• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | مقالات شرعية   دراسات شرعية   نوازل وشبهات   منبر الجمعة   روافد   من ثمرات المواقع  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    منع الإناث من الميراث (خطبة)
    د. عبد الرقيب الراشدي
  •  
    بيان معنى ومفهوم البلاغ
    الشيخ أ. د. عرفة بن طنطاوي
  •  
    بر الوالدين والإحسان إلى الجار
    الشيخ عبدالعزيز السلمان
  •  
    الوسطية: نهج وحياة (خطبة)
    الشيخ أحمد إبراهيم الجوني
  •  
    مثير الأشواق إلى بلاد الأشواق
    إبراهيم الدميجي
  •  
    مجاهدة النفس (خطبة)
    الشيخ محمد بن عبدالله السبيل
  •  
    شكر النعم: مفتاح دوام الفرح والبركة
    د. أمير بن محمد المدري
  •  
    حسن العشرة وبذل المعروف بين الزوجين في ضوء الكتاب ...
    الشيخ عبدالرحمن بن سعد الشثري
  •  
    مشروعية الرقية من يحتاج للرقية
    د. عبدالعزيز بن سعد الدغيثر
  •  
    تفسير سورة آل عمران الآيات (26 – 27)
    يوسف بن عبدالعزيز بن عبدالرحمن السيف
  •  
    من مائدة الصحابة: أم حبيبة رضي الله عنها
    عبدالرحمن عبدالله الشريف
  •  
    ثلاث جالبة للهلاك (خطبة)
    ياسر عبدالله محمد الحوري
  •  
    المنافقون: وجوه تتبدل... وحقيقة لا تتغير
    د. علي شومان محمد علي أبو دية
  •  
    "على رسلكما إنها صفية"
    نورة سليمان عبدالله
  •  
    أعظم النعم (خطبة)
    الشيخ عبدالله محمد الطوالة
  •  
    مختارات من كتاب "عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين" مع ...
    عاقب أمين آهنغر (أبو يحيى)
شبكة الألوكة / آفاق الشريعة / منبر الجمعة / الخطب / الرقائق والأخلاق والآداب / في النصيحة والأمانة
علامة باركود

القناعة أربح بضاعة

القناعة أربح تجارة
الشيخ عبدالله بن محمد البصري

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 10/10/2012 ميلادي - 26/11/1433 هجري

الزيارات: 29162

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

القناعة أربح تجارة


أَمَّا بَعدُ:

فَأُوصِيكُم - أَيُّهَا النَّاسُ - وَنَفسِي بِتَقوَى اللهِ - عَزَّ وَجَلَّ -: ﴿ وَمَن يَتَّقِ اللهَ يَجعَلْ لَهُ مَخرجًا * وَيَرزُقْهُ مِن حَيثُ لا يَحتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسبُهُ إِنَّ اللهَ بَالِغُ أَمرِهِ قَد جَعَلَ اللهُ لِكُلِّ شَيءٍ قَدرًا ﴾ [الطلاق: 2، 3].


أَيُّهَا المُسلِمُونَ:

تَقدِيرُ النِّعَمِ أَوِ ازدِرَاؤُهَا، سَبَبٌ لِلقَنَاعَةِ وَالرِّضَا، أَو سَبِيلٌ إِلى الطَّمَعِ وَالجَشَعِ، وَمَرَدُّ ذَلِكَ في الغَالِبِ هُوَ نَظرُ الإِنسَانِ إِلى مَن حَولَهُ، فَإِنْ هُوَ مَدَّ عَينَيهِ إِلى مَا مُتِّعَ بِهِ أَقوَامٌ مِن زَهرَةِ الحَيَاةِ الدُّنيَا، وَتَشَوَّفَ إِلى مَا يَملِكُهُ الأَغنِيَاءُ وَالكُبَرَاءُ وَالمُترَفُونَ، أَدَّى بِهِ ذَلِكَ إِلى ازدِرَاءِ مَا عِندَهُ مِن نِعَمِ اللهِ الكَثِيرَةِ، فَجَعَلَ يَتَطَلَّعُ إِلى مَا لا يُطِيقُ، وَجَعَلَت نَفسُهُ تَتَلَهَّفُ عَلَى مَا لا يُحَصِّلُ، وَأَمَّا إِنْ رَزَقَهُ اللهُ التَّبَصُّرَ وَالتَّأَمُّلَ في الأَكثَرِينَ، وَعَلِمَ بِأَنَّهُم أَقَلُّ مِنهُ في الدُّنيَا حَظًّا وَأَضيَقُ رِزقًا، فَإِنَّ ذَلِكَ سَيُورِثُهُ تَقدِيرَ مَا أَنعَمَ اللهُ بِهِ عَلَيهِ، وَالكَفَّ عَمَّا لَيسَ في يَدَيهِ، وَالالتِفَاتَ إِلى مَا يُصلِحُ شَأنَهُ في أُخرَاهُ، لِعِلمِهِ أَنَّهُ لَن يَكُونَ إِلاَّ مَا قَدَّرَ اللهُ، وَلَن يَنَالَ أَحَدٌ غَيرَ مَا قُسِمَ لَهُ، وَفي الحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ مُسلِمٌ وَغَيرُهُ قَالَ - صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -:  "اُنظُرُوا إِلى مَن هُوَ أَسفَلَ مِنكُم، وَلَا تَنظُرُوا إِلى مَن هُوَ فَوقَكُم، فَإِنَّهُ أَجدَرُ أَلاَّ تَزدَرُوا نِعمَةَ اللهِ".

 

إِنَّهَا وَصِيَّةٌ نَافِعَةٌ جَامِعَةٌ، وَتَوجِيهٌ نَبَوِيٌّ عَظِيمٌ، لَوِ اتَّخَذَهُ المُسلِمُ مَنهَجًا لَهُ في هَذَا الجَانِبِ المُهِمِّ مِن حَيَاتِهِ، لَرُزِقَ شُكرَ نِعَمِ اللهِ عَلَيهِ بِالاعتِرَافِ بها، وَلَتَحَدَّثَ بها وَلَو بَينَهُ وَبَينَ نَفسِهِ، وَلَرُزِقَ الاستِعَانَةَ بها عَلَى طَاعَةِ الخَالِقِ المُنعِمِ - سُبحَانَهُ - وَلَسَلِمَ مِن كَثِيرٍ مِمَّا يَتَحَمَّلُهُ غَيرُهُ مِن دُيُونٍ، أَو مَا يَتَعَدَّونَ عَلَيهِ مِن حُقُوقٍ، أَو مَا يَتَّصِفُونَ بِهِ مِن سَيِّئِ خُلُقٍ وَلَئِيمِ طَبعٍ، وَهِي السَّيِّئَاتُ الَّتي يَدفَعُ الكَثِيرِينَ إِلَيهَا أَو إِلى بَعضِهَا، نَظَرُهُم بِتَلَهُّفٍ إِلى مَن هُوَ فَوقَهُم، وَتَغَافُلُهُم عَمَّن هُوَ أَسفَلَ مِنهُم.

 

إِنَّ القُلُوبَ لَتَمرَضُ وَإِنَّ النُّفُوسَ لَتَسقَمُ، وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَيُبتَلَى بِالهَمِّ وَالغَمِّ، مِن دَوَامِ النَّظَرِ إِلى مَن هُوَ أَكثَرُ مِنهُ في الدُّنيَا حَظًّا، وَنِسيَانِ مَن هُوَ أَقَلُّ مِنهُ عَطَاءً وَنَصِيبًا، وَلِهَذَا فَإِنَّ أَعظَمَ دَوَاءٍ لِتِلكَ القُلُوبِ الضَّعِيفَةِ وَالنُّفُوسِ الخَوَّارَةِ، أَن يَلحَظَ أَصحَابُهَا في كُلِّ وَقتٍ وَحِينٍ أَنَّهُم لَيسُوا الأَقَلَّ مِن غَيرِهِم نَصِيبًا وَلا الأَسوَأَ حَظًّا، بَل ثَمَّةَ مَن هُوَ دُونَهُم في عَقلِهِ أَو مَالِهِ، وَهُنَاكَ مَن هُوَ أَوضَعُ نَسَبًا وَأَقَلُّ شَرَفًا، وَمَن هُوَ أَدنى جَاهًا أَو عِلمًا، وَالدُّنيَا مَلِيئَةٌ بِالمُبتَلَينَ بِأَصنَافِ البَلاءِ في أَجسَادِهِم أَو دِينِهِم أَو خَلقِهِم أَو خُلُقِهِم، في حِينِ أَنَّ آخَرِينَ يُوَازِنُونَ أَنفُسَهُم بِالأَغنِيَاءِ وَأَهلِ الجَاهِ، فَيَزدَادُونَ غَمًّا وَهَمًّا، وَلَو وَازَنُوهَا بِالفُقَرَاءِ وَالمَحرُومِينَ، لَمَا وَسِعَتهُمُ الدُّنيَا مِنَ الفَرَحِ، وَلَطَفَحَ بِهِمُ السُّرُورُ، وَلأَكثَرُوا مِن شُكرِ رَبِّهِم وَالثَّنَاءِ عَلَيهِ وَحَمدِهِ، فَعُوفُوا وَسَلِمُوا مِنَ البَلاءِ.


أَيُّهَا المُسلِمُونَ:

قَد يَظُنُّ بَعضُ النَّاسِ أَنَّ في هَذَا الحَدِيثِ تَحطِيمًا لِلطُّمُوحِ وَتَقيِيدًا لِلتَّفكِيرِ، وَقَتلاً لِرُوحِ التَّنَافُسِ الشَّرِيفِ، وَمَنعًا لِلنَّاسِ مِنَ التَّقَدُّمِ وَالازدِيَادِ مِنَ الخَيرِ، وَلَيسَ الأَمرُ كَذَلِكَ، وَمَا كَانَ الإِسلامُ لِيَأمُرَ أَتبَاعَهُ بِهَذَا وَلا يُقِرُّهُم عَلَيهِ، إِذْ مَا هُوَ بِدِينِ رَهبَنَةٍ وَلا تَبَتُّلٍ تَامٍّ، وَلا انقِطَاعٍ عَمَّا يَقُوتُ الإِنسَانَ وَيُقِيمُ أَوَدَهُ، وَلا انصِرَافٍ عَمَّا يَضمَنُ لَهُ الحَيَاةَ الكَرِيمَةَ وَالعِيشَةَ النَّقِيَّةَ، وَلَكِنَّ المَقصُوَدَ أَن يَتَّصِفَ المُسلِمُ بِالقَنَاعَةِ وَالرِّضَا؛ لِيَهنَأَ بِحَيَاتِهِ وَيَصفُوَ لَهُ عَيشُهُ، وَلا يَكُونَ كَحَالِ مَن شَغَلُوا أَنفُسَهُم بِمُطَارَدَةِ الآخَرِينَ وَالنَّظَرِ إِلى مَا أُوتُوا، ظَانِّينَ أَنَّهُم بِذَلِكَ يَدفَعُونَ أَنفُسَهُم لِلصُّعُودِ في مَرَاقي السَّعَادَةِ، وَمَا عَلِمُوا أَنَّ مَن كَانَ هَذَا شَأنَهُ، يَنظُرُ فِيمَا عِندَ فُلانٍ وَيَطمَعُ أَن يَكُونَ مِثلَ فُلانٍ، وَيَتَطَلَّعُ إِلى مِثلِ مَالِ هَذَا ولا يَقنَعُ بِغَيرِ جَاهِ ذَاكَ، فَلَن يُحَصِّلَ السَّعَادَةَ أَبَدًا؛ لأَنَّ مَعنى ذَلِكَ أَنَّهُ لَن يَسعَدَ إِلاَّ إِذَا أَصبَحَ أَعلَى النَّاسِ في كُلِّ شَيءٍ، وَهَذَا مِن أَبعَدِ المُحَالِ؛ وَقَدِ اقتَضَت الحِكمَةُ الرَّبَّانِيَّةُ في هَذَا الكَونِ، أَنَّ مَن كَمُلَت لَهُ أَشيَاءُ قَصُرَت عَنهُ أَشيَاءُ، وَمَن عَلا بِأُمُورٍ سَفُلَت بِهِ أُمُورٌ، وَيَأبى اللهُ - تَعَالى - الكَمَالَ المُطلَقَ لأَحَدٍ مِن خَلقِهِ كَائِنًا مَن كَانَ؛ وَمِن ثَمَّ كَانَتِ القَنَاعَةُ وَالرِّضَا مِن أَجَلِّ النِّعَمِ وَأَعظَمِ المِنَحِ الَّتي يُغبَطُ عَلَيهَا صَاحِبُهَا، بَل هِيَ الفَلاحُ وَالنَّجَاةُ، قَالَ - عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ -: "قَد أَفلَحَ مَن أَسلَمَ وَرُزِقَ كَفَافًا وَقَنَّعَهُ اللهُ بما آتَاهُ" رَوَاهُ مُسلِمٌ وَغَيرُهُ.

 

وَإِذَا كَانَ بَعضُ السَّلَفِ قَد جَعَلَ أَعلَى مَنَازِلِ القَنَاعَةِ أَن يَقتَنِعَ المُسلِمُ بِالبُلغَةِ مِن دُنيَاهُ، وَيَصرِفَ نَفسَهُ عَنِ التَّعَرُّضِ لِمَا سِوَاهُ، ثم جَعَلَ أَوسَطَ حَالِ المُقتَنِعِ أَن تَنتَهِيَ بِهِ القَنَاعَةُ إِلى الكِفَايَةِ، وَيَحذِفَ الفُضُولَ وَالزِّيَادَةَ، ثم جَعَلَ أَدنى مَنَازِلِهَا أَن تَنتَهِيَ بِهِ القَنَاعَةُ إِلى الوُقُوفِ عَلَى مَا سَنَحَ، فَلا يَكرَهُ مَا أَتَاهُ وَإِن كَانَ كَثِيرًا، وَلا يَطلُبُ مَا تَعَذَّرَ وَإِن كَانَ يَسِيرًا. فَإِنَّنَا نَقُولُ لِلنَّاسِ: إن لم تَتَّصِفُوا بِأَعلَى القَنَاعَةِ وَهُوَ الزُّهدُ في الدُّنيَا وَالتَّقَلُّلُ مِنهَا، فَكُونُوا مِن أَهلِ الكِفَايَةِ تَرتَاحُوا وَتَسلَمُوا، وَإِلاَّ فَمَا لَكُم عَنِ المَرتَبَةِ الثَّالِثَةِ، الَّتي تُنَمُّونَ فِيهَا أَموَالَكُم وَتِجَارَاتِكُم، وَتَضرِبُون في الأَرضِ طَلَبًا لِرِزقِ رَبِّكُم، وَتَمشُونَ في مَنَاكِبِهَا سَعيًا فِيمَا يُصلِحُ شَأنَكُم، وَلَكِنْ بِلا تَجَاوُزٍ لِحُدُودِ اللهِ، وَلا تَخَوُّضٍ في مَالِ اللهِ، وَلا تَحَاسُدٍ وَلا تَنَافُسٍ وَلا تَكَاثُرٍ، وَلا تَسَخُّطٍ مِن مَرتَبَةٍ وَلا تَبَرُّمٍ مِن مِهنَةٍ، وَلا اتِّصَافٍ بِالنِّفَاقِ وَإِذلالٍ لِلنُّفُوسِ لِغَيرِ اللهِ مِن أَجلِ مَنصِبٍ أَو جَاهٍ، وَلا تَنَازُلٍ عَنِ المَبَادِئِ أَو تَميِيعٍ لِلثَّوَابِتِ رَغبَةً في المَالِ، فَإِنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِمَّا لا يُقَرُّ، قَالَ - سُبحَانَهُ -: ﴿ وَلَا تَمُدَّنَّ عَينَيكَ إِلى مَا مَتَّعنَا بِهِ أَزوَاجًا مِنهُم زَهرَةَ الحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفتِنَهُم فِيهِ وَرِزقُ رَبِّكَ خَيرٌ وَأَبقَى. وَأْمُرْ أَهلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصطَبِرْ عَلَيهَا لَا نَسأَلُكَ رِزقًا نَحنُ نَرزُقُكَ وَالعَاقِبَةُ لِلتَّقوَى ﴾.


أَيُّهَا المُسلِمُونَ:

مَا كَانَتِ القَنَاعَةُ لِتَمنَعَ مِن مُلكِ مَالٍ وَلو كَانَ وَفِيرًا، وَلا مِن تَحصِيلِ جَاهٍ وَلَو كَانَ عَرِيضًا، وَلَكِنَّهَا تَأبى أَن يَلِجَ حُبُّ الدُّنيَا قَلبَ المُسلِمِ فَيَملِكَ عَلَيهِ عَقلَهُ وَيَستَحوِذَ عَلَى تَفكِيرِهِ، حَتى يَدفَعَهُ إِلى مَنعِ مَا عَلَيهِ مِن حُقُوقٍ أَو تَعَدِّي مَا يَردَعُهُ مِن حُدُودٍ، أَوِ إِلى أَن يَتَكَاسَلَ عَن طَاعَةٍ أَو يُفَرِّطَ في فَرِيضَةٍ، أَو يَرتَكِبَ مُحَرَّمًا أَو يَستَسهِلَ مَكرُوهًا، أَلا فَاتَّقُوا اللهَ وَالزَمُوا القَنَاعَةَ، وَاتَّخِذُوهَا سِلاحًا وَاجعَلُوهَا لِلسَّعَادَةِ مِفتَاحًا، واملَؤُوا بها قُلُوبَكُم تَرتَاحُوا، وَيَحصُلْ لَكُمُ الأَمنُ وَالطُّمَأنِينَةُ في الدُّنيَا، وَالفَوزَ وَالفَلاحَ في الأُخرَى، ﴿ يَا قَومِ إِنَّمَا هَذِهِ الحَيَاةُ الدُّنيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ القَرَارِ * مَن عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجزَى إِلَّا مِثلَهَا وَمَن عَمِلَ صَالِحًا مِن ذَكَرٍ أَو أُنثى وَهُوَ مُؤمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدخُلُونَ الجَنَّةَ يُرزَقُونَ فِيهَا بِغَيرِ حِسَابٍ ﴾ [غافر: 40].


الخطبة الثانية

أَمَّا بَعدُ:

فَاتَّقُوا اللهَ - تَعَالى - حَقَّ التَّقوَى، وَتَمَسَّكُوا مِنَ الإِسلامِ بِالعُروَةِ الوُثقَى.


أَيُّهَا المُسلِمُونَ:

لَقَد ضَمِنَ اللهُ لَكُم أَرزَاقَكُم بِقُدرَتِهِ، وَقَسَمَهَا بَينَكُم بِحِكَمَتِهِ، وَلَن يَسُوقَ مَا لم يُقَدَّرْ مِنهَا حِرصُ حَرِيصٍ، وَلَن يَرُدَّ مَا قُدِّرَ  كَرَاهَةُ كَارِهٍ، وَلَكِنَّ مَن قَنِعَ طَابَ عَيشُهُ، وَمَن طَمِعَ طَالَ طَيشُهُ، وَلا يَزَالُ الرَّجُلُ كَرِيمًا عَلَى عَامَّةِ النَّاسِ، يُحِبُّونَهُ وَيُكرِمُونَهُ وَيُجِلُّونَهُ، مَا لم يَتَطَلَّعْ إِلى مَا في أَيدِيهِم وَيُنَافِسْهُم عَلَى مَا عِندَهُم، فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ استَخَفُّوا بِهِ وَكَرِهُوهُ وَأَبغَضُوهُ، وَصَدَقَ رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - حَيثُ قَالَ: "مَا الفَقرَ أَخشَى عَلَيكُم، وَلَكِنْ أَخشَى أَن تُبسَطَ عَلَيكُمُ الدُّنيَا كَمَا بُسِطَت عَلَى مَن كَانَ قَبلَكُم، فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا، وَتُهلِكَكُم كَمَا أَهلَكَتهُم" رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ.  وَقَالَ - عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ -: "اِزهَدْ في الدُّنيَا يُحِبَّكَ اللهُ، وَازهَدْ فِيمَا عِندَ النَّاسِ يُحِبَّكَ النَّاسُ" رَوَاهُ ابنُ مَاجَهْ وَغَيرُهُ وَصَحَّحَهُ الأَلبَانيُّ.


أَيُّهَا المُسلِمُونَ:

إِنَّ المُؤمِنَ القَانِعَ في نَعِيمٍ وَرَاحَةٍ، إِن تَجَدَّدَت لَهُ نِعمَةٌ أَو رَبِحَ شَكَرَ، وَإِن أُخِذَت مِنهُ أُخرَى أَو خَسِرَ صَبَرَ؛ يَعلَمُ أَنَّهُ مَهمَا حَصَّلَ مِن زَهرَةِ الدُّنيَا، فَإِنَّ ثَمَّةَ مَن هُوَ أَفضَلُ مِنهُ في شَيءٍ، وَمَهمَا فَاتَهُ مِن حُطَامِهَا، فَإِنَّ هُنَالِكَ مَن هُوَ أَقَلُّ مِنهُ في أَشيَاءٍ؛ وَإِذَا كَانَ الفَقرُ قَد عَضَّهُ فَقَد أَكَلَ غَيرَهُ، وَإِذَا كَانَتِ المِحَنُ قَد أَضعَفَتهُ فَقَد أَقعَدَت مَن سِوَاهُ، أَلا فَاتَّقُوا اللهَ - أَيُّهَا المُسلِمُونَ - وَإِذَا تَاقَت إِلى مَا عِندَ غَيرِكُم نُفُوسُكُم، وَارتَفَعَت إِلى مَن هُوَ فَوقَكُم رُؤُوسُكُم، فَاخفِضُوهَا وَلَو مَرَّةً لِتُبصِرُوا مَن هُوَ تَحتَكُم، وَتَطَامَنُوا لِتَعرِفُوا مَوَاقِعَ أَقدَامِكُم، قَبلَ أَن تُفجَؤُوا بِانقِضَاءِ الأَجَلِ وَانقِطَاعِ الأَمَلِ، فَيُسَوِّيَ المَوتُ بَينَ غَنِيِّكِم وَفَقِيرِكِم، وَيُلحِقَ مَالِكَكُم بِأَجِيرِكِم، ثم لا يُفَرِّقَ دُودُ الأَرضِ بَينَ صُعلُوكٍ مِنكُم وَلا أَمِيرٍ، وَلا بَينَ كَبِيرٍ وَلا صَغِيرٍ، وَ"أَكثِرُوا ذِكرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ المَوتَ؛ فَإِنَّهُ لم يَذكُرْهُ أَحَدٌ في ضِيقٍ مِنَ العَيشِ إِلاَّ وَسَّعَهُ عَلَيهِ، وَلا ذَكَرَهُ في سَعَةٍ إِلاَّ ضَيَّقَهَا عَلَيهِ" وَقَبلَ ذَلِكَ وَبَعدَهُ، لِتَكُونُوا عَلَى ذِكرٍ مِمَّا رَوَاهُ مُسلِمٌ عَن عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنهَا - قَالَت: مَا شَبِعَ آلُ محمَّدٍ - صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - مِن خُبزٍ وَشَعِيرٍ يَومَينِ مُتَتَابِعَينِ حَتى قُبِضَ رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وَرَوَى الشَّيخَانِ عَنهَا قَالَت: كَانَ فِرَاشُ رَسُولِ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - مِن أَدَمٍ وَحَشوُهُ مِن لِيفٍ" وَلا تَظُنُّوا أَنَّ ذَلِكَ مِنهُ - عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ - كَانَ عَن قِلَّةٍ وَعَدَمٍ دَائِمَينِ، لا وَاللهِ وَبِاللهِ وَتَاللهِ، وَلَكِنْ لأَنَّهُ كَانَ أَزكَى النَّاسِ عَقلاً وَأَصلَحَهُم قَلبًا، وَأَكمَلَهُم إِيمَانًا وَأَقوَاهُم يَقِينًا، فَقَد صَارَ أَكثَرَهُم قَنَاعَةً بِالقَلِيلِ وَرِضًا بِاليَسِيرِ، وَأَندَاهُم كَفًّا وَأَسخَاهُم نَفسًا، حَتى كَانَ - عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ - يُفَرِّقُ المَالَ العَظِيمَ عَلَى طَالِبِيهِ وَيُعطِيهِ سَائِلِيهِ، ثم يَبِيتُ طَاوِيًا ثِقَةً فِيمَا عِندَ اللهِ مِن عَاجِلِ الرِّزقِ في الدُّنيَا وَآجِلِ الأَجرِ في الآخِرَةِ.





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • القناعة
  • ضمن جولة في صحيح مسلم: الكنز المفقود.. القناعة في الرزق
  • العز في القناعة والرضا بالكفاف
  • كنز القناعة
  • قناعة المرأة
  • القناعة: فوائدها وسبل تحصيلها (خطبة)
  • ثمرات القناعة والإيثار وإلقاء السلام
  • القناعة

مختارات من الشبكة

  • كلمة وكلمات (16)(مقالة - مجتمع وإصلاح)
  • من الأخلاق الإسلامية (القناعة)(مادة مرئية - مكتبة الألوكة)
  • التربية بالحب لا بالانتصار(مقالة - مجتمع وإصلاح)
  • اتخاذ الأسباب اللازمة لاستقبال رمضان(مقالة - موقع الشيخ الدكتور عبدالله بن ضيف الله الرحيلي)
  • لحظة! قبل الاكتئاب(مقالة - مجتمع وإصلاح)
  • عيش النبي صلى الله عليه وسلم سلوة للقانع وعبرة للطامع (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • كلمة وكلمات (15)(مقالة - مجتمع وإصلاح)
  • الرضا والتحذير من المباهاة (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • الرضا كنز والتباهي جمر (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • حقيقة الموت والاستعداد للآخرة (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • لأول مرة في تاريخها... إندونيسيا تطلق أول معرض لتلاوة القرآن الكريم بلُغة الإشارة
  • مساجد بريطانيا تفتح أبوابها أمام الجميع في النسخة الـ11 من «زر مسجدي»
  • «الرعاية معا».. مؤتمر طبي إسلامي يجمع 200 متخصص وطالب في أستراليا
  • التوسع في البرامج القرآنية للأطفال والبالغين في الفولغا مع بداية العام الدراسي
  • انطلاق أولى محاضرات موسم الشباب المسلم بتتارستان
  • احتفالات قرآنية في بورغاس وفيلكو تارنوفو تكرم أطفالا أتموا قراءة القرآن الكريم
  • المالديف تستهدف الوصول إلى 500 حافظ وحافظة للقرآن الكريم خلال العام
  • فتح التسجيل لدورات القرآن الكريم للأطفال في غرناطة

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1448هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 11/4/1448هـ - الساعة: 10:0
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب