• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | مقالات شرعية   دراسات شرعية   نوازل وشبهات   منبر الجمعة   روافد   من ثمرات المواقع  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    مواسم قد لا تعود (خطبة)
    رعد الدغيثر
  •  
    تواجد الدعاة على منصات التواصل الاجتماعي بين ...
    د. هيثم بن عبدالمنعم بن الغريب صقر
  •  
    وأقبلت خير أيام الدنيا (خطبة)
    أبو سلمان راجح الحنق
  •  
    النوم واليقظة أنموذجان للموت والنشور (خطبة)
    د. محمود بن أحمد الدوسري
  •  
    الحج طاعة ونظام (خطبة)
    الشيخ أحمد إبراهيم الجوني
  •  
    الرفقة الصالحة: سر صلاح القلوب ونور الحياة
    د. أمير بن محمد المدري
  •  
    الذكاء الاصطناعي: ضوابط شرعية ومسؤوليات أخلاقية ...
    الشيخ أحمد إبراهيم الجوني
  •  
    الأحاديث التي حكم عليها الحافظ أبو يعلى الخليلي ...
    د. مشعل بن محمد العنزي
  •  
    وصايا وتوجيهات للحجاج (خطبة)
    الشيخ محمد بن إبراهيم السبر
  •  
    اغتنام العشر وتذكير الزائر بتعظيم الشعائر (خطبة)
    الشيخ عبدالله بن محمد البصري
  •  
    الاتساق النفسي لدى المؤمن {فلنولينك قبلة ترضاها}
    أ. د. فؤاد محمد موسى
  •  
    حينما تؤلف النعم في ظل التوحيد (خطبة)
    د. أحمد بن حمد البوعلي
  •  
    تفسير قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا ...
    الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم
  •  
    خلق توقير الكبير واحترامه
    د. حسام العيسوي سنيد
  •  
    تحريم الاختلاف في القرآن والخصومة فيه
    فواز بن علي بن عباس السليماني
  •  
    مذاهب الفقهاء في مسألة: مقدار مسح الرأس في الوضوء
    رمضان صالح العجرمي
شبكة الألوكة / ملفات خاصة / ملف الحج / خطب الحج
علامة باركود

خطبة: وقفات مع سورة الحج

خطبة: وقفات مع سورة الحج
أ. د. حسن بن محمد بن علي شبالة

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 19/5/2026 ميلادي - 2/12/1447 هجري

الزيارات: 129

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

خطبة: وقفات مع سورة الحج

 

عباد الله: نعيش في هذه الأيام في أشهر الحج، وهي من الأشهر الحرم التي عظمها الله سبحانه وتعالى في كتابه، وما أحوجنا ونحن نعيش هذه الأيام المباركة أن نتدبر كتاب ربنا سبحانه وتعالى؛ فإن الله تعالى أنزل هذا القرآن ليتدبروا آياته.

 

وتدبر القرآن مهم جدًّا حين يربط بالأحداث والوقائع والأزمنة، واليوم نقف معكم وقفاتٍ تدبرية مع سورة الحج في أشهر الحج؛ فهذه السورة العظيمة التي نقرؤها والقليل منا من يتوقف عند مقاصدها ومحتوياتها.

 

وقد سماها الله تعالى بسورة الحج، والحج ركن من أركان الإسلام وشعيرة من شعائره العِظام؛ وحين يسمع الواحد منا اسم السورة يظن أنها قد خصصت كلها للحديث عن مناسك الحج، ولكن الواقع أن للسورة مقاصدَ أخرى؛ منها:

١- أنها ربطت بين الدنيا والآخرة؛ فقد افتتح الله هذه السورة العظيمة بنداء عام للبشرية كلها: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ ﴾ [الحج: 1، 2].

 

أيها المؤمنون: كنا نتوقع من اسم السورة أن يحدثنا الله في بدايتها عن الوقوف بعرفة أو بمزدلفة أو عن رمي الجمار ونحوها، لكن الله تعالى أراد أن يحدثنا عن شيء آخر، وعن موقف أعظم، وعن وقوف خطير؛ إنه الوقوف بين يدي الله سبحانه وتعالى.

 

نعم أيها المؤمنون، لم ينادِ الله المؤمنين فقط الذين يحجون وإنما نادى البشرية كلها، مسلمهم وكافرهم، ناداهم وأخبرهم بأن يستعدوا لذلك اليوم العظيم، يوم الوقوف بين يدي الله سبحانه، وبيَّن لهم أن زلزلة الساعة شيء عظيم، وإذا وصف الله تعالى شيئًا بأنه عظيم فلا تسأل عن عظمته أبدًا.

 

وتخيلوا معي تلك اللحظة؛ فالمرأة المتعلقة بطفلها الرضيع التي تسهر من أجله وتفديه بروحها، ولكنها في لحظة ما تلهو عنه وتنساه وتتركه ويسقط من يدها من شدة هول ذلك الموقف وتلك الصدمة العظيمة، إنها صدمة أكبر مما تتحملها القلوب أو تقبلها الألباب؛ ﴿ وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ ﴾ [الحج: 2]، فتصفهم بأنهم قد ذهبت عقولهم بسبب السُّكر، لكن الواقع أنهم أصحاء أقوياء وعقولهم موجودة، ولكنهم لم يستطيعوا أن يتحملوا تلك الصدمة فعاشوا وتحركوا كأنهم سكارى.

 

أيها المؤمنون: لماذا ربط الله تعالى بين الحج ويوم القيامة؟ ما السر أن يسمي لنا السورة بسورة الحج ويبتدئها بالحديث عن المحشر؟ إن العلاقة واضحة؛ لأن الناس حين يذهبون إلى مكة يحرمون بإزار ورداء، ويتجمعون في موقف عظيم هو يوم الوقوف بعرفة، ويستوي فيهم الغني والفقير، والأمير والمأمور يلبسون لباسًا واحدًا يشبه لباس الكفن الذي سيلبسه كل واحد منا وهو يغادر هذه الدنيا رغم أنفه.

 

أما الحاج فيذهب إلى المشاعر بنفسه متشوقًا، ويلبس إحرامه بنفسه، ويقف في عرفة داعيًا مبتهلًا، ونفسه تشتاق إلى إجابة ذلك الدعاء؛ أما الذهاب إلى يوم الحشر فنذهب إليه رغم أنوفنا، ويلبسوننا الكفن الذي يشابه الإحرام رغمًا عن أنوفنا، ونقف بين يدي الديان بقلوب واهية وأعين خاشعة.

 

ورؤية الحجيج وهم يقفون في عرفات يذكر الناس بالوقوف بين يدي الله سبحانه وتعالى؛ فالحج يا عباد الله، تجربة مصغرة ليوم المحشر قلَّ من يتفكر فيها، وقل من ينتبه لها فيتعظ منها ويعتبر.

 

فمن يقف بين يدي الله بعرفة بإزار ورداء سيقف بين يدي الله في المحشر يوم العرض الأكبر عاريًا؛ قال صلى الله عليه وسلم: ((يُحشر الناس حفاة عراة غرلًا))؛ [رواه البخاري ومسلم].

 

نعم أيها المؤمنون، هذه هي الحكمة وتلك هي العلة من افتتاح سورة الحج بذكر زلزلة الساعة وقيام القيامة.

 

٢- ثم تحدثت السورة عن أصل عظيم من أصول ديننا؛ وهو إثبات البعث والنشور الذي يشكك فيه كثير من الملحدين والمشركين؛ كيف يحيي الله العظام بعد أن صارت رميمًا؟

 

يقول الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ ﴾ [الحج: 5]، فانظروا إلى ذلك الإنسان الذي ترعرع في نِعم الله وشب عليها وكبر بسببها، ثم تكبر عن الخلق بسبب ما أنعم الله عليه من المال والولد؛ أنسيتَ أن الله خلق أباك من تراب، وخلقك من نطفة مذرة، فكيف تنكر أن الله قادر على بعثك؟

 

ثم ضرب الله لنا مثلًا آخر نراه بين الحين والآخر بأعيننا؛ قال الله تعالى: ﴿ وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ﴾ [الحج: 5]، نعم، نرى الأرض يابسة قاحلة لا شجرة فيها، ثم يأتي المطر فتنبت وتخضر وتنطلق فيها الحياة، وكذلك أنت أيها الإنسان ستموت ثم تأكلك الدود، ثم يبقى منك عجب الذنب؛ وهي قطعة من جسدك تبقى في قبرك، فينزل الله عليها ماء الحياة فتنبت يوم القيامة، كما ينبت الزرع ثم تُحشر بين يدي الله.

 

3- أيها المؤمنون عباد الله: وفي قلب السورة يأتينا الحديث عن بعض الناس الذين يؤمنون بالله لمصلحة شخصية؛ وهذا من أعجب ما تراه عينك أن ترى صنفًا من الناس يعبد الله لمصلحة فإذا ذهبت المصلحة ترك عبادة الله؛ قال الله تعالى: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ﴾ [الحج: 11].

 

بالله عليكم ما بال هذا الإنسان الذي خلقه الله ليعبده؛ يربط عبادته واستقامته على دين الله بالرزق والمصلحة الشخصية؟ فإن ابتلاه الله بالغنى والنعم قال: هذا دين حق، وإن ابتلاه الله بالفقر والمرض قال: هذا دين باطل.

 

وقد جاء في سبب نزول هذه الآية عن ابن عباس رضي الله عنه قال: "كان الرجل من الأعراب يقدم إلى المدينة، فإن ولدت امرأته غلامًا وأنتجت خيله قال: هذا دين صالح، وإن لم تلد امرأته ولم تنتج خيله قال: هذا دين سوء"؛ فأنزل الله هذه الآية.

 

إن دين الله ليس تبعًا للمصلحة الشخصية، بل هو دين تعبُّد لله؛ مهما ابتلاك الله بالفقر أو بالغنى، بالمرض أو بالصحة، تعبد الله سبحانه وتعالى لأنه الله الخالق الرازق الموجد، أما أن تعبده تبعًا للمصلحة الشخصية فهذا دين الأهواء؛ أفرأيت من اتخذ إلهه هواه؟ إن الإنسان حين يتقلب في التدين بحسب أهوائه ومصالحه، فاعلم أن الشيطان قد أوقعه في وادٍ سحيق.

 

4- أيها المؤمنون: ثم تحدثنا السورة باقتضاب شديد عن مناسك الحج؛ تلك المناسك التي جعلها الله من شعائر الله وقال فيها: ﴿ ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ ﴾ [الحج: 32]، فالتقوى هي المقصد من المنسك، ومن الصلاة، من الصوم، من كل الطاعات؛ قال الله تعالى: ﴿ لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ ﴾ [الحج: 37]، نعم أيها المؤمنون، العبادة توصلك إلى تقوى الله سبحانه وتعالى ورضاه، فكن حريصًا على تقوى الله جل وعلا في كل عباداتك وطاعاتك.

 

5- ثم تحدثنا السورة ونحن في زمن الشبهات والشهوات والابتلاءات، عن سُنة المدافعة بين الحق والباطل؛ فقال جل وعلا: ﴿ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ ﴾ [الحج: 40]، فالمدافعة سنة من سنن الله في هذه الحياة، والحق والباطل في صراع، وللحق عناصره وللباطل عناصره، وسيبقيان يتصارعان حتى قيام الساعة، ولكن دين الله في الأخير هو المنصور فإن العاقبة للمتقين.

 

6- أيها المؤمنون: ثم حدثنا الله عمن ينصر دينه حتى يحصل له التمكين في الأرض؛ قال الله تعالى: ﴿ الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ ﴾ [الحج: 41]، وهنا لفتة مهمة جدًّا؛ فقد يبتلي الله بعض الناس أو بعض الجهات بأن يمنحهم الله السلطة بعد أن كانوا ضعفاء مشردين فصاروا يحكمون البلاد؛ فهذه فتنة وابتلاء لهم لينظر: هل يقيمون شرع الله الذي كانوا ينادون به أم لا؟

 

هل يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر أم لا؟ هل يقيمون الصلاة بأنفسهم ويدعون غيرهم لإقامة الصلاة أم لا؟

 

فإن لم يفعلوا سُلبت منهم تلك الولاية وذلك التمكين؛ لأن هذه سنة الله في خلقه، وتلك الأيام نداولها بين الناس.

 

7- أيها المؤمنون عباد الله: ثم أرشدتنا السورة ونبهتنا إلى أمر مهم نغفل عنه، وهو النظر في ملكوت السماوات والأرض، فانظر يا عبدالله في ملكوت الله، فقد أعطاك الله عقلًا تفكر به، وفرَّق بينك وبين الحيوان بهذا العقل وميزك به، فلا تعطله بالتقليد والعصبية؛ قال سبحانه: ﴿ أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ﴾ [الحج: 46]، نعم، رُب أعمى البصر وقلبه مبصر ودينه عميق وفكره ساطع، ورب مبصر قلبه أعمى لا يرى الطريق ولا يهتدي إلى سواء السبيل.

 

8- أيها المؤمنون عباد الله: ونحن نعيش في هذا العصر، عصر التقنية والشاشات والهواتف الذكية؛ التي أصبحت أصنامًا مصغرة تلهينا عن عبادة الله.

 

لقد كان الجاهلي يذهب أحيانًا إلى مكان الصنم فيجلس بين يديه ويسجد له ويدعوه ويتقرب منه، ثم ينصرف إلى عمله وإلى إبله وإلى مزرعته؛ أما أصنام اليوم فهي في جيوبنا وفي بيوتنا، نقف أمامها كأننا نقف أمام أصنام الجاهلية مخدوعين بما فيها، وربما أضعنا ساعات طوالًا فيها؛ فالمرأة مشغولة بها، والطفل مشغول بها، والرجل كذلك تجدهم كلهم مشغولين بهذه الأصنام الجديدة وهي خطيرة وليست آمنة؛ ففيها الفتن، وفيها الشهوات، وفيها الشبهات، وفيها ما يفسد دين المرء وأخلاقه، وفيها ما يمزق العلاقات، وقد سموها وسائل تواصل اجتماعي وهي في الحقيقة وسائل للتقاطع والتدابر بين أفراد المجتمع، بل هي وسائل للفتنة وإدخال الأضرار إلى البيوت والقلوب، نسأل الله السلامة.

 

ثم بعد ذلك يسأل الواحد منا: لماذا لا أخشع في الصلاة؟ لماذا لا تدمع عيني حين أسمع القرآن؟ لماذا أحمل الجنازة ولا أتذكر الموت؟ والسبب لذلك كله أنك قد شغلت نفسك وعقلك وقلبك بهذا الجهاز وبتلك الوسائل والمعلومات المشوشة، حتى ذهب إدراكك وعميت بصيرتك والعياذ بالله سبحانه.

 

انظر إلى تصوير القرآن لمن جلس مع الصنم قليلًا وأشرك بالله، فكيف بمن جلس مع التلفون والأجهزة الذكية طوال وقته؛ قال الله: ﴿ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ ﴾ [الحج: 31]، فهذا صنم جلس معه فترة وأشرك بالله، فما أثر الأصنام المعاصرة اليوم على قلوبنا؛ فقد جعلتها تهوي في وادٍ سحيق، وجعلت عقولنا مشتتة، وأفكارنا متناقضة، ونفوسنا مضطربة، وعلاقاتنا منقطعة، وفسدت حياتنا بسببها وللأسف، كما أن هذه الأجهزة هي أجهزة تجسس للعدو بكل ما فيها من برامج حتى صاروا يعرفوا تفاصيل حياتك، ويستطيعوا أن يأخذوا معلومات سرية عنك لا تعطيها لزوجتك ولا لولدك، يحصل عليها منشئ ذلك البرنامج وصانع ذلك الجهاز خلف البحار.

 

أيها المؤمنون: وقبل أن أختم، تحدثنا السورة عن أمر مهم لا بد أن نتفكر فيه؛ لأننا اليوم نعيش عصر التقنية وظهور أنواع متعددة من العلم وتقدم البشرية في الصناعات والإنتاج، حتى خُيل للإنسان أنه ممكن أن يكون خالقًا وإلهًا من دون الله؛ لأنهم يسمع عن الذرة، وعن القنابل الذكية، وعن الصواريخ عابرة القارات، وعن الأجهزة الذكية، وعن أشياء ما كانت تخطر في بال آبائنا وأجدادنا أن يسمعوا بها؛ ونحن اليوم سمعنا بها ورأيناها.

 

فهل هذا التقدم العلمي والتقني يجعل الإنسان يرتقي إلى مقام الإله الخالق الذي بيده الأمر والنهي؟


الجواب: ذكره الله في هذا المثال الذي انفردت به سورة الحج للعظة والعبرة؛ قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ * مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾ [الحج: 73، 74].

 

الله أكبر؛ ذبابة، صغيرة، مخلوق ضعيف حقير، نطردها بحركة ونقتلها بضربة، يتحدى الله سبحانه وتعالى بها الجبابرة في الأرض قديمًا وحديثًا، يا من تصنعون صواريخ عابرة القارات أو القنابل الموجهة أو الأجهزة الذكية: هل تستطيعون أن تخلقوا ذبابًا؟

 

بل هل تستطيعون يا أصحاب الشاشات الذكية والتقنية المعقدة التي تفاخرون بها، أن تخلقوا خلية من خلايا الذباب ثم تنفخوا فيها فتحيا ثم تطير؟ الجواب لا.

 

بل الأعجب من ذلك كله، إنهم عاجزون عما هو دونه.

 

تخيلوا معي لو وقف ذباب على قطعة حلوى بين يديك، وأخذ منها ذرة من السكر ثم هرب، هل تستطيع أن تمسكه وتخرج هذه الذرة أو القطعة الصغيرة من فمه كما هي سكر، أم لا؟ الجواب أن هذه الآية تعطي بيانًا عن عجز البشرية عن ذلك مهما بلغت قدراتهم وإمكانياتهم العلمية؛ ﴿ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ ﴾ [الحج: 73].

 

إن الذباب مجرد أن يقع على ما يأكله يفرز عليه عصارة معينة تحوله إلى شيء آخر غير الذي أخذه، فإذا كنت لن تستطيع أن تستنقذ ما أخذه منك الذباب فأنت ضعيف وأعجز عما هو أعظم من ذلك، ثم قال: ﴿ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ ﴾ [الحج: 73]؛ ضعف المشرك والصنم الذي يعبده، وضعف الإنسان بقدراته وتقنياته أمام هذا الذباب الضعيف الذي خلقه الله بقدرته.

 

أيها المؤمنون عباد الله: لا أطيل عليكم، سورة الحج مليئة بالدروس والعبر لمن أراد أن يعتبر، فليست حديثًا كما قلنا عن الإحرام والوقوف بعرفة، بل هي حديث عن قدرة الله في الكون وكيف نستعد للرحلة إلى الدار الآخرة.

 

أسأل الله جل وعلا أن يجعلنا وإياكم من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه؛ أقول ما سمعتم وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.

 

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وأصحابه أجمعين؛ أما بعد عباد الله:

فأوصيكم ونفسي بتقوى الله فهي خير الزاد؛ كما قال سبحانه وتعالى: ﴿ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ ﴾ [البقرة: 197].

 

عباد الله: تأملنا فيما سبق في بعض آيات سورة الحج؛ تلك السورة التي ابتدأت بالحديث عن زلزلة الساعة، وعن آية إنبات الأرض كنموذج لإحياء الموتى، وعن حال الذين يعبدون الله تبعًا للمصلحة والهوى، وعن أهمية التفكر والتذكر وإعمال العقل حتى لا تعمى البصيرة، وعن قدرة في خلق الذباب وعجب الناس من التقنية والصناعة الحديثة، ولا يعجبون من خلق الله في الذباب الذي لا يستطيع أحد أن يخلق مثله، مهما بلغ من العلم والمعرفة.

 

أيها المؤمنون: بعد هذا المرور السريع أوصي نفسي وإياكم بخمس وصايا مختصرة؛ لأن الهدف من تدبر الآيات وقراءة القرآن أن ننطلق إلى العمل ولا نكتفيَ بالكلام والتنظير.

 

الوصية الأولى: جددوا تعظيم الله في قلوبكم، فإن الإيمان يخلق ويضعف، وإذا ضعف انحرف الإنسان؛ فلا بد من تجديد الإيمان بالتفكر في مخلوقات الله، وفي آيات الله، وفي قراءة وتدبر كتاب الله، وفي التعامل مع هذا الكون المنتظم كما أمر الله، وإياكم أن تجهلوا قدر الله فيضعف الإيمان في قلوبكم؛ فإن من جهل قدر الله عصى الله جل وعلا.

 

فعظموا الله في كل أوقاتكم وخاصة حين تقومون إلى الصلاة؛ فالصلاة صلة بين العبد وربه، وفي كل يوم تقف بين يدي الله خمس مرات وتفتتح صلاتك بقولك: "الله أكبر"؛ فهل نعلم ما معنى "الله أكبر" أم نقولها وقلوبنا شاردة؟ والله لو تفكرنا ونحن نقف بين يدي الله وحين نقول "الله أكبر"؛ لأثرت فينا الصلاة، فلا كبير إلا الله ولا عظيم إلا الله، وبهذا يقوى الإيمان وتأتي التقوى، ويستشعر العبد أنه فعلًا على صلة بالله جل وعلا، فيخرج وقد ازداد إيمانه وصلحت أخلاقه؛ أما من لم يعظم الله في الصلاة فسيخرج بلا شيء من ذلك؛ لأنه في وادٍ والصلاة في وادٍ آخر.

 

الوصية الثانية: لا يفتر لسانك أيها المسلم عن ذكر الله، وأعظم الذكر كلمة التوحيد "لا إله إلا الله"، هذه الكلمة التي دعا النبي صلى الله عليه وسلم الحجيج إلى أن يفردوه بها في يوم عرفة؛ قال صلى الله عليه وسلم: ((خير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير))؛ [رواه الترمذي]، وهذه الكلمة هي أعظم الذكر، وبها يبقى الإنسان على صلة بالتوحيد والاستقامة والعودة إلى الله، وبدونها يتشتت قلبه وتأخذه الريح والشيطان في وادٍ سحيق.

 

الوصية الثالثة: أيها المسلم: عاهد ربك من الآن أن يكون لك عمل صالح مخفيٌّ لا يعلمه إلا الله، ففي يوم القيامة تظهر آثار هذه الأعمال يوم أن تقف بين يدي الله؛ قم من الليل وصلِّ والناس نيام، تصدق بصدقة وأخفِها حتى لا تعلم شمالك ما أنفقت يمينك، واذكر الله خاليًا وادمع؛ فذلك من صفات من يظلهم الله يوم القيامة تحت ظل عرشه، كما ورد في الحديث: ((سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله... ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه))؛ [متفق عليه]، وهذه هي الباقيات الصالحات التي يعملها الإنسان سرًّا، لا تلك التي يفعلها أمام الناس رياءً وسمعة؛ فإنها لا تساوي شيئًا عند الله.

 

الوصية الرابعة: إياك أن تغفل عن الرحمة، بل مارسها في كل أوقاتك وفي حياتك كلها؛ فإن الراحمين يرحمهم الرحمن؛ كما قال صلى الله عليه وسلم: ((الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء))؛ [رواه الترمذي]، وإياك والقسوة سواء على نفسك أو على أهلك أو على أولادك، فإنها دليل قسوة القلب، وإذا وقع فيها العبد صار من أهل الشقاء والعياذ بالله جل وعلا.

 

تفقَّد أقرباءك، وأحسِن إلى أهلك، وأعطِ الفقير والمسكين، وانصر المظلوم، وارحم الضعيف؛ فكل ذلك سيكون رحمات تأتيك يوم القيامة وأنت بحاجة إليها.

 

الوصية الخامسة: ليعُد كل واحد منا إلى بيته ويفتح مصحفه ويقرأ منه سورة الحج التي أعطيتكم منها منارات ونبذة مختصرة تشويقًا لكم، لعلكم أن تتشوقوا اليها فتقرؤوها بتدبر، وستجدون فيها أكثر وأكثر مما سمعتم ومما قلنا، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل القرآن الكريم ربيع قلوبنا، وجلاء همومنا، وذهاب أحزاننا.





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • وقفة مع قول الله تعالى: {وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون}
  • خطبة: قصة أصحاب الأخدود، دروس وعبر
  • خطبة: تعظيم الأشهر الحرم
  • خطبة: اليمن ألم وأمل
  • خطبة: الملعونون في القرآن والسنة
  • خطبة: مقاصد الحج
  • التوازن بين العبادة والراحة أثناء الحج

مختارات من الشبكة

  • خطبة: وقفات مع آية ﴿إن الله يأمر بالعدل الإحسان﴾(مقالة - آفاق الشريعة)
  • وقفات مع اسم الله الرحمن الرحيم (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • وقفات مع اسم الله الغفار (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • خطبة: وقفات وعظات مع الشتاء(مقالة - آفاق الشريعة)
  • خطبة: وقفات مع شهر رجب(مقالة - آفاق الشريعة)
  • وقفات مع اسم الله السميع (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • وقفات مع حديث جامع لآفات النفس (خلاصة خطبة جمعة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • وقفات مع اسم الله الجبار (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • وقفات مع اسم الله الستير (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • وقفات مع اسم الله الفتاح (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • دراسة علمية حول تناول الإسلام والمسلمين في الدوريات العلمية الكرواتية
  • دورة متقدمة في الذكاء الاصطناعي والمواطنة الرقمية للطلاب المسلمين في البوسنة
  • بدء تشييد مسجد جديد بمدينة ياكورودا جنوب غرب بلغاريا
  • ندوة متكاملة في القرم لإعداد حجاج 2026
  • دورة لتأهيل الأئمة والمعلمين للتعامل النفسي والتربوي مع الشباب المسلم في روسيا
  • مشاركة 150 طالبا في منتدى حول القيم الإسلامية والوقاية الفكرية بداغستان
  • ماساتشوستس تحتضن يوم المسجد المفتوح بمشاركة عشرات الزائرين
  • اختتام الدورة الثالثة عشرة لمسابقة التربية الإسلامية في فيليكو تشاينو

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1447هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 2/12/1447هـ - الساعة: 12:5
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب