• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | مقالات شرعية   دراسات شرعية   نوازل وشبهات   منبر الجمعة   روافد   من ثمرات المواقع  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    كيف نعمل بالقرآن الكريم؟
    أبو خالد بن ناظر الدين القاسمي
  •  
    حسبك الله وليا ونصيرا {والله أعلم بأعدائكم وكفى ...
    د. عبدالرحمن بن سعيد الحازمي
  •  
    فقه الحياة الزوجية (خطبة)
    الشيخ أحمد إبراهيم الجوني
  •  
    فوائد وأحكام من قوله تعالى: {فبما رحمة من الله ...
    الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم
  •  
    الوقاية من أهوال يوم القيامة (خطبة)
    ياسر عبدالله محمد الحوري
  •  
    الحمد على الطعام والشراب يرضي عنك الوهاب
    د. خالد بن محمود بن عبدالعزيز الجهني
  •  
    البراقليط: دراسة في دلالة النص ومنطق النبوة
    حسين محمد بسيوني
  •  
    تحريم المن على الله وعلى رسوله
    فواز بن علي بن عباس السليماني
  •  
    العروس التي زفت على مزلقان القطار (قصة حقيقية)
    حسام كمال النجار
  •  
    كلمة وكلمات (21)
    د. عبدالسلام حمود غالب
  •  
    صفة مكارم الأخلاق طاعة لله وللرسول
    الدكتور أبو الحسن علي بن محمد المطري
  •  
    تفسير: (وإن يكذبوك فقد كذب الذين من قبلهم...)
    تفسير القرآن الكريم
  •  
    تخريج حديث: من مس ذكره فليتوضأ (6)
    الشيخ محمد طه شعبان
  •  
    اسما الله الرحمن الرحيم
    خليل الحربي
  •  
    مع سورة النازعات
    د. خالد النجار
  •  
    أفئدة تطلع ونفوس تتعالى (خطبة)
    محمد حسين حسن
شبكة الألوكة / آفاق الشريعة / مقالات شرعية / التفسير وعلوم القرآن
علامة باركود

حسبك الله وليا ونصيرا {والله أعلم بأعدائكم وكفى بالله وليا وكفى بالله نصيرا}

حسبك الله وليا ونصيرا {والله أعلم بأعدائكم وكفى بالله وليا وكفى بالله نصيرا}
د. عبدالرحمن بن سعيد الحازمي

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 13/7/2026 ميلادي - 27/1/1448 هجري

الزيارات: 85

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

حسبُك الله وليًّا ونصيرًا

﴿ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا ﴾ [النساء: 45].

 

تمهيد:

الإنسانُ الذي لم يوجِّه بوصلة قلبه الوجهة الحقيقية نحو خالقه العليم العظيم، والقادر على كل شيء جل جلاله، فإنه لا محالة يتيه في متاهات الحياة، وتتقاذفه أمواجها المتلاطمة، فالحياة بطبيعتها لا تخلو من الهموم والمشاق؛ كما قال تعالى: ﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ ﴾ [البلد: 4]، وجاء في تفسير الطبري: "﴿ فِي كَبَدٍ ﴾ معناه: في شدة، أي: أنه خُلق يكابد الأمور ويعالجها"[1].

 

ولكن قلب الإنسان لا يطمئن، ومشاعره لا تهدأ، إلا بالقرب من خالقه العليم بحاله، المحيط بدقائق أموره، والناس في ذلك درجات، فكلما ازداد الإنسان عبادةً لربه، وحرصًا على طاعته، وسموًّا بإيمانه، نال من معية الله وولايته ما يُسعد قلبه ويثبِّت فؤاده، وصدق الله العظيم: ﴿ أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾ [يونس: 62 - 64].

 

أقوال العلماء في تفسير الآية محل الموضوع:

قال الطبري رحمه الله: "أخبَر الله جل ثناؤه عن عداوة اليهود الذين نهى المؤمنين أن يستنصحوهم في دينهم إياهم، فقال جل ثناؤه: ﴿ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ ﴾، يعني بذلك تعالى ذكره: والله أعلم منكم بعداوة هؤلاء اليهود لكم، أيها المؤمنون، يقول: فانتهوا إلى طاعتي فيما نهيتكم عنه من استنصاحهم في دينكم، فإني أعلم بما هم عليه لكم من الغش والعداوة والحسد، وأنهم إنما يبغونكم الغوائل، ويطلبون أن تَضِلُّوا عن مَحجة الحق فتَهلِكوا، وأما: قوله ﴿ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا ﴾، فإنه يقول: فبالله أيها المؤمنون فثِقوا، وعليه فتوكلوا، وإليه فارغبوا، دون غيره، يَكفكم ما هَمَّكم، وينصُركم على أعدائكم، ﴿ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا ﴾، يقول: وكفاكم وحسبكم بالله ربِّكم وليًّا، يليكم ويلي أموركم بالحياطة لكم، والحراسة من أن يستفزكم أعداؤكم عن دينكم، أو يصدوكم عن اتباع نبيكم، ﴿ وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا ﴾، يقول: وحسبكم بالله ناصرًا لكم على أعدائكم وأعداء دينكم، وعلى من بغاكم الغوائل، وبغى دينكم العوج"[2].

 

وقال محمد رشيد رضا رحمه الله: "﴿ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ ﴾؛ أي: والله أعلم منكم بأعدائكم، ذواتهم كالمنافقين الذين تظنون أنهم منكم وما هم منكم، وأحوالهم وأعمالهم التي يكيدون بها لكم في الخفاء، وما يغشونكم به في الجهر بإبراز الخديعة في معرض النصيحة، وإظهار الولاء لكم والرغبة في نصركم؛ ﴿ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا ﴾، لكم يتولى شؤونكم بإرشادكم إلى ما فيه خيركم وفوزكم، وينصركم على أعدائكم بتوفيقكم للعمل بأسباب النصر من الاجتماع والتعاون والتناصر، وإعداد جميع ما يُستطاع من وسائل القوة، فلا تغترُّوا بولاية غيره، ولا تطلبوا النصر إلا منه باتباع سُننه في نظام الاجتماع وهدايته في القرآن، ومنها عدم الاعتماد على الأعداء، وأهل الأثرة الذين لا يعملون إلا لمصلحة أنفسهم كاليهود؛ ﴿ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا ﴾ أبلغ من كفى الله وليًّا، أو كفى ولاية الله؛ لأن الكفاية تعلقت بذاته من حيث ولايته"[3].

 

الملامح التربوية المستنبطة من الآية محل الموضوع:

أولًا: إن علم الله تعالى لا تحدُّه حدود، فهو واسع شامل لا يخفى عليه شيء في السماوات ولا في الأرض؛ كما قال سبحانه: ﴿ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا ﴾ [الطلاق: 12]، وقال تعالى أيضًا: ﴿ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ [الأنفال: 75]، وعلَّق ابن عثيمين رحمه الله على ذلك بقوله: ‌"وهذه ‌من ‌صِيَغ ‌العموم ‌التي ‌لم ‌يدخلها ‌تخصيص ‌أبدًا، ‌وهذا ‌العموم ‌يشمل ‌أفعاله ‌وأفعال ‌العباد ‌الكليات ‌والجزئيات، يعلم ما يقع وما سيقع، ويشمل الواجب والممكن والمستحيل، فعلم الله تعالى واسعٌ شامل محيط، لا يُستثنى منه شيء، فأما علمه بالواجب، فكعِلمِه بنفسه، وبما له من الصفات الكاملة، وأما علمه بالمستحيل، فمثل قوله تعالى: ﴿ لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا ﴾ [الأنبياء: 22]، وقوله: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ ﴾ [الحج: 73]، وأما علمه بالممكن، فكل ما أخبر الله به عن المخلوقات، فهو من الممكن: ﴿ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ ﴾ [النحل: 19]، إذًا فعلم الله تعالى محيط بكل شيء"[4].

 

ثانيًا: يُعدُّ الإيمان بعلم الله الشامل المحيط من الأركان الأساسية في عقيدة المسلم، فهو أصل عظيم من أصول الإيمان، وقد تكرَّر التأكيد عليه في آيات القرآن الكريم، وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، بما يدل على أهميته ومكانته، قال الأشقر رحمه الله: "وقد كثُر في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، تقريرُ هذا الأصل العظيم، فعلم الله محيط بكل شيء، فهو سبحانه ‌يعلم ‌ما ‌كان ‌وما ‌سيكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون، ويعلم الموجود والمعدوم، والممكن والمستحيل، وهو عالم بالعباد وآجالهم، وأرزاقهم، وأحوالهم، وحركاتهم، وسكناتهم، وشقاوتهم، وسعادتهم"[5].

 

ثالثًا: من يتأمل الآية الكريمة السابقة للآية محل الموضوع، وهي قول الله تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ ﴾ [النساء: 44] - يجدها تتناول الحديث عن اليهود الذين من أوصافهم كما ورد في القرآن الكريم والسنة المطهرة: "الكبر، والحسد، والظلم، وكتمان الحق، وتحريف الكلم عن مواضعه، ومنها الخيانة، والغدر، وسوء الأدب، واحتقار الآخرين، والسعي في الفساد، وإثارة الفتن والحروب، ومنها الكذب، والجشع، وقسوة القلب، ومحبة إشاعة الفاحشة، وأكل الربا"[6]، عليهم من الله ما يستحقون، لذا جاء التنبيه من الله تعالى في الآية التي بعدها، وهي آية المقال: ﴿ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا ﴾ [النساء: 45]؛ ليُبيِّن أن الله سبحانه عليم بعداوة هؤلاء القوم، مطَّلع على ما يُكنونه من شرٍّ وحقد تجاه المؤمنين، وفي ذلك تحذيرٌ للمسلمين من مكرهم وعدوانهم، وقد جاء بيان ذلك واضحًا آنفًا من قول المفسرين للآية محل الموضوع.

 

رابعًا: لقد بيَّن القرآن الكريم أن اليهود هم من أشدِّ الناس عداوة للمؤمنين خاصة، ولأمم الأرض عامة، فهم يسيرون على خطى إبليس - لعنه الله - في عداوته لبني آدم، وقد دلَّت على ذلك نصوص كثيرة في كتاب الله تعالى، منها قوله عز وجل: ﴿ لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ ﴾ [المائدة: 82]، قال ابن باز رحمه الله: "النصارى أقرب إلى الحقِّ من اليهود؛ لأنَّ داء اليهود الحسد والبغي وجحد الحقِّ؛ تكبُّرًا وتعاظُمًا وحسدًا وبغيًا، أمَّا داء النَّصارى الغالب عليهم، فهو الجهل، ولهذا هم أقرب إلى الخير والهدى من اليهود، والواقع شاهدٌ بذلك، فإنَّ النصارى في جميع الأوقات لا تزال تجد منهم مَن يُسلم ويُبادر إلى الإسلام في كل وقت"[7].

 

خامسًا: من سنن الله تعالى الجارية في خلقه أن يختلف الناس في أفهامهم وميولهم وقدراتهم، بل وحتى في معتقداتهم وانتماءاتهم الدينية، فالتنوع سِمة إنسانية قدَّرها الله بحكمته؛ كما قال سبحانه: ﴿ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ ﴾ [هود: 118]، وبسبب هذا الاختلاف تتعارض المصالح وتتنوع الاتجاهات، مما يؤدي إلى حصول الشحناء والعداوات، خاصة إذا ما تدخلت النفس الأمَّارة بالسوء، وأشعل الشيطان نار الفتنة، فكان له دور سريع وفعَّال في تأجيج النزاعات واستمرارها، غير أن الفارق الجوهري بين الناس في خِضَمِّ هذه الفتن هو مدى تقواهم لله تعالى، والتزامهم بالأمر الإلهي في حسن التعامل؛ كما قال عز وجل: ﴿ وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا ﴾ [الإسراء: 53]، ومن كان لله تعالى أتقى قلَّ شرُّه وكثُر خيرُه، وكان من خيار الناس، والعكس صحيح، وجاء ذلك مؤكدًا بقول نبينا صلى الله عليه وسلم: "خَيْرُكُمْ ‌مَنْ ‌يُرْجَى ‌خَيْرُهُ وَيُؤْمَنُ شَرُّهُ، وَشَرُّكُمْ مَنْ لَا يُرْجَى خَيْرُهُ وَلَا يُؤْمَنُ شَرُّهُ"[8].

 

سادسًا: إن من أبرز أسباب الظلم والعدوان والفساد، وسائر صور العداوة بين الناس، ما يكون ناشئًا في الغالب عن الكِبر والحسد، وهذان الداءان كانا أول ما ظهرَا في تاريخ البشرية حين سنَّ إبليس لعنه الله أول سنة سيئة في الكون، فكان أول من عصى ربَّه بكبره وحسده، فأبى أن يسجد لآدم عليه السلام كما أمره الله عز وجل، وقد صوَّر القرآن الكريم هذه الحادثة بأبلغ بيان، في قوله تعالى: ﴿ إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ * فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ* قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ * قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ * قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ * قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ * إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ * قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ﴾ [ص: 71 - 83].

 

سابعًا: يُعد الحسد من أخطر الأمراض القلبية التي تفتح أبواب الشرور والعداوات بين الناس، ومن أوضح الأمثلة على ذلك ما وقع بين ابني آدم عليه السلام، قابيل وهابيل، في أول حادثة قتل عرَفها التاريخ الإنساني، والتي كان دافعها الحسد الأعمى، وقد قصَّ القرآن الكريم هذه الحادثة في قوله تعالى: ﴿ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ * إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ * فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ * فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ ﴾ [المائدة: 27 - 31].

 

ومَكمن الحسد في هذه القصة أن الله تقبل قربان هابيل ولم يتقبل قربان قابيل، فأعماه الحسد، فقتل أخاه ظلمًا وعدوانًا، وبذلك يتبين أن الحسد داء خطير وباب واسع للشرور، فهو الذي دفع إبليس للعصيان، وقابيل لسفك الدم، نسأل الله السلامة والعافية من الكبر والحسد ومن كل داء.

 

ثامنًا: تشير الآية الكريمة محل الموضوع إلى ثلاثة من أسماء الله الحسنى: "العليم، الولي، النصير"، ولا شك أن ذكر أسماء الله في مواضعها من الآيات، له دلالات عظيمة متناسبة مع كل آية ذُكرت فيها، فاسم (العليم) يؤكد إحاطة الله تعالى الكاملة بعداوة الأعداء ومكرهم، واسم (الولي) يبيِّن قربه من عباده المؤمنين وتولِّيه شؤونهم، أما (النصير)، فيُطمئن قلوبهم بأن النصر لا يكون إلا من عنده سبحانه.

 

وإجمالًا فإن معرفة أسماء الله الحسنى سبيلٌ للتقرب إلى الله تعالى بالعلم والعمل والدعاء، فهي ذات تأثير قوي في حياة الإنسان، فتُرشِد المؤمن إلى أن يستمد العون والسعادة في الدنيا والآخرة من الله تعالى؛ قال السعدي رحمه الله: "فكلما زاد العبد معرفةً بأسماء الله وصفاته، ازداد إيمانه وقَوِيَ يقينُه"[9].

 

وإذا أيقن العبد بعظمة أسماء الله الحسنى وصفاته العليا، واستقر ذلك في قلبه، ولم يُخالجه أدنى شك، اطمأنَّت نفسه، وارتفع عنه القلق والاضطراب، وزاد توكُّله عليه، فعاش حياة ملؤها الأمن والطمأنينة، مهما اشتدت عليه المحن.

 

تاسعًا: لَما كان لأسماء الله الحسنى وصفاته العليا مكانة عظيمة في تعميق معرفة الله تعالى، وترسيخ العقيدة الصافية في قلب المسلم - كان من أولى المهمات وأجلها أن يُعتنى بها أيما اعتناء؛ من حيث: العلم بها، وفَهْم معانيها، والتأمل في دلالاتها، والعمل بمقتضاها في واقع الحياة.

 

وقد أوضح ابن القيم رحمه الله أهمية هذا الباب العظيم، فقال: "وليست حاجة الأرواح قط إلى شيء أعظم منها إلى معرفة باريها وفاطرها، ولا سبيل إلى هذا إلا بمعرفة أوصافه وأسمائه، فكلما كان العبد بها أعلَمَ، كان بالله أعرف، وله أطلب، وإليه أقرب، وكلما كان لها أنكر، كان بالله أجهل، وإليه أكره، ومنه أبعد"[10].

 

عاشرًا: من مقتضى سلامة الإنسان وحفظه لنفسه أن يكون كيِّسًا فَطِنًا، حذرًا في تعاملاته وعلاقاته، فإن من يخالط الناس لا يَسلَم من الأذى، ولهذا جاء في قوله تعالى: ﴿ أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ ﴾ [النساء: 71]، قال ابن عثيمين رحمه الله: "يجب على الإنسان أن يكون كَيِّسًا فطنًا، لكن لا يجوز أن نسيء الظن بمن ظاهره العدالة، ونقول هذا من أخذ الحذر، كما قال أهل العلم: يحرم الظن السوء بمسلم ظاهره العدالة، أما من كان ظاهره الفسق، فلنا أن نأخذ الحذر منه لئلا يخدعنا".

 

وهذا التوجيه فيه تنبيهٌ مهم إلى ضرورة اختيار الصحبة الصالحة، والحذر من رفقة السوء، امتثالًا لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "‌لَا ‌تُصَاحِبْ ‌إِلَّا ‌مُؤْمِنًا، وَلَا يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلَّا تَقِيٌّ"[11].



[1] تفسير الطبري (24/ 435).

[2] تفسير الطبري (8/ 429).

[3] تفسير المنار (5/ 112).

[4] شرح العقيدة الواسطية، ص: 184.

[5] الأشقر، عمر سليمان، القضاء والقدر، ص 26.

[6] الدرر السنية، موسوعة الأديان، من أوصاف اليهود وأخلاقهم.

[7] شرح تفسير ابن كثير، موقع الإمام ابن باز رحمه الله.

[8] أحمد، المسند، حديث رقم: 8812، تحقيق: شعيب الأرناؤوط وعادل مرشد وآخرين.

[9] التوضيح والبيان لشجرة الإيمان، ص41.

[10] الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية (1/ 6-7).

[11] الترمذي، ‌‌باب: ما جاء في صحبة المؤمن؛ تحقيق: أحمد محمد شاكر، وفؤاد محمد عبد الباقي، حديث رقم: 2395.





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • ملامح تربوية مستنبطة من قول الله تعالى: {ومن يهن الله فماله من مكرم}
  • شتان بين مشرق ومغرب: { قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون... }
  • الملامح التربوية المستنبطة من آية {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم} [آل عمران: 31] (2)
  • جزاء الشاكرين وثبات المؤمنين {ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين}
  • كل شيء زائل والبقاء لله وحده {ولله ميراث السماوات والأرض والله بما تعملون خبير}

مختارات من الشبكة

  • حسبنا الله ونعم الوكيل (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • من أقوال السلف في الحسبلة "حسبي الله ونعم الوكيل"(مقالة - آفاق الشريعة)
  • التعليق المختصر على "شرح السنة" للإمام البربهاري (2)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • رعاية الله تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم وحمايته من شر الأعداء(مقالة - آفاق الشريعة)
  • الوسطية في مدح الآخرين(مقالة - آفاق الشريعة)
  • حركات القلب بحسب قوته وضعفه(مقالة - آفاق الشريعة)
  • تفسير قوله تعالى: {لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا...}(مقالة - آفاق الشريعة)
  • تعظيم النصوص الشرعية (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • والله إني لأحبك(مادة مرئية - موقع الشيخ أ. د. عرفة بن طنطاوي)
  • تفسير: {يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد}(مقالة - آفاق الشريعة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • انطلاق برنامج قرآني صيفي لتنمية مهارات التلاوة في عاصمة بولندا
  • تخريج دفعة جديدة من دارسي العلوم الإسلامية في ألبانيا
  • مسجد أكسينوفو يختتم دوراته الصيفية بنجاح بموردوفيا
  • أزناكايفو تستضيف النسخة التاسعة من مسابقة «الإسلام» للقرآن الكريم
  • سراييفو تختتم برنامجا تدريبيا للأئمة والخطباء والمؤذنين
  • مئات الزوار يشاركون في يوم المسجد المفتوح الثالث عشر بمدينة توومبا الأسترالية
  • انطلاق دورتين صيفيتين لأطفال المسلمين بمقاطعة بنزا
  • أكثر من 600 شاب يشاركون في مؤتمر الشباب المسلم 2026 بأستراليا

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1448هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 26/1/1448هـ - الساعة: 16:22
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب