾ [الناس: 1 - 3]، وقوله تعالى: ﴿ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ [الحشر: 23]. وهذه المواضع جميعًا تبين أن الله تعالى هو صاحب السلطان وصاحب العزة والجبروت، له ملك السماوات والأرض، وهو المَلِك الذي لا مَلِك فوقه، ولا شيء إلا وهو دونه، لا يُمَانَع في عطاء، ولا يُغَالَب في قضاء، ولا يُعَارَض في حكم، ولا يُنَاهَض في منزلة، ولا يُنَاقَض في أمر، بيده الأمر كله وإليه ترجع الأمور.

 

إنَّ مُلك الله تعالى هو المُلك الحقيقيُّ، الذي يستحق أن يُوصَف بهذا الوصف؛ فهو الذي أوجد الأشياءَ من العدم، وهو المعزُّ المذلُّ، وهو المتصرف منعًا وعطاءً، وحياةً وموتًا، أما المُلَّاكُ من خلقه فهم عبيده، وما استفادوا التصرُّف في أملاكهم إلا من جهته تعالى؛ لذلك خاب وخسر من نازعه في ملكه، أو ادَّعى ما ليس له، أو تسلَّط على عباده ظلمًا وقهرًا، فقد قصم الله ظهور المتجبرين؛ أغرق فرعون وجنوده، وأهلك عادًا وثمود والنمروذ وكل متجبِّر، بعد أن اغترُّوا بقوَّتهم وملكهم وسلطانهم، وقالوا: من أشد مِنَّا قوةً، ومن أكثر منا عددًا وعتادًا؟


يقول تعالى: ﴿ وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ ﴾ [الزخرف: 51]، يقول الإمام القشيري: تعزز فرعون بمُلك مصر، وجريان النيل بأمره، وكان في ذلك هلاكه، ليعلم أن من تعزز بشيء من دون الله فحَتْفُه وهلاكه في ذلك الشيء، واستصغر فرعون موسى وحديثه، وعابه بالفقر فسَلَّطه الله عليه، وكان هلاكه بيديه، فما استصغر أحدٌ أحدًا إلا سلَّطه الله عليه، ورغم ظهور كذبه أطاعه قومُه طاعةَ الرهبة، وطاعةُ الرهبة لا تكون مخلصةً، وإنما تكون الطاعة صادقة إذا صدرت عن الرغبة؛ (لطائف الإشارات للقشيري، ج 3، ص 370).


وما أصدق ما قاله ابن الجوزي في أحد مجالس وعظه وهو يعلق على هذه الآية: انظروا إلى هذا الأحمق، افتخر بنهر ما أجراه، فما أجرأه!

 

وإنَّ مِن أمارات صحَّة إيمان العبد، أنْ يشهد لله بالملك، وأنْ يعلم أنَّه تعالى هو المالك الحقيقيُّ لكلِّ شيء في الوجود، ما نراه وما يخْفَى علينا، وهو وحده الَّذي له حقُّ التصرُّف فيما يملك، فإنْ أعطى واحدًا وحرمَ آخر؛ فإنَّ ذلك لحكمةٍ يعلمُها وحده.

 

وقد كان الرَّسول صلَّى الله عليه وسلَّم أعلمَ النَّاس بهذه الحقيقة العظيمة؛ حقيقة أنَّ الملك كلَّه لله، فكان يقولُ في دعائه في الصَّباح: «أصبَحْنا وأصبحَ الملكُ لله»، ويقول عند المساء: «أمْسَينا وأمْسى الملكُ لله». وكان يوصي صحابتَه الكرام بذلك، فقد أخرج أبو داود والترمذيُّ وابنُ حبَّان أنَّ أبا بكرٍ الصِّدِّيق رضي الله عنه قال: يا رسولَ الله، مُرني بكلماتٍ أقولهنَّ إذا أصبحتُ وإذا أمسيت، قال: «قل اللَّهم فاطر السَّماوات والأرض، عالم الغيب والشَّهادة، ربَّ كلّ شيءٍ ومليكه، أشهدُ أنْ لا إله إلَّا أنت، أعوذُ بك من شرِّ نفسي، وشرِّ الشِّيطان وشركه».

 

وقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «يقبض الله عزَّ وجلَّ الأرضَ يوم القيامة، ويطوي السَّماواتِ بيمينِه، ثمَّ يقول: أنا الملكُ فأينَ ملوك الأرض»؛ (رواه البخاري ومسلم).


وإذا استشعر المؤمنُ هذه الحقيقة العظيمة، وعلِمَ أنَّ المُلكَ لله وحده، فهل يخاف أحدًا أو يرهبُ أحدًا سوى الله؟ فإذا كان المُلكُ لله وحده، وهو عزَّ وجلَّ المتصرِّف في كلِّ شيءٍ، فلا يصحُّ أن نخشى أحدًا سواه، فهو المقدِّر للأرزاق والأعمار، ولا يمكن لشيءٍ أن يحدث في مُلكه إلَّا بعلمه، ومِن بعْد إذنه.

 

ولأنَّ الله تعالى هو المَلِك، فهو الذي سيحاسب النَّاس على أعمالهم يوم القيامة، وهو وحده الَّذي سيحدِّد مصائرَ خلقه؛ فأمَّا السُّعداء فإلى رحمةِ الله ورضوانه، وأمَّا الأشقياء فإلى جهنَّم وبئسَ المصير؛ قال تعالى: ﴿ تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ ﴾ [الملك: 1، 2].

 

وتبدأ هذه السُّورةُ العظيمةُ بقوله تعالى: تبارك؛ أي: تقدَّس وتنزَّه سبحانه عن النقص، وهي افتتاحية مناسبة تمامًا للحديث عن مُلك الله الشَّاسع، الذي لا تحيطُ به العقول ولا تدركُه الأفهام، فمَن كان هذا ملكَه، ومَن كانت هذه قدرتَه وعزّتَه؛ فهو وحده المستحقُّ للتَّعظيم والتنزيه والتقديس.

 

يقول الإمامُ الغزالي: المَلِكُ هو الذي يستغني في ذاته وصفاته عن كلِّ موجود، ويحتاج إليه كلُّ موجود، بل لا يستغني عنْه شيء في شيء، لا في ذاته ولا في صفاته، ولا في وجوده ولا في بقائه، بل كلُّ شيء فوجودُه منه، أو ممَّا هو منه، فكلُّ شيء سواه هو له مملوكٌ في ذاته وصفاته، وهو مستغنٍ عن كلِّ شيء، فهذا هو الملك؛ (انظر: المقصد الأسنى، دار ابن حزم، بيروت، الطبعة الأولى، 2003م، ص 66).


والمَلِكُ الحقيقيُّ من العباد ليس هو صاحبَ الجاه ولا السُّلْطان ولا المال، ولكنه الذي يملك نفسَه وشهوته ويتحكَّم في غضبه، فلا تتحكَّم به الشَّهْوةُ أو الرغبة، ولا يسيطر عليه شيطان أو غواية، ولا يستعبدُه مالٌ أو منصبٌ، وتلك رتبةُ الأنبياء والصَّالحين؛ حيث استغنوا عن كلِّ أحد إلَّا عن اللهِ تعالى؛ ولذلك جعل اللهُ الناس في حاجةٍ إليهم وإلى إرشادِهم، وتمامُ ملكهم أنْ يعلموا أنَّهم ممْلوكون لله، عبيدٌ له عزَّ وجلَّ. ومن جميل ما قيل في تفسير قوله تعالى: ﴿ رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ﴾ [يوسف: 101]، أنه أراد به مُلكه على نفسه؛ حيث لم يطع شهوته حين راودته امرأةُ العزيز، وهذا التفسير لا يتنافى مع التفاسير الأخرى، التي تذكر أن المقصود بالملك هنا: السلطان والحكم والتمكين، ولكنه يضيف معنًى جديدًا يحتمله السياق ولا ينفيه.

 

وممَّا يُروى في هذا المعنى، أنَّ أحدَ الأمراء قال لرجلٍ من الصَّالحين: سلْني حاجتك. فقال له الرَّجل الصالح: أوَ تقول لي هذا، ولي عبْدان هُما سيِّداك؟ فتعجب الأمير من حديثه ثم سأله في دهشة: ومَن هُما؟ فقال الرَّجل الصَّالح: الحرصُ والهوى، فقد غلبتُهما وغلباك، وملكتُهما وملكاك. والرجل الصالح يشير هنا إلى تحكُّمه في أهوائه ورغبات نفسه؛ ومن ثم صار مَلِكًا وسيِّدًا لنفسه، في حين أن كثيرًا من الناس تستعبدهم أهواؤهم وشهواتهم، وقال بعضُهم لأحد العلماء: أوْصني، فقال له: كنْ ملكًا في الدنيا تكنْ ملكًا في الآخرة؛ أي: اقطعْ حاجتك وشهوتَك عن الدنيا، فإنَّ المُلْكَ الحقيقي في الحرية والاستغناء عن الناس، ويا لها من وصية غالية لو فطنَّا لها!

 

وحظ العبد من هذا الاسم الجليل: أن يتبرَّأ من كل حول وقوة له، وأن ينزل نفسه منزلة العبد المملوك الضعيف لربِّه، وأن يسلم الأمر كله لله، وهذا لا يكون بالادعاء أو باللسان، وإنما بالاستسلام والرضا بالقضاء، فلا شك أن من عرف أن الله هو الملك الحق الذي تنتهي إليه الآمال، جعل همتَه وقفًا عليه، فلم يتوجَّه في كل أموره إلا إليه، استسلامًا لحكمه واستغناء به، واكتفاء بما عنده عن غيره.

 

وعلى قدر معرفة المرء بحقيقة ملكه تعالى يكون إيمانه ويقينه ومنزلته عند ربِّه، فمن عاين بعين قلبه هذا الكون الشاسع المترامي الأطراف، الذي تحار العقول في عظيم تدبيره وخلقه، تأكَّد أن لهذا الكون إلهًا خالقًا عظيمًا مدبرًا مالكًا، خضع له كل شيء ولم يخرج عن سلطانه أحد؛ لذلك فالعجب كل العجب، أن يكون الإنسان الضعيف الذي يمرض ويسقم ويعجز ويفتقر ويموت ويتلاشى، هو الذي يتمرد على سلطان ربِّه، بينما تخضع كل الكائنات لربها طوعًا وكرهًا، يقول تعالى: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ * وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ * يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ﴾ [النحل: 48 - 50].

 

ففي الآيات دعوة للتأمُّل والنظر والاعتبار، فلا شيء من خلقه يمتنع على تصريفه، بل الكل يخضع بالانقياد للمقادير والجري تحت الأقضية، والسجود يعني الخضوع والانقياد والاستسلام التام والتواضع لعظمة الله، فهلا اعتبر الإنسان وهو المقصود بالخطاب؟


ومن عرف أنه تعالى المتفرد بالمُلْك دون خلقه، لم يذل نفسه لمخلوق أبدًا، ولم يتعلق قلبُه بغير الله تعالى؛ فالمعرفة بحقيقة ملكه وسلطانه توجب التجرد له في التقرُّب إليه، وتوجيه القصد نحوه فقط.

 

اللَّهم مالك الملك، تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء، وتعز من تشاء وتذل من تشاء، بيدك الخير، إنك على كل شيء قدير، تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل، وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي، وترزق من تشاء بغير حساب، رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما، تعطي من تشاء منهما وتمنع من تشاء، ارحمني رحمة تغنيني بها عن رحمة من سواك، اللهم إنَّا نبرأ إليك مِن كلِّ حولٍ وقوَّة، ونعوذ برضاك من غضبك، فاغفرْ لنا وارْحمنا وتُبْ علينا، إنَّك أنت التوابُ الرَّحيم.





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • مع الله «الملك» (خطبة)
  • تحريم تصوير ذوات الأرواح وأنها مضاهاة لله تعالى
  • تحريم الرياء والسمعة ووجوب الإخلاص لله تعالى
  • ذكر بعض الصور الموضحة لإرادة الإنسان بعمله الدنيا
  • اسما الله الملك والمليك
  • تحريم سب نبي أو رسول عليهم الصلاة والسلام وحكم الشرع في الساب
  • تحريم سب صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أجمعين
  • تحريم سب آل بيت النبوة عليهم السلام
  • تحريم سب نساء النبي صلى الله عليه وسلم

مختارات من الشبكة

  • تأملات في اسمه تعالى الرحيم(مقالة - آفاق الشريعة)
  • اسما الله الحيي الستير: تأملات عقدية في الأسماء والصفات وأثرهما في العبودية(مقالة - آفاق الشريعة)
  • أنواع الإلحاد الواقع في أسماء الله تعالى وصفاته(مقالة - آفاق الشريعة)
  • أسماء ليست من أسماء الله الحسنى(مقالة - آفاق الشريعة)
  • مائة من أسماء الصحابيات لمن أراد تسمية البنات(مقالة - مجتمع وإصلاح)
  • القصيدة المتيمية في رثاء شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله (ت: 728 هـ) لأحد أصحاب شيخ الإسلام اسمه محمد (PDF)(كتاب - مكتبة الألوكة)
  • مع سورة النبأ(مقالة - آفاق الشريعة)
  • دعاء يحفظك الله به من الضرر(مقالة - آفاق الشريعة)
  • الجلوس بعد صلاة الفجر في المسجد(مقالة - آفاق الشريعة)
  • أسماء الله بلفظ الاسم والاسم المضاف والفعل(مقالة - آفاق الشريعة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • التوسع في البرامج القرآنية للأطفال والبالغين في الفولغا مع بداية العام الدراسي
  • انطلاق أولى محاضرات موسم الشباب المسلم بتتارستان
  • احتفالات قرآنية في بورغاس وفيلكو تارنوفو تكرم أطفالا أتموا قراءة القرآن الكريم
  • المالديف تستهدف الوصول إلى 500 حافظ وحافظة للقرآن الكريم خلال العام
  • فتح التسجيل لدورات القرآن الكريم للأطفال في غرناطة
  • رغم صعوبات النقل مساعدات إسلامية مستمرة لمتضرري فيضانات نيبال
  • دورتان للفتيات والفتيان حول الزواج والحياة الأسرية في قازان
  • تتويج متميزين في المسابقة الوطنية للمعارف الأساسية للإسلام ببلغاريا

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1448هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 5/4/1448هـ - الساعة: 22:13
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب