• الصفحة الرئيسية خريطة الموقع RSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
  • Facebook
  • Twitter
  • YouTube
  • Instagram
  • Telegram
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد   إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | الثقافة الإعلامية   التاريخ والتراجم   فكر   إدارة واقتصاد   طب وعلوم ومعلوماتية   عالم الكتب   ثقافة عامة وأرشيف   تقارير وحوارات   روافد   من ثمرات المواقع  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    الوعي في زمن الشتات
    د. عبدالرزاق السيد
  •  
    سلمان الفارسي: الباحث عن الحقيقة
    أ. د. وجيه يعقوب السيد
  •  
    الفصول في أصول الفتيا لابن وصول الترجالي الأندلسي
    محمود ثروت أبو الفضل
  •  
    الرافعي وفلسفة الحجة: قراءة في «تحت راية القرآن» ...
    محمد شعبان سعد هنداوي
  •  
    أهمية المحافظة على البيئة
    د. حسام العيسوي سنيد
  •  
    الاستشراق وموقفه من أصول الاعتقاد الإسلامي (دراسة ...
    م. د. تحرير طه عبدالإله العامري
  •  
    من صور تدليس بعض الأطباء وكذبهم
    د. محمد أحمد صبري النبتيتي
  •  
    قراءات اقتصادية (90) الذكاء المالي
    د. زيد بن محمد الرماني
  •  
    أصدق الناس لهجة.. أبو ذر الغفاري
    أ. د. وجيه يعقوب السيد
  •  
    الفكر واللغة: التصادم الفكري
    أ. د. علي بن إبراهيم النملة
  •  
    ميراث الأزمنة الصعبة.. سنوات الحنابلة في بغداد ...
    محمود ثروت أبو الفضل
  •  
    القدس لنا
    أسامة الفاروق بن شمس الحق
  •  
    صحابة منسيون (9) الصحابي الجليل: أبان بن سعيد بن ...
    د. أحمد سيد محمد عمار
  •  
    من مشكاة النبوة في المال والاقتصاد (10)
    أ. د. باسم عامر
  •  
    قراءات اقتصادية (89) اقتصاد الفقر.. بؤس وأزمات
    د. زيد بن محمد الرماني
  •  
    من مائدة الصحابة: أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه
    عبدالرحمن عبدالله الشريف
شبكة الألوكة / ثقافة ومعرفة / التاريخ والتراجم / سير وتراجم / سير وتراجم وأعلام
علامة باركود

سلمان الفارسي: الباحث عن الحقيقة

سلمان الفارسي: الباحث عن الحقيقة
أ. د. وجيه يعقوب السيد

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 5/11/2026 ميلادي - 26/5/1448 هجري

الزيارات: 70

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

سلمان الفارسي: الباحث عن الحقيقة


وهو لا يزال طفلًا صغيرًا، يلهو أقرانه ويضيعون أوقاتهم في اللعب، كان هو يتطلع في صدق إلى الحقيقة، ويتشوق إلى الوصول إلى اليقين.


كان ينظر بعينيه العميقتين إلى الأفق البعيد، ويتفكر في هذا الواقع الذي يعيش فيه الناس - وهو من بينهم - ويسأل نفسه: ما الحقيقة؟ حقيقة الخلق، وحقيقة الحياة، وحقيقة الموت، وحقيقة البعث، تلك الأسرار التي تخبط في تفسيرها المتخبطون، ولم يتركوا إجابةً شافيةً تريح فؤاده.


وها هو ذا يبدأ أولى خطوات بحثه دون كلل أو ملل، سعيًا للوصول إلى تلك الحقيقة، فهل يصل؟


إنه (سلمان الفارسي)، سليل أسرة غنية ذات مجد وسيادة، كان أبوه أحد وجوه قريته في بلاد فارس، وكان يمتلك ضيعةً كبيرةً يعمل فيها كثير من العبيد والإماء، وكان يعبد النار ويتوجه إليها بالصلوات والقربات، وكان سلمان أحب أبنائه إليه، لما يتمتع به من ذكاء وحكمة ورجاحة عقل، لذلك أعده ليتولى من بعده سدانة النار المقدسة التي كان الناس يفدون إليها من مختلف المدن لتقديم القرابين، غير أن سلمان كان يتساءل في نفسه: كيف يعبد الإنسان نارًا يشعلها ويطفئها بيديه؟ ولماذا يفعل الناس ذلك؟ أهو الخوف؟ أو تقليد الآباء؟ أو أن هناك أسبابًا أخرى لم يدركها بعد؟ وظلت هذه الأسئلة ترافقه منذ صغره، فلا يجد لها جوابًا شافيًا عند أبيه أو عند غيره، حتى عزم أن يبدأ بنفسه رحلة البحث عن الحقيقة، مهما كانت العوائق التي تقف في طريقه.


كان أبوه يرسله إلى الضيعة التي يملكها ليتابع العمل فيها، بينما يتفرغ هو لخدمة النار المقدسة، لكن سلمان كان يترك العاملين بالضيعة، ويقضي معظم وقته في إحدى الكنائس القريبة منها، يستمع إلى ما يقوله أهلها، ويقارن بينه وبين ما نشأ عليه أبوه وقومه، وبمرور الأيام شعر أن الفارق عظيم بين عبادة النصارى وعبادة النار، فوجد في هذا الدين ما قربه من الإجابة عن أسئلته القديمة، ثم سأل المترددين على الكنيسة عن الموطن الذي ينتشر فيه هذا الدين، فأخبروه أنه يوجد في بلاد الشام، فأضمر في نفسه أن يشد الرحال إليها متى سنحت له الفرصة.


عاد سلمان بعد يوم عمل طويل، وأخبر أباه بما رآه في الكنيسة، وما سمعه من صلوات وتراتيل وأذكار، فثارت ثائرته وقال في غضب شديد: ليس في هذا الدين خير، بل دينك ودين آبائك خير منه، حاول سلمان أن يشرح له ما وجده هناك، وأن يقنعه بأن عبادة الإله الخالق تختلف عن عبادة النار، لكن دون جدوى، فقد صم الوالد أذنيه، وأبى أن يستمع إليه، ولم يكتفِ الأب بذلك، بل أمر بوضع القيود في رجلي سلمان، وحبسه في البيت، وفرض عليه رقابة صارمة حتى لا يعود إلى تلك الكنيسة.


وعندما سنحت الفرصة أمامه تخلص سلمان من تلك القيود؛ فقد كان الشوق إلى الحقيقة التي أيقظت قلبه أقوى من كل القيود، والرغبة في الوصول إلى الحق أقوى من كل خوف، وما أن وجد ركبًا متجهًا إلى بلاد الشام حتى لحق بهم، وهناك أخذ يسأل عن أعلم أهل المسيحية وأكثرهم صلاحًا في نظر الناس، ليجلس إليه ويتعلم منه، فدلوه على أسقف، فانطلق إليه وقص عليه حكايته، وظل معه مدة غير قصيرة، يخدمه ويتلقى عنه، محاولًا أن يتعرف حقيقة هذا الدين من خلاله.


لم يمضِ زمن طويل على صحبة سلمان لهذا الأسقف، حتى اكتشف أنه رجل سوء؛ يقول ما لا يفعل، ويأمر الناس بالمعروف ولا يأتيه، وينهاهم عن المنكر ويفعله، كما كان شديد التعلق بالدنيا، مولعًا بجمع المال، وحين انكشف أمره للناس، وأدركوا حقيقته، اختاروا بدلًا منه رجلًا صالحًا، زاهدًا في الدنيا، راغبًا في الآخرة، ليأخذ بأيديهم إلى طريق الحق والنور.


أقام سلمان بصحبة الأسقف الجديد مدة غير قصيرة، فكان يخدمه ليل نهار، ورأى من صلاحه وتقواه ما زاده إعجابًا ومحبة له، وتحقق من موافقة عمله لما يدعو إليه، غير أن هذا الأسقف كان طاعنًا في السن عليلًا، فلما أحس بدنو أجله دعا سلمان، وأخبره أنه لا يعلم أحدًا بقي على ما هو عليه إلا رجلًا صالحًا بالموصل، وأوصاه أن يلحق به، فشد سلمان الرحال إلى هناك، والتقى هذا الرجل الطيب، وقص له حكايته، فأقام معه حتى حضرته الوفاة، فأوصاه ذلك الرجل بالذهاب إلى رجل صالح آخر بنصيبين، فانطلق سلمان والتقى هذا الراهب ولازمه حتى دنا أجله، فلما دنا أجله أوصاه بدوره برجل من أهل عمورية، عرف بالزهد والتقوى، فمضى سلمان يواصل رحلته الطويلة رغبة في الوصول إلى الحقيقة، لا يثنيه عنها تعب ولا يوقفه يأس.


وواصل سلمان رحلته في يقين، لا تفتر عزيمته ولا تخبو جذوة الأمل في قلبه، وكان كلما شعر بالتعب أو تسلل الإحباط إلى نفسه، حدثته نفسه بأن فجر النور الذي يبحث عنه قد أوشك أن يبزغ، وفي عمورية التقى سلمان ذلك الراهب ولازمه، فانتفع بعلمه، وتعلم منه أشياء كثيرة، وقبيل وفاة الراهب سأله سلمان: إنك تعلم من أمري ما تعلم، فإلى من توصي بي، وبم تأمرني أن أفعل؟ فقال له الراهب: والله، ما أعلم أحدًا على ظهر الأرض بقي متمسكًا بما كنا عليه، ولكن قد أظل زمان نبي يبعث بدين إبراهيم في أرض العرب، ثم يهاجر من أرضه إلى أرض ذات نخل بين حرتين - أي أرض ذات حجارة سوداء - وهذا النبي له علامات: فهو يقبل الهدية، ولا يأكل الصدقة، وبين كتفيه خاتم النبوة، فإن استطعت أن تلحق بتلك البلاد فافعل.


ولم يكد سلمان يسمع بذكر نبي يبعث، حتى حلقت روحه في عنان السماء، وطارت به أشواقه إلى لقاء هذا النبي العربي، وراح يبحث عن وسيلة توصله إلى تلك الأرض التي سيهاجر إليها هذا النبي الكريم، وعلم سلمان من بعض معارفه أن قافلة متجهة إلى جزيرة العرب تستعد للرحيل، فسارع إلى الالتحاق بها، ودفع كل ما يملك نظير حمله إلى هناك، لكن فرحته لم تكتمل؛ إذ غدر به من صحبهم في الطريق، فباعوه في سوق الرقيق، مدعين أنه عبد اشتروه من بلاد الشام، فاشتراه رجل من اليهود، وظل سلمان يخدمه فترة من الزمن، ثم باعه لرجل آخر من يهود بني قريظة كان يقيم في المدينة المنورة، دون أن يدري سلمان أن الأقدار قد اقتربت به من الغاية التي أفنى سنوات عمره في البحث عنها.


استقبل سلمان أقداره برضا وتسليم تامين، فهو لم يغادر بيته طلبًا لترف أو رفاهية، وإنما خرج باحثًا عن النبي الذي يبعث في آخر الزمان، وها هو ذا على بعد خطوات قليلة من الأرض التي سيهاجر إليها، كما أخبره عالم أهل الكتاب، وكانت الشواهد كلها تؤكد أن هذه هي الأرض الموعودة، لذلك لم ينغص حياته شيء، ولم يشعر بالندم لحظة على مفارقته وطنه، وتركه ما كان ينعم به من عيش رغيد وهانئ، إذ كان كل ما تحمله من مشقة يهون في سبيل بلوغ ذلك النور الذي طالما اشتاقت إليه نفسه، والذي سيغير حياته إلى الأبد.


كانت دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم قد بدأت تنتشر في مكة بالفعل، لكن سلمان لم يسمع بها؛ إذ كان مشغولًا بخدمة سيده اليهودي، الذي كان حريصًا على إخفاء أمر محمد صلى الله عليه وسلم عنه، خشية أن يدخل في الإسلام، خاصةً بعدما لاحظ كثرة شروده وتعلقه بأمر لا يكاد يفارقه، وكأنه يترقب حدثًا عظيمًا طال انتظاره.


ثم هاجر الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وخرج أهلها لاستقباله بالأناشيد والأهازيج، حتى لم يبق أحد لم يسمع بقدومه، ووصل الخبر إلى سلمان، وعلم بنزول النبي صلى الله عليه وسلم في بيت الصحابي الجليل أبي أيوب الأنصاري، فهرع إليه وهو لا يكاد يصدق، كان قلبه يخفق من شدة الفرحة، وتذكر الكلمات التي وصف به الراهب هذا النبي الكريم: أنه لا يأكل الصدقة، ويقبل الهدية.


فأراد سلمان أن يتحقق بنفسه من أولى هذه العلامات، فحمل شيئًا من التمر، وجاء به إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وقال: لقد بلغني أنكم قوم غرباء ذوو حاجة، وهذا شيء كان عندي للصدقة، فرأيتكم أحق به من غيركم، فأخذ الرسول صلى الله عليه وسلم التمر فوضعه أمام أصحابه، وأمرهم أن يأكلوا، وأمسك هو عن الطعام فلم يمد يده إليه، عندئذٍ قال سلمان في نفسه: هذه واحدة، إنه لا يأكل الصدقة.


وفى اليوم التالي، جاء سلمان إلى النبي صلى الله عليه وسلم بشيء من التمر، وقال: إني رأيتك لا تأكل مع أصحابك أمس، وقد جئتك بهذا التمر هدية، وأرجو أن تقبلها مني، فبسط الرسولصلى الله عليه وسلم يده، وأكل منه، وأمر أصحابه فأكلوا معه، فقال سلمان في نفسه: وهذه الثانية؛ إنه يقبل الهدية.


وفى اليوم التالي، رأى سلمان رسول الله صلى الله عليه وسلم في جمع من أصحابه، فجعل يتطلع إلى ظهره لعله يرى العلامة الأخيرة التي أخبره بها الراهب، فعرف الرسول صلى الله عليه وسلم ما يريد، فألقى رداءه عن ظهره، فنظر سلمان، فإذا بخاتم النبوة بين كتفيه كما وصف له من قبل، عندئذٍ لم يتمالك سلمان نفسه، فأكب على رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبله ويبكي من شدة الفرح، بعد أن أيقن أن رحلة البحث الطويلة قد بلغت نهايتها، وأنه قد لقيَ النبي صلى الله عليه وسلم، الذي أفنى سنوات عمره متطلعًا إلى لقائه.


قص سلمان حكايته وما واجهه طوال تلك الرحلة على الرسول صلى الله عليه وسلم، ونطق بالشهادتين أمامه وأمام سائر الصحابة، فلما فرغ من حديثه وأخبره بأمر استرقاقه، طلب منه النبي صلى الله عليه وسلم، أن يسعى لتخليص نفسه من الاسترقاق بالمال، وأن يكاتب سيده على حريته، وحث أصحابه على مساعدته في الوفاء بما يطلب منه.


فسعى سلمان في ذلك، وبذل أقصى جهده في العمل، وسارع الصحابة إلى مساعدته، فجمعوا له ما استطاعوا من مال، كما أعانه رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قدر عليه، فكان ذلك سببًا في وفائه بما كاتب عليه سيده، حتى تمكَّن في النهاية من التحرر من الرق، وبدأ حياة جديدة في رحاب الإسلام، حياة شعر فيها لأول مرة بحريته وبأنه يملك أمر نفسه.


أصبح سلمان بمساعدة الصحابة حرًّا طليقًا، وخامره شعور بأنه يُولد من جديد، وبدأ يفكر في مستقبله وما ينبغي أن يكون عليه في ظل الإسلام، وقد تكللت رحلته بالنجاح والوصول إلى ما كان ينشده منذ خروجه من وطنه؛ فحمد الله على فضله، وعزم على أن يجعل ما بقيَ من عمره في طاعة الله ونصرة دينه، وقال في نفسه: لقد بلغك الله آمالك يا سلمان، فإياك أن تضيع فرصة تقربك من الله.


ومنذ تلك اللحظة، لم يفته مشهد من مشاهد الخير، ولا موقف من مواقف نصرة الإسلام، إلا وكان حاضرا يقوم بواجبه خير قيام، ولئن فاته القتال في بدر وأُحد بسبب ما كان فيه من الرق، فقد كانت غزوة الخندق أولى الغزوات التي يشارك فيها بعد تحرره وإسلامه، وفيها ظهرت مكانته ورأيه السديد؛ إذ أشار على النبي صلى الله عليه وسلم بحفر خندق حول المدينة، فوافقه النبي صلى الله عليه وسلم وأمر به، فكان ذلك سببًا في حماية المدينة ورد كيد الأحزاب.


وفي تلك الغزوة العظيمة، غزوة الخندق، كان الصحابة رضي الله عنهم يحفرون الخندق حول المدينة، فاعترضتهم صخرة شديدة الصلابة عجزوا عن كسرها وتحطيمها، فاشتد عليهم الأمر حتى شكوا ذلك إلى رسولالله صلى الله عليه وسلم.


فجاء النبي صلى الله عليه وسلم، فأخذ المعول بيده الكريمة، وضرب الصخرة ضربة فتهاوت، فخرج منها شرارة أو نور، فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وكبر معه الصحابة، ثم ضربها مرة أخرى، فتهشمت أكثر وظهر منها نور أكبر، فكبر النبي والصحابة، ثم ضربها ضربة ثالثة فخرج منها نور فكبروا جميعًا.


رأى سلمان ذلك النور المنبعث مع ضربات النبي صلى الله عليه وسلم للصخرة، فسأله عن سر هذا النور، فبشره الرسول صلى الله عليه وسلم بأن الله سيفتح على أمته بلادًا عظيمة، وأن ملكها سيبلغ قصور الشام واليمن وبلاد فارس، وأخذ يصف لسلمان قصر كسرى الأبيض بالمدائن، فقال سلمان: صدقت، والذي بعثك بالحق، إنه كما وصفت، وأشهد أنك لرسول الله. ثم أخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم بأن هذه بشائر الفتوح التي سيمن الله بها على المسلمين بعد ذلك؛ فيفتح الشام، وتفتح اليمن، ويفتح المشرق، ويقتل كسرى، وفي تلك الغزوة قال الرسول الكريم في حق سلمان: ((سلمان منا أهل البيت)).


حفر سلمان لنفسه مكانة خاصة بين أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؛ فقد اجتمعت فيه خصال قلَّ أن تجتمع في رجل واحد، فكان صادق الإيمان، وصاحب تجربة طويلة في جهاد النفس وجهاد الأعداء، كما كان زاهدًا في متاع الدنيا الزائل، وعُرف بالحكمة ورجاحة العقل وسداد الرأي، حتى غدت كلماته ومواقفه محل تقدير النبي صلى الله عليه وسلم وإكباره.


يروى أن أبا الدرداء كان صائمًا في يوم شديد الحر، فأصابه من التعب والإعياء ما أصابه، وكان سلمان عنده، فلما رأى ما به من تعب أشار عليه أن يفطر، لكن أبا الدرداء أبى وقال له: أتمنعني أن أصوم لربي؟ فقال سلمان: إن لبدنك عليك حقًّا، وإن لأهلك عليك حقًّا، صم وأفطر، وصلِّ ونم، ولما علم رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قاله سلمان، أثنى عليه وعلى علمه وحكمته، وقال صلى الله عليه وسلم: ((صدق سلمان))، فكان هذا الموقف خير شاهد على سعة علمه وحكمته وحسن تقديره للأمور.


وهل يمكن أن يتعلق قلب كهذا بالدنيا أو يركن إلى زخرفها، وهو الذي ترك المال والنعيم والسلطان، وقطع المسافات الطويلة باحثًا عن الحق، حتى أكرمه الله باليقين، وأشرق قلبه بنور الإسلام؟


لقد عاش سلمان رضي الله عنه زاهدًا في الدنيا، لا يأسره بريقها ولا تغريه زينتها، فعلى الرغم من أن عطاءه من بيت مال المسلمين كان يبلغ خمسة آلاف درهم في العام، فإنه كان ينفق هذا العطاء بالكامل على الفقراء والمساكين، ويفضل أن يأكل من عمل يديه، مقتديًا في ذلك بهدي الأنبياء والمرسلين.


وبعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، تفرق الصحابة في الأمصار؛ فسكن أبو الدرداء الشام، ونزل سلمان العراق، وظلت المودة والأُخوة تجمعهما، فكتب أبو الدرداء إلى سلمان يقول: إن الله رزقني بعدك مالًا وولدًا، ونزلت الأرض المقدسة، فكتب إليه سلمان قائلًا: سلام عليك، أما بعد، فإنك كتبت إليَّ أن الله رزقك مالًا وولدًا، فاعلم أن الخير ليس بكثرة المال والولد، ولكن الخير أن يكثر حلمك، وأن ينفعك علمك، وكتبت إليَّ أنك نزلت الأرض المقدسة، وإن الأرض لا تعمل لأحد، اعمل كأنك ترى، واعدد نفسك من الموتى.


وما أعمق هذه الكلمات التي خرجت من قلب عرف حقيقة الدنيا فهي تكشف عن عقل راجح، ونفس زاهدة، وبصيرة نافذة أدرك صاحبها أن قيمة المرء ليست فيما يملك، وإنما فيما يحمله من علم، وما يتحلى به من خلق، وما يقدم من عمل صالح.


امتدَّ الزمن بسلمان رضي الله عنه فعاش طويلًا، وفي خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه تولى إمارة المدائن، إحدى مدن بلاد فارس، وعلى الرغم من توليه الإمارة، فقد ظل كما عرفه الناس: متواضعًا زاهدًا، لا تغره الدنيا ولا يتعلق قلبه بها.


ذات يوم كان رضي الله عنه يسير في الطريق مرتديًا ثيابًا بسيطة، فظنه أحد المارة حمالًا يحمل الأمتعة، فطلب منه أن يحمل متاعه إلى بيته مقابل بضعة دراهم، فلم يخبره بمنزلته، بل حمل أمتعته ومضى معه حتى أوصلها إلى بيته.


وفي الطريق رآه رجل يعرف سلمان، فتعجب من شأنه وقال: ما هذا أيها الأمير، كيف تحمل بنفسك أمتعة هذا الرجل؟ وعندئذٍ أدرك صاحب الأمتعة أن الذي يحمل أمتعته ليس حمالًا عاديًّا، بل أمير المدائن بنفسه، فشعر بحرج شديد، وأخذ يعتذر إلى سلمان، ويرجوه أن يضع الأمتعة ليحملها عنه، لكن سلمان رضي الله عنه أبى، وقال: لا، حتى أبلغك منزلك.


وفي مرض موته، عاده سعد بن أبي وقاص وعدد من الصحابة، فلما رآه سعد طمأنه وبشره بأن رسول الله صلى الله عليه وسلمتوفي وهو عنه راضٍ، ومع ذلك، ظل سلمان يخشى أن يكون قد قصر أو خالف عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وهكذا دائما نفوس الصالحين، يزداد خوفها من التقصير كلما علت منزلتها.


ولم يفُته، وهو في تلك اللحظات العصيبة، أن يوصي أصحابه بما ينفعهم، فقال لسعد: يا سعد، اذكر الله عند همك إذا هممت، وعند حكمك إذا حكمت، وعند يدك إذا قسمت.


وقد أثنى عليه الصحابة رضوان الله عليهم، فقال عليٌّ رضي الله عنه: علم العلم الأول والعلم الآخر، وهو بحر لا ينزف، وهو مثل لقمان الحكيم، وقال كعب الأحبار: سلمان حُشي علمًا وحكمة.


عاش سلمان زاهدًا تقيًّا ورعًا، ولم يتغير حاله بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، بل ظل متمسكًا بكتاب الله وسنة رسوله،ضاربًا أروع مثل في الثبات على الحق، وتحري الحلال، وبذل النصح للمسلمين، فكان مثالًا يُحتذى لكل باحث عن الحقيقة، ومثالًا لكل صاحب عقل راجح وبصيرة نافذة، يسعى إلى اليقين، لقد خرج سلمان في رحلة بحث طويلة يطلب الحق، فلم يتوقف عن البحث حتى لقي ربه، فبلغ غايته المنشودة، وكان خير شاهد على أن من صدق في طلب الحق هداه الله إليه، وأن من سار على الدرب وصل.





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • تأملات في اسمه تعالى القدوس
  • أبو هريرة: حافظ كنوز النبوة
  • تأملات في اسمه تعالى السلام
  • تأملات في اسمه تعالى العزيز
  • تأملات في اسمه تعالى المتكبر
  • أصدق الناس لهجة.. أبو ذر الغفاري

مختارات من الشبكة

  • قصة سلمان الفارسي رضي الله عنه(مقالة - ثقافة ومعرفة)
  • سلمان الفارسي.. الباحث عن الحقيقة(مقالة - آفاق الشريعة)
  • سلمان الفارسي (قصيدة)(مقالة - حضارة الكلمة)
  • الباحثون عن الحق (3) سلمان الفارسي رضي الله عنه(مقالة - موقع الشيخ إبراهيم بن محمد الحقيل)
  • قصة سلمان الفارسي - رضي الله عنه -وما فيه من العظة والبشارة بمحمد - صلى الله عليه وسلم(مقالة - آفاق الشريعة)
  • سلمان الفارسي(مقالة - ثقافة ومعرفة)
  • خطبة عن سلمان الفارسي رضي الله عنه(مقالة - آفاق الشريعة)
  • سيرة سلمان الفارسي رضي الله عنه(مقالة - موقع د. أمين بن عبدالله الشقاوي)
  • قصة سلمان الفارسي رضي الله عنه مع الضيف الثقيل: دروس وعبر (PDF)(كتاب - مكتبة الألوكة)
  • ولكم في سلمان الفارسي عبرة(مقالة - آفاق الشريعة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • التعليم الإسلامي في البيئة الرقمية محور مائدة مستديرة بموسكو
  • قازان تستضيف الندوة الروسية الثالثة حول الابتكارات في التعليم الإسلامي بمشاركة دولية
  • مؤتمر علمي في بريشتينا يوثق إسهامات المدارس الإسلامية في التعليم والهوية
  • 15 فتاة يختمن القرآن الكريم في احتفال ديني بالمسجد الجديد في لوبيزدا
  • احتفاء بمرور 100 عام على تأسيسه.. إعادة افتتاح مسجد يولديز في تتارستان
  • نوفا سكوشا تحتفي بالتراث الإسلامي وتفتح أبواب التعرف على الإسلام
  • للعام الرابع .. المجتمع المسلم في كورنوال يحتفي بالتراث والثقافة الإسلامية
  • بمناسبة شهر التراث الإسلامي.. مسجد في مانيتوبا يعرف الناس بالثقافة الإسلامية

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
  • Facebook
  • Twitter
  • YouTube
  • Instagram
  • Telegram
حقوق النشر محفوظة © 1448هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 26/5/1448هـ - الساعة: 9:15
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب