• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | مقالات شرعية   دراسات شرعية   نوازل وشبهات   منبر الجمعة   روافد   من ثمرات المواقع  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    تعظيم الأشهر الحرم (خطبة)
    الشيخ محمد بن إبراهيم السبر
  •  
    بعض الأسباب الجالبة لمحبة الله (خطبة)
    خالد سعد الشهري
  •  
    خطبة: الأمن والأمان
    أ. د. حسن بن محمد بن علي شبالة
  •  
    الفوائد العقدية في قصة نبي الله يونس عليه السلام ...
    الشيخ عبدالرحمن بن سعد الشثري
  •  
    الخوف من الفقر وعلاجه (خطبة)
    د. محمد بن عبدالعزيز بن إبراهيم بلوش ...
  •  
    تفسير قوله تعالى: {وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن ...
    سعيد مصطفى دياب
  •  
    الاستجابة لله تعالى (4) ثمرات الاستجابة
    الشيخ د. إبراهيم بن محمد الحقيل
  •  
    الحديث الثاني والثلاثون: قصة الخشبة العجيبة
    الدكتور أبو الحسن علي بن محمد المطري
  •  
    من ثمرات حسن الخلق (خطبة)
    خالد سعد الشهري
  •  
    إعانة الباري في الرد على فرية من شك في صحة كتابي ...
    د. فهد بن ابراهيم الجمعة
  •  
    بيان ما أعطيه النبي محمد من معرفة ملكوت السماوات ...
    د. أحمد خضر حسنين الحسن
  •  
    خطبة: الخزي كفانا الله وإياكم شره
    الشيخ الدكتور صالح بن مقبل العصيمي ...
  •  
    انتهينا... انتهينا
    نورة سليمان عبدالله
  •  
    وحدة دعوة الرسل (خطبة)
    د. محمود بن أحمد الدوسري
  •  
    الإعجاز في قوله تعالى: {وما تسقط من ورقة إلا ...
    حسام كمال النجار
  •  
    أذكار الحفظ ورد كيد الأعداء (خطبة)
    د. صغير بن محمد الصغير
شبكة الألوكة / آفاق الشريعة / منبر الجمعة / الخطب / مواضيع عامة
علامة باركود

خطبة: الأمن والأمان

خطبة: الأمن والأمان
أ. د. حسن بن محمد بن علي شبالة

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 15/4/2026 ميلادي - 27/10/1447 هجري

الزيارات: 443

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

خطبة: الأمن والأمان

 

عباد الله، إن الله سبحانه وتعالى مَنَّ على عباده المؤمنين وغيرهم بنعمٍ كثيرة، لا تُعدُّ ولا تُحصى، ولكن من أهم وأبرز تلك النعم التي لا يَستغني عنها إنسانٌ ولا حيوان: نعمة الأمن والطمأنينة، نعمة الأمن بأنواعه وأقسامه المتنوعة، التي إن انخرَم منها شيءٌ، أو نقَص منها قسمٌ، لم يستطع الإنسان أن يعيش مستقرًّا مطمئنًّا، لذلك امتنَّ الله سبحانه وتعالى بهذه النعم على قريش دون غيرها من سائر القرى والقبائل، وقال لهم: ﴿ فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ ﴾ [قريش: 3، 4].

 

وفي آية أخرى قال الله سبحانه وتعالى على لسان نبيه إبراهيم الخليل: ﴿ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ ﴾ [البقرة: 126]، وفي آية ثالثة قال الله سبحانه وتعالى: ﴿ وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْنًا ﴾ [البقرة: 125]، وفي آية رابعة قال إبراهيم الخليل: ﴿ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الشَّيْطَانَ ﴾ [إبراهيم: 35].

 

أيها المؤمنون، لماذا الحديث عن الأمن في هذه الأوقات التي يعيشها الناس اليوم؟ إن ما تعانيه البشرية اليوم في كل مكان من قلقٍ واضطرابٍ، وخوفٍ وعدمِ استقرارٍ، وحَيرةٍ وشِقاقٍ، وحروب وابتلاء، فهذا الوضع العام الذي يُسيطر على البشرية كلها، ما أن تَفتح مِذياعًا، أو تنظُر في أخبارٍ، إلا وتسمع تلك الأخبار التي تحدِّثك عن الحروب والاضطرابات، وغيرها من البلايا والنَّكبات، من أنواع الجرائم والانفلاتات، فكأن البشرية عادت مرة أخرى إلى حياة الغابة التي لا أمان فيها لأحدٍ، فالقوي يأكل الضعيف، والجميع يعلن شعاره: «إذا لم تكن ذئبًا أكلتْك الذئاب»، والجميع يردِّد قول الشاعر الجاهلي:

ومَن لا يَذُدْ عن حوْضه بسلاحه
يُهَدَّمْ ومَنْ لا يَظْلمِ النَّاسَ يُظْلَم

هذا هو الشعار البشري اليوم.

 

ولا حل لهذه المشكلة إلا بأن تعود البشرية إلى ربِّها سبحانه وتعالى، وتأخُذ بأسباب الصلاح والأمن والاستقرار الوارد في كتاب ربها سبحانه وتعالى، القرآن العظيم الذي خُتمت به سائرُ الكتب السماوية، ووصفه الله وسماه بأنه الروح الذي به الحياة؛ كما قال سبحانه وتعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا ﴾ [الشورى: 52]، فهو الروح الذي به تحيا النفوس، وبه تُثمر الحياة، وبدونه لا حياة ولا ثمرة ولا أمنَ، ولا استقرار ولا طمأنينة، وقد جرَّب الناس الأنظمة البشرية والأفكار الوضعية لإيجاد حلول لمشاكلهم الأمنية والاجتماعية، فما زادتْهم تلك الأفكار إلا قلقًا واضطرابًا وانفلاتًا وظلمًا وجريمة.

 

وإن الواقع الذي نعيشه اليوم أثبَتَ صدقَ علاج هذا القرآن لأمراض البشرية كلها، وقد جُرِّب في وقت قصير، فأتى ثمارَه، فالناس يتذكرون حال العرب في الجاهلية، وكيف كانوا يعيشون حياة من الخوف والقلق والاضطراب، والغزو والفساد، والاحتلال من غيرهم، فلما آمَنوا بالله وعملوا بأحكام القرآن، وتَمثلوا شرائعه - عادت بلادهم أمنًا واستقرارًا، واجتمعت قلوبهم، وصاروا أمةً لها القيادة والرِّيادة في فترة لا تتجاوز ثلاثًا وعشرين عامًا من عهد النبوة، ثم في خلال أربعين إلى ستين عامًا إذا بهم يفتحون البلدان، ويَبثُّون الأمن والاستقرار والطمأنينة في نفوس البشرية.

 

أيها المؤمنون، لقد حدثنا القرآن الكريم عن الأمن في كتابه وفي آياته المتنوعة، فقد ذكر الله سبحانه وتعالى الأمن في ثلاث وأربعين آية من آيات القرآن الكريم: تسعًا وعشرين آية في السور المكية، وأربع عشرة آية في السور المدنية، فأكثَر مِن ذكره في السور المكية، وذلك لأن حال المؤمنين في مكة كان ينقصهم الأمن والاستقرار والطمأنينة، فلم يكن لهم دولةٌ تَحميهم، وإنما كانوا يعيشون خائفين مختفين، فجاءت آيات القرآن الكريم في السور المكية للحديث عن هذا الأمر المهم؛ لتثبيته وإيجاد وسيلة صحيحة لامتثاله من الناس، فلما أن هاجَر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وأقام الدولة، وثبَّت أركان الأمن، لم تترُك آيات القرآن الحديث عن الأمن، وإنما استمرَّت، ولكن بعددٍ يساوي النصف من الآيات المكية؛ لتُعطينا مؤشرًا مهمًّا، وهو أن الأمن كلٌّ لا يتجزَّأ، وأن الإنسان يحتاج إليه في كل الأحوال، سواء كان بمفرده أم مع الجماعة، فهو مَطلَب لكل الأحياء من الإنس والحيوان.

 

وحينما يتدبَّر المؤمن الآيات القرآنية التي تتحدث عن الأمن في القرآن الكريم، من خلال ألفاظها ومدلولات معانيها، فإنه يَستنتج قاعدة مهمة جدًّا، وهي أن الأمن أمرٌ كلي وشامل، لا يتبعَّض ولا يتجزأ، فإما أن يوجد كاملًا، فينتفع منه الناس، وإما أن ينقص فيُصيبهم الخلل، بمعنى لا يُمكن للإنسان أن يعيش حياة مطمئنة مستقرَّة، إلا بتوفُّر الأمن بأنواعه المختلفة، وقد ذكر الله سبحانه وتعالى كما سمعتم في الآيات السابقة أنواعًا متعددة من الأمن، فقوله: ﴿ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ ﴾ [قريش: 4]، فهذا يسمى الأمن الغذائي، وقوله سبحانه وتعالى: ﴿ وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ ﴾ [إبراهيم: 35] وهذا يسمى الأمن الفكري، وقوله صلى الله عليه وسلم: ((مَن أصبح آمنًا في سِربه - أي في بيته - عنده قوتُ يومه، مُعافًى في بدنه))، وهذا فيه ثلاثة من أنواع الأمن التي يحتاج إليها الإنسان، وهي الأمن الغذائي، والأمن الصحي، والأمن العام الذي به تَستقر حياة الناس وأحوالهم!

 

ولذلك كان المفهوم اللغوي للفظة الأمن في لغة العرب، يدل على طمأنينة النفس وزوال الخوف، فإذا أُطلقت كلمة أمن، فإن المقصود بها طمأنينة النفس وزوال الخوف، وهذا يعني أصل الأمن إنما هو حالة مستقرة في القلب، يَتبعها استقرارُ الجوارح بوجود أنواع الأمن المختلفة، فحالةُ استقرار القلب لا تكون إلا بالإيمان الصادق بالله سبحانه وتعالى، وهذا هو رُكن الأمن الأساسي، وهو توفُّر الإيمان الصحيح في القلب، وأن تَزدهر بأفعاله ومقتضياته قلوبُ العباد، فإذا ازدهرت القلوبُ بمقتضيات الإيمان الصحيح من توحيد الله وتعظيمه وطاعته، والتوكل عليه واليقين به، وتوفَّرت للجوارح الأمنُ، زال الخوف وحصَلت الطمأنينة.

 

ولو تتبَّعنا جذر "أمن" في القرآن، سنجد أنه يتحدث عن ثلاثة أمور متتالية ومترابطة ومتلازمة، هي: الإيمان والأمانة والأمن، فهذه الثلاثة الأمور مترابطة، وبعضُها يوصِّل إلى بعض.

 

فالإيمان هو التصديق الجازم بالله وملائكته وكتبه ورسله، واليوم الآخر والقدر خيرِّه وشره، وهي الأركان المعروفة لدى المسلم، فإذا تحقَّق في قلبه الإيمان دفَعه ذلك إلى أن يكون أمينًا في تنفيذ ما أُوكل إليه من أعمال، وهي ما تسمى بأمانة التكاليف التي تبرَّأت منها السماوات والأرض، وقبِلها الإنسان؛ كما في قوله: ﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ ﴾ [الأحزاب: 72].

 

فأمانة التكاليف لا يُمكن للإنسان أن يقوم بها ما لم يكن قد تحقَّق لديه الأصلُ الأول، وهو الإيمان العميق الصادق في قلبه، فإذا ثبت الإيمان، وثبتَت الأمانة الصحيحة المطبَّقة من الجوارح، اكتمَل المعنى الأول للإيمان والأمانة، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: ((لا إيمانَ لمن لا أمانة له))؛ [رواه أحمد]، بمعنى أن مَن لم يقُم بالأمانة على أكمل وجه، فهذا دليلٌ على خَلل وبُطلان ونَقصٍ في إيمانه.

 

فإذا تحقَّق الإيمان وتحقَّقت الأمانة في التكاليف - وأعظمُها التكاليف الشرعية التي بين العبد وربه، ثم يأتي بعدها تحقيق الأمانة التي بين العبد وبين إخوانه المخلوقين؛ من أداء الحقوق، وتنفيذ الواجبات على أكمل وجه - فإذا حصل ذلك منه، فالثمرة والنتيجة للمؤمن الأمين هو حصول الأمن له في الدنيا والآخرة، فالإيمان والأمانة شرطٌ للأمن في الدنيا وفي الآخرة، ولذلك فلا بد من ترابُط هذه الثلاثة الأمور مع بعضها.

 

وحين جادَل إبراهيم الخليل قومه، فإنه بيَّن ذلك بكل وضوحٍ، فقد خوَّفوه بآلهتهم بأنها ستضُرُّه وأنه لن يعيش آمنًا في حياته بسبب معاداته لها، فبيَّن لهم أن الذي يستحق الأمن الحقيقي في الدنيا وفي الآخرة، هو المؤمن الموحِّد، وليس هو المشرك الذي افتقَد إلى أصلٍ من أصول الأمن والأمانة، فنقل القرآن الكريم قوله عليه السلام في نهاية حواره معهم: ﴿ وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾ [الأنعام: 81،82]، فبيَّن أن مَن لم يؤمن بالله لا يستحق أن يعيش آمنًا في الحياة الدنيا، ولن يكون آمنًا في الآخرة، وأن مِن لوازم الإيمان وصدقه أن يؤدي الإنسان الأمانات، وهي أمانة التكاليف الشرعية، وأمانة المسؤولية الملقاة على عاتقه، فإذا تحقَّق له الإيمان وقام بالأمانة على أحسن وجه، فلينتظِر الأمن والهداية في الدنيا والآخرة.

 

نعم أيها المؤمنون، فلا إيمان لِمَن لا أمانة له، ولا هداية لمن لم يَستقرَّ الإيمان في قلبه، ويؤدي أمانة التكاليف على أحسن وجه، فالناس اليوم يشكون مِن اضطرابات في نفوسهم، وقلقٍ في حياتهم، وانفلاتٍ في أمر معاشهم ودنياهم، ثم لا ينتبهون لأهم الأسباب التي أوصلتهم إلى هذا الحال، فلا بد أن يتحقق الإيمان الصادق في النفوس، ولا بد أن يتبرَّأ الإنسان من كلِّ شركٍ بالله سبحانه وتعالى، حتى تكون ثمرة ذلك الإيمان والأمانة هي الأمن والهداية في الدنيا وفي الآخرة.

 

أيها المؤمنون، إننا بحاجة ماسَّة اليوم إلى أن نؤكد أن الأمن الذي يَطلُبه الخلق اليوم لن يكون في متناول أيديهم، ما لم يطلبوا قبله الإيمان وتحقيق الأمانة، وأنتم تشاهدون اليوم ما تقوم به الدول المتقدمة من استخدام وسائل متنوعة في الأمن في بلدانها، لكنهم يفتقدون إلى أمْن القلوب وطمأنينة النفوس الذي لم يحصلوا عليه بسبب كفرهم بالله، فبمجرَّد أن تغيب كاميرات المراقبة، أو شرطي الأمن عن حراسته، يَهُبُّ المجرمون إلى الجريمة ويقعون فيها، ومما يُذكر في وسائل الإعلام أنه في إحدى المدن الغربية انطفأت الكهرباء عندهم خمس دقائق، فإذا بالجريمة تزداد مائتين في المائة خلال هذه الدقائق الخمس، لماذا؟ لأنهم يعتمدون في تثبيت الأمن على الأمور المادية المحسوسة، فإذا غابت قفَز المجرمون إلى فعل جرائمهم، أما المسلم فإنه يعيش في رقابة إلهية، ويحقِّق الأمن بإيمانه ومراقبته لله سبحانه وتعالى، وما تشاهدونه اليوم من بقايا كثير من الأمن في بلدان المسلمين، ليس لأن معظم دُوَلِهم وأقسامِ شرطتهم تقوم بمراقبة الناس ومتابعتهم بالقبضة الأمنية، فكثيرٌ من هذا غيرُ موجود في بلدان المسلمين، وإنما الذي يُثبِّت كثيرًا مِن الأمن في هذه البلدان هو بقايا الإيمان في قلوب أهلها، والخوف من الله، وإلا فما الذي يَمنع كثيرًا من الناس من أن يفعلوا الحرام في ظل عدم إقامة شرع الله، وضبط المجرمين، وإقامة الحدود عليهم؟! إنه بقاء شيء من الإيمان في نفوسهم، وشيء من المروءة والنَّخوة، وبعض العادات والتقاليد العربية الحميدة لديهم، فصار الناس يحمي بعضهم بعضًا، ويعيش بعضهم في أمن بعض، وهذا الذي ينبغي أن ينتبه له الناس، وهو أن الإيمان والأمانة هما الركيزتان الأساسيتان لتثبيت الأمن في بلدان الناس، وخاصة المسلمين!

 

يا أيها المؤمنون، يجب أن ننتبه إلى هذه النقطة، وأيةُ جهةٍ تريد أن تُثبت الأمن في بلدها، يجب أن تعتني بتثبيت الإيمان في قلوب الناس، وإقامة الرقابة الإلهية على ضمائرهم، وتعتني بدعمهم وإرشادهم إلى أن يكونوا أُمناءَ على التكاليف الشرعية، من الفرائض والواجبات، وسائر المسؤوليات، وعلى أداء الحقوق التي التزموا بها، فإن فعلوا ذلك فإن تحقيق الأمن لهم هو الثمرة العاجلة بإذن الله وتعالى، فإن الله جل وعلا قد وعَد عباده المؤمنين باستقرار دولهم، وحصول التمكين لهم في الأرض لإقامة العدل، بقوله: ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾ [النور: 55]، فمن أراد التمكين فعليه بالإيمان الصحيح، وعليه بالعمل الصالح، فالعمل الصالح هو الأمانة المذكورة في الحديث: ((لا إيمانَ لمن لا أمانة له))، فالأمانة هي المسؤوليات والتكاليف، وفي هذه الآية الأمانة هي العمل الصالح الذي بينك وبين الله من فرائض وواجبات، فتؤدِّيها كما أُمرت، وهي التكاليف والمسؤوليات التي بينك وبين الخلق، فكلُّ ذلك من العمل الصالح، فإعطاء الحقوق عمل صالح، والبيع والشراء بأمانة عملٌ صالح، وحماية حقوق الجيران عمل صالح، والقيام بالمسؤولية من غير غشٍّ ولا خداعٍ ولا رِشوة، عملٌ صالح، فالإيمان والعمل الصالح، أو الإيمان والأمانة، ثمرتُهما الأمن والاستقرار، والطمأنينةُ للإنسان في الحياة الدنيا وفي الآخرة، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا وإياكم ممن يستمعون القول فيتَّبعون أحسنَه.

 

أقول ما سمعتُم، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عُدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

 

عباد الله، أُوصيكم ونفسي بتقوى الله، فهي خير الزاد؛ ﴿ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ ﴾ [البقرة: 197].

 

أيها المؤمنون عباد الله، وهناك شرطٌ ثالث من شروط تحقُّق الأمن واستقراره في حياة الناس، إضافة إلى الإيمان والعمل الصالح، فالإيمان وأداء الحقوق، والإيمان والأمانة، يُثمر الأمن للإنسان في حياته وبعد مماته، فليس الهدف هو أن يتحقَّق الأمن فترة أو وقتًا أو زمنًا، ثم يذهب، بل المطلوب أن يتحقق الأمن ويستمر، فالإيمان والعمل الصالح يوصلان إلى الأمن، فكيف نُحافظ على هذا الأمن والاستقرار حتى لا يذهب عنا؟ بالشرط الثالث الذي ذكره الله سبحانه وتعالى في قوله: ﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ﴾ [النحل: 112]، فتدبَّروا معي هذه الآية، فهي شرطٌ لاستمرار الأمن الذي تحقَّق بالإيمان والعمل الصالح، وهي تحوي على الشرط الثالث، وهو شكر النعم، وعدم الكفر بها، فجمهور المفسرين على أن المقصود بالقرية مكة، فإن الله هيَّأ لها من أسباب الأمن ببناء البيت الذي جعله الله مثابةً للناس وأمنًا، ومَن دخله كان آمنًا، وكان الناس يُتخطَّفون مِن حولهم مِن الأعراب والقبائل؛ كما قال: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ ﴾ [العنكبوت: 67]، ولكن لَما كفَرت قريش بمحمد صلى الله عليه وسلم وآذته، عاقَبها الله سبحانه وتعالى بالخوف والجوع فترةً من الزمن لعلهم يرجعون!

 

وهو مثلٌ ضرَبه الله لإيضاح الفكرة، وإلا فهذا الأمر ينطبق على أيَّةِ قرية أو مدينة أو دولة أو جماعة، فلا يظُن مَن مكَّن الله له بالحكم والسلطة في بلد أن يستمرَّ معه ذلك التمكين ما لم يَشكُر نعمة الله عليه، فإن الكفر بالنعم يُحوِّلها إلى نِقَمٍ، والقصص التي تدل على ذلك في التاريخ كثيرة، منها: قصة قوم سبأ التي يعرفها اليمنيون، وما زالت آثارها في اليمن حتى اليوم، وفيهم قال الله: ﴿ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ ﴾ [سبأ: 19]، فلا تجد بُقعة في الأرض إلا فيها من أهل اليمن الذين شرَّدهم سَيْل العَرِم، وخرجوا من بلدهم تائهين في الأرض، وسببُ ذلك كفرهم بنِعم الله؛ كما قال: ﴿ لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ ﴾ [سبأ: 15].

 

حتى إن بعض المسافرين كانوا لا يأخذون طعامًا معهم، بل يمشون من منطقة إلى أخرى، فإذا جاعوا أكل من الفاكهة التي عن يمينهم وعن شمالهم، فسأموا تلك النعم، ﴿ فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ﴾ [سبأ: 19]، بالكفر بالله وجحود النعم، فحصَل لهم ما حصَل!

 

فالأمن بأنواعه المتعددة: أمن الأنفس، الأمن الغذائي، الأمن الفكري، الأمن الصحي، أنواع متعددة من الأمن، لا يَثبُت في أي بلدٍ إلا بالإيمان والعمل الصالح، بالإيمان والأمانة، ولا تستمر إلا بشكر النعمة، وشكر النعمة ليس فقط أن تقول: "أشكر الله"، فهذا شكر اللسان، ولكن بأن تستخدم هذه النعمة في طاعة الله، وإقامة شرعة؛ كما قال: ﴿ الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ ﴾ [الحج: 41].

 

فما الذي فعلتَه يا مَن منَحك الله نعمة التمكين في الأرض بهذه النعمة؟ هل أمَرت بالمعروف؟ هل نَهيتَ عن المنكر؟ هل أقَمتَ الحدود؟ هل أَعطيتَ كلَّ ذي حقٍّ حقَّه؟ أم أنك كفَرت بهذه النعمة؟ واستغللت جاهَك وقوتك وسلطانك في أخذ أموال الناس، واستعبادهم، وأكْل حقوقهم، وترويعهم، وانتهاك أعراضهم؟ فإن كنتَ فعلتَ ذلك، فانتظِر مصيرك السيئ، كحال مَن سبَقك من الأمم التي كانت في خير ونعمةٍ، فكفَرت بأنعُم الله، ﴿ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ﴾ [النحل: 112].

 

إن القرآن كله عِظةٌ وعِبرة، وفيه حلٌّ للمشكلات، لمن يتدبَّره التدبُّرَ الأمثل، فمن يقرأ الآية وينظُر تفسيرها الصحيح، وينظر مدلولَها العميق، سيجد بإذن الله سبحانه وتعالى الثمرةَ الطيبة المباركة لتدبُّرِه.

 

أيها المؤمنون، ما أحوجَنا إلى أن نكون جميعًا يدًا واحدة في تحقيق الأمن بمفهومه الشامل! وما أحوجنا إلى أن نشكُر نعمة الله سبحانه وتعالى فيما أعطانا من هذه النعم الخاصة والعامة، فإن عدمَ شكر النعمة يُذهبها، وتَحِلُّ بعدها النِّقمُ بالناس! كما قال: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ ﴾ [إبراهيم: 28]، فعلينا تثبيتُ الإيمان في نفوسنا، وتحقيقُ الأمانة في أداء المسؤولية، وهو ما سُمِّي بالمصطلح القرآني العمل الصالح؛ كما قال: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾ [البقرة: 277]، وقد تكرَّر هذا كثيرًا في القرآن، فالعمل الصالح في المصطلح القرآني ليس مجرد الصلاة والصيام فقط، فهذه من الأعمال الصالحة التي بينك وبين الله، وكذلك من الأعمال الصالحة أيضًا كلُّ ما يجب عليك فعلُه مع الخلق من الحقوق والواجبات، فإذا ما حقَّقنا الإيمان الصادق، وقُمنا بالعمل الصالح على أكمل وجه، فلنَنتظر ثمرة ذلك أمنًا واستقرارًا وطمأنينة في النفوس، ونِعمًا تُذهب بالفقر والجوع، وقد جمع الله بينهما في قوله: ﴿ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ ﴾ [قريش: 4]، فالإنسان لا يطمئن مع الجوع، فالجوعُ بئس الضجيعُ، ولا يُمكن للإنسان أن يعيش خائفًا ولو كان معه نِعمٌ كثيرة، وقد جمعها الله في دعاء إبراهيم لأهل الحرم في قوله: ﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ﴾ [البقرة: 126]، فكان قوله: ﴿ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ ﴾، هو استجابة لدعوة إبراهيم الخليل عليه السلام.

 

هذا وصلُّوا سلِّموا على مَن أمرنا الله بالصلاة عليه.





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • الأمن والأمان، في تطبيق شريعة الرحمن
  • صمام الأمن والأمان إلى آخر الزمان (خطبة)
  • خطورة الشرك والعصيان على الأمن والأمان
  • الظلم والأمن والأمان (خطبة)
  • نعمة الأمن والأمان (خطبة)

مختارات من الشبكة

  • خطبة: العدل ضمان والخير أمان(مقالة - آفاق الشريعة)
  • أمانة الكلمة وحماية الوطن (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • سياج الأمن وأمانة الكلمة (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • أبو عبيدة بن الجراح أمين الأمة (خطبة)(مقالة - موقع د. محمود بن أحمد الدوسري)
  • أمنا أم المؤمنين الطاهرة عائشة رضي الله عنها (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • الذب عن عرض أمنا عائشة (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • البلد الأمين (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • أمنيات في يوم الحسرات (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • الصاحب الأمين.. قامع المرتدين (خطبة)(مقالة - موقع د. محمود بن أحمد الدوسري)
  • حديث القرآن عن عيسى عليه السلام وأمه (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • 60 شابا يتنافسون في المسابقة الإسلامية ببلدة نورلت
  • تتويج الفائزين في مسابقة المؤذنين بزينيتسا
  • باحثون يسلطون الضوء على دور المسلمين في المجتمع الهندي
  • 60 معلمة تشارك في ندوة لتعزيز مهارات معلمات القرآن في مومشيلغراد
  • مسلمو تتارستان يطلقون حملة تبرعات لدعم ضحايا فيضانات داغستان
  • برنامج شبابي في تزولا وأوراسيي يدمج التعليم بالتكنولوجيا الحديثة
  • النسخة الثالثة عشرة من مسابقة "نور المعرفة" في تتارستان
  • موستار وبانيا لوكا تستضيفان مسابقتين في التربية الإسلامية بمشاركة طلاب مسلمين

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1447هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 27/10/1447هـ - الساعة: 14:44
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب