• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | الثقافة الإعلامية   التاريخ والتراجم   فكر   إدارة واقتصاد   طب وعلوم ومعلوماتية   عالم الكتب   ثقافة عامة وأرشيف   تقارير وحوارات   روافد   من ثمرات المواقع  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    الفكر الموسوعي (2)
    أ. د. علي بن إبراهيم النملة
  •  
    ميراث المسيري فهرست لأعماله وما كتب عنه ...
    محمود ثروت أبو الفضل
  •  
    الفرق بين العلم والمعرفة والمعلومات والثقافة، ...
    الشيخ أبو سهل خالد
  •  
    قراءات اقتصادية (86) الحياة بعد الرأسمالية
    د. زيد بن محمد الرماني
  •  
    قصة قصر "الخضراء" وموقف أبي ذر: قراءة نقدية في ...
    د. محمد سيد شحاته
  •  
    الفكر الموسوعي (1)
    أ. د. علي بن إبراهيم النملة
  •  
    التفكير الأممي وأثره السلبي
    د. نايف ناصر المنصور
  •  
    أرواح في قفص الاتصال.. متى نعود لأنفسنا؟
    هدى وليد الخشت
  •  
    قراءات اقتصادية (85) التقشف تاريخ فكرة خطرة
    د. زيد بن محمد الرماني
  •  
    كتاب الخصائص لابن جني.. وقفات مع عناوين أبوابه
    د. عصام فاروق
  •  
    جدلية التاريخ والإنسان.. من يصنع منهما الآخر؟
    نايف عبوش
  •  
    الفكر اليهودي (2)
    أ. د. علي بن إبراهيم النملة
  •  
    كيف تحمي جسدك من الشاشات؟
    عدنان بن سلمان الدريويش
  •  
    أوسعوا للأمير
    عبدالله بن محمد بن مسعد
  •  
    الفطرة قبل المنطق: قراءة في المنهج التيمي لنقد ...
    يزن الغانم
  •  
    الفكر اليهودي (1)
    أ. د. علي بن إبراهيم النملة
شبكة الألوكة / آفاق الشريعة / منبر الجمعة / الخطب / تفسير القرآن
علامة باركود

سورة المائدة (2) العقود والمواثيق

سورة المائدة (2) العقود والمواثيق
الشيخ د. إبراهيم بن محمد الحقيل

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 30/11/2025 ميلادي - 11/6/1447 هجري

الزيارات: 9001

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

سورة المائدة (2)

العقود والمواثيق


الْحَمْدُ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: 102]، ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ [النِّسَاءِ: 1]، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا* يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [الْأَحْزَابِ: 70-71].

 

أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ تَعَالَى، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.

 

أَيُّهَا النَّاسُ: الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى، وَفِي قِرَاءَاتِهِ مُنَاجَاةٌ لَهُ سُبْحَانَهُ بِأَفْضَلِ الْكَلَامِ وَأَنْفَعِهِ لِلْعَبْدِ؛ وَلِذَا أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقِرَاءَتِهِ فَقَالَ: «اقْرَءُوا الْقُرْآنَ؛ فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفِيعًا لِأَصْحَابِهِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

 

وَسُورَةُ الْمَائِدَةِ مِنَ السُّوَرِ الطِّوَالِ، وَفِيهَا كَثِيرٌ مِنَ الْأَحْكَامِ، وَصُدِّرَتْ بِالْأَمْرِ بِالْوَفَاءِ، وَالْوَفَاءُ مِنْ أَجْمَلِ الْكَلِمَاتِ الَّتِي عَرَفَهَا الْإِنْسَانُ، وَهُوَ الْخُلُقُ الَّذِي يَجِبُ أَنْ يَتَحَلَّى بِهِ الْمُؤْمِنُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُحِبُّ الْأَوْفِيَاءَ مِنْ عِبَادِهِ، وَيُبْغِضُ الْخَوَنَةَ الْغَدَّارِينَ. وَفِي السُّورَةِ ذِكْرٌ مُكَرَّرٌ لِلْمَوَاثِيقِ وَالْعُهُودِ، وَوُجُوبِ الْوَفَاءِ بِهَا. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ﴾ [الْمَائِدَةِ: 1]. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: «يَعْنِي مَا أَحَلَّ اللَّهُ وَمَا حَرَّمَ، وَمَا فَرَضَ وَمَا حَدَّ فِي الْقُرْآنِ كُلِّهِ، فَلَا تَغْدِرُوا وَلَا تَنْكُثُوا». فَالْعُقُودُ عَلَى الْإِنْسَانِ عُقُودٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ سُبْحَانَهُ، وَعُقُودٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْخَلْقِ، عُقِدَتْ بِأَمْرِ الشَّرْعِ؛ كَحُقُوقِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَرْحَامِ وَالْجِيرَانِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْحُقُوقِ، أَوْ عَقَدَهَا الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ لِغَيْرِهِ مِنَ النَّاسِ؛ كَعُقُودِ التِّجَارَةِ وَالْإِجَارَةِ وَالنِّكَاحِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْمُعَامَلَاتِ، وَكَذَلِكَ الْعُقُودُ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْكُفَّارِ يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهَا، وَكُلُّ الدِّينِ بِشَرَائِعِهِ وَأَوَامِرِهِ وَنَوَاهِيهِ عَقْدٌ بَيْنَ الْعَبْدِ وَرَبِّهِ سُبْحَانَهُ، يَجِبُ عَلَى الْعَبْدِ الْوَفَاءُ بِهِ، وَيُجْزَى عَلَى الْوَفَاءِ بِهِ أَعْظَمَ الْجَزَاءِ.

 

وَفِي آيَةٍ أُخْرَى ذَكَّرَ اللَّهُ تَعَالَى الْمُؤْمِنِينَ بِنِعَمِهِ عَلَيْهِمْ وَمَوَاثِيقِهِ فَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿ وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴾ [الْمَائِدَةِ: 7]. «وَالْمُسْلِمُونَ عَاهَدُوا اللَّهَ فِي زَمَنِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِدَّةَ عُهُودٍ: أَوَّلُهَا عَهْدُ الْإِسْلَامِ... وَمِنْهَا عَهْدُ الْمُسْلِمِينَ... وَهُوَ الْبَيْعَةُ أَنْ لَا يُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلَا يَسْرِقُوا، وَلَا يَزْنُوا، وَلَا يَقْتُلُوا أَوْلَادَهُمْ، وَلَا يَأْتُوا بِبُهْتَانٍ يَفْتَرُونَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلِهِمْ، وَلَا يَعْصُونَهُ فِي مَعْرُوفٍ... وَمِنْهَا بَيْعَةُ الْأَنْصَارِ... سَنَةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ مِنَ الْبَعْثَةِ قَبْلَ الْهِجْرَةِ. وَكَانُوا ثَلَاثَةً وَسَبْعِينَ رَجُلًا الْتَقَوْا بِرَسُولِ اللَّهِ بَعْدَ الْمَوْسِمِ فِي الْعَقَبَةِ، وَمَعَهُمُ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَبَايَعُوا عَلَى أَنْ يَمْنَعُوا رَسُولَ اللَّهِ كَمَا يَمْنَعُونَ نِسَاءَهُمْ وَأَبْنَاءَهُمْ، وَعَلَى أَنَّهُمْ يَأْوُونَهُ إِذَا هَاجَرَ إِلَيْهِمْ. وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذِهِ الْبَيْعَةَ بَيْعَتَانِ؛ إِحْدَاهُمَا سَنَةَ إِحْدَى عَشْرَةَ مِنَ الْبَعْثَةِ، بَايَعَهُ نَفَرٌ مِنَ الْخَزْرَجِ فِي مَوْسِمِ الْحَجِّ. وَالثَّانِيَةُ سَنَةَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ مِنَ الْبَعْثَةِ، بَايَعَ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا مِنَ الْخَزْرَجِ فِي مَوْسِمِ الْحَجِّ بِالْعَقَبَةِ لِيُبَلِّغُوا الْإِسْلَامَ إِلَى قَوْمِهِمْ. وَمِنَ الْمَوَاثِيقِ مِيثَاقُ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ فِي الْحُدَيْبِيَةِ تَحْتَ الشَّجَرَةِ سَنَةَ سِتٍّ مِنِ الْهِجْرَةِ، وَفِي كُلِّ ذَلِكَ وَاثَقُوا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي الْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَهِ».

 

ثُمَّ قَالَ سُبْحَانَهُ مُؤَكِّدًا عَلَى الْمُؤْمِنِينَ الْوَفَاءَ بِالْعُهُودِ وَالْمَوَاثِيقِ: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ﴾ [الْمَائِدَةِ: 8]. وَالْمُلَاحَظُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى افْتَتَحَ سُورَةَ الْمَائِدَةِ بِالْأَمْرِ بِالْوَفَاءِ بِالْعُقُودِ، ثُمَّ ذَكَّرَهُمْ بِالْمَوَاثِيقِ الَّتِي عَقَدُوهَا لِلْوَفَاءِ بِهَا، ثُمَّ أَمَرَهُمْ بِالْقِيَامِ بِهَا، فَهِيَ ثَلَاثَةُ مَوَاضِعَ فِي أَوَّلِ السُّورَةِ، وَبِأَسَالِيبَ مُنَوَّعَةٍ؛ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَهَمِّيَّةِ الْوَفَاءِ بِالْعُقُودِ؛ لِأَنَّ الْوَفَاءَ بِالْعُقُودِ فِيهِ إِصْلَاحُ مَا بَيْنَ الْعَبْدِ وَرَبِّهِ سُبْحَانَهُ، وَإِصْلَاحُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْخَلْقِ.

 

ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ قَصَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْنَا أَحْوَالَ الْأُمَمِ الَّتِي قَبْلَنَا مِمَّنْ نَقَضُوا الْعُهُودَ وَالْمَوَاثِيقَ، وَمَا حَلَّ بِهِمْ مِنْ عُقُوبَةِ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِيُحَذِّرَ أَهْلَ الْإِيمَانِ مِنْ سُلُوكِ مَسَالِكِهِمْ، فَابْتَدَأَ الْحَدِيثَ بِالْيَهُودِ فَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿ وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ* فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ ﴾ [الْمَائِدَةِ 12-13]. فَعَاقَبَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى نَقْضِهِمُ الْمِيثَاقَ بِالطَّرْدِ عَنْ رَحْمَتِهِ سُبْحَانَهُ، وَبِقَسْوَةِ قُلُوبِهِمْ فَلَا يَتَأَثَّرُونَ بِالْمَوَاعِظِ، وَبِالِاجْتِرَاءِ عَلَى تَحْرِيفِ كُتُبِهِمْ، وَتَعْطِيلِ أَحْكَامِ دِينِهِمْ، وَنِسْيَانِهِمُ التَّوْرَاةَ، وَإِهْمَالِ مَا جَاءَ فِيهَا مِنْ تَشْرِيعٍ وَمَوَاعِظَ وَهِدَايَةٍ، وَبِخِيَانَةٍ لَازَمَتْهُمْ عَبْرَ الْقُرُونِ، وَتَعَاقُبِ الْأَجْيَالِ.

 

وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ سُورَةِ الْمَائِدَةِ بَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى قُبْحَ مَا فَعَلَ الْيَهُودُ بِالْعُهُودِ وَالْمَوَاثِيقِ فَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿ لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ* وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ﴾ [الْمَائِدَةِ: 70-71]. فَعَمِيتْ أَعْيُنُهُمْ عَنِ الْحَقِّ، وَصُمَّتْ آذَانُهُمْ عَنْهُ، فَلَمْ تَفْقَهْهُ قُلُوبُهُمْ؛ عُقُوبَةً مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لَهُمْ، حِينَ نَقَضُوا عُهُودَهُمْ وَمَوَاثِيقَهُمْ.

 

ثُمَّ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنِ النَّصَارَى أَنَّهُمْ سَلَكُوا مَسْلَكَ الْيَهُودِ فِي عَدَمِ الْوَفَاءِ بِالْمَوَاثِيقِ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى وَمَعَ خَلْقِهِ فَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿ وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ﴾ [الْمَائِدَةِ: 14]. فَعَاقَبَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى نَقْضِ مَوَاثِيقِهِمْ بِنِسْيَانِ كِتَابِهِمْ، وَالْجَهْلِ بِمَا فِيهِ، وَالْإِعْرَاضِ عَنْ هِدَايَتِهِ، وَإِشْعَالِ الْعَدَاوَةِ بَيْنَهُمْ، وَهَذَا وَاقِعُهُمْ؛ فَإِنَّهُمُ انْقَسَمُوا فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ إِلَى طَائِفَتَيْنِ كَبِيرَتَيْنِ؛ كَاثُولِيكَ وَأُرْثُوذُكْسَ، وَجَرَتْ بَيْنَهُمْ حُرُوبٌ وَمَذَابِحُ كَبِيرَةٌ عَبْرَ الْقُرُونِ، ثُمَّ انْشَقَّ الْبُرُوتِسْتَانْتُ عَنِ الْكَاثُولِيكِ فِي حُرُوبٍ دَامِيَةٍ، وَمَا قُتِلَ مِنَ النَّصَارَى عَلَى أَيْدِي النَّصَارَى أَكْثَرُ مِمَّا قُتِلَ مِنْهُمْ بِأَيْدِي غَيْرِهِمْ؛ لِشِدَّةِ الْعَدَاوَةِ بَيْنَ طَوَائِفِهِمْ. وَهِيَ عُقُوبَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، حِينَ نَقَضُوا عُهُودَهُمْ وَمَوَاثِيقَهُمْ، وَتَرَكُوا دِينَهُمْ، وَحَرَّفُوا كِتَابَهُمْ. وَفِي هَذَا تَحْذِيرٌ لِأُمَّةِ الْإِسْلَامِ أَنْ يَسْلُكُوا مَسَالِكَ الْأُمَّتَيْنِ الضَّالَّتَيْنِ فِي عَدَمِ الْوَفَاءِ بِالْعُقُودِ وَالْمَوَاثِيقِ، سَوَاءٌ كَانَتْ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ جَمِيعُ دِينِهِ الَّذِي ارْتَضَاهُ لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ، أَمْ كَانَتْ فِي مُعَامَلَةِ الْخَلْقِ.

 

وَأَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ...

 

الخطبة الثانية

الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا طَيِّبًا كَثِيرًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَمَنِ اهْتَدَى بِهُدَاهُمْ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

 

أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوهُ ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [الْمَائِدَةِ: 35].

 

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: مِنْ أَهَمِّ أَسْبَابِ الْغَدْرِ وَالْخِيَانَةِ، وَعَدَمِ الْوَفَاءِ بِالْعُهُودِ وَالْمَوَاثِيقِ: خَشْيَةُ النَّاسِ وَطَلَبُ رِضَاهُمْ، وَتَقْدِيمُ الدُّنْيَا عَلَى الدِّينِ، وَهَذَا مَا وَقَعَ فِيهِ أَحْبَارُ الْيَهُودِ وَرُهْبَانُ النَّصَارَى؛ فَإِنَّهُمْ لَمْ يَفُوا بِعُهُودِهِمْ وَمَوَاثِيقِهِمْ؛ خَشْيَةً مِنْ كُبَرَائِهِمْ، وَسَعْيًا فِي إِرْضَائِهِمْ، وَطَلَبًا لِلْمَالِ بِكَتْمِ الْحَقِّ، أَوْ تَحْرِيفِ الْكِتَابِ، وَتَبْدِيلِ الدِّينِ، وَهَذَانِ السَّبَبَانِ عَرَضَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُمَا فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ الَّتِي تُسَمَّى سُورَةَ الْعُقُودَ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا ﴾ [الْمَائِدَةِ: 44].

 

وَكَمَا وَقَعَ نَقْضُ الْعُهُودِ وَالْمَوَاثِيقِ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْأُمَمِ السَّالِفَةِ، وَلَا سِيَّمَا أُمَّةُ بَنِي إِسْرَائِيلَ؛ إِذْ تَخَلَّوْا عَنْ دِينِهِمْ، وَحَرَّفُوا كُتُبَهُمْ، وَعَطَّلُوا أَحْكَامَهَا؛ فَإِنَّهُ سَيَقَعُ فِي أُمَّةِ الْإِسْلَامِ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ بِالِارْتِدَادِ عَنِ الدِّينِ، وَمُحَارَبَتِهِ بِالطَّعْنِ فِيهِ، وَبَثِّ الشُّبُهَاتِ فِي نُصُوصِهِ، وَتَنْفِيرِ النَّاسِ مِنْ أَحْكَامِهِ، فَمَنِ ارْتَدَّ عَنْ دِينِ الْإِسْلَامِ فَهُوَ نَاقِضٌ لِعَهْدِهِ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ يَضُرُّ نَفْسَهُ وَلَا يَضُرُّ اللَّهَ تَعَالَى شَيْئًا؛ وَلِذَا فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى طَمْأَنَ أَهْلَ الْإِيمَانِ بِأَنَّ رِدَّةَ الْمُرْتَدِّينَ لَا تَضُرُّ الْإِسْلَامَ فَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ* إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ ﴾ [الْمَائِدَةِ: 54-56].

 

وَكَانَ نُزُولُ هَذِهِ الْآيَاتِ مِنْ سُورَةِ الْمَائِدَةِ فِي أَوَاخِرِ حَيَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ إِيمَاءً إِلَى مَا سَيَكُونُ مِنَ ارْتِدَادِ قَبَائِلَ عِدَّةٍ بَعْدَ وَفَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَكَانَ تَثْبِيتًا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِأَهْلِ الْإِيمَانِ آنَذَاكَ.. وَمَضَتْ حُرُوبُ الرِّدَّةِ، وَقُضِيَ عَلَى أَهْلِهَا، وَبَقِيَ الْإِسْلَامُ عَزِيزًا مَنِيعًا. وَكُلَّمَا ضَعُفَ أَهْلُ الْإِيمَانِ زَادَ التَّأْكِيدُ عَلَى الثَّبَاتِ، وَتِلَاوَةِ هَذِهِ الْآيَاتِ، وَتَدَبُّرِ مَعَانِيهَا الْعَظِيمَةِ، وَتَذَكُّرِ حَرَكَةِ الرِّدَّةِ الْوَاسِعَةِ الَّتِي ضَرَبَتْ جَزِيرَةَ الْعَرَبِ مِنْ جَمِيعِ أَرْجَائِهَا، ثُمَّ تَلَاشَتْ سَرِيعًا كَأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ، وَثَبَتَ فِيهَا مَنْ ثَبَتَ، وَهَلَكَ فِيهَا مَنْ هَلَكَ، وَسَيَبْقَى دِينُ اللَّهِ تَعَالَى إِلَى آخِرِ الزَّمَانِ مَهْمَا كَادَ الْكَائِدُونَ، وَمَكَرَ الْمَاكِرُونَ، وَتَآمَرُوا عَلَى الْإِسْلَامِ وَأَحْكَامِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَافِظُهُ، وَنَاصِرُ أَهْلِهِ، وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ.

 

وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُمْ...





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • تأملات في سورة المائدة (1)
  • تأملات في سورة المائدة (2)
  • سورة المائدة (1) وجوب الحكم بما أنزل الله تعالى

مختارات من الشبكة

  • كتاب إعراب سورة الفاتحة وحزب من سورة البقرة لفضيلة الشيخ علي الزامل (PDF)(كتاب - مكتبة الألوكة)
  • سورة الكهف سورة النجاة من الفتن(مقالة - موقع د. عبدالعزيز بن سعد الدغيثر)
  • وقفات تربوية مع سورة الكافرون (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • مع سورة النبأ(مقالة - آفاق الشريعة)
  • دروس وقيم وعظات من سورة الحجرات(مقالة - آفاق الشريعة)
  • وقفات تربوية مع سورة النصر (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • من مائدة التفسير: سورة البينة (7-8)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • من مائدة التفسير: سورة البينة(مقالة - آفاق الشريعة)
  • من مائدة التفسير: سورة القدر(مقالة - آفاق الشريعة)
  • من مائدة التفسير: سورة العاديات(مقالة - آفاق الشريعة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • مسابقة أدبية بعنوان "الرسول يلهمنا" في مدينة زينيتسا
  • قرية روبينيتشي تتزين بمسجدها المرمم بعد 3 سنوات من البناء
  • صلاة الاستسقاء تجمع مساجد بريطانيا لمواجهة الجفاف
  • شباب البوسنة المسلمون يوظفون الذكاء الاصطناعي والمهارات الرقمية لخدمة المجتمع
  • افتتاح مسجد جديد في نيامي بتبرعات الجالية المسلمة في بلغاريا
  • مسلمون يقيمون مبادرة خيرية لتوزيع الحقائب والمستلزمات المدرسية في شيكاغو
  • "علماء الدين المسلمون: جيل جديد": برنامج علمي يجمع مشاركين من 17 منطقة روسية
  • أكثر من 100 شخص يتعرفون على الإسلام خلال يوم المسجد المفتوح في ميلفيل

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1448هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 7/3/1448هـ - الساعة: 2:26
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب