• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | مقالات شرعية   دراسات شرعية   نوازل وشبهات   منبر الجمعة   روافد   من ثمرات المواقع  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    المخالفات الشرعية المتعلقة بالعقود وأقسامها: ...
    د. نايف بن محمد اليحيى
  •  
    خطبة: الإنذارات والتحذيرات النبوية
    يحيى سليمان العقيلي
  •  
    باب في النظر إلى الله عز وجل
    د. خالد النجار
  •  
    حديث: لا يقاد الوالد بالولد
    الشيخ عبدالقادر شيبة الحمد
  •  
    الأسرة التي يريدها القرآن (خطبة)
    عبدالحميد أحمد عبدالحميد طايل
  •  
    حياة القلوب في زمن الشواغل (خطبة)
    الشيخ أحمد إبراهيم الجوني
  •  
    وقفات مع أحكام الوصية (خطبة)
    رمضان صالح العجرمي
  •  
    اسم الله الخبير
    خليل الحربي
  •  
    يا عبد الله! لا تستهن بالظلم!
    ياسين نزال
  •  
    بين وبال التباهي وحقيقة الرقي
    محمد حسين حسن
  •  
    زوجات الأنبياء والفاحشة... أين دليل الاستحالة؟ ...
    سيد السقا
  •  
    منع الإناث من الميراث (خطبة)
    د. عبد الرقيب الراشدي
  •  
    بيان معنى ومفهوم البلاغ
    الشيخ أ. د. عرفة بن طنطاوي
  •  
    بر الوالدين والإحسان إلى الجار
    الشيخ عبدالعزيز السلمان
  •  
    الوسطية: نهج وحياة (خطبة)
    الشيخ أحمد إبراهيم الجوني
  •  
    مثير الأشواق إلى بلاد الأشواق
    إبراهيم الدميجي
شبكة الألوكة / آفاق الشريعة / منبر الجمعة / الخطب / الأسرة والمجتمع / قضايا الأسرة
علامة باركود

الأسرة التي يريدها القرآن (خطبة)

الأسرة التي يريدها القرآن (خطبة)
عبدالحميد أحمد عبدالحميد طايل

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 23/9/2026 ميلادي - 12/4/1448 هجري

الزيارات: 711

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

الأسرة التي يريدها القرآن


الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.


أما بعد، فَيَا أَيُّهَا الإِخْوَةُ الكِرَامُ: يقول الله تبارك وتعالى في كتابه العزيز: ﴿ إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ﴾ [الإسراء: 9].


​عباد الله، إن هذا القرآن العظيم لم ينزل ليكون مجرد كتاب يُتلى تبركاً في المحاريب، ولا ليُقرأ في المآتم ومواطن المصائب والنحيب! كلا، بل هو كتاب حياة، ودستور أمة، وضع الله فيه الهداية الأقوم، وجعل فيه أساس كل شيء؛ حتى قال ربنا: ﴿ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ﴾ [الأنعام: 38].


ومن جملة ما عُني به القرآن الكريم، بناء أقدس وأعرق مؤسسة على وجه الأرض؛ مؤسسة الأسرة.


والتي أصابها اليوم ما أصابها من تشرذم وتفرق وضعف؛ حتى باتت تستصرخ وتنادي بأعلى صوتها هل من مغيث.


أيها السادة: تعالوا معي في هذا اللقاء المبارك لنعيش في رحاب معالم الأسرة التي يريدها القرآن الكريم.


عباد الله، إن الأب الذي يريده القرآن ليس مجرد ممولٍ مالي، أو حارسٍ اقتصادي يوفر الطعام والكساء فحسب؛ بل هو منارة وعي، ومصدر حكمة، وأمان نفسي.


• الأب الذي يريده القرآن هو سيدنا لقمان عليه السلام الذي يجلس مع ولده ليعلمه أصول دينه ليعلمه العقيدة والشريعة والأخلاق "؛ إذ يقول تبارك وتعالى: ﴿ وإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ * وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ ﴾ [لقمان: 13 - 15].


انظروا إلى جملة ﴿ وَهُوَ يَعِظُهُ ﴾؛ جاءت الجملة حالية (جملة اسمية في محل نصب حال)، لتدل على الثبوت والاستمرار، أي أن وعظه لولده لم يكن موقفًا عابرًا، بل كان "حالةً مستمرة" وصياغة دائمة لوعي الابن. وثمَّ ملمح بلاغي رائع في النداء بـ ﴿ يَا بُنَيَّ ﴾؛ وتصغير الابن هنا (تصغير تحبيب وتلطف لا تصغير تصغير)؛ ليذيب جبال الفجوة العمرية بين الآباء والأبناء بماء العاطفة الأبوية قبل صبّ الأوامر والنواهي.


التدرج في البناء: بدأ العقيدة أولًا ﴿ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ ﴾، ثم بنى المراقبة الذاتية ﴿ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ ﴾، ثم العبادة والعمل ﴿ يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ ﴾، ثم السلوك المجتمعي ﴿ وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ ﴾.


التربية بالتعليل: الأب القرآني لا يلقي أوامر جافة؛ بل يقرن الأمر بالعلة؛ (لا تشـرك.. لماذا؟ ﴿ إِنَّ الشِّـرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾)، (اقصد في مشيك واغضض من صوتك.. لماذا؟ ﴿ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ ﴾). هذا هو الأب الذي يصنع عقلًا واعيًا لا تابعًا أعمى.


الأب الذي يريده القرآن: هو يعقوب -عليه السلام- الذي صبر على أولاده مع عظم جرمهم، وسوء فعلهم؛ لأنه يعلم أن الشيطان يجري في ابن آدم مجرى الدم في العروق.


تأملوا يا عباد الله؛ أبناء يرتكبون جريمة نكراء، تآمروا على أخيهم، ألقوه في غيابت الجب، كذبوا على أبيهم وجاؤوا على قميصه بدم كذب، وحرموا الأب الشفوف من فلذة كبده حتى ابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم! أيُّ جرمٍ هذا؟ وأيُّ عقوقٍ وفعلٍ شنيع؟


ومع ذلك، انظروا إلى الأبوة الحانية، والأدب الرباني.. طوال سنوات الفراق لم يدعُ عليهم، ولم يطردهم من بيته، ولم يقطع حبل الرجاء في هدايتهم.


ولما كشف الله الغمة، وظهرت الحقيقة، وعلم الأبناء حجم جرمهم، جاؤوا إلى أبيهم منكسري القلوب، معتذرين، يطلبون منه أن يتدخل ليرمم ما هدموه، فقالوا كما حكى القرآن الكريم:

﴿ قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ ﴾ [يوسف: 97].


فبماذا أجابهم الأب؟ هل وبّخهم؟ هل ذكّرهم بسنوات العذاب والدموع؟ هل قال لهم "ذوقوا ما أذقتموني إياه"؟


لا والله! بل تجلت رقة الأبوة، وعظمة العفو، وسعة الصدر، فقال مباشرة:

﴿ قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي ۖ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ [يوسف: 98].


الأب في القرآن هو نوح الذي لا يمل من هداية ولده، ولا يتبرأ منه لمجرد عقوقه، بل يظل يمد له طوق النجاة حتى تطوى صفحة الحياة.


الاستشهاد القرآني: ﴿ وَنَادَىٰ نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلَا تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ ﴾ [هود: 42].


انظروا: الموج كالجبال، والسفينة تجري، والهلاك محقق، والابن عاصٍ ومخالف لعقيدة أبيه.. ورغم ذلك، لم يقل نوح "يستحق ما جرى له"، بل ناداه بنداء الحنان والشفقة: "يا بني!". ناداه باسم البنوة والدلال لعل قلبه يرق. ولما غرق، تحركت لوعة الأبوة فقال: ﴿ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي ﴾.


الرسالة للآباء: لا تطرد ابنك المقصر من بيتك أو من قلبك. كرر النصيحة مرة وألفاً، باللين والمحبة لا بالتوبيخ. لا تترك ولدك لـ "موج الفتن" يبتلعه وأنت تتفرج وتقول "أنا نصحته ولم يستمع".


أيها المسلمون.. وإذا كان هذا هو الأب الذي يريده القرآن؛ بحلمه، وعفوه، وصفحه..


فما هي الأم التي يريدها القرآن؟ إنها ليست مجرد طاهية للطعام ومربّية للأجساد، بل هي صانعة الرجال، وبانية الأجيال.. إنها أم موسى في يقينها، وامرأة عمران في نيتها، وأم يوسف في صبرها الصامت..."


﴿ وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴾ [القصص: 7] تلك الأم العظيمة التي حرصت على حياة ولدها، ونظرت إليه بعين الخوف، لكنها لم تجعل عاطفتها المسيطرة تعميها عن أمر الله، بل ألقت به في البحر بيقينها وإيمانها، وفوضت أمره لرب العالمين.


هذه الآية -أيها الإخوة- معجزة بلاغية بحد ذاتها؛ فقد جمعت في آية واحدة بين خبرين، وأمرين، ونهيين، وبشارتين).


فالخبران هما وأوحينا إلى أم موسى وقوله فإذا خفت عليه ؛ لأنه يشعر أنها ستخاف عليه.


والأمران هما: "أرضعيه" و "ألقيه".

والنهيان: "ولا تخافي" و "ولا تحزني".


والبشارتان إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين.أيّ تماسكٍ نفسي هذا؟! اللفظ البلاغي يقابل بين "الخوف" و"الإلقاء في البحر"؛ فالمنطق البشـري يقول: "إذا خفتِ عليه فاحفظيه واحجبيه"، لكن المنطق الإلهي يقول: ﴿ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ ﴾. البحر الذي هو مظنة الهلاك يصبح في جوف اليقين مكان الأمان، لأن حفظ الله يحوطه.


إن الأم التي يريدها القرآن اليوم، هي التي لا تجعل عاطفتها الجياشة تسيطر عليها تمام السيطرة، فتمنع ولدها من معالي الأمور!


•هي التي لا تمنع ابنها من السفر لطلب العلم خوفاً عليه، ولا تقعد به عن نصـرة الحق والعمل لدين الله بدعوى الشفقة!


• تأملوا يا عباد الله.. من الذي صنع موسى؟ من الذي غرس في قلبه الثبات والصمود حتى وقف أمام أعتى أعداء الله؟ أمام فرعون الذي ملأ الدنيا طغياناً وقال: ﴿ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ ﴾؟!


• إنها أمه! أمه التي أرضعته لبن اليقين قبل لبن الجسد، فالأم التي يريدها القرآن هي التي تصنع رجالاً يثبون في وقت الفتن، لا أشباه رجال يفرون عند أول اختبار!


«الأُمُّ الَّتِي يُرِيدُهَا القُرْآنُ هِيَ الأُمُّ صَاحِبَةُ الرِّسَالَةِ وَالهَدَفِ هي امرأة عمران هي أم مريم، الَّتِي لَا تَلِدُ لِلأَرْضِ بَلْ تَلِدُ لِلسَّمَاءِ، فَتَجْعَلُ جَنِينَهَا مَشْرُوعاً لِخِدْمَةِ الدِّينِ قَبْلَ أَنْ يَرَى النُّورَ».


لم تنتظر حتى يكبر ولدها لتبحث له عن تخصص، بل عقدت مع الله صفقة تربوية وهو ما زال جنيناً في بطنها ﴿ إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي ﴾.


﴿ مُحَرَّرًا ﴾ أي خالصاً لوجه الله، محرراً من عبودية الدنيا، والوظيفة، والمال، والشهرة؛ تريده عبداً لله يُصلح الله به الواقع.


لم تكتفِ بالنية، بل تتبعت ولدها وذريته بالدعاء في زمن الفتن ﴿ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ﴾؛ فكانت النتيجة الفورية: ﴿ فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا ﴾.


«فيا أيتها الأم المسلمة، كوني كامرأة عمران.. لا يكن همكِ طعام ولدكِ ولباسه وزينته فحسب، بل اجعلي لكِ نية في صلاح ذريتكِ لخدمة أمة الإسلام، فما صلح الأبناء إلا بصلاح نوايا الأمهات!».


أيها المسلمون، والتفتوا في الأسرة القرآنية إلى دورٍ يغفله الكثيرون، دور الأخت؛ إن الأخت التي يريدها القرآن ليست مجرد شريكة في المنزل، بل هي عين ساهرة، وحامية لظهر أخيها، وعون لأمها عند الملمات.


وقد سطَّر بمداد من نور نموذجاً فريداً لـ الأخت الصالحة، أختٍ خلد الله ذكرها وموقفها في كتابه، إنها أخت موسى عليه السلام.


تأملوا يا عباد الله؛ رضيع في الصندوق يتقاذفه البحر، والأم قلبها فارغ من شدة الخوف، فمن الذي يتحرك في هذه اللحظات العصيبة؟ إنها الأخت! يقول القرآن الكريم: ﴿ وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ ۖ فَبَصُرَتْ بِهِ عَن جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴾ [القصص: 11].


فالتعبير بكلمة (أخته) دون (ابنتها) فيه تصريح بمدار المحبة الكامنة في نفس هذه الأخت تجاه أخيها فأثار التعبير بكلمة (أخته) كل مشاعر وعواطف الأخوة التي تملأ جوانحها؛ مما كان له أثره في امتثالها لما أمرتها به أمها.


أختٌ ذكية شجاعة: ذهبت تقص أثره وتتبعه، تخاطر بنفسها وتدخل قصر الطاغية فرعون، تمشي بقلبٍ وجل وعقلٍ واعي، حتى إذا رأتهم يبحثون عن مرضعة، تقدمت بثبات وقالت: ﴿ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ ﴾ [القصص: 12].. فكانت هي السبب والواسطة التي رد الله بها موسى إلى أمه كي تقر عينها ولا تحزن! يا لله.. أيُّ أخوةٍ هذه؟ وأيُّ سندٍ وأمان؟"


«وهنا نقف لنقول: هذه هي الأخت التي يريدها القرآن، فما هو واجبنا تجاهها؟

أيها الآباء، ازرعوا في قلوب أبنائكم الذكور منذ الصغر أن الأخت ليست خادمة لأخيها، وليست مخلوقاً مستضعفاً يُتسلط عليه! بل علّموهم أن الأخت هي حِمل الأب بعد وفاته، وهي عِرضه، وشرفه، وسنده. ربّوا أولادكم على المحبة والترابط، حتى يشبّ الولد وهو يرى في أخته ذخيرته وسنده عند الشدائد، وتشبّ البنت وهي ترى في أخيها حاميها وحصنها الدافئ.


يا معشر الشباب والإخوة، اتقوا الله في أخواتكم! الأخت التي يريدها القرآن هي التي إذا التفتتْ يميناً أو شمالاً في محنة وجدت أخاها واقفاً كالجبل يحمي ظهرها.


فلا تكن أخاً بالاسم فقط، وتترك أختك لنوائب الأيام!

لا تأكل حقها في الميراث، ولا تهجرها من أجل لُعاعة من الدنيا!


تفقّد أحوالها، صِلْ رَحِمها، خذ برأيها، وكن لها كـموسى في شهامته مع بنات شعيب، لتكون هي لك كـأخت موسى في حنانها ومخاطرتها لأجلك.


فالبيوت لا تعمر، والأسر لا تقوى، إلا إذا تشابكت أيدي الإخوة والأخوات على طاعة الله والبر والصلة».


« الأخ الَّذِي يُرِيدُهُ القُرْآنُ هُوَ أَخُو المَشَقَّةِ وَالمُؤَازَرَةِ، الَّذِي لَا يَرَى تَمَامَ نِعْمَتِهِ إِلَّا بِإِشْرَاكِ أَخِيهِ فِيهَا، يَشُدُّ بِهِ عَضُدَهُ، وَيَتَمَنَّى لَهُ الخَيْرَ وَالمَقَامَ الأَعْلَى كَمَا يَتَمَنَّاهُ لِنَفْسِهِ».


أيها المسلمون.. تأملوا في أعظم صفقة أخوية سجلها التاريخ، عندما أنعم الله على موسى بالنبوة والرسالة وهو في الوادي المقدس، فماذا كان همه الأكبر؟ لم يكن همه منصباً على نفسه، بل التفت إلى أخيه هارون، وقال في دعاءٍ تفيض منه الأبوة والأخوة الصادقة:

﴿ وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي ﴾ [طه: 29-32].


وقفة بليغة: يقول الإمام ابن كثير رحمه الله: "ليس أحدٌ أعظم منةً على أخيه من موسى على هارون؛ فإنه شفع فيه حتى جعله الله نبياً مرسلاً!".


تأملوا يا عباد الله.. لم يحسد موسى أخاه هارون على فصاحة لسانه، بل اعترف بها أمام رب العالمين وقال: ﴿ وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي ﴾ [القصص: 34].. يا لله! أيُّ تجردٍ هذا؟ وأيُّ حبٍ؟ اعترف بميزة أخيه وطلب له التشريف والمقام الأعلى معه ليقوى به في مواجهة فرعون."


ونموذج آخر في سورة يوسف، عندما دخل إخوة يوسف عليه في قصر الملك وم معهم أخوه الشقيق "بنيامين"، انظروا إلى لهفة الأخ الحانية، وكيف احتضنه في السر بعيداً عن أعين الناس ليخفف عنه سنوات الضيم والوحدة، كما حكى القرآن:

﴿ وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَىٰ يُوسُفَ آوَىٰ إِلَيْهِ أَخَاهُ ۖ قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [يوسف: 69].


وقفة بليغة: كلمة ﴿ فَلَا تَبْتَئِسْ ﴾ هي بلسم الأخوة! مسح بها يوسف على قلب أخيه الخائف المنكسر، وطمأنه بأنه في حماه ورعايته. الأخ الحقيقي هو الذي يطرد البأس والخوف عن قلب أخيه إذا ضاقت به الدنيا."


«أين بيوتنا اليوم من هذه المعاني القرآنية العظيمة؟

يا معشر الإخوة والأبناء: الأخ الذي يريده القرآن ليس من يتربص لأخيه الدوائر، وليس من يقاطعه ويهاجره من أجل شبرِ أرضٍ، أو لعاعةٍ من الدنيا، أو خلافٍ زوجي تافه!


الأخ الذي يريده القرآن هو الذي يقول لسان حاله لأخيه: ﴿ اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي ﴾.. هو الذي يسد خَلّة أخيه، ويستر عيبه، ويفرح لنجاحه، ويدعمه في محنته.


دعونا أيها السادة لننتقل من القرآن الكريم إلى السيرة المشرفة، إلى قصص الصالحين من عباد الله.. لنقف مع نموذجٍ فريد وعجيب من نماذج الأخوة الصادقة النابضة بالتضحية والفداء.. نموذجٍ يجسده الصحابي الجليل البراء بن مالك وأخوه خادم النبي صلى الله عليه وسلم أنس بن مالك رضي الله عنهما.


اذهبوا بقلوبكم وعقولكم -يا عباد الله- إلى يوم فتح تُسْتَر، حصنٌ من أحصن حصون الفرس، حاصرهم المسلمون طويلاً، فتحصن الفرس وراء الأسوار، وصاروا يدلون من فوق الأسوار سلاسل من حديد، عُلّقت بها كلاليب (خطاطيف) من نار، أُحميت في شدة اللهب، ليتخطفوا بها المسلمين!


وفجأة.. وإذا بكلابٍ من هذه الكلاليب المحماة بالنار، يهوي من فوق السور، فيعلق بجسد وبثياب الصحابي الجليل أنس بن مالك! طار الكَلّوب بأنس، ورفعه نحو السور، وبدأ اللحم يحترق، والنار تأكل من جسد أنس رضي الله عنه، وعجز الناس أن يصنعوا له شيئاً لشدة حرارة الحديد!


فمن الذي تحرّك؟ ومن الذي لم تطق عيناه أن يرى أخاه يُحرق ويُختطف؟ إنه أخوه الشجاع البراء بن مالك!


تأملوا يا مسلمين.. لم يقف البراء ليفكر أو يتردد، بل وثب وثبة الليث نحو جدار الحصن، وأمسك بالسلسلة المحماة بالنار بكلتا يديه العاريتين! أخذ يجذب الكَلّوب عن جسد أخيه أنس والنار تصهر يديه، واللحم يتساقط من كفيه، وعظام يديه تظهر من شدة الحرارة! ومع ذلك لم يترك السلسلة، ولم يبالِ بجسده، حتى أنقذ أخاه أنس بن مالك وخلّصه من الموت، ثم التفت البراء إلى يديه فإذا هي عظام تلوح ليس عليها لحم! يا لله.. أيُّ أخوةٍ هذه؟! أيُّ فداءٍ هذا؟!"


يا أيها الآباء: ربّوا أولادكم على أن "الأخ هو السند"، لا تزرعوا بينهم التنافس المقيت والحقد بالمقارنات الظالمة، بل اجعلوا شعار بيوتكم: ﴿ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ ﴾. فالعضد لا يشتد، والظهر لا يقوى، والبيت لا يثبت في وجه عواصف الحياة إلا إذا كان الإخوة فيه على قلب رجل واحد، يتمنون لبعضهم ما يتمنونه لأنفسهم».

 

الابْنُ الَّذِي يُرِيدُهُ القُرْآنُ، هو ابنٌ تجسدت معالمه في ثلاثية أنبياء الله؛ إبراهيم، وإسماعيل، ويوسف عليهم السلام.


1. إبراهيم عليه السلام.. البر في حال الجفاء والبعد:

الابن الذي يريده القرآن: هو إبراهيم عليه السلام!


الذي كان أبوه كافراً، جافياً، يصنع الأصنام بيده، بل ويهدد ولده النبي بالرجم والنفي فيقول له: ﴿ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ ۖ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا ﴾. فما تطاول إبراهيم، ولا عقّ أباه، بل أجابه بمنتهى الأدب والحنان وقال: ﴿ قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ ۖ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي ۖ إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا ﴾.


الرسالة: القرآن يريد ابناً يبر أباه وإن جفا، ويخفض له الجناح وإن قسا!


2. إسماعيل عليه السلام.. البر في حال المحنة والفداء:

الابن الذي يريده القرآن: هو إسماعيل عليه السلام!


الذي أتاه أبوه الشيخ الكبير بابتلاءٍ تزلزل له الجبال، ويقول له: ﴿ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى ﴾ [الصافات: 102]. فما تبرم الغلام، ولا هرب، بل قدم عنقه للفداء طاعةً لربه وإرضاءً لأبيه، وقال بكل ثبات ويقين: ﴿ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ ﴾ [الصافات: 102].


الرسالة: القرآن يريد ابناً يعين والده على طاعة الله، ويفديه بمهجته وروحه عند الشدائد والمحن!


3. يوسف عليه السلام.. البر في حال الغنى والجاه:

الابن الذي يريده القرآن: هو يوسف عليه السلام!


الذي فارق أباه يعقوب سنوات طوالاً ذاق فيها السجن والعبودية، ولما دارت الأيام وأصبح "عزيز مصر"، وبيده خزائن الأرض والملك والجاه، وجاءه أبوه بثيابه البسيطة وبداوته.. لم يستحِ من أبيه أمام حاشيته ووزرائه، بل تلقاه بالشوق، وأعلن إجلاله وعظمته لوالديه أمام الدنيا كلها حين حكى القرآن: ﴿ وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ ﴾!


الرسالة: القرآن يريد ابناً إذا رفعه الله في المناصب، وأغناه من فضله، طأطأ رأسه تحت أقدام أبيه وأمه، وجعل ملكه وجاهه فداءً لكرامتهما!


«فَالابْنُ الَّذِي يُرِيدُهُ القُرْآنُ: هُوَ الَّذِي يَصْبِرُ عَلَى جَفَاءِ أَبِيهِ كَإِبْرَاهِيمَ، وَيَفْدِيهِ بِرُوحِهِ فِي طَاعَتِهِ كَإِسْمَاعِيلَ، وَيَرْفَعُ قَدْرَهُ عَلَى عَرْشِ مَجْدِهِ كَيُوسُفَ؛ لَا يَرَى لِنَفْسِهِ مَعَهُمَا صَوْتاً وَلَا كِبْريَاءً، بَلْ رَحْمَةً وَخُضُوعاً».


"أيها المسلمون.. وبعد أن طُفنا في رحاب الآباء والأمهات، والإخوة والأبناء.. نأتي إلى ريحانة القلوب، إلى البنت.


كيف رسم القرآن جمال الفتاة المسلمة؟

إن القرآن لم يجعل جمال البنت في تبرجها، ولا في لفت الأنظار إليها، بل رسم لها لوحة من الجمال الرباني تتلألأ في نموذجين عظيمين:

1. كوني كـ «ابنة الرجل الصالح (شُعيب)».. جمال الحياء والعقل:

البنت التي يريدها القرآن: هي الفتاة العفيفة الحيية!


تأملوا يا عباد الله مشهد ابنتي الرجل الصالح في مدين؛ خرجتا للضرورة لسقي الأغنام، فما زاحمتا الرجال، بل وقفتا في أدب وحشمة: ﴿ قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ ﴾ [القصص: 23].


ولما أرادت إحداهما أن تدعو موسى عليه السلام ليقابله أبوها، كيف وصف القرآن مشيتها وجمالها؟ لم يصف ثيابها ولا ملامحها، بل وصف "تاج جمالها" وهو الحياء!


قال تعالى: ﴿ فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا ﴾ [القصص: 25].


تمشي على استحياء! قال المفسرون: جاءت مستترة، لا متكسرة في مشيتها، ولا خاضعة في قولها! كلامها مختصر كحد السيف: "إن أبي يدعوك"، بلا زيادة ولا خضوع.


ثم انظروا إلى رجاحة عقلها حين نصحت أباها: ﴿ يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ ﴾ [القصص: 26].. فتاةٌ تملك الحياء في حركتها، والعفة في كلماتها، والذكاء في نظرتها.


2. كوني كـ «مريم ابنة عمران».. جمال الطهر والعبادة:

البنت التي يريدها القرآن: هي الفتاة الطاهرة العابدة!


تلك الفتاة الشابة التي نشأت في طاعة الله، فعرفت طريق المحراب قبل أن تعرف زينة الدنيا. فتاةٌ حفظت نفسها، وصانت عِرضها في زمن الفتن، فخلد الله ذكرها في العالمين، وجعلها سيدة نساء الجنة.


يقول القرآن في أروع وصفٍ لجمال طهرها: ﴿ وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ ﴾ [التحريم: 12].


أحصنت فرجها، وكانت من القانتين (أي العابدات الخاضعات لله). هذا هو الجمال الذي يرفع قدر الفتاة حتى تجعل الملائكة تناديها: ﴿ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ ﴾ [آل عمران: 42].


«البِنْتُ الَّتِي يُرِيدُهَا القُرْآنُ: هِيَ بِنْتُ الحَيَاءِ كَابْنَةِ شُعَيْب، وَبِنْتُ الطُّهْرِ كَمَرْيَمَ ابْنَةِ عِمْرَان؛ زِينَتُهَا فِي عِفَّتِهَا، وَجَمَالُهَا فِي سِتْرِهَا، وَعَظَمَتُهَا فِي رَجَاحَةِ عَقْلِهَا وَقُرْبِهَا مِنْ رَبِّهَا».


«يا أيها الآباء، ويا أيتها الأمهات: ربوا بناتكم على أن الجمال الحقيقي هو جمال "الستر والحياء"، علّموهن أن الفتاة الرخيصة المتبرجة قد تلفت الأنظار، لكن الفتاة العفيفة الحيّية تخطف القلوب وتُبنى بها البيوت الصالحة.


ويا أيتها الفتاة المسلمة: كوني غالية، فوالله ما تجملت فتاةٌ بزينةٍ أعظم من زينة الحياء، (وَالْحَيَاءُ لَا يَأْتِي إِلَّا بِخَيْرٍ)».


بارِكْ اللهُ لِي وَلَكُمْ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُمْ بِمَا فِيهِ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ، أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

 

الخطبة الثانية

الميثاق الغليظ والتكامل الأسري:

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.


أما بعد، أيها المسلمون:

ما زلنا في رحاب "الأسرة التي يريدها القرآن" تلك الأسرة التي لا تكتمل صورتها إلا بعمود الخيمة وأساس البناء! فالحديث عن الأسرة لا ينفك أبداً عن أصل نشأتها، وهو "عقد الزوجية".


والقرآن الكريم لم يترك العلاقة بين الزوجين للمشاعر المتقلبة، بل جعلها "آية" من آيات الله في الكون، ووضع للزوج والزوجة نظامًا ربانياً غاية في الرحمة والرقّة.


"أيها المسلمون.. ودعونا نقف عند أصل البيوت، وجذر التربية.. عند الزوج الذي يريده القرآن.


إن القرآن لم يرد الزوج سيداً مستبداً، ولا جلاداً في بيته، بل أراده وطناً، وأماناً، وسكناً. انظروا كيف وصف الله العلاقة الزوجية في سطر واحد يفيض بالدفء والحنان:

﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ﴾ [الروم: 21].


وقفة بليغة: لم يقل 'لتسكنوا معها'، بل قال: ﴿ لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا ﴾؛ فالزوجة ليست مجرد شريكة سكن، بل هي "الملجأ والمأوى" الذي يفر إليه الرجل من هجير الحياة، ليتنفس في ظلالها المودة والرحمة.


1. نموذج الزوج الحريص الحامي (موسى عليه السلام):

الزوج القرآني: هو الذي يتعب ويشقى ليحمي امرأته ويكرمها!


انظروا إلى كليم الله موسى عليه السلام؛ لما تزوج ابنة الرجل الصالح في مدين، لم يرضَ لزوجته أن تعيش في عوز أو مشقة، بل رضي أن يأجر نفسه ثماني حجج أو عشراً، يكدح في رعي الأغنام ليؤمن لها العيش الكريم. ولما سار بأهله في ليلة مظلمة باردة، وتاه في الطريق ورأى ناراً، ماذا قال لزوجته؟ ﴿ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى ﴾ [طه: 10].


قال لها 'امكثوا' في أمانكم والدفء، وسأذهب أنا أواجه الظلمة والبرد والخوف لأجلكم! الزوج الذي يريده القرآن هو الذي يفدي زوجته بوقته وجهده، ويتحمل المتاعب عنها، لا الذي يتركها تشقى وهو يتفرج!


2. نموذج الزوج الرحيم المحتوي (القرآن في معالجة القلوب):

الزوج القرآني: هو الذي لا يكسر خاطر زوجته، ولا يشعرها بالنقص!


تأملوا دستور المعاملة الذي وضعه القرآن للأزواج حتى في أوقات الخلاف والفتور: ﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا ﴾ [النساء: 19].


حتى لو دخل الفتور إلى قلبك، يأمرك القرآن بالرحمة والمعروف، ويفتح لك باب الأمل: "لعله خير كثير". الزوج القرآني هو الذي يمتثل لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (استوصوا بالنساء خيراً)، والذي يعلم أن الكلمة الطيبة لزوجته صدقة، وأن تبسمه في وجهها عبادة، وأن احتوائه لتقلباتها النفسية من شيم الرجال الأقوياء، لا الضعفاء.


«الزَّوْجُ الَّذِي يُرِيدُهُ القُرْآنُ هُوَ الَّذِي يَكُونُ لِزَوْجَتِهِ حِصْناً وَرَحْمَةً يَحْمِيهَا بِكَدْحِهِ كَمُوسَى».


3. أيها الأحبة، وإن الزوج الذي يريده القرآن هو الزوج الوفي، الذي لا تحكم علاقته بزوجته المصالح المادية أو الإنجابية فحسب؛ بل هو الذي يصبر على عقم زوجته أو كبرها، ويرعاها بالود والدعاء والمواساة، كشأن نبي الله زكريا عليه السلام.


كانت زوجته عاقرًا، وهو قد وهن العظم منه واشتعل الرأس شيبًا، لكنه لم يتخلَّ عنها، ولم يكسر قلبها، بل شملها في دعائه السري الخفي: ﴿ وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ ﴾ [الأنبياء: 89].


تأملوا يا عباد الله.. قال: ﴿ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا ﴾.. لم يقل "ارزقني ولداً يحمل اسمي"، بل كأنه يقول: يارب، أنا وزوجتي نعيش في هذه الدنيا وحدنا، وسنرحل ونتركها وحدها، فلا تذرني وزوجتي فرادى بلا أنيس ولا وريث يخدم دينك!


قال تعالى: ﴿ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَىٰ وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ ﴾ [الأنبياء: 90].


ما أجمل كلمة ﴿ وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ ﴾! تضمنت إصلاحًا طبيًّا وبيولوجيًّا لرحمها لتلد، وإصلاحًا نفسيًّا وخُلقيًّا لتكتمل السعادة. لم يقل "وأصلحناها" بل قال ﴿ أَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ ﴾؛ فالإصلاح كان لأجله، مكافأةً على صبره وحسن عشرته ووفائه لها طوال سنوات العقم.


الزوج القرآني هو الذي يطرق أبواب السماء بالدعاء لإصلاح زوجته وسعادتها، لا الذي يشتكي منها في مجالس الرجال!"


الوفاء في الأزمات: البيوت لا تُبنى على المنافع؛ الزوج القرآني لا يترك زوجته لمرض أو عقم، بل يلجأ إلى الله ليصلح ما فسد.


الزوج القرآني يربط طموحاته الأسرية بالدعاء الصالح المشترك.


وفي المقابل.. ما هي الزوجة التي يريدها القرآن؟

إنها ليست المرأة التي تناطح زوجها كلمة بكلمة، ولا التي تهدم بيتها بلسانها، بل هي الصالحة، الطائعة، الحافظة للغيب. يختصر القرآن صفاتها في آية محكمة:

﴿ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ ﴾ [النساء: 34].


الزوجة التي يريدها القرآن هي زوج نبي الله أيوب -عليه السلام- التي صبرت على مرض زوجها، وقامت على خدمته، طوال ثمانية عشر عاماً، لم تتذمر ولم تشتكِ.


الزوجة التي يريدها القرآن هي التي لا تبرز جمالها ومحبتها لزوجها في أيام غناه وصحته فحسب، بل يتجلى جمال معدنها الأصيل في أوقات مرضه، وضائقته المادية؛ تصبر معه، وتحفظ كرامته وهيبته، وتكون دثاره الدافئ في شتاء الابتلاءات.


إن الزوجة التي يريدها القرآن هي الزوجة الصابرة، المحتسبة، التي تحافظ على دينها وقيمها حتى لو كانت في بيئة فاسدة، وحتى لو كان زوجها أعتى أعداء الله.


وإذا أردتم أن تروا أنموذجا للزوجة الصابرة؛ فتعالوا لنقف إجلالاً وتوقيراً لامرأةٍ جعلها الله عز وجل مثلاً للذين آمنوا في الأرض إلى يوم القيامة، إنها آسيا امرأة فرعون!


تأملوا يا عباد الله؛ امرأة تعيش في أعظم قصور الأرض، تُعرض الدنيا تحت قدميها، وزوجها هو أعتى طواغيت البشرية، فرعون الذي قال: ﴿ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ ﴾. كانت تعيش معه، تتحمل طغيانه وجبروته، وربما كانت ترجو له الهداية في بدايات أمره، وصبرت في بيته لتكون حضناً دافئاً لتربية طفلٍ رضيع التقطوه من البحر، وهو موسى عليه السلام، فكانت هي التي حمته من سيف فرعون حين قالت: ﴿ قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ ۖ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا ﴾ [القصص: 9].


ولما تبين لها الحق، وآمنت برب موسى وهارون، وانكشف أمرها لفرعون.. هل جاملت زوجها على حساب دينها؟ هل أغرتها قصور الذهب والملك؟


لا والله! بل تحملت من زوجها ألوان العذاب، أخرجها إلى الشمس، ووتد يديها ورجليها بالأوتاد، ووضع الصخرة العظيمة على صدرها لتكفر بربها.. فما زادها العذاب إلا ثباتاً ويقيناً!


وفي قمة لحظات الألم والموت، لم تلتفت إلى زوجها، ولم تطلب منه عفوًا، بل التفتت بقلبها إلى رب السماوات والأرض، فرفعت دعاءً سُطر بمداد من نور في محكم التنزيل:

﴿ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾ [التحريم: 11].


«تأملوا يا عباد الله في هذا الدعاء المعجز؛ قالت: ﴿ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ ﴾.. فطلبت "الجار" قبل "الدار"! أرادت القرب من الله، واستصغرت ملك فرعون وقصوره في الدنيا أمام قصرٍ عند الله في الجنة!


إن امرأة فرعون تعلمنا أن المرأة الصالحة قد تخرج من وسط الأزمات، وأن المرأة قادرة على أن تصنع من بيتها محراباً للعبادة والثبات ولو كان حولها ركام الفتن.


«أيها الزوجان البيوت لا تُبنى على المشاحنة والندية، بل تُبنى على التغافل والتراحم.


يا أيها الزوج: اتق الله في قوارير بيتك، لا تكن فظاً غليظ القلب، تذكر أن خيركم خيركم لأهله.


يا أيتها الزوجة: اتقي الله في زوجكِ، كوني له أرضاً يكن لكِ سماءً، كوني له سَكناً يكن لكِ حصناً وأماناً.


الخاتمة والدعاء.


أيها المسلمون:

هذه بعض معالم الأسرة التي يريدها القرآن؛ أبٌ يَعظ بالحكمة، وأمٌّ تثق بربها في أحلك الظروف، وأختٌ تحمي بذكائها ظهر أخيها، وابنٌ يطيع بارًّا مستسلمًا، وأخٌ يشد أزر أخيه، وزوجٌ يوفي لزوجته، وزوجةٌ تبني بيتًا عند الله في الجنة، وبنتٌ تمشي على استحياء.


فأين بيوتنا من هذه المنارات؟ إن إصلاح الأمة يبدأ من عتبات البيوت، فلنعد إلى قرآننا صياغةً، وتربيةً، ومنهج حياة.


اللهم أصلح لنا بيوتنا، وأصلح لنا أزواجنا، وبارك لنا في ذرياتنا.


اللهم جعل بيوتنا محاريب للطاعة، ومنارات للهدى، واجعلنا من عبادك الصالحين.


اللهم رَبِّ لنا أولادنا، واجعل بناتنا كبنات الأنبياء حياءً وعفةً ونضجًا، واجعل أبناءنا كإسماعيل برًّا وطاعة.


اللهم وفّق آباءنا ليكونوا كلقمان حكمةً ورحمة، وأمهاتنا كأم موسى يقينًا وثباتًا.


عِبَادَ اللهِ: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ [النحل: 90]، فاذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، وأقم الصلاة.





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • عناية النبي صلى الله عليه وسلم بالشباب وسبل الاستفادة منهم في الواقع المعاصر
  • اليأس من نصر الله جل جلاله
  • اليأس من رحمة الله جل جلاله
  • اليأس من حصول النعم وزوال النقم ليس من صفات المسلمين
  • ماذا لو سكت من لا يعلم؟
  • إجلال الكبير، لماذا؟ وكيف؟ (خطبة)

مختارات من الشبكة

  • مثلث الأسرة المستقرة(مقالة - مجتمع وإصلاح)
  • نزيف أسري: رواية جديدة للكاتب عبد الباقي يوسف(مقالة - حضارة الكلمة)
  • صندوق الأسرة التكافلي(مقالة - مجتمع وإصلاح)
  • ندوة نسائية في كاكانج تناقش بناء الأسرة على هدي القرآن والسنة(مقالة - المسلمون في العالم)
  • خطبة: حسن العشرة(مقالة - آفاق الشريعة)
  • أثر الأمراض المعدية في مسائل الأحوال الشخصية دراسة مقارنة بقانون الأسرة الماليزي(رسالة علمية - مكتبة الألوكة)
  • الأسرة والعمل(كتاب - مكتبة الألوكة)
  • قيمة الشجاعة الأدبية ودور الأسرة والوسائط المجتمعية الأخرى في تنميتها(مقالة - مجتمع وإصلاح)
  • الأسرة الرحيمة في رمضان(مقالة - ملفات خاصة)
  • من أحكام الأسرة في الإسلام (PDF)(كتاب - مكتبة الألوكة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • لأول مرة في تاريخها... إندونيسيا تطلق أول معرض لتلاوة القرآن الكريم بلُغة الإشارة
  • مساجد بريطانيا تفتح أبوابها أمام الجميع في النسخة الـ11 من «زر مسجدي»
  • «الرعاية معا».. مؤتمر طبي إسلامي يجمع 200 متخصص وطالب في أستراليا
  • التوسع في البرامج القرآنية للأطفال والبالغين في الفولغا مع بداية العام الدراسي
  • انطلاق أولى محاضرات موسم الشباب المسلم بتتارستان
  • احتفالات قرآنية في بورغاس وفيلكو تارنوفو تكرم أطفالا أتموا قراءة القرآن الكريم
  • المالديف تستهدف الوصول إلى 500 حافظ وحافظة للقرآن الكريم خلال العام
  • فتح التسجيل لدورات القرآن الكريم للأطفال في غرناطة

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1448هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 11/4/1448هـ - الساعة: 22:10
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب