• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | مقالات شرعية   دراسات شرعية   نوازل وشبهات   منبر الجمعة   روافد   من ثمرات المواقع  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    الأمن والاستقرار... نعمة الإيمان وأساس العمران
    د. أحمد بن حمد البوعلي
  •  
    {الله لطيف بعباده} خطبة
    د. محمد حرز
  •  
    تحريم الصد عن آيات الله الكونية والشرعية أو عن ...
    فواز بن علي بن عباس السليماني
  •  
    مواعظ سورة ق (خطبة)
    عبدالعزيز أبو يوسف
  •  
    الأكل من عمل اليد تشبه بالأنبياء
    د. خالد بن محمود بن عبدالعزيز الجهني
  •  
    حسن الخلق وصية النبي صلى الله عليه وسلم
    الشيخ ندا أبو أحمد
  •  
    سلوا الله العفو والعافية (خطبة)
    الشيخ الحسين أشقرا
  •  
    دليل مختصر في علم السيرة النبوية (يتضمن مصادر ...
    بدر عبدالله الصاعدي
  •  
    زكاة الوقت.. كيف تبارك الصلاة في عمر الإنسان؟
    د. نصر من الله مجاهد
  •  
    فضائل سورة الفاتحة
    د. أحمد عادل العازمي
  •  
    خطبة: قصة أصحاب الأخدود، دروس وعبر
    أ. د. حسن بن محمد بن علي شبالة
  •  
    من وسائل الثبات على دين الله عز وجل (8) المحافظة ...
    محمد بن عبدالله العبدلي
  •  
    من دروس تحويل القبلة: جبر خاطر نبي الأمة صلى الله ...
    أ. د. السيد أحمد سحلول
  •  
    ومضة نبوية لقلبك: الجنة عند قدميك فلا تبتعد ...
    نوال محمد سعيد حدور
  •  
    (كأين) الواردة في القرآن معنى وإعرابا
    محمد بن علي بنان الغامدي
  •  
    خطبة: رسالة للمرابطين والمدافعين عن بلادنا
    يحيى سليمان العقيلي
شبكة الألوكة / آفاق الشريعة / منبر الجمعة / الخطب / خطب المناسبات
علامة باركود

من وحي الهجرة

من وحي الهجرة
الشيخ عبدالله بن محمد البصري

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 18/11/2012 ميلادي - 4/1/1434 هجري

الزيارات: 13871

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

من وحي الهجرة

 

أَمَّا بَعدُ:

فَأُوصِيكُم - أَيُّهَا النَّاسُ - وَنَفسِي بِتَقوَى اللهِ - عَزَّ وَجَلَّ - ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [البقرة: 278].

 

أَيُّهَا المُسلِمُونَ:

المُؤمِنُ في هَذِهِ الدُّنيَا مُبتَلًى وَلا بُدَّ، وَلَمَّا كَانَ الابتِلاءُ في الدِّينِ هُوَ أَشَدَّ أَنَوَاعِ الابتِلاءِ، شَرَعَ اللهُ لِعِبَادِهِ الهِجرَةَ مِنَ المَنَازِلِ وَالأَوطَانِ، وَالخُرُوجَ مِن دَارِ الكُفرِ إِلى دَارِ الإِيمَانِ. وَقَد هَاجَرَ الأَنبِيَاءُ وَالمُرسَلُونَ، وَالصَّحَابَةُ وَالعُلَمَاءُ وَالصَّالِحُونَ، فَتَرَكُوا الدِّيَارَ وَفَارَقُوهَا، وَخَلَّفُوا الأَهلَ وَالأَموَاَل وَفَرُّوا بِدِينِهِم، فَعَلُوا ذَلِكَ رَغبَةً فِيمَا عِندَ اللهِ وَطَمَعًا في رَحمَتِهِ، قَالَ - تَعَالى -: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا في سَبِيلِ اللهِ أُولئِكَ يَرجُونَ رَحمَةَ اللهِ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ [البقرة: 218] وَقَد كَانَت هِجرَةُ نَبِيِّنَا - صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - مِن مَكَّةَ إِلى المَدِينَةِ أَشرَفَ الهِجرَاتِ وَأَشهَرَهَا وَأَعظَمَهَا، وَمِن ثَمَّ فَقَدِ اختَارَهَا عُمَرُ الفَارُوقُ - رَضِيَ اللهُ عَنهُ - لِتَكُونَ نُقطَةَ البِدَايَةِ لِتَأرِيخِ أَهلِ الإِسلامِ، فَرَضِيَ اللهُ عَنهُ مَا كَانَ أَفقَهَهُ! فَإِنَّ تِلكَ الهِجرَةَ المُبَارَكَةَ، كَانَت فَاصِلَةً بَينَ زَمَنَينِ وَفَارِقَةٍ بَينَ عَهدَينِ، عَهدٍ كَانَ المُسلِمُونَ فِيهِ قَلِيلِينَ مُستَضعَفِينَ خَائِفِينَ، وَآخَرَ غَدَوا فِيهِ كَثِيرِينَ أَقوِياءَ مَنصُورِينَ. وَقَد هَاجَرَ أَصحَابُ رَسُولِ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - مِن دِيَارِهِم وَمَنَازِلِهِم في مَكَّةَ، كَرَاهَةً مِنهُم لِلنُّزُولِ بَينَ أَظهُرِ المُشرِكِينَ وَفي سُلطَانِهِم، إِذْ كَانُوا لا يَأمَنُونَ فِتنَتَهُم لَهُم في دِيَارِهِم، فَانتَقَلُوا إِلى المَدِينَةِ، حَيثُ المَوضِعُ الَّذِي أَمِنُوا فِيهِ عَلَى أَنفُسِهِم، وَالأَنصَارُ الَّذِينَ سَاعَدُوهُم عَلَى إِظهَارِ دِينِهِم، ثم مَا زَالُوا حَتى لَحِقَ بِهِم إِمَامُهُم وَقَائِدُهُم - عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ -، فَبَدَؤُوا مَرحَلَةَ الجِهَادِ في سَبِيلِ اللهِ لإِعلاءِ كَلِمَتِهِ وَمُقَاوَمَةِ أَعدَائِهِ، فَجَمَعُوا إِيمَانًا وَهِجرَةً وَجِهَادًا، فَانتَشَلُوا أَنفُسَهُم بِتِلكَ الأَعمَالِ الثَّلاثَةِ مِنَ الخُسرَانِ، وَنَالُوا بها الرِّبحَ وَفَازُوا بِرَحمَةِ اللهِ.

 

نَعَم - أَيُّهَا المُسلِمُونَ - لَقَد هَجَرَ أَسلافُكُم قَومَهُم مِن أَهلِ الكُفرِ وَالشِّركِ، وَنَابَذُوا عَشِيرَتَهُمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِاللهِ وَبِرَسُولِهِ، وَخَرَجُوا مِن دِيَارِهِم لأَنَّهُم لم يَستَطِيعُوا أَن يُظهِرُوا فِيهَا دِينَهُم، وَفَارَقُوا الأَحبَابَ وَالخِلاَّنَ وَالإِخوَانَ وَالجِيرَانَ، وَآوَوا إِلى إِخوَانِهِم مِن أَهلِ الإِيمَانِ بِاللهِ وَالتَّصدِيقِ بِرَسُولِهِ، فَآوَوهُم في مَنَازِلِهِم، وَوَاسَوهُم في أَموَالِهِم، وَنَصَرُوا اللهَ وَرَسُولَهُ بِالقِتَالِ مَعَهُم، فَحَصَلَ بِهَذَا بَينَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ عَقدُ مُوَالاةٍ وَمَحَبَّةٍ رَبَّانِيَّةٍ، وَصَارَ بَعضُهُم أَولِيَاءَ بَعضٍ في ذَاتِ اللهِ، وَصَارُوا هُمُ المُؤمِنِينَ حَقًّا وَصِدقًا، بِذَلِكَ امتَدَحَهُم رَبُّهُم حَيثُ قَالَ - تعالى -: ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا في سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ المُؤمِنُونَ حَقًّا لَهُم مَغفِرَةٌ وَرِزقٌ كَرِيمٌ ﴾ [الأنفال: 74] وَلأَنَّ اللهَ - تَعَالى - قَد وَعَدَ وَهُوَ لا يُخلِفُ المِيعَادَ فَقَالَ: ﴿ وَالَّذِينَ هَاجَرُوا في اللهِ مِن بَعدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُم في الدُّنيَا حَسَنَةً وَلأَجرُ الآخِرَةِ أَكبَرُ لَو كَانُوا يَعلَمُونَ ﴾ [النحل: 41] فَقَد تَحَقَّقَ لأُولَئِكَ المُهَاجِرِينَ مِن بَعدِ مَا ظُلِمُوا بِالأَذِيَّةِ وَالمِحنَةِ مِن قَومِهِم، تَحَقَّقَ لهمُ الثَّوَابُ العَاجِلُ في الدُّنيَا مِنَ الرِّزقِ الوَاسِعِ وَالعَيشِ الهَنِيءِ، فَرَأَوهُ عَيَانًا بَعدَمَا هَاجَرُوا وَانتَصَرُوا عَلَى أَعدَائِهِم، وَافتَتَحُوا البُلدَانَ وَغَنِمُوا مِنهَا الغَنَائِمَ العَظِيمَةَ، فَتَمَوَّلُوا وَتَوَسَّعَت أَرزَاقُهُم، وَآتَاهُمُ اللهُ في الدُّنيَا حَسَنَةً، ﴿ وَلأَجرُ الآخِرَةِ ﴾ الَّذِي وَعَدَهُمُ اللهُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ خَيرٌ لَهُم وَ﴿ أَكبَرُ ﴾ مِن أَجرِ الدُّنيَا.

 

أَيُّهَا المُسلِمُونَ:

لَمَّا هَاجَرَ المُسلِمُونَ الأَوَائِلُ طَمَعًا فِيمَا أَعَدَّهُ اللهُ لِلمُهَاجِرِينَ مِن رَحمَةٍ وَنَصرٍ وَتَمكِينٍ، نَالُوا مَا أَمَّلُوا وَحَصَّلُوا أَعظَمَ الثَّمَرَاتِ، وَأَكرَمَهُمُ اللهُ بِخَصَائِصَ لم يَنَلْهَا غَيرُهُم، فَقَد كَانَتِ الهِجرَةُ سَبَبًا لِلتَّوبَةِ عَلَيهِم وَغُفرَانِ ذُنُوبِهِم، وَتَقَدُّمِهِم غَيرَهُم وَإِمَامَتَهُم مَن جَاءَ بَعدَهُم في الدُّنيَا وَالآخِرَةِ، قَالَ - صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - لِعَمرِو بنِ العَاصِ - رَضِيَ اللهُ عَنهُ -: "أَمَا عَلِمتَ أَنَّ الإِسلامَ يَهدِمُ مَا كَانَ قَبلَهُ؟! وَأَنَّ الهِجرَةَ تَهدِمُ مَا كَانَ قَبلَهَا؟! وَأَنَّ الحَجَّ يَهدِمُ مَا كَانَ قَبلَهُ؟!" رَوَاهُ مُسلِمٌ، وَقَالَ - صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: "يَؤُمُّ القَومَ أَقرَؤُهُم لِكِتَابِ اللهِ، فَإِن كَانُوا في القِرَاءَةِ سَوَاءً فَأَعلَمُهُم بِالسُّنَّةِ، فَإِن كَانُوا في السُّنَّةِ سَوَاءً فَأَقدَمُهُم هِجرَةً..." الحَدِيثَ رَوَاهُ مُسلِمٌ.

 

وَقَالَ - صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: "أَنَا زَعِيمٌ لِمَن آمَنَ بي وَأَسلَمَ وَهَاجَرَ بِبَيتٍ في رَبَضِ الجَنَّةِ وَبِبَيتٍ في وَسَطِ الجَنَّةِ" رَوَاهُ النَّسَائيُّ وَصَحَّحَهُ الأَلبَانيُّ، وَقَالَ - صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - لِعَبدِ اللهِ بنِ عَمرٍو - رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا -: أَتعَلَمُ؟ أَوَّلُ زُمرَةٍ تَدخُلُ الجَنَّةَ مِن أُمَّتي فُقَرَاءُ المُهَاجِرِينَ، يَأتُونَ يَومَ القِيَامَةِ إِلى بَابِ الجَنَّةِ وَيَستَفتِحُونَ فَيَقُولُ لَهُمُ الخَزَنَةُ: أَوَ قَد حُوسِبتُم؟ قَالُوا: بِأَيِّ شَيءٍ نُحَاسَبُ وَإِنَّمَا كَانَت أَسيَافُنَا عَلَى عَوَاتِقِنَا في سَبِيلِ اللهِ حتى مِتنَا عَلَى ذَلِكَ؟ فَيُفتَحُ لَهُم فَيَقِيلُونَ فِيهَا أَربَعِينَ عَامًا قَبلَ أَن يَدخُلَهَا النَّاسُ" رَوَاهُ الحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ الأَلبَانيُّ. وَعِندَ مُسلِمٍ أَنَّهُ لَمَّا هَاجَرَ النَّبيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - إِلى المَدِينَةِ هَاجَرَ إِلَيهِ الطُّفَيلُ بنُ عَمرٍو وَهَاجَرَ مَعَهُ رَجُلٌ مِن قَومِهِ، فَاجتَوَوُا المَدِينَةَ، فَمَرِضَ فَجَزِعَ فَأَخَذَ مَشَاقِصَ لَهُ فَقَطَعَ بها بَرَاجِمَهُ، فَشَخَبَت يَدَاهُ حَتَّى مَاتَ، فَرَآهُ الطُّفَيلُ بنُ عَمرٍو في مَنَامِهِ، فَرَآهُ وَهَيئَتُهُ حَسَنَةٌ، وَرَآهُ مُغَطِّيًا يَدَيهِ، فَقَالَ لَهُ: مَا صَنَعَ بِكَ رَبُّكَ؟ فَقَالَ: غَفَرَ لي بِهِجرَتي إِلى نَبِيِّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: مَا لي أَرَاكَ مُغَطِّيًا يَدَيكَ؟ قَالَ: قِيلَ لي لَن نُصلِحَ مِنكَ مَا أَفسَدتَ. فَقَصَّهَا الطُّفَيلُ عَلَى رَسُولِ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: "اللَّهُمَّ وَلِيَدَيهِ فَاغفِرْ".

 

عِبَادَ اللهِ:

مِن فَضلِ اللهِ عَلَى المُؤمِنِينَ أَنَّ الهِجرَةَ مَا زَالَت بَاقِيَةً إِلى يَومِ القِيَامَةِ، بَل مَندُوبَةٌ في أَحوَالٍ وَوَاجِبَةٌ في أَحوَالٍ، قَالَ - صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: "لا تَنقَطِعُ الهِجرَةُ حَتى تَنقَطِعَ التَّوبَةُ، وَلا تَنقَطِعُ التَّوبَةُ حَتى تَطلُعَ الشَّمسُ مِن مَغرِبِهَا" وَقَالَ - صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: "إِنَّ الهِجرَةَ لا تَنقَطِعُ مَا كَانَ الجِهَادُ" رَوَاهُمَا أَحمَدُ وَغَيرُهُ وَصَحَّحَهُمَا الأَلبَانيُّ. وَأَمَّا قَولُهُ - عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ -: بَعدَ فَتحِ مَكَّةَ: "لا هِجرَةَ بَعدَ الفَتحِ" فَإِنَّمَا قَصَدَ الهِجرَةَ مِن مَكَّةَ إِلى المَدِينَةِ، لأَنَّ مَكَّةَ صَارَت دَارَ إِسلامٍ وَإِيمَانٍ، وَأَمَّا الهِجرَةُ مِن دَارِ الكُفرِ إِلى دَارِ الإِيمَانِ فَبَاقِيَةٌ، إِمَّا وُجُوبًا عَلَى مَن لم يُمكِنْهُ إِظهَارُ دِينِهِ وَلا أَدَاءُ وَاجِبَاتِهِ، وَإِمَّا استِحبَابًا في حَقِّ مَن أَمكَنَهُ إِظهَاُر دِينِهِ وَأَدَاءِ وَاجِبَاتِهِ، وَذَلِكَ لِتَكثِيرِ المُسلِمِينَ في بِلادِ الإِسلامِ، وَلِمَعُونَتِهِم وَجِهَادِ الكُفَّارِ وَالأَمنِ مِن غَدرِهِم وَالرَّاحَةِ مِن رُؤيَةِ المُنكَرِ بَينَهُم، أَلا وَإِنَّ أَولى النَّاسِ بِهَذِهِ الهِجرَةِ في زَمَانِنَا هُم أَبنَاءُ المُسلِمِينَ، الَّذِينَ بُلُوا بِهَذِهِ البِعثَاتِ إِلى دِيَارِ الكُفَّارِ وَهُم صِغَارٌ، وَتَبَيَّنَ أَنَّ أَكثَرَهُم تَأَثَّرَ بما عَلَيهِ أُولَئِكَ الكُفَّارُ وَأَخَذَ مِن أَخلاقِهِم، وَقَد قَالَ - سُبحَانَهُ -: " ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ المَلَائِكَةُ ظَّالِمِى أَنفُسِهِم قَالُوا فِيمَ كُنتُم قَالُوا كُنَّا مُستَضعَفِينَ في الأرضِ قَالُوا أَلَم تَكُنْ أَرضُ اللهِ واسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأوَاهُم جَهَنَّمُ وَسَاءَت مَصِيرًا * إِلاَّ المُستَضعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالوِلدانِ لاَ يَستَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهتَدُونَ سَبِيلاً * فَأُولَئِكَ عَسَى اللهُ أَن يَعفُوَ عَنهُم وَكَانَ اللهُ عَفُوًّا غَفُورًا ﴾ [النساء:97-99] فَمَا أَحرَاهُم أَن يَقَرُّوا في دِيَارِ الإِسلامِ وَلا تَكُونَ الدُّنيَا هِيَ أَكبَرَ هَمِّهِم، فَيُضِيعُوا لأَجلِهَا دِينَهُم وَيَهدِمُوا أَخلاقَهُم، فَإِنَّ مَن تَرَكَ شَيئًا للهِ عَوَّضَهُ اللهُ خَيرًا مِنهُ ﴿وَمَن يُهَاجِرْ في سَبِيلِ اللهِ يَجِدْ في الأَرضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَن يَخرُجْ مِن بَيتِهِ مُهَاجِرًا إِلى اللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدرِكْهُ المَوتُ فَقَد وَقَعَ أَجرُهُ عَلَى اللهِ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ [النساء: 100].

 

الخطبة الثانية

أَمَّا بَعدُ:

فَاتَّقُوا اللهَ - تَعَالى - وَأَطِيعُوهُ، وَرَاقِبُوا أَمرَهُ وَنَهيَهُ وَلا تَعصُوهُ.

 

أَيُّهَا المُسلِمُونَ:

وَمَعَ وُجُوبِ الهِجرَةِ مِن دَارِ الكُفرِ إِلى دَارِ الإِيمَانِ، فَإِنَّ ثَمَّةَ نَوعًا مِنَ الهِجرَةِ يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُسلِمٍ مُكَلَّفٍ وَلَو كَانَ في دِيَارِ الإِسلامِ وَبَينَ أَظهُرِ المُسلِمِينَ، ذَلِكُم هُوَ هَجرُهُ كُلَّ مَا حَرَّمَ اللهُ عَلَيهِ وَمَنَعَهُ مِنهُ، وَالهِجرَةُ إِلى مَا أَحَلَّهُ لَهُ وَرَضِيَهُ ؛ لأَنَّ هَذَا هُوَ غَايَةُ خَلقِهِ وَهَدفُ استِخلافِ اللهِ لَهُ في الأَرضِ، قَالَ - سُبحَانَهُ -: ﴿ وَمَا خَلَقتُ الجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعبُدُونِ ﴾ [الذاريات: 56] وَقَالَ - عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ: "المُسلِمُ مَن سَلِمَ المُسلِمُونَ مِن لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالمُهَاجِرُ مَن هَجَرَ مَا نَهَى اللهُ عَنهُ" رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ. وَعِندَ أَحمَدَ وَغَيرِهِ وَصَحَّحَهُ الأَلبَانيُّ: "المُؤمِنُ مَن أَمِنَهُ النَّاسُ عَلَى أَموَالِهِم وَأَنفُسِهِم، وَالمُهَاجِرُ مَن هَجَرَ الخَطَايَا وَالذُّنُوبَ" وَإِنَّ هَذَا المَعنى العَظِيمَ لِلهِجرَةِ، هُوَ الَّذِي تَحتَاجُهُ الأُمَّةُ اليَومَ كَثِيرًا، إِذْ إِنَّ فِيهَا مَن شَابَت لِحَاهُم في الإِسلامِ وَمَا زَالُوا مُقِيمِينَ عَلَى كَبَائِرَ وَمُخَالَفَاتٍ عَقَدِيَّةٍ، أَو يَأتُونَ مُوبِقَاتٍ وَعَظَائِمَ جَاهِلِيَّةً، وَآخَرِينَ تَمُرُّ بِهِمُ الأَيَّامُ وَتَختَرِمُ أَعمَارَهُمُ السَّنَوَاتُ، وَهُم مَا زَالُوا مُصِرِّينَ عَلَى حِنثٍ عَظِيمٍ، أَو مُتَسَاهِلِينَ بِارتِكَابٍ مَعَاصِيَ وَاقتِرَافِ سَيِّئَاتٍ، مِمَّا حَرَمَ المُجتَمَعَاتِ كَثِيرًا مِنَ الخَيرَاتِ وَالبَرَكَاتِ، وَأَذهَبَ رَاحَةَ النُّفُوسِ وَطُمَأنِينَةَ القُلُوبِ، وَمَلأَ الصُّدُورَ حَرَجًا وَجَعَلَ مَعِيشَةَ الكَثِيرِينَ ضيقًا وَضَنكًا، أَلا فَاتَّقُوا اللهَ - أَيُّهَا المُسلِمُونَ - وَهَاجِرُوا إِلى اللهِ وَرَسُولِهِ، إِيمَانًا بِهِ - تَعَالى - وَاتِّبَاعًا لِرَسُولِهِ، وَتَحقِيقًا لِلتَّوحِيدِ وَاجتِنَابًا لِلشِّركِ، وَنَبذًا لِلبِدَعِ وَاتِّبَاعًا لِلسُّنَّةِ، وَمُجَانَبَةً لأَهلِ الأَهوَاءِ وَإِعرَاضًا عَنِ الجَاهِلِينَ، وَتَوبَةً مِن جَمِيعِ المَعَاصِي وَالكَبَائِرِ ﴿ فَفِرُّوا إِلى اللهِ إِني لَكُم مِنهُ نَذِيرٌ مُبيِنٌ ﴾ [الذاريات: 50].





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • عبرة الهجرة
  • الهجرة وعبقرية الحل
  • هل أتاك نبأ الهجرة؟
  • فلنتأمل دروسا من الهجرة
  • من وحي الهجرة
  • التحريض على قتال الكفرة الفجرة بالتذكير بانتصار الهجرة
  • لا هجرة بعد الفتح
  • بين الوحي والهجرة ( ومضات حديثية )
  • فضل الهجرة والمهاجر في السنة النبوية المطهرة
  • كيف نحقق مفهوم الهجرة؟
  • لماذا هاجر النبي صلى الله عليه وسلم؟
  • خطبة: من وحي الفسيلة
  • من وحي الهجرة: من ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه

مختارات من الشبكة

  • الوحي وحي (قصيدة)(مقالة - حضارة الكلمة)
  • مقتضيات تعظيم الوحي(مادة مرئية - موقع أ.د. عبدالله بن عمر بن سليمان الدميجي)
  • من مائدة السيرة: الهجرة الثانية إلى الحبشة(مقالة - آفاق الشريعة)
  • حديث: لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار(مقالة - آفاق الشريعة)
  • من فقه الهجرة (PDF)(كتاب - مكتبة الألوكة)
  • من مائدة السيرة: الهجرة الأولى إلى الحبشة(مقالة - آفاق الشريعة)
  • الهجرة النبوية: دروس وعبر (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • الهجرة النبوية: دروس وعبر(محاضرة - مكتبة الألوكة)
  • علمتنا الهجرة (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • الهجرة النبوية والأمل(مقالة - آفاق الشريعة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • ندوة شاملة لإعداد حجاج ألبانيا تجمع بين التنظيم والتأهيل
  • اختتام الدورة السابعة عشرة من "مدرسة اليوم الواحد" لتعليم أصول الإسلام في تتارستان
  • الذكاء الاصطناعي وتعليم اللغة العربية محور نقاش أكاديمي في قازان
  • استعدادا لموسم الحج... محاضرات تأهيلية للحجاج في موسكو
  • دورة تدريبية لتعزيز مهارات البحث بالمؤسسات الدينية في بلقاريا
  • برنامج الإرشاد والتوجيه الإيماني يختتم دورته الأولى بنجاح في بلغاريا
  • تطوير مسجد تاريخي من 6 طوابق في بنجلاديش
  • متخصصون يبحثون تطوير تعليم القرآن للكبار في سراييفو

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1447هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 12/11/1447هـ - الساعة: 18:21
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب