• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | مقالات شرعية   دراسات شرعية   نوازل وشبهات   منبر الجمعة   روافد   من ثمرات المواقع  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    تحريم المن على الله وعلى رسوله
    فواز بن علي بن عباس السليماني
  •  
    العروس التي زفت على مزلقان القطار (قصة حقيقية)
    حسام كمال النجار
  •  
    كلمة وكلمات (21)
    د. عبدالسلام حمود غالب
  •  
    صفة مكارم الأخلاق طاعة لله وللرسول
    الدكتور أبو الحسن علي بن محمد المطري
  •  
    تفسير: (وإن يكذبوك فقد كذب الذين من قبلهم...)
    تفسير القرآن الكريم
  •  
    تخريج حديث: من مس ذكره فليتوضأ (6)
    الشيخ محمد طه شعبان
  •  
    اسما الله الرحمن الرحيم
    خليل الحربي
  •  
    مع سورة النازعات
    د. خالد النجار
  •  
    أفئدة تطلع ونفوس تتعالى (خطبة)
    محمد حسين حسن
  •  
    المترقب وترحيل المهام
    أبو عمير علاء بن عبدالرحمن أمين
  •  
    زكاة الأوراق النقدية والعملات الإلكترونية
    أ. د. حلمي عبدالحكيم الفقي
  •  
    الوصايا العشر (خطبة)
    د. أيمن منصور أيوب علي بيفاري
  •  
    أهل القبلة
    الشيخ عبدالعزيز السلمان
  •  
    كل شيء زائل والبقاء لله وحده {ولله ميراث السماوات ...
    د. عبدالرحمن بن سعيد الحازمي
  •  
    حقيقة الموت والاستعداد للآخرة (خطبة)
    ياسر عبدالله محمد الحوري
  •  
    حديث: يد المعطي العليا، وابدأ بمن تعول: أمك، ...
    الشيخ عبدالقادر شيبة الحمد
شبكة الألوكة / آفاق الشريعة / مقالات شرعية / خواطر إيمانية ودعوية
علامة باركود

العروس التي زفت على مزلقان القطار (قصة حقيقية)

العروس التي زفت على مزلقان القطار (قصة حقيقية)
حسام كمال النجار

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 12/7/2026 ميلادي - 26/1/1448 هجري

الزيارات: 81

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

العروس التي زُفَّت على مزلقان القطار (قصة حقيقية)

 

هناك لحظات لا تُشبه ما قبلها ولا تُقاس بما بعدها، لحظات لا تغيِّر الإنسان تغييرًا عاديًّا فقط، بل تعيد تركيب فهمه للحياة من جديد. لحظة واحدة قد تكشف للإنسان أن ما كان يظنه ثابتًا – كالحياة الدنيا – لم يكن إلا غبارًا عابرًا، وأن ما كان يظنه بعيدًا – كالقبر واللقاء – لم يكن إلا على قدر نبضة قلب. وفي تلك اللحظة تحديدًا لا يعود السؤال: «ماذا فقدت؟» بل يصبح الأعمق: «ماذا تعلَّمت من هذا الفقد؟» وهذه ليست قصة تُروى للتأثر، بل شهادة حية على قلب عاش الفقد فلم ينكسر كما ينكسر الناس، بل ارتقى بالألم إلى معنى الرضا الذي لا يلغي الدمع لكنه يطهره من علقة الاعتراض.

 

إن البلاء إذا وقع بالمؤمن فإنه يصبح مدرسة إيمانية يكشف له فيها عن حقائق كان يغفل عنها، والمصائب ليست عقوبات دائمًا، بل هي رحمة محجوبة ورفعة في الدرجات؛ قال الله تعالى: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ﴾ [البقرة: 155]، وهذه الآية تبشر الصابرين وتجعل البلاء بوابة للبشرى.

 

كان الرجل صاحب القصة الذي التقيته – حفظه الله – حين يذكر ابنته لا يتحدث كأب ثكل ابنته، بل كإنسان فقد جزءًا من ذاكرته اليومية. ابنته الكبرى، الحافظة لكتاب الله، المستقيمة على أمره، المتفوقة في دراستها، الناجحة في عملها، المحبوبة بين زميلاتها، المشهود لها بحسن الخلق بين جيرانها. وكان اسمها إذا ذكر كان هناءً وسعادة، وذكر معه الخير تلقائيًّا، كأنه صار مرادفًا للطمأنينة؛ ﴿ وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا ﴾ [مريم: 50]، وهذه سنة إلهية: أن القلوب إذا صدقت مع الله ألقى الله لها نورًا وقبولًا في الأرض في الحياة وبعد الممات، فيصبح ذكرها تذكرة بالعبادة ووجودها بركة وإن غابت عن العيون.

 

فمن بركة العبد الصالح أن يُخلِفَ الله له لسان صدق في الآخرين، يُذكر بالخير بعد موته ويُدعى له بالرحمة ويُقتدى به في حياته، و«لسان الصدق» الذي ذكره الله في الآية هو ثناء صادق يدعو الناس فيه إلى الخير ويدعون له فيه بالرحمة.

 

ثم جاء ما لا ينتظره أحد، وإن كان يأتي للجميع. مزلقان قطار، خطوة عابرة، ثوانٍ معدودة، وانتهى كل شيء. دهسها القطار، وماتت في الحال. لا وداع، لا تمهيد، لا وقت لتدارك شيء. ﴿ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ ﴾ [الأعراف: 34]، ﴿ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ ﴾ [لقمان: 34]. وهكذا يُغلق باب الحياة، لا لأن الإنسان مستعد، بل لأن أجله قد انتهى. في هذه اللحظة يتجلى الفارق بين إيمان العبد وجزعه: فالمؤمن يعلم أن الموت ليس عقابًا، بل موعد لا يتأخر، وما دام الموعد حقًّا، فكل تأخر فيه رحمة، وكل تقديم فيه حكمة.

 

والآيتان الشريفتان تؤكدان حقيقتين: الأولى حتمية الأجل وضبطه بدقة لا تتقدم ولا تتأخر، والثانية جهل الإنسان بزمان ومكان موته، وفي هاتين الحقيقتين دافعان للاستعداد الدائم بالموت وترك التسويف؛ وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أكثروا ذكر هادم اللذات))؛ [رواه الترمذي، أبواب الزهد، باب ما جاء في كثرة ذكر الموت، رقم 2307، والنسائي في الجنائز، باب فضل ذكر الموت، رقم 1824، وصححه الألباني في صحيح الترمذي]، والمقصود بهادم اللذات هو الموت.

 

كان الأب يحكي والدموع تملأ عينيه بهدوء غريب، لا صراخ فيها ولا انهيار، بل شيء أقرب إلى السكينة الممزوجة بالألم، وفي داخله كان شيء يهمس: «أنا أشتاق... لكنني لا أعترض». وهذا هو الفارق الدقيق بين من يؤمن ومن ينهار. فقد بكى النبي صلى الله عليه وسلم عند وفاة ابنه إبراهيم. قالت الرواية: دخلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على إبراهيم وهو يجود بنفسه، فجعلت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم تذرفان، فقال له عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه: "وأنت يا رسول الله؟" فقال: ((يا بن عوف إنها رحمة ثم أتبعها بأخرى فقال: إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون))؛ [رواه البخاري، كتاب الجنائز، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: "إنا بك لمحزونون"، رقم 1303؛ ورواه مسلم، كتاب الفضائل، باب رحمة النبي صلى الله عليه وسلم الصبيان، رقم 2315]. فالإيمان لا يلغي الحزن، لكنه يضبط اتجاهه: يجعله حزنًا على فراق لا اعتراضًا على قدر، ودموع رحمة لا دموع سخط، وهنا فائدة جليَّة: أن الدمع ليس ضعفًا أبدًا، بل قد يكون أعلى درجات الصدق مع الله حين يُحفظ من الاعتراض. القلب المؤمن يتألم، لكن ألمه يتحول إلى قربة، لا إلى ثورة على الربوبية.

 

هذا الحديث الصحيح يقرر قاعدة عظيمة في باب المصائب: وهو الجمع بين جواز البكاء والحزن الفطري الإنساني وتحريم التسخط والقول الذي لا يرضي الله، وقد استفاد العلماء من هذا الحديث أمورًا: أن البكاء بدمع العين من غير رفع صوت ولا نياحة جائز، وأن الحزن على فقيد القلب ليس اعتراضًا على قدر الله، بل هو رقة قلب ورحمة، وأن المؤمن مأمور أن لا يقول إلا ما يرضي ربه مهما كان الألم، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث آخر: ((ليس منا من لطم الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية))؛ [رواه البخاري، كتاب الجنائز، باب ما يُنهى من نياحة الميت، رقم 1297، ومسلم، كتاب الإيمان، باب غلظ تحريم لطم الخدود، رقم 103]، فالفرق بين الرحمة والجزع واضح بحسب هذا الحديث.

 

أكمل الأب حديثه: بعد الحادث بقي سؤال واحد يثقل القلوب: هل شعرت؟ هل تألمت؟ ماذا حدث في اللحظة الأخيرة؟ أسئلة لا يملك الإنسان لها جوابًا، تظل معلقة ترهق النفس. ثم رأى الأب رؤيا لابنته، فسألها، فأخبرته أنها لا تتذكر ألمًا ولا إحساسًا بالحادث. وهنا يظهر جانب آخر من رحمة الله: أن القلوب المكسورة قد يخفف الله عنها بما يُسكِّنها، لا بما يُغيِّر القدر؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((لم يبقَ من النبوة إلا المبشرات، قالوا: وما المبشرات؟ قال: الرؤيا الصالحة يراها المؤمن أو تُرى له))؛ [رواه البخاري، كتاب التعبير، باب المبشرات، رقم 6990، ورواه مسلم، كتاب الرؤيا، باب الرؤيا الصالحة من الله، رقم 2263، ورواه الترمذي في الرؤيا، باب ما جاء في الرؤيا الصالحة، رقم 2272 وقال: "حديث حسن صحيح"].

 

في هذه الأحاديث بيان منزلة الرؤيا الصالحة في الإسلام، وأنها جزء من النبوة باقٍ بعد انقطاع الوحي، وسميت مبشرات لأنها غالبًا ما تأتي بالخير والبشرى، وإن جاءت بتحذير فإنها تكون إنذارًا يرحم الله به العبد ليستعد، وهذا لا يعني أن كل رؤيا يقينية أو حجة شرعية، لكنها تسكن القلب وتريح النفس وتقوي اليقين إذا وافقت ما في نفس المؤمن؛ قال ابن حجر رحمه الله في فتح الباري (12/372): "والرؤيا الصالحة من فضل الله على عبده المؤمن، يبشره بها ويسره، ويقوي رجاءه ويزيد إيمانه". والرؤيا التي رآها الأب عن ابنته كانت من هذا الباب المبشرات التي أسكنت قلبه.

 

وقال الوالد الكريم: ورأت شقيقتها رؤيا أخرى كأنها على مائدة عظيمة من النعيم، ما بين طعام وشراب يملأ القلب دهشة وجمالًا. فلما سئلت: من أين لك هذا؟ قالت: «هذا من دعاء والديَّ». اللهم أطعمها من طعام الجنة، واسقها من شراب الجنة. وهنا يتجلى معنى لا تراه العين: أن الدعاء لا يضيع وإن تأخر أثره، وإن خفي طريقه؛ قال الله تعالى: ﴿ وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾ [غافر: 60]. والاستجابة قد تكون في الدنيا بالعطاء، أو في الآخرة بالجزاء، أو في القلب بالطمأنينة، فالدعاء للميت ليس عبثًا، بل هو أبلغ صلة بين الأحياء والأموات، وأعظم هدية تصل إلى القبر بعد انقطاع الأعمال.

 

فالدعاء للميت ينفعه بإجماع أهل السنة، وقد دل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع؛ قال الله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ ﴾ [الحشر: 10]، وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلى على الميت دعا له، وكان يعلم أصحابه كيف يدعون للموتى؛ وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((اللهم اغفر لحيِّنا وميتنا))؛ إلى آخر الحديث [رواه مسلم، كتاب الجنائز، باب ما يقال في صلاة الجنازة، رقم 2237]. ولهذا ينبغي للمسلم أن يكثر من الدعاء لموتاه.

 

ثم جاءت اللحظة التي لن تغيب من ذاكرة الأب. قال لي: «يوم عزائها، كنت أتخيل أني أزفها عروسًا». صمت قليلًا كأن المشهد يُعاد أمامه، ثم أكمل: «هذا المشهد ملأ عيني طوال العزاء… كأني أزفها إلى الجنة». ولم يكن هذا خيالًا عابرًا، بل رؤية داخلية أعادت تشكيل معنى الفقد نفسه. ثم أضاف ما هو أعمق: أن الحاضرين شعروا أنه لا يتعامل معهم كمنكسر في مصيبة، بل كمن يتلقى تهنئة على انتقالها. وهنا تتحول الفاجعة في قلب المؤمن من سؤال «لماذا حدث؟» إلى معنى «إلى أين ذهبت؟». ومن أعظم الفوائد التي تُستخرج من هذه القصة: أن العقل الإيماني يستطيع أن يعيد تأطير الألم، فيحوِّل العزاء إلى عرس، والمأساة إلى طمأنينة، والفقد إلى قرب.

 

تغيير النظر إلى الميت من أنه مفقود إلى أنه منتقل إلى دار أفضل هو أصل عظيم في التخفيف عن أهل المصيبة؛ وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم عن المؤمن: ((إذا خرجت روح المؤمن تلقاها ملكان يصعدانها إلى السماء فيقول أهل السماء: روح طيبة جاءت من قبل الأرض، صلى الله عليك وعلى جسد كنت تعمرينه))؛ [رواه مسلم، كتاب البر والصلة، باب ما يقال عند الموت، رقم 2672]، فالموت للمؤمن ليس نهاية، بل هو بداية حياة أبدية في نعيم مقيم.

 

ثم قال الأب بصوت خافت لكنه مليء باليقين: «عزائي أن لي عند ربي بكرمه سبحانه بيت الحمد». وهذا معنى ثابت في السنة النبوية؛ عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا مات ولد العبد قال الله لملائكته: قبضتم ولد عبدي؟ فيقولون: نعم. فيقول: قبضتم ثمرة فؤاده؟ فيقولون: نعم. فيقول: ماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدك واسترجع. فيقول الله: ابنوا لعبدي بيتًا في الجنة وسموه بيت الحمد))؛ [رواه الترمذي، كتاب الجنائز، باب ما جاء في الصبر على المصيبة، رقم 1021، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن"، ورواه أحمد في المسند، رقم 19564، وصححه ابن حبان، والحاكم، وحسنه الألباني في صحيح الترمذي، وأخرجه أيضًا النسائي في عمل اليوم والليلة برقم 1108، وابن ماجه في الجنائز برقم 1597].

 

هذا الحديث العظيم يبين فضل الصبر والاحتساب عند المصيبة، وأن من رزقه الله الصبر والحمد والاسترجاع بنى الله له بيتًا في الجنة يسمى "بيت الحمد". والاسترجاع هو قول: "إنا لله وإنا إليه راجعون". وقد قال الله تعالى: ﴿ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ﴾ [البقرة: 155 - 156]. فجمع الله بين ذكر الاسترجاع ثم الصلوات من الله والرحمة، وتسمية البيت بـ"بيت الحمد" فيه إشارة إلى أن هذا العبد أثنى على الله في حال سرائه وفي حال ضرائه، فاستحق هذا البيت في الجنة جزاءً له على حمده لله، وقد قال العلماء: إن الصابر المحتسب يجد ثوابه يوم القيامة ويكون له هذا البيت الرفيع في الجنة.

 

لم يكن هذا الطريق جديدًا على قلوب المؤمنين، فقد سبقهم إليه الأنبياء عليهم السلام.

 

فهذا يعقوب عليه السلام قال: ﴿ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ﴾ [يوسف: 18]، ومع ذلك قال الله عنه: ﴿ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ ﴾ [يوسف: 84]. فهو حزين حتى ابيضت عيناه من البكاء، لكنه غير معترض.

 

وهذا أيوب عليه السلام قال: ﴿ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ﴾ [الأنبياء: 83]. جمع في كلماته بين ذكر الألم وذكر رحمة الله، وهذا هو أدب الأنبياء، والفرق بين الصبر والرضا دقيق لكنه عظيم: الصبر أن تثبت فلا تتسخط، والرضا أن تطمئن فلا تتألم مع الألم.

 

قال الحسن البصري رحمه الله: «الرضا باب الله الأعظم» [رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (2/144) عن الحسن البصري، ورواه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" 2/83، ووردت هذه الكلمة عن الحسن البصري في عدد من مصادر السلف].

 

وقال ابن القيم رحمه الله: «الرضا باب الله الأعظم، وجنة الدنيا، ومستراح العابدين، وقرة عيون المشتاقين»؛ [مدارج السالكين، ط دار الكتاب العربي، 2/171، وقد جاءت هذه الكلمات في شرح منزلة الرضا وفضله عند الله].

 

وفي هذه القصة نرى الرجل يجمع بين الاثنين: قلب يتألم، وإيمان لا ينكسر، وحال من الرضا يسكن الفؤاد.

 

والتفريق بين الصبر والرضا دقيق جدًّا، فالصبر واجب وفضله عظيم، والرضا درجة أرفع وأعلى، وهو أن يصل العبد إلى حالة لا يشعر فيها بثقل المصيبة لأنه يعلم أن كل ما يصدر من الله خير وحكمة؛ وقد قال الله في الحديث القدسي: ((إذا ابتُليت عبدي بحبيبتيه (يعني عينيه) فصبر عوضته منهما الجنة))؛ [رواه البخاري، كتاب المرضى، باب فضل من ذهب بصره، رقم 5653]، فأخبر أن الصبر على فقد ما يحب من الدنيا يُعوَّض عنه الجنة؛ وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا همٍّ ولا حزن ولا أذًى ولا غم، حتى الشوكة يشاكها، إلا كفر الله بها من خطاياه))؛ [رواه البخاري، كتاب المرضى، باب ما جاء في كفارة المرض، رقم 5641، ومسلم، كتاب البر والصلة، باب ما يصيب المؤمن من مرض أو أذى، رقم 2573]، فعلى المؤمن أن يتذكر في كل ألم أنه تكفير لذنوبه.

 

وقفات مع بعض الفوائد التربوية من القصة:

(1) لا تترك نفسك للانهيار:

نلاحظ في هذه القصة عنصرًا مهمًّا وهو أن الأب لم يترك نفسه للانهيار، بل حوَّل الألم إلى طاقة إيمانية، وهذه القدرة على التحويل هي علامة على صحة العقيدة ورسوخ الإيمان؛ وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن: إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له))؛ [رواه مسلم، كتاب الزهد والرقائق، باب المؤمن أمره كله خير، رقم 2999]، وفي هذا الحديث قاعدة كلية في التعامل مع كل ما يحدث للمؤمن.

 

والمؤمن الحقيقي هو من يستطيع أن يحوِّل كل الأحداث – حتى أصعبها – إلى خير له، السراء يستفيد منها بالشكر فيزيد في النعمة، والضراء يستفيد منها بالصبر فيرفع في الدرجة ويكفر بها السيئات، وهذه من أعظم رحمة الله بالمؤمنين؛ وقد قال تعالى: ﴿ لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ﴾ [آل عمران: 186] فجعل الابتلاء سنة كونية، لكن الابتلاء ليس عقابًا بل اختبار يظهر به الصادق من الكاذب، ويُرفع به درجات الصابرين.

 

(2) لا تسخط على قدر الله لحظة واحدة:

من الفوائد الدقيقة في هذه القصة أن الأب لم يذكر لنا أنه شعر بالغضب أو السخط على القدر لحظة واحدة، بل كان قلبه مفعمًا بالرضا مع الألم، وهذا هو عين الصبر الجميل الذي أمر الله به؛ وقد مدح الله أقوامًا قال فيهم: ﴿ وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ ﴾ [الرعد: 22]، فالصبر لوجه الله هو الذي يصرف الألم عن صاحبه ويثبته؛ وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي: ((يقول الله تعالى: ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة))؛ [رواه البخاري، كتاب المرضى، باب عيادة النساء الرجال، رقم 5642].

 

فهذا الأب قد قبض الله صفيه – أي أحب خلقه إليه – فما ظنه به؟ الظن أن جزاءه الجنة كما وعد الصابرين المحتسبين.

 

الحديث القدسي يبين أن الجزاء على الصبر والاحتساب عند قبض "الصفي" – وهو الأحب إلى العبد – هو الجنة، وهذا أعظم حافز على الصبر، والمراد بـ"الصفي" هنا: الولد أو الزوجة أو أي قريب أو صديق هو من أحب الناس إلى قلبه، وقد خصه الله بقبض روحه ليعلم هل سيرضى أم يعترض. وهذه السنة الربانية في اختبار عباده.

 

(3) البشريات تُقابل بزيادة اليقين والحمد:

نقطة أخرى مهمة: أن الرؤيا التي رآها الأب لم تكن مجرد تسلية، بل كانت تثبيتًا لقلبه وزيادة في يقينه. وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الرؤيا الصالحة جزء من النبوة، كما في الحديث الذي تقدم. ولهذا فإن المؤمن إذا رأى رؤيا حسنة فليحمد الله وليحدث بها من يحب، ولا ينبغي أن يجعلها حجة شرعية أو يبني عليها أحكامًا، لكنها تكون بشرى تسكن النفس وتزيد الإيمان؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث آخر: ((إذا رأى أحدكم رؤيا يحبها فإنما هي من الله فليحمد الله عليها وليحدث بها))؛ [رواه البخاري، كتاب التعبير، باب إذا رأى رؤيا كرهها فليتحول عن جنبه وليصل، رقم 6984، ومسلم، كتاب الرؤيا، باب ما يرى المؤمن، رقم 2263].

 

وآداب الرؤيا الإسلامية واضحة الرؤيا الصالحة من الله فيجب الحمد عليها والتحدث بها لمن يحب، والرؤيا السيئة من الشيطان فيجب التعوذ من شرها وعدم التحدث بها والنفث عن اليسار ثلاثًا والتحول عن الجنب الذي نام عليه، وهذه كلها ثابتة بالسنة النبوية، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قص الرؤيا على من لا يحبك حتى من لا يفسرها فتضره؛ فعن أنس بن مالك رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الرؤيا تقع على ما تعبر، ومثل ذلك مثل رجل رفع رجله فهو ينتظر متى يضعها، فإذا رأى أحدكم رؤيا فلا يحدث بها إلا ناصحًا أو عالمًا))؛ [رواه الحاكم في "المستدرك"، كتاب الرؤيا، رقم 4 /391، ورواه عبدالرزاق في "مصنفه"، كتاب الرؤيا، باب تعبير الرؤيا، مرسلًا. قال الحاكم: "صحيح الإسناد" ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 /186 بشواهده].

 

بعد هذا اللقاء لم تعد القصة في ذهني مجرد حادثة فقط، بل صارت مرآة أرى فيها هشاشة الدنيا وقوة القلب حين يتصل بالله، إن الإنسان قد يُنزع منه أعز ما يملك، لكنه ما دام قلبه مع الله فهو لم يُهزم، وأن الدموع ليست ضعفًا، بل قد تكون عبادة إذا نزلت من عين مؤمنٍ أيقن أن المصيبة ليست عقابًا بل رحمة محجوبة، واختبارًا يرفع الدرجات، نسأل الله أن يرحم تلك الفتاة رحمة واسعة، وأن يجعل القرآن نورًا لها في قبرها، وأن يجمعها بوالديها في جنات النعيم، وأن يرزقهم بيت الحمد، ﴿ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ ﴾ [الرعد: 24]، والحمد لله رب العالمين.





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • ولكم في قصة الفئران عبرة
  • قصة مبهرة في القضاء والقدر
  • فرص العيد الكامنة وراء تأمل قصة مؤثرة

مختارات من الشبكة

  • وصيتي لابنتي العروس(مقالة - مجتمع وإصلاح)
  • أحلى وألذ نومة العروس: وجه الشبه بين نومة المؤمن في قبره وبين نومة العروس: دراسة حديثية تحليلية(كتاب - آفاق الشريعة)
  • رقص العروس في ليالي الأفراح (PDF)(كتاب - مكتبة الألوكة)
  • أفعال اللغة العربية في تاج العروس وتكملة المعاجم والمعجم الكبير (PDF)(كتاب - حضارة الكلمة)
  • أفعال اللغة العربية في تاج العروس وتكملة المعاجم والمعجم الكبير (PDF)(رسالة علمية - حضارة الكلمة)
  • وأقبلت العروس(مقالة - مجتمع وإصلاح)
  • العمارة العروس في الشعر الغرناطي(مقالة - حضارة الكلمة)
  • نظرات في "تاج العروس" للزبيدي (2)(مقالة - حضارة الكلمة)
  • نظرات في "تاج العروس" للزبيدي (1)(مقالة - حضارة الكلمة)
  • تركيا: البلدية ترفض عقد القران بسبب ارتداء العروس للحجاب(مقالة - المسلمون في العالم)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • تخريج دفعة جديدة من دارسي العلوم الإسلامية في ألبانيا
  • مسجد أكسينوفو يختتم دوراته الصيفية بنجاح بموردوفيا
  • أزناكايفو تستضيف النسخة التاسعة من مسابقة «الإسلام» للقرآن الكريم
  • سراييفو تختتم برنامجا تدريبيا للأئمة والخطباء والمؤذنين
  • مئات الزوار يشاركون في يوم المسجد المفتوح الثالث عشر بمدينة توومبا الأسترالية
  • انطلاق دورتين صيفيتين لأطفال المسلمين بمقاطعة بنزا
  • أكثر من 600 شاب يشاركون في مؤتمر الشباب المسلم 2026 بأستراليا
  • مائدة مستديرة دولية في روسيا لتطوير تعليم العربية لغير الناطقين بها

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1448هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 25/1/1448هـ - الساعة: 14:30
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب