• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | مقالات شرعية   دراسات شرعية   نوازل وشبهات   منبر الجمعة   روافد   من ثمرات المواقع  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    الشماتة خلق دميم (خطبة)
    د. محمد حرز
  •  
    {أولئك كالأنعام بل هم أضل} خطبة
    كامل النظاري
  •  
    بيان ما أعطيه موسى عليه السلام في مقام الرعاية
    د. أحمد خضر حسنين الحسن
  •  
    الإيمان بالقضاء والقدر وثمراته (خطبة)
    الشيخ محمد بن إبراهيم السبر
  •  
    الافتقار إلى الله (خطبة)
    الشيخ عبدالله بن محمد البصري
  •  
    عبادة الخفاء
    سلامة إبراهيم محمد دربالة النمر
  •  
    فضل الوضوء قبل النوم
    د. خالد بن محمود بن عبدالعزيز الجهني
  •  
    اغتنام ما تبقى من شوال فرصة لا تعوض لصيام الست
    حسام كمال النجار
  •  
    فوائد وأحكام من قوله تعالى: {وسارعوا إلى مغفرة من ...
    الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم
  •  
    تيسير الزواج والتحذير من العزوف عنه (خطبة)
    الشيخ أحمد إبراهيم الجوني
  •  
    من وسائل الثبات على دين الله عز وجل (5) الابتعاد ...
    محمد بن عبدالله العبدلي
  •  
    تقلبات الدنيا والاعتبار بها (خطبة)
    د. عبدالرزاق السيد
  •  
    تحريم جحود أحد الكتب السماوية
    فواز بن علي بن عباس السليماني
  •  
    الدعوة التي غيرت مسار البشرية
    عبدالستار المرسومي
  •  
    التصوير البياني للكلمة الطيبة وأثرها في حياة ...
    د. أحمد مصطفى نصير
  •  
    قراءة القرآن الكريم (2)
    السيد مراد سلامة
شبكة الألوكة / آفاق الشريعة / منبر الجمعة / الخطب / الرقائق والأخلاق والآداب
علامة باركود

تقلبات الدنيا والاعتبار بها (خطبة)

تقلبات الدنيا والاعتبار بها (خطبة)
د. عبدالرزاق السيد

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 13/4/2026 ميلادي - 25/10/1447 هجري

الزيارات: 209

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

تقلبات الدنيا والاعتبار بها

 

الحمد لله رب العالمين، مدبر الخلق بأمره وحكمته، ومصرف الكون بقهره وإرادته، لا تتخلف ذرة في ملكوته عن أمره، لا يتقدم شيء أراد أن يؤخره، ولا يتأخر شيء أراد أن يقدمه، يقلب القلوب والأبصار، وكل شيء عنده بمقدار، وأشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له، جعل الدنيا دارَ ممر، تتقلب بأهلها فتكون عبرة للمعتبر، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين؛ أما بعد:

أهمية الحديث عن تقلبات الدنيا:

أيها المسلمون: إن من سنن الله الثابتة، وقضائه المطرد في هذه الحياة الدنيا أنها لا تدوم على حال، ولا تستقر على وضع واحد لأحد من خلقه، بل هي دار تقلب وتبدل، لا يوثق بأمانها، ولا يركن إلى رخائها، ولا يغتر بزخرفها وزينتها، فما هي إلا ميدان ابتلاء، وموطن اختبار، وساحة تمحيص، تمضي بأهلها بين مد وجزر، وليل ونهار، وسرور وحزن، وصحة وسقم، وسعة وضيق، وغنًى وفقر، وقوة وضعف، وسلم وحرب، وأمن وخوف، وعز وذل.

 

فما من حالة يمر بها الإنسان في هذا الزمان إلا وقد تقلب فيها من قبل غيره، أو سيتقلب هو فيها لاحقًا، فكم من إنسان أقبل عليه الليل وهو في عافية وسكينة، تغمره الطمأنينة، وتحيط به أسباب الراحة، ثم أصبح على نكد وابتلاء، يئن من ألم أو فقد أو ضيق حال! وكم من جماعة ومجتمع كانت تعيش في بحبوحة من العيش، وأمن واستقرار، وسعة في الأرزاق، فحلت بهم المصائب والمحن والحروب، والزلازل والفتن، وبدلت النعم نقمًا، وانقلب الرخاء شدة، والسعة ضيقًا!

 

حديث القرآن والسنة عن تقلبات الدنيا:

أيها المسلمون، إن المتأمل في حديث القرآن الكريم والسنة عن الدنيا يجد أن القرآن وصف هذه الحياة وحقيقتها؛ فقال الله تعالى: ﴿ وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا ﴾ [الكهف: 45]، ويقرر القرآن بكل وضوح وقوة وصراحة قصر هذه الحياة الدنيا: ﴿ اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾ [الحديد: 20]، وقد وصف الله سبحانه الحياة الدنيا بأنها متاع الغرور؛ قال تعالى: ﴿ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾ [آل عمران: 185]، وحذر الله سبحانه عباده من الانجرار وراء مفاتن الدنيا وتقلباتها؛ قال الله تعالى: ﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [هود: 15، 16]، وفي السنة النبوية عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: ((نام رسول الله صلى الله عليه وسلم على حصير فقام وقد أثر في جنبه، فقلنا: يا رسول الله لو اتخذنا لك وطاءً، فقال: ما لي وما للدنيا؟ ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها))؛ [صحيح سنن الترمذي].

 

حقيقة تقلبات الدنيا:

أيها المسلمون: إن المسلم ليس كغيره من بني البشر؛ فهو يتميز بإيمانه وإسلامه وتوحيده لربه عز وجل، يتميز بإيمانه الذي يبصره ويهديه بيقينه في هذه الدنيا وتقلباتها، وما يدور فيها ويحدث؛ لأنه يقرأ قول الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ * إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ ﴾ [فاطر: 5، 6]، وقد حذرنا ربنا من الذين يؤثرون الدنيا على الآخرة، فقال الله تعالى: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ ﴾ [البقرة: 86]، والإنسان بطبيعته يحب الحياة الدنيا؛ قال الله تعالى: ﴿ كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ * وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ ﴾ [القيامة: 20، 21]، وقال الله تعالى: ﴿ بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى ﴾ [الأعلى: 16، 17]، وحقيقة الحياة الدنيا أنها ليست دار مقر، بل هي دار ممر، منذ أن تستقر قدم العبد في هذه الدار فهو مسافر إلى ربه، ومدة سفره هي عمره الذي كتب له، ثم قد جعلت الأيام والليالي مراحل لسفره، فكل يوم وليلة مرحلة من المراحل، فلا يزال يطويها مرحلةً بعد مرحلة حتى ينتهي السفر، فالكيس الفطن هو الذي يجعل كل مرحلة نصب عينيه، فيهتم بقطعها سالمًا غانمًا، فإذا قطعها جعل الأخرى نصب عينيه.

 

هذه الحقائق عن الدنيا تحجبها عن تأمل القلب، جواذب الأرض وفتن الدنيا وتقلباتها؛ وفي حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها، فينظر كيف تعملون))؛ [مسلم]، وقد وصف الله الدنيا وتقلبها فهي كزهرة تزهر بنضارتها، تسحر الألباب، تستهوي القلوب، ثم لا تلبث إلا برهةً حتى تذبل، فتتلاشى تلك النضارة، وتحطمها الريح، كأنها لم تكن، هذا مثل الدنيا، زهرة فتانة غرارة، تخدع وتغري، فإذا أقبلت عليها النفوس، وتعلقت بها الألباب، تقلبت أيامها، واستحالت نضرتها إلى هشيم، فغدت نعمتها غرورًا؛ وصدق الله إذ يقول: ﴿ وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا * الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا ﴾ [الكهف: 45، 46]، إنها تقلبات الدنيا لا تصفو لشارب، ولا تبقى لصاحب، ولا تخلو من فتنة، ولا من محنة، فأعرض عنها قبل أن تعرض عنك، واستبدل بها قبل أن تستبدل بك، فإن نعيمها يتنقل، وأحوالها تتبدل، فهي ظل زائل، وسراب راحل، غناها مصيره إلى فقر، وفرحها يؤول إلى حزن، وهيهات أن يدوم بها قرار، إنما هي منازل، فراحلٌ ونازل، حلالها حساب، وحرامها عقاب، المكدود فيها شقيٌّ إن ظفر، ومحروم إن خاب، إن أخذ مالها من حله حوسب عليه، وإن أخذه من حرام عُذب به، من استغنى فيها فُتن، ومن افتقر فيها حزن، ومن أحبها أذلته، ومن تبعها أعمته، كم ذهب لأجلها من نفوس! وكم تطاير من رؤوس! وكم سحق من جماجم! وكم أريق من دماء! وكم شرد من أناس! وكم عذب مـن أقوام!

 

ومع هذا فهي ليست بدار قرار، كتب الله عليها الفناء، وكتب على أهلها فيها الظعن، فالركون إليها خطر، والثقة بها غرر، كثيرة التغيير والتقلب، سريعة التنكير، شديدة المكر، دائمة الغدر، أمانيها كاذبة، وآمالها باطلة، عيشها نكد، وصفوها كدر، والمرء منها على خطر، إما نعمة زائلة، أو بلية نازلة، أو مصيبة موجعة، أو ميتة قاضية، ما هي إلا أيام معدودة، وآجال مكتوبة، وأنفاس محدودة، وأعمال مشهودة، إن أضحكت قليلًا، أبكت كثيرًا، وإن سرت يومًا، ساءت أشهرًا وأعوامًا، وإن متعت قليلًا، منعت طويلًا، وما حصلت للعبد فيها سرورًا، إلا خبأت له شرورًا، ولا ملأت بيتًا فرحًا، إلا ملأته حزنًا، ﴿ يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ ﴾ [غافر: 39].

 

غفلة الإنسان عن تقلبات الدنيا:

أيها المسلمون: إن الدنيا تتقلب بأهلها، فلا تُبقي أحدًا على حال، العيش فيها مذموم، والسرور فيها لا يدوم، فلا يعرف حقيقة الدنيا إلا المحاسب لنفسه، المبادر إلى رضا ربه، فمن صفى صُفي له، ومن كدر كُدر عليه، ومن أحسن في ليله كوفئ في نهاره، ومن أحسن في نهاره كوفئ في ليله، ومن سره أن تدوم عافيته فليتقِ الله ربه، فالبر لا يبلى، والذنب لا ينسى، والديان لا يموت، وكما تدين تدان، فإذا رأى أحدنا تكديرًا في عيشه، واضطرابًا في شأنه فليتذكر زلة قد ارتكبت، أو نعمة من الله ما شكرت، ويتذكر غفلته عن تقلبات الدنيا، وأنه سيتركها في يوم من الأيام، وأنه إلى الله راجع؛ يقول الفضيل بن عياض رحمه الله: "من عرف أنه عبد لله وراجع إليه، فليعلم أنه موقوف، ومن علم أنه موقوف فليعلم أنه مسؤول، ومن علم أنه مسؤول فليعد لكل سؤال جوابًا، قيل: يرحمك الله فما الحيلة؟ قال: الأمر يسير، تحسن فيما بقي يغفر لك ما مضى، فإنك إن أسأت فيما بقي أخذت بما مضى وما بقي"؛ [جامع العلوم والحكم].


فأين أصحاب الغفلة من أيامهم التي تمضي، وأعمارهم التي تفوت، وأبدانهم التي تبلى؟ فكل صغير يكبر، وكل كبير يموت، وكل أول له آخر، فالحياة كلها لحظات وتقلبات؛ قال الله تعالى: ﴿ قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ ﴾ [المؤمنون: 114، 115].


أيها الأحبة: لقد علمتنا الأحداث التي تجري هذه الأيام أن الدنيا لا تدوم على حال، ومن رام دوام الحال فقد تطلب المحال، وأن الدهر دول والأيام تتقلب، فرُب عزيز منيع غني رفيع أمسى كذلك وأصبح ذليلًا فقيرًا وضيعًا: ﴿ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ ﴾ [آل عمران: 140]، فيوم علينا ويوم لنا، ويوم نُساء ويوم نَسُرُّ: ﴿ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ ﴾ [البقرة: 251]، فالله تعالى جعل الدنيا تتقلب بأصحابه حتى يدفع بعض الناس ببعض، لتسير الحياة وتتحقق السنن الربانية، ولولا سنة المدافعة وتقلبات الدنيا، لكانت الأمور على ما هي عليه، ولولا سنة المدافعة لما زالت دولة ولا تغير حاكم، ولَما زال ظلم، والله بحكمته يعطي الملك في هذه الدنيا لهذا وينزعه من هذا، ليعلم الناس أن الدنيا لا تدوم لأحد، بل تتقلب على الناس في لحظات، فيعلمون أنه لا ملك كامل ولا ملك حق ولا مالك ملكًا مطلقًا إلا الله، فهو مالك الدنيا ومالك الآخرة، وغيره يملكون يومًا ويملكون دهرًا، ثم تتقلب بهم الدنيا فيزول منهم الملك إما بموت أو بعزل؛ قال الله تعالى: ﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [آل عمران: 26].


كيف نتعامل مع تقلبات الدنيا؟

أيها المسلمون: إن تقلبات الحياة لا تتوقف، أوقات تكون لك، وأوقات أخرى تكون عليك، وإن طريقة تعاملنا مع تلك التقلبات تحدد حالتنا النفسية كيف تكون، والحياة لا تأتي كما نريد، لكننا نحاول جعل الحياة أفضل، فكيف نتعامل مع تقلبات الحياة؟

 

أولًا: التفكر فيما يجري في الحياة: النظر في الكون والمخلوقات، وأخذ العظة والاعتبار مما يجري حول الإنسان من المواقف والحوادث وتقلبات الدنيا، فالحادثة تمر أمام جمع من الناس، ويسمع بها جموع آخرون، فيستفيد منها جمع، وآخرون تمر بهم الحادثة على عين بلهاء، وفؤاد ميت، ونفس غافلة لاهية، فلا يستفيد منها شيئًا، حتى يكون هو بنفسه عبرة لأولي الأحلام والنُّهى، وكم في الناس من يصدق فيهم قول الحق سبحانه: ﴿ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ﴾ [الأعراف: 179].


ثانيًا: النظر في أخبار من مضى: لقد غفلنا اليوم في عالم الماديات وعصر التكنولوجيا والمحسوسات عن الاعتبار بمن مضى؛ قال الله تعالى: ﴿ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ [يوسف: 111].


ثالثًا: الاستعداد للمفاجآت المرتقبة، والتي من أهمها وأولاها بالاستعداد: الانتقال من هذه الدار والقدوم على الله عز وجل للحساب، ومن خلال هذا كله يعرف المرء العاقل أنه راحل من هذه الدنيا كما رحل غيره؛ قال الله تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ [الجمعة: 8]، ومن تقلبات الدنيا: أمن وخوف، وسلم وحرب، وغنى وفقر، ومرض وصحة، وغيرها من تقلبات الدنيا التي نشاهدها اليوم، فيعلم الناس أنهم فقراء إلى الله، ولا غنى لهم عنه: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ﴾ [فاطر: 15].


رابعًا: التعلق بالله وحده: ومن تعلق قلبه بالله، لم تهزه تقلبات الدنيا، ولم يغلبه ضيق أو يأس، فهو يرى بنور اليقين، ويتكئ على قوة لا تخذل، فيسكن قلبه، ويصفو قوله، ويسمو خلقه، ويمضي بسلام مهما اشتدت به تقلبات الدنيا، قلوب لا تعرف إلا الله، إن خافت اتجهت إلى الله فأمن خوفها، وإن ضلت سألت الله فهداها صراطه المستقيم، وإن تألمت اشتكت إلى الله فسمع شكواها وكشف بلواها، قلوب تعلم أن الله بيده كل شيء؛ قال الله تعالى: ﴿ وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ [يونس: 107]، وقد ضرب الله لنا مثل المتعلق به الصادق وغير الصادق؛ فقال الله تعالى: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ * يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ * يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ ﴾ [الحج: 11 - 13].





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • العطايا والمنح بعد المحن (خطبة)
  • استقبال رمضان بين الشوق والحرمان (خطبة)
  • رمضان سباق نحو الجنان (خطبة)
  • ليلة القدر غنيمة العمر (خطبة)
  • خطبة عيد الفطر لعام 1447هـ

مختارات من الشبكة

  • تفسير قوله الله تعالى: {لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد...}(مقالة - آفاق الشريعة)
  • الاستمرارية: فريضة القلب في زمن التقلب(مقالة - مجتمع وإصلاح)
  • تأجيل الحج خوفا من تقلبات الزمان(استشارة - الاستشارات)
  • تقلبات النفوس وتطهيرها(مقالة - مجتمع وإصلاح)
  • تقلبات نفسية لبعد زوجتي عني(استشارة - الاستشارات)
  • أسباب النجاة من تقلبات الحياة(مقالة - موقع أ.د.سليمان بن قاسم بن محمد العيد)
  • الثقافة الإنفاقية تجنب الأسرة مخاطر تقلبات الأسعار..(مقالة - موقع د. زيد بن محمد الرماني)
  • على حافة الفجر(مقالة - آفاق الشريعة)
  • أثر التفكير الغربي في مناهج التعليم للعالم العربي (1)(مقالة - مجتمع وإصلاح)
  • مجالات الصبر(مقالة - آفاق الشريعة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • 60 معلمة تشارك في ندوة لتعزيز مهارات معلمات القرآن في مومشيلغراد
  • مسلمو تتارستان يطلقون حملة تبرعات لدعم ضحايا فيضانات داغستان
  • برنامج شبابي في تزولا وأوراسيي يدمج التعليم بالتكنولوجيا الحديثة
  • النسخة الثالثة عشرة من مسابقة "نور المعرفة" في تتارستان
  • موستار وبانيا لوكا تستضيفان مسابقتين في التربية الإسلامية بمشاركة طلاب مسلمين
  • بعد 9 سنوات من البناء افتتاح مسجد جديد بمدينة شومن
  • قازان تحتضن منافسات قرآنية للفتيات في أربع فئات
  • خبراء يناقشون معايير تطوير جودة التعليم الإسلامي في ندوة بموسكو

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1447هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 24/10/1447هـ - الساعة: 15:49
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب