• الصفحة الرئيسية خريطة الموقع RSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
  • Facebook
  • Twitter
  • YouTube
  • Instagram
  • Telegram
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد   إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | الثقافة الإعلامية   التاريخ والتراجم   فكر   إدارة واقتصاد   طب وعلوم ومعلوماتية   عالم الكتب   ثقافة عامة وأرشيف   تقارير وحوارات   روافد   من ثمرات المواقع  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    أعلام التفسير في أفغانستان: (1) الإمام الضحاك بن ...
    د. نصر من الله مجاهد
  •  
    أبو هريرة: حافظ كنوز النبوة
    أ. د. وجيه يعقوب السيد
  •  
    سلسلة تعرف على نوادر الرسائل والكتب (7) التحذير ...
    ياسين نزال
  •  
    الفكر المتعولم
    أ. د. علي بن إبراهيم النملة
  •  
    آفة الزيادة
    عبدالله بن إبراهيم الحضريتي
  •  
    سلسلة تعرف على نوادر الرسائل والكتب (6) صلة السنة ...
    ياسين نزال
  •  
    مجتمع الاحتراق النفسي
    د. زيد بن محمد الرماني
  •  
    مجموع فقهي لقدماء الشافعية من القرن الرابع الهجري ...
    محمود ثروت أبو الفضل
  •  
    الفكر المستشرق
    أ. د. علي بن إبراهيم النملة
  •  
    سلسلة تعرف على نوادر الرسائل والكتب (5) الطرق ...
    ياسين نزال
  •  
    عصرنة صاخبة... قلق الإنسان وضياع الذات
    نايف عبوش
  •  
    الفكر والسلوك
    أ. د. علي بن إبراهيم النملة
  •  
    سلسلة تعرف على نوادر الرسائل والكتب (4) تسوية ...
    ياسين نزال
  •  
    قراءات اقتصادية (88) ثروة الأمم
    د. زيد بن محمد الرماني
  •  
    الفكر والحياة
    أ. د. علي بن إبراهيم النملة
  •  
    نظرية العقد دراسة مقارنة بين الفقه والقوانين ...
    محمود ثروت أبو الفضل
شبكة الألوكة / ثقافة ومعرفة / التاريخ والتراجم / سير وتراجم / سير وتراجم وأعلام
علامة باركود

أبو هريرة: حافظ كنوز النبوة

أبو هريرة: حافظ كنوز النبوة
أ. د. وجيه يعقوب السيد

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 10/10/2026 ميلادي - 29/4/1448 هجري

الزيارات: 47

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

أبو هريرة: حافظ كنوز النبوة

 

من منا لم يسمع بهذا الاسم الطيب المبارك؟ لا ريب أننا جميعًا قد سمعنا اسمه يتردد في معظم المرويات، التي وصلتنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو واحد من أكثر الصحابة روايةً وتحديثًا عن خير البشر، فلا يكاد يخلو كتاب من كتب الحديث، من حديث رواه هذا الصحابي الجليل، ويا لها من مهمة عظيمة سخره الله تعالى للقيام بها، من أجل حفظ كلام سيد الخلق، الذي يبين للناس أمور دينهم، ويفسر لهم ما غمض من كتاب ربهم، ويأخذ بأيديهم إلى طريق الحق والخير.

 

إنه الصحابي الجليل أبو هريرة رضي الله عنه، كان اسمه في الجاهلية عبد شمس، فلما أسلم سماه الرسول صلى الله عليه وسلم عبدالرحمن، أما كنيته التي غطت على اسمه فأبو هريرة، يروى أنه كانت عنده هرة تلازمه دائما ويلعب بها، فأطلق عليه أصحابه أبا هريرة، ويقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي كناه بهذه الكنية، فشاعت بين الناس وبات لا يعرف إلا بها.

 

ينتمي أبو هريرة إلى قبيلة دوس الأزدية، التي كانت تسكن اليمن وأماكن أخرى من شبه الجزيرة العربية، وقد دعاه إلى الإسلام الصحابي الجليل الطفيل بن عمرو الدوسي، فأجابه إلى الدخول في الإسلام، وهاجر إلى المدينة المنورة في السنة السابعة للهجرة، ليتابع النبي صلى الله عليه وسلم ويلازمه ملازمة الظل لصاحبه، ومنذ هذه اللحظة تغيرت حياة هذا الصحابي الجليل تغيرا كبيرًا وحادًّا، ليصبح واحدًا من أشهر صحابة الرسول الكريم في زمن وجيز للغاية، لا يتجاوز ثلاث أو أربع سنوات، ولعل هذا ما أوغر صدور خصومه وشانئيه، فكالوا له النقد وراحوا يطعنون في روايته وصحبته ومروياته.

 

نشأ أبو هريرة يتيمًا فقيرًا، فكان يعمل بأجر زهيد لدى إحدى السيدات الموسرات، وكان هذا الأجر الذي يحصل عليه يكفيه بالكاد لشراء قوت يومه، لذلك لم يتعلق قلبه بالدنيا، ولم ينشغل عن العلم ورواية الحديث بجمع المال، فكان معظم وقته منقطعًا لخدمة الرسول الكريم، وسماع ما يقوله وحفظه وتمكين ذاكرته منه، وللتأكد من حفظه وقوة ذاكرته، كان رضي الله عنه عندما يعود إلى بيته، يراجع ما حفظه عن النبي صلى الله عليه وسلم ويتعاهده خشية النسيان.

 

ولاحظ المحيطون به سرعة حفظه وقوة ذاكرته، وموهبته الكبيرة في هذا الباب فنصحوه ببذل مزيد من الجهد لحفظ حديث الرسول صلى الله عليه وسلم، ليفيد بذلك الإسلام والمسلمين، إذ لم تكن هناك وسيلة أخرى يوثق بها ويعتمد عليها في تدوين السنة أفضل من الحفظ، حيث لم تكن الكتابة منتشرة ومتاحة للجميع، كما أن أدوات الكتابة كانت نادرة وشحيحة.

 

حاول أبو هريرة أن يأخذ بالأسباب التي تجعل منه الحافظ الأول لأحاديث الرسول الكريم، ونذر نفسه لطلب العلم وحفظ الأحاديث الشريفة، ولعل من أهم تلك الأسباب التي تحقق له ما يريد، هو أن يخلص نيته لله عز وجل، وأن يحصل على مباركة الرسول صلى الله عليه وسلم ودعائه له، وأن يتفرغ لطلب العلم تفرغًا تامًّا، وأن يكون أمينًا صادقًا فيما ينقله عن سيد الخلق، وقد تحقق له ذلك كله فكثيرًا ما كان الرسول صلى الله عليه وسلم يدعو له ويخصه بالدعاء.

 

يروى أن أبا هريرة كان جالسًا ذات يوم مع نفر من أصحابه في المسجد، يذكرون الله ويدعونه، فلما دخل عليهم النبي صلى الله عليه وسلم سكتوا، فأشار إليهم صلى الله عليه وسلم أن يستمروا فيما كانوا عليه، وكان الصحابة يدعون بأدعية شتى، والرسول صلى الله عليه وسلم يؤمن على دعائهم، فلما بلغ أبو هريرة الدعاء قال: ((اللهم إني أسالك ما سألك صاحباي، وأسألك علمًا لا ينسى، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: آمين))، واستجاب الله دعاء رسوله صلى الله عليه وسلم، فصار أبو هريرة من أكثر المسلمين حفظًا وأقواهم ذاكرةً في رواية الحديث الشريف.

 

ومن الأسباب التي أعانته على حفظ هذا العدد الكبير من أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، تفرغه لطلب العلم وملازمته للنبي الكريم، فقد كان رضي الله عنه يقضي معظم وقته في المسجد مع فقراء المسلمين من أهل الصفة، وهم قوم انقطعوا للعبادة والعلم، وكان كثير من الصحابة يخرجون إلى أعمالهم وشؤونهم، ثم يعودون فيجدونه على حاله؛ منتبهًا في حضرة النبي صلى الله عليه وسلم حريصًا على سماع حديثه الشريف.

 

ولذلك تساءل بعض الناس عن سر كثرة روايته للحديث، وربما سألوه: كيف تمكن من حفظ كل هذه الأحاديث ومتى سمعها؟ فكان رضي الله عنه يقول: إنكم تقولون: أكثر أبو هريرة من حديثه عن النبي صلى الله عليه وسلم، وتقولون: إن المهاجرين الذين سبقوه إلى الإسلام لا يحدثون هذه الأحاديث، ألا إن أصحابي من المهاجرين، كانت تشغلهم صفقاتهم بالسوق، وإن أصحابي من الأنصار كانت تشغلهم أرضهم، وإني كنت امرأً مسكينًا، أكثر مجالسة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأحضر إذا غابوا، وأحفظ إذا نسوا.

 

وكان أبو هريرة يذكر من الأسباب التي أعانته على قوة الحفظ، ما خصه الله به من بركة دعاء النبي صلى الله عليه وسلم، فيقول: ((إن النبي صلى الله عليه وسلم حدثنا يومًا فقال: من يبسط رداءه حتى أفرغ من حديثي، ثم يقبضه إليه، فلا ينسى شيئًا كان قد سمعه منى؟ فبسطت ثوبي، فحدثني النبي صلى الله عليه وسلم، ثم ضممته إليَّ، فو الله ما نسيت شيئًا سمعته منه بعد ذلك)).

 

ولم يكن أبو هريرة يكتفي بسماع أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، بل كان كثير السؤال، شديد الحرص على تعلم أمور دينه ومعرفة ما ينفعه، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يحب فيه ذلك، ومما يروى في هذا الشأن أنه قال ذات يوم: ((يا رسول الله، من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال: لقد ظننت يا أبا هريرة ألا يسألني عن هذا الحديث أول منك، لما رأيت من حرصك على الحديث؛ إن أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه)).

 

وكان أبو هريرة رضي الله عنه محل ثقة الصحابة وتقديرهم، لما يعرفونه من جميل خصاله وصحبته للنبي الكريم، لكن ذلك لم يمنعهم أحيانًا من مراجعته في بعض ما يرويه عن النبي الكريم، ومناقشته في بعض الأحاديث التي لم تبلغهم عنه ولم يسمعوا بها من قبل، طلبًا لمزيد من التثبت واليقين، ومن ذلك أن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما راجعه في حديث ثواب من شهد الجنازة، وقال له: انظر ما تحدث به يا أبا هريرة، فإنك تكثر الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، فأخذ أبو هريرة بيده فذهب به إلى عائشة رضي الله عنها، فسألها عن الحديث، فوافقت أبا هريرة وشهدت بصحة ما رواه.

 

وذات يوم عاتبته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها بسبب كثرة رواياته وحديثه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأحاديث لم تسمعها منه، فلم يغضب أبو هريرة من عتابها، بل راح يوضح لها أسباب ذلك بقوله: يا أمه، لقد كنت ألزم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يشغلني عنه شيء، أما أنت فكانت لك شؤونك مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهنا أدرك الصحابة أن اختلاف ما يحفظه كل واحد منهم، إنما يرجع إلى اختلاف ملازمتهم للنبي صلى الله عليه وسلم، والظروف التي أحاطت بكل منهم.

 

ومما يروى في هذا الصدد، ويتخذه بعض المغرضين ذريعة للطعن في رواية أبي هريرة للحديث الشريف، ما نقل عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه نهاه عن التحديث، وقال له: لتتركن الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو لألحقنك بأرض دوس، غير أن كثيرًا من العلماء لم يفهموا من ذلك اتهام عمر أو تشكيكه في أبي هريرة، وإنما رأوا أنه كان ينتهج سياسة عامة تقوم على التشدد في الرواية والتثبت فيها، خشية أن ينصرف الناس عن القرآن الكريم، أو يتساهلوا في نقل الحديث، وفي المقابل، كان أبو هريرة يرى أن من واجبه أن يبلغ ما سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس، حتى لا يقع في الإثم بسبب كتمانه العلم، وقد ذكر الحافظ ابن كثير أن عمر رضي الله عنه أذن له بعد ذلك في التحديث.

 

امتدَّ الزمن بأبي هريرة رضي الله عنه، فلم يدخر جهدًا في تحديث الناس بما سمعه ورآه من النبي صلى الله عليه وسلم، وقد أراد مروان بن الحكم اختبار ذاكرته، فطلب منه ذات مرة أن يذكر له عددًا من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمر أحد كتابه أن يدون ما يرويه أبو هريرة من خلف ستار دون أن يراه، فذكر أبو هريرة عددًا كبيرًا من الأحاديث النبوية ثم انصرف، وبعد مدة استدعاه مروان وطلب منه أن يعيد ما رواه، فأعاده كما ذكره أول مرة، دون أن ينسى كلمة أو يبدل حرفًا بآخر، فدلَّ ذلك مروان على قوة حفظه وشدة ضبطه لما يرويه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، مما زاد الناس ثقة بروايته واطمئنانًا إلى نقله.

 

ومما يدل على ثقة الصحابة في أبي هريرة وإقرارهم له برواية أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، أن عددًا من فضلاء الصحابة وأكابرهم قد رووا عنه، ومنهم: عمر، وعثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، وزيد بن ثابت، وأبو أيوب الأنصاري، وابن عباس، وعائشة، وجابر، وعبدالله بن عمر، وأبي بن كعب وأبو موسى الأشعري، كما روى عنه عدد كبير من التابعين وعلماء الحديث، ويبلغ عدد الأحاديث التي وردت عنه في صحيحي البخاري ومسلم نحو خمسمائة حديث، ولعل هذا من أقوى الشواهد على ما حظي به من ثقة وقبول ومكانة علمية بين المسلمين.

 

ولم يكن أبو هريرة مجرد حافظ وناقل للحديث الشريف، بل كان رضي الله عنه صاحبَ اجتهاد ونظر في القرآن الكريم، وكان عالمًا فقيهًا وعلى دراية بالقراءات والتفسير، ولا عجب في ذلك، فقد كان طويل الصحبة للنبي صلى الله عليه وسلم، كثير السؤال له وللصحابة رضوان الله عليهم، حتى حاز مكانة كبيرة في علوم الحديث والقرآن الكريم معًا.

 

يروى أنه مر يومًا بالسوق، فرأى الناس قد انشغلوا بالبيع والشراء والمزايدة على السلع، فأراد أن يذكرهم بالله وأن ينبههم إلى فضل العلم، فنادى فيهم قائلًا: ما أعجزكم يا أهل المدينة فالتف الناس حوله وقالوا: وما رأيت من عجزنا يا أبا هريرة؟ فقال: ميراث رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم في المسجد وأنتم ههنا؟ ألا تذهبون وتأخذون نصيبكم؟ فسارع الناس إلى المسجد ثم عادوا إليه، وسألوه عما كان يقصده، فسألهم أبو هريرة: وماذا رأيتم في المسجد؟ قالوا: رأينا قومًا يصلون، وقومًا يقرؤون القرآن، وقومًا يذكرون الحلال والحرام، عندها قال أبو هريرة: ويحكم، ذلكم هو ميراث محمد صلى الله عليه وسلم، وفطن الناس إلى مغزى كلام أبي هريرة رضي الله عنه، فقد أراد أن يلفت أنظارهم إلى أن أعظم ما تركه النبي صلى الله عليه وسلم لأمته ليس مالًا يقسم، وإنما العلم الذي يعرفهم بكتاب ربهم وسنة رسولهم ويهديهم إلى العمل الصالح.

 

كانت حياة أبي هريرة في جانبها الاجتماعي حياة طيبة سلسة، يحظى فيها بمحبة الناس وتقديرهم، وكان معروفا ببشاشته وقربه من الصغار وملاطفته لهم، وكان يدخل البهجة إلى قلوبهم بتصرفاته العفوية، غير أن أكبر ما كان يؤرقه ويشغل باله هو بقاء أمه على الشرك؛ فقد بذل جهدًا كبيرًا في دعوتها إلى الإسلام، متحليًا في ذلك بالحكمة والموعظة الحسنة، لكنها كانت مصرةً على موقفها رغم محبتها الشديدة له.

 

وكان أبو هريرة رضي الله عنه حريصًا على هداية أمه، فلم ييأس يومًا من دعوتها إلى الإسلام مهما كان ردها عليه، وذات يوم اشتد غضبها، واحتدت في كلامها، فصدر منها ما يسيء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فتألم أبو هريرة لذلك وحزن حزنًا شديدًا، وانطلق حتى أتى الرسول صلى الله عليه وسلم وهو مطرق وحزين، فلما سأله النبي الكريم عن سبب حزنه، قال: ((يا رسول الله، إني كنت أدعو أمي إلى الإسلام فتأبي عليَّ، وإني دعوتها اليوم فأسمعتني فيك ما أكره، فادع الله عز وجل أن يهديها إلى الإسلام، فرقَّ الرسول صلى الله عليه وسلم لحاله، ودعا لأمه قائلًا: اللهم اهدِ أم أبي هريرة)).

 

وعاد أبو هريرة رضي الله عنه إلى بيته وهو مفعم بالأمل، يرجو أن يستجيب الله دعوة نبيه صلى الله عليه وسلم، فلما بلغ باب داره وجد الباب غير محكم الغلق، وسمع حركة في الداخل، ونادته أمه بصوت غير الصوت الذي كانت تحدثه به قبل أن يلتقي بالنبي صلى الله عليه وسلم وطلبت منه الانتظار قليلًا، وما هي إلا لحظات حتى فتحت له الباب، وأخبرته أن الله قد شرح صدرها للإسلام، ولم يتمالك أبو هريرة نفسه من شدة الفرحة، فعاد مسرعًا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليبشره بأن الله تعالى قد استجاب دعوته، ثم قال: يا رسول الله، ادعُ الله أن يجيبني أنا وأمي إلى المؤمنين، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم لهما قائلًا: اللهم حبب عبيدك هذا وأمه إلى عبادك المؤمنين، وحبب إليهم المؤمنين، وقد رأى أبو هريرة أثر تلك الدعوة المباركة في حياته، فكان يقول: ما من مؤمن يسمع بي ولا يراني إلا وأحبني.

 

وإلى جانب علمه وسعة حفظة وقوة ذاكرته، كان أبو هريرة رضي الله عنه تقيًّا ورعًا مجتهدًا في العبادة، عرف بكثرة قيام الليل وحرصه على طاعة الله، كما كان يتحلى بأخلاق كريمة، فكان حليمًا واسع الصدر، صبورًا متأنيًا في كل أحواله.

 

يروى أنه كانت له خادمة، وكانت هذه الخادمة سليطة اللسان، فكانت تؤذيه وتؤذي أمه بحدة لسانها وسوء خلقها، وقد أغضبته ذات يوم حتى بلغ به الغضب مداه، ولما رفع سوطه ليضربها عقابًا وتأديبًا لها، تذكر عقاب الله فأنزل السوط قبل أن يهوي به عليها، وقال لها: لولا القصاص يوم القيامة لأوجعتك كما آذيتنا، ولكنى سأبيعك لمن يوفيني ثمنك، وبعد أن هدأت نفسه قليلًا أعتقها لوجه الله، وهو أحوج ما يكون إلى ثمنها، وقال: اذهبي، فأنت حرة لوجه الله.

 

وكان أبو هريرة رضي الله عنه متواضعًا للغاية، لا يعرف الكبر إلى قلبه سبيلًا، وكثيرًا ما كان يذكر للناس ما كان عليه حاله قبل إسلامه، فيقول: نشأت يتيمًا، وهاجرت مسكينًا، وكنت أجيرًا لبرة بنت غزوان بطعام بطني، كنت أخدم القوم إذا نزلوا، وأحدو لهم إذا ركبوا؛ أي أسوق لهم الإبل، ثم يقول شاكرًا فضل الله عليه: وهأنذا وقد زوجنيها الله، فالحمد لله الذي جعل الدين قوامًا، وجعل أبا هريرة إمامًا.

 

كما كان أبو هريرة جوادًا كريمًا، يحب الإحسان إلى الفقراء والمساكين والمحتاجين، وعرف بين المسلمين بالجود والكرم، وقد شارك رضي الله عنه في حروب الردة في زمن أبي بكر الصديق رضي الله عنه، كما شهد بعض الفتوح الإسلامية في بلاد فارس والعراق في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

 

واستعمله عمر واليًا على البحرين، ثم استدعاه إلى المدينة وسأله عن المال الذي اجتمع عنده، فبين أبو هريرة مصادر ماله وما كان يجنيه من التجارة، وقد عرف عمر رضي الله عنه بشدته في محاسبة ولاته وحرصه على ألا يقعوا في الشبهة، ثم عرض عليه عمر أن يتولى الولاية مرة أخرى، فأبى ذلك، وآثر الإقامة بالمدينة المنورة، يعلم الناس، ويحدث طلاب العلم بما حفظه من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويفتيهم في أمور دينهم.

 

ولم يكن موقف عمر رضي الله عنه طعنًا في أمانة أبي هريرة أو نزاهته، وإنما كان امتدادًا لمنهجه المعروف في متابعة عماله ومحاسبتهم؛ صيانة للمال العام، وحفظًا لثقة الناس في ولاتهم، ولأنها مسؤولية كبيرة سيُسأل عنها أمام الله يوم القيامة.

 

بقي أبو هريرة على هذا الحال محدثًا ومعلمًا ومفتيًا حتى ناهز الثمانين من عمره، ويروى أنه لما حضرته الوفاة عاده أصحابه في مرض موته، فوجدوه حزينًا مطرقًا، فقيل له: ما يبكيك يا أبا هريرة؟ فقال: أما إني لا أبكي على دنياكم هذه، ولكنني أبكي لبعد السفر وقلة الزاد، لقد وقفت في نهاية طريق يفضي بي إلى الجنة أو النار، ولا أدري في أيهما أكون.

 

وكان يدعو ربه قائلًا: اللهم إني أحب لقاءك فأحب لقائي، وقد أوصى أهله قبل وفاته قائلًا: إذا أنا مت فلا تنوحوا عليَّ، وأسرعوا بي إلى قبري، وكانت له دار في زمن معاوية فأوصى بها إلى الفقراء.

 

رضي الله عن أبي هريرة، صاحب هذه السيرة العطرة، وأشهر المحدثين والرواة، الذين نقلوا لنا أحاديث الرسول الكريم بكل أمانة وصدق وتجرد، ولولا جهوده وجهود سائر الصحابة، لفاتنا الوقوف والاطلاع على كلام سيد الخلق، الذي فيه نجاتنا وعصمتنا، لقد كان أبو هريرة يعرف طريقه وهدفه منذ أن شرح الله صدره للإسلام، فعاش في طلب العلم ولازم الرسول صلى الله عليه وسلم، وربما تسبب حرصه على طلب العلم وحضور مجالس الرسول صلى الله عليه وسلم، في أن يجوع أو يلبس أخشن الثياب، ولكن هذا كله لم يكن يعنيه ولا يثنيه عن هدفه، إنما الذى كان يعنيه حقًّا هو أن يحفظ حديثًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو يعرف معلومةً جديدةً يعمل بها، ويعلم بها غيره من الناس.





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • أبو هريرة رضي الله عنه
  • أبو هريرة وعاء السنة النبوية
  • أبو هريرة (قصيدة)
  • أبو هريرة يتمخط في الكتان

مختارات من الشبكة

  • خطبة: هدايات من قصة جوع أبي هريرة رضي الله عنه(مقالة - آفاق الشريعة)
  • شرح حديث أبي هريرة: الإيمان بضع وسبعون شعبة(مقالة - آفاق الشريعة)
  • المالديف تستهدف الوصول إلى 500 حافظ وحافظة للقرآن الكريم خلال العام(مقالة - المسلمون في العالم)
  • كيغالي تشهد حفلا ضخما لتخريج 70 ألف حافظ وحافظة لكتاب الله(مقالة - المسلمون في العالم)
  • آية يحفظك الله بها من الشيطان(مقالة - آفاق الشريعة)
  • باب في هيئة الصلاة وإتمام ركوعها وسجودها والخضوع فيها(مقالة - آفاق الشريعة)
  • وصايا نبوية غالية(مقالة - آفاق الشريعة)
  • باب في فضل المساجد(مقالة - آفاق الشريعة)
  • علة حديث ((الدواب مصيخة يوم الجمعة حين تصبح حتى تطلع الشمس))(مقالة - آفاق الشريعة)
  • فضل كلمة التوحيد «لا إله إلا الله»(مقالة - آفاق الشريعة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • طلاب تتارستان يتنافسون في حفظ وتلاوة أجزاء من القرآن الكريم بقازان
  • 150 مشاركا في افتتاح الدورة الـ18 من "مدرسة اليوم الواحد" بتتارستان
  • برعاية إسلامية .. "يوم المعرفة" في فيينا يطور مهارات المعلمين
  • برنامج أسبوعي لتعلم العربية والقرآن الكريم للأطفال في وارسو
  • ندوة إسلامية في فوشتري تستعرض سيرة النبي وتعاليمه
  • المركز الإسلامي في فيينا يستضيف ندوة لتعزيز الوعي حول الإسلام
  • بعد سنوات من العمل والتبرعات.. افتتاح المركز الإسلامي في إيست سيراكيوز
  • اختتام برنامج تدريبي لتطوير مهارات القيادة والإدارة والتواصل للأئمة في توزلا

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
  • Facebook
  • Twitter
  • YouTube
  • Instagram
  • Telegram
حقوق النشر محفوظة © 1448هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 28/4/1448هـ - الساعة: 18:17
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب