• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | مقالات شرعية   دراسات شرعية   نوازل وشبهات   منبر الجمعة   روافد   من ثمرات المواقع  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    تفسير قوله تعالى: {قال فبما أغويتني لأقعدن لهم ...
    د. عبدالفتاح بن صالح الرصابي القعطبي
  •  
    صلة الأرحام
    السيد مراد سلامة
  •  
    الشفاعة الكبرى ومقام النبي صلى الله عليه وسلم يوم ...
    محمد بن سند الزهراني
  •  
    أفراح الصائمين (خطبة)
    د. عبد الرقيب الراشدي
  •  
    أم المؤمنين عائشة الفقيهة العالمة (خطبة)
    د. محمود بن أحمد الدوسري
  •  
    فضل قيام رمضان
    الشيخ د. إبراهيم بن محمد الحقيل
  •  
    خطبة: غزوة بدر الكبرى في رمضان
    د. أيمن منصور أيوب علي بيفاري
  •  
    فلنغتنم شهر رمضان
    نورة سليمان عبدالله
  •  
    تطاير الصحف وأخذ الكتاب باليمين أو الشمال
    محمد بن سند الزهراني
  •  
    بل هو قرآن مجيد (خطبة)
    الشيخ عبدالله محمد الطوالة
  •  
    الواقعية في التربية النبوية (خطبة)
    د. محمود بن أحمد الدوسري
  •  
    الفتوى الشاذة
    الشيخ عبدالله بن محمد بن سعد آل خنين
  •  
    تفسير قوله تعالى: { إن الذين يشترون بعهد الله ...
    د. عبدالفتاح بن صالح الرصابي القعطبي
  •  
    اغتنام رمضان وطيب الإحسان (خطبة)
    الشيخ أحمد إبراهيم الجوني
  •  
    غزوة بدر الكبرى
    مالك مسعد الفرح
  •  
    الحشر: جمع الخلائق للعرض والحساب
    محمد بن سند الزهراني
شبكة الألوكة / آفاق الشريعة / منبر الجمعة / الخطب / العبادات / الصيام ورمضان وما يتعلق بهما
علامة باركود

أفراح الصائمين (خطبة)

أفراح الصائمين (خطبة)
د. عبد الرقيب الراشدي

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 4/3/2026 ميلادي - 15/9/1447 هجري

الزيارات: 957

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

أفراح الصائمين

 

الخطبة الأولى

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعين به ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدِ، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في سلطانه، ولا مناوئ له في علو شأنه، العظيم الذي تصاغر لعظمته العظماء من أهل الأرضين والسماء، فكل عزيز تحت عزه ذليل، وكل غنيٍّ تحت غناه فقير.

 

يا رب:

هذي ذنوبي في الورى كثرت
وليس لي عمل في الحشر ينجيني
وقد أتيتك بالتوحيد يصحبه
حب النبي وهذا القدر يكفيني

 

وأشهد أن نبينا وعظيمنا ومخرجنا من الظلمات إلى النور بإذن ربه محمد رسول الله، أشهد بأنه بلغ الرسالة وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، تركنا على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، ولا يتمسك بها إلا كل منيب سالك، فصلوات ربي وتسليماته عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه، ومن دعا بدعوته وسار على طريقته، واستنَّ بسنته إلى يوم الدين.

 

أيها المؤمنون: اعلموا أن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد بن عبدالله، وشر الأمور محدثاتها، كل محدثة بدعة، كل بدعة ضلالة، كل ضلالة في النار، عياذًا بالله من ذلك.

 

أوصيكم ونفسي بتقوى الله، وصية الله للأولين والآخرين، ووصيته للناس أجمعين إلى يوم الدين؛ فقد قال عز من قائل ولم يزل قائلًا عليمًا، وآمرًا حكيمًا: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: 70، 71]؛ أما بعد:

فقد روى الإمام أحمد في مسنده والنسائي في سننه بإسناد صحيح عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال: ((أنشأ رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوًا، فأتيته فقلت: يا رسول الله، ادع الله لي بالشهادة، فقال: اللهم سلمهم وغنمهم، قال: فغزونا فسلمنا وغنمنا، قال: ثم أنشأ رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوًا ثانيًا، فأتيته فقلت: يا رسول الله، ادع الله لي بالشهادة، قال: اللهم سلمهم وغنمهم، قال: فغزونا فسلمنا وغنمنا، قال: ثم أنشأ رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوًا ثالثًا، فأتيته فقلت: يا رسول الله، قد أتيتك تترى مرتين أسألك أن تدعو الله لي بالشهادة، فقلت: اللهم سلمهم وغنمهم، يا رسول الله، فادع الله لي بالشهادة، فقال: اللهم سلمهم وغنمهم، قال: فغزونا فسلمنا وغنمنا، ثم أتيته بعد ذلك فقلت: يا رسول الله، مرني بعمل آخذه عنك ينفعني الله به، قال: عليك بالصوم؛ فإنه لا مثل له، قال: فكان أبو أمامة وامرأته وخادمه لا يلفون إلا صيامًا، فإذا رأوا نارًا أو دخانًا بالنهار في منزلهم عرفوا أنهم اعتراهم ضيف، قال: ثم أتيته بعد فقلت: يا رسول الله، إنك قد أمرتني بأمر، وأرجو أن يكون الله قد نفعني به، فمرني بأمر آخر ينفعني الله به، قال: اعلم أنك لا تسجد لله سجدةً إلا رفع الله لك بها درجةً، أو حط – شك مهدي – عنك بها خطيئةً)).

 

أيها المؤمنون: اشتاق أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه للشهادة في سبيل الله تعالى؛ كونها من أسرع الطرق الموصلة إلى مرضاة الله وإلى جنته، فظل يترقب خروج غزوة من الغزوات، حتى إذا أنشأ رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة فأسرع أبو أيوب والتحق بها، ثم ذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأله أن يدعو الله له أن يوفقه الله للشهادة في سبيل الله تعالى، فكان رسول الله يدعو الله له ولمن معه بالسلامة والغنيمة، وتكرر هذا الدعاء من رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي أيوب وأصحابه ثلاث مرات.

 

ولما علم أبو أيوب أن أمله في الحصول على الشهادة بعيد المنال، طلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدله على عمل صالح يقترب أجره من أجر الشهادة، فدله النبي صلى الله عليه وسلم على الصيام، فقال له: ((عليك بالصوم؛ فإنه لا مثل له))، وفي هذه الوصية النبوية حث من النبي صلى الله عليه وسلم لأبي أيوب أن يكثر من عبادة الصيام؛ لأنه لا مثل له بين العبادات في إصلاح القلوب وتزكية النفوس، ولا مثل له بين الطاعات في الانتصار على شياطين الجن والإنس، ولا مثل له في رفع الدرجات وتكفير السيئات، ولا مثل له في إيجاد الرحمة بين المسلمين والشعور بهم، ولا مثل له في إصلاح الأبدان وحفظ صحتها وإبقاء صحتها، إلى غير ذلك من الأمور التي تضمنها هذا الحديث النبوي الشريف.

 

أيها المؤمنون: ما زلنا في شهر رمضان شهر الصيام والقيام، هو أحد أركان الإسلام، والصوم عبادة من أجل العبادات، وهو قربة إلى الله تعالى من أشرف القربات، وقد جعل الإسلام للصيام كثيرًا من الفضائل، فما أحرى بنا في هذه الخطبة أن نتذكر بعض فضائل الصيام؛ علنا أن نفرح بهذه الفضائل، وتشتاق أنفسنا إلى الصيام، ونصوم صومًا مقبولًا!

 

أيها المؤمنون، من فضائل الصيام أنه العبادة الوحيدة التي أضافها الله تعالى إلى نفسه؛ ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كل عمل ابن آدم يضاعف، الحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، قال الله عز وجل: إلا الصوم؛ فإنه لي وأنا أجزي به، يدع شهوته وطعامه من أجلي، للصائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه))، قد يقول قائل: معلوم أن جميع الطاعات والعبادات لله تعالى؛ فلماذا أضاف الله تعالى الصوم من بين سائر العبادات؟

 

وللإجابة عن ذلك فقد ذكر أهل العلم أسبابًا كثيرة لهذه الإضافة، ومن ذلك: لأن الصوم عبادة بعيدة من الرياء، لخفائها بخلاف بقية العبادات والطاعات الظاهرة، التي يراها الناس، كالصلاة والحج والصدقة، وغيرها من العبادات، أما الصيام فلا يراه أحد، ولا يعلم بحقيقة الصائم وحاله إلا الله تعالى، ولأن الصيام ليس معناه ترك الطعام والشراب فقط، بل لا بد مع ذلك أن يكون صومه خالصًا لله عز وجل، وهذا لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى؛ قال ابن بطال: إنما خص الصوم بأن يكون هو الذي يتولى جزاءه؛ لأن الصوم لا يظهر من ابن آدم بلسان، ولا فعل فتكتبه الحفظة، إنما هو نية في القلب، وإمساك عن المطعم والمشرب، فيقول: أنا أتولى جزاءه على ما أحب من التضعيف.

 

ومن ذلك: إن أعمال العبد قد يجري فيها القصاص يوم القيامة، فالمظلومون يقتصون ممن ظلمهم بأخذ شيء من أعماله وحسناته؛ إلا أجر الصيام فإنهم لا يأخذون منه شيئًا، وإنما يدخر الله تعالى للعامل أجر صيامه يوم القيامة يجزيه به كما يشاء؛ ومما يدل على ذلك قوله في إحدى روايات الحديث: ((كل عمل ابن آدم له كفارة، والصوم لي وأنا أجزي به))؛ أي: إن أعمال العبد يجري فيها القصاص ويأخذها غرماؤه يوم القيامة إذا كان ظلمهم، إلا الصيام، فإن الله يحفظه لعبده ولا يتسلط عليه الغرماء، ويكون لصاحبه عند الله عز وجل، ولعل هذا السبب من أسباب فرح الصائم بصيامه عند لقاء ربه تبارك وتعالى.

 

أيها المؤمنون: ومن أسباب هذه الإضافة أن الصوم عبادة لم يتقرب بها إلى غير الله تعالى، وأهل الكفر والشرك في كل عصر من العصور لم يتعبدوا لمعبوداتهم بالصيام لهم، وقد يتقربون إليهم بالصلاة، وبالسجود، وبالصدقة، وبالذكر، وغير ذلك من أنواع القرب، إلا الصيام فلم يتقربوا به إلى معبوداتهم وأصنامهم، وتفرد المسلمون بتقربهم إلى الله تعالى بالصيام.

 

أيها المؤمنون: ومن فضائل الصوم أنه جُنة، يقي الصائم ما يضره من الشهوات، ويجنبه الآثام التي تجعل صاحبها عرضة لعذاب النار، وتورثه الشقاء في الدنيا والآخرة؛ ففي الصحيحين عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء))، ومعناه أن الصوم قامع لشهوة النكاح فيقي صاحبه عنت العزوبة ومخاطرها؛ وفي الصحيحين قال صلى الله عليه وسلم: ((الصيام جنة، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل: إني امرؤ صائم)).

 

ومن فضائله أنه من أسباب تكفير الذنوب؛ كما في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه: ((الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات ما بينهن إذا اجتنبت الكبائر))، وفي صحيح مسلم عن أبي قتادة رضي الله عنه قال: ((سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم عرفة؛ قال: يكفر السنة الماضية والباقية، وسئل عن صيام يوم عاشوراء، فقال: يكفر السنة الماضية)).

 

أيها المؤمنون: ومن فضائل الصيام أنه يشفع لصاحبه يوم القيامة، لما روى الإمام أحمد في مسنده بسند حسن عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة؛ يقول الصيام: أي رب؛ منعته الطعام والشهوة فشفعني فيه، ويقول القرآن: منعته النوم بالليل فشفعني فيه، قال: فيشفعان)).

 

ومن فضائل الصيام أنه من أسباب دخول الجنة من باب الريان، فقد اختص الله تعالى الصيام بباب من أبواب الجنة يدخل منه الصائمون، فينادون منه يوم القيامة إكرامًا لهم، وإظهارًا لشرفهم؛ ففي الصحيحين عن سهل بن سعد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن في الجنة بابًا يقال له: الريان، يدخل منه الصائمون يوم القيامة، لا يدخل منه أحد غيرهم، يقال: أين الصائمون؟ فيقومون فيدخلون، فإذا دخلوا أغلق فلم يدخل منه أحد)).

 

كما أن الصيام من أسباب مباعدة العبد عن نار جهنم؛ جاء في سنن الترمذي بسند صححه الألباني، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من صام يومًا في سبيل الله جعل الله بينه وبين النار خندقًا كما بين السماء والأرض)).

 

ومن فضائل الصيام أن أجره بغير حساب؛ وذلك أن الصيام نوع من أنواع الصبر، وقد ذكر الله تعالى في كتابه الكريم أن أجر الصابرين بغير حساب، قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ [الزمر: 10]، وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كل عمل ابن آدم يضاعف، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، قال الله عز وجل: إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به))، فما ظنك بثواب عمل يجزي عليه الكريم الجواد بلا حساب؟

 

أيها المؤمنون: ومن فضائل الصيام أنه سبب لفرحة الصائم في الدنيا والأخرى؛ ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((للصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقي ربه فرح بصومه))، ويفرح الصائمون أكثر يوم القيامة عندما تفرش لهم موائد للطعام والشراب؛ نقل ابن رجب رحمه الله عن بعض السلف أنه قال: "بلغنا أنه يوضع للصوام مائدة يأكلون عليها والناس في الحساب، فيقولون: يا رب نحن نحاسب وهم يأكلون، فيقال: إنهم طالما صاموا وأفطرتم، وقاموا ونمتم".

 

وهذا من الفرح المحمود؛ لأنه فرح بفضل الله ورحمته، ولعل فرحه بفطره؛ لأن الله منَّ عليه بالهداية إلى الصيام والإعانة عليه حتى أكمله، وبما أحله الله له من الطيبات التي يكسبها الصيام لذة وحلاوة لا توجد في غيره، ويفرح الصائم بصيامه عند لقاء ربه حين يلقى الله راضيًا عنه، ويجد جزاءه عنده كاملًا موفرًا.

 

أيها المؤمنون: إن الله تعالى يكرم الصائمين بالري التام يوم العطش الأكبر يوم القيامة؛ فقد روى عبدالرزاق في مصنفه والبزار في مسنده وحسنه الألباني في صحيح الترغيب عن ابن عباس رضي الله عنهما: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبا موسى على سرية في البحر، فبينما هم كذلك، قد رفعوا الشراع في ليلة مظلمة، إذا هاتف فوقهم يهتف: يا أهل السفينة قفوا أخبركم بقضاء قضاه الله على نفسه، فقال أبو موسى: أخبرنا إن كنت مخبرًا، قال: إن الله تبارك وتعالى قضى على نفسه أنه من أعطش نفسه له في يوم صائف؛ سقاه الله يوم العطش، وفي رواية: إن الله قضى على نفسه أن من عطش نفسه لله في يوم حار، كان حقًّا على الله أن يرويه يوم القيامة، فكان أبو موسى يتوخى اليوم الشديد الحر الذي يكاد الإنسان ينسلخ فيه حرًّا فيصومه))، فصيام نهار الصيف من خصال الإيمان؛ لطول نهار الصيف وشدة حره.

 

أيها المؤمنون: ومما ينبه على فضل الصيام، وطيب عاقبته في الآخرة ما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((والذي نفس محمد بيده، لخُلُوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك))، وإنما كانت هذه الريح طيبة عند الله تعالى مع أنها كريهة في الدنيا؛ لأنها ناشئة عن طاعته فهي محبوبة لديه، ولعل في الحديث ما يشير إلى أن هذا الخلوف يفوح يوم القيامة من فم صاحبه أطيب من ريح المسك، حين يقف بين يدي ربه، مثله مثل الشهيد حين يأتي يوم القيامة؛ ففي الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما من مكلوم يكلم في سبيل الله إلا جاء يوم القيامة وكلمه يدمى، اللون لون دم والريح ريح مسك)).

 

جعلنا الله ممن يشرب يوم القيامة شربة لا يظمأ بعدها أبدًا بمنه وكرمه وجوده وفضله ورحمته، فإنه لطيف بعباده وهو أرحم الراحمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

الخطبة الثانية

الحمد لله الذي كان بعباده خبيرًا، وتبارك الذي جعل في السماء بروجًا وجعل فيها سراجًا وقمرًا منيرًا، وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يتذكر أو أراد شكورًا، والصلاة والسلام على البشير النذير محمد، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه وإخوانه؛ أمــــــا بــــعـــــد أيها المؤمنون:

فلما علم الصحابة والتابعون ومن بعدهم فضائل الصيام وما له من الأجر الكبير عند الله تعالى، فقد تنافسوا في عبادة الصيام، والمداومة عليها طوال العام؛ لذا كان علينا أن نقرأ سيرهم، ونتلمس أخبارهم، وأحوالهم مع عبادة الصيام؛ حتى نسير سيرهم لعلنا أن نبلغ المجد الذي بلغوه؛ ففي صحيح البخاري عن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما يقول: ((أنكحني أبي امرأة ذات حسب، فكان يتعاهد كنته – وهي زوجة الولد – فيسألها عن بعلها، فتقول: نعم الرجل من رجل، لم يطأ لنا فراشًا، ولم يفتش لنا كنفًا مذ أتيناه، فلما طال ذلك عليه ذكر للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: ألقني به، فلقيته بعد، فقال: كيف تصوم؟ قلت: كل يوم، قال: وكيف تختم؟ قلت: كل ليلة، قال: صم في كل شهر ثلاثةً، واقرأ القرآن في كل شهر، قال: قلت: أطيق أكثر من ذلك، قال: صم ثلاثة أيام في الجمعة، قلت: أطيق أكثر من ذلك، قال: أفطر يومين وصم يومًا، قال: قلت: أطيق أكثر من ذلك، قال: صم أفضل الصوم صوم داود، صيام يوم وإفطار يوم، واقرأ في كل سبع ليال مرةً، فليتني قبلت رخصة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذاك أني كبرت وضعفت، فكان يقرأ عليه بعض أهله السبع من القرآن بالنهار، والذي يقرؤه يعرضه من النهار؛ ليكون أخف عليه بالليل، وإذا أراد أن يتقوى أفطر أيامًا وأحصى، وصام أيامًا مثلهن، كراهية أن يترك شيئًا فارق النبي صلى الله عليه وسلم عليه)).

 

أيها المؤمنون: كان الصالحون رحمهم الله يتحسرون لفراق الحياة، لا حبًّا بأشجارها وأنهارها، ولا شوقًا إلى نسائها وبهرجها، ولكن لصيام الهواجر، وقيام الليل؛ جاء في الزهد لابن أبي عاصم أنه لما حضرت معاذ بن جبل رضي الله عنه الوفاة قال: "اللهم إن كنت تعلم أني لم أكن أحب الدنيا وطول البقاء فيها لكري الأنهار، ولا لغرس الشجر، ولكن لظمأ الهواجر، ومكابدة الساعات، ومزاحمة العلماء بالركب عند حلق الذكر".

 

وفي شعب الإيمان للبيهقي عن عبيدالله بن محمد التيمي قال: حدثني بعض أشياخنا أن رجلًا من عامة هذه الأمة حضرته الوفاة فجزع جزعًا شديدًا وبكى بكاء كثيرًا، فقيل له في ذلك، فقال: ما أبكي إلا على أن يصوم الصائمون لله ولست فيهم، ويصلي المصلون ولست فيهم، ويذكره الذاكرون ولست فيهم، فذاك الذي أبكاني.

 

أرأيتم كيف اشتياقهم لفعل الطاعات، وتهافتهم لعمل الخيرات؟ لقد فارقوا الملذات، وهجروا المباحات، وما حصل منهم ذلك إلا لأنهم ذاقوا طعم الإيمان، فبكوا لفراق الحياة، لا حبًّا فيها، ولكن لفوات تلك الأعمال، فلا إله إلا الله، من لم يدخل جنة الدنيا لم يدخل جنة الآخرة.

 

فلنجاهد أنفسنا على الصيام، وليكن صيامنا كما كان صيام سلف هذه الأمة، حتى ننال من الصيام ما نالوه منه، وحتى يمن الله علينا، فنكون من الذين يدخلون الجنة من باب الريان؛ فالصيام الحق ليس الامتناع عن الطعام والشراب فقط، ومعاقرة الذنوب والآثام، بل إنه يشمل ترك المنكرات والسيئات؛ فعن الشعبي قال: قال عمر: "ليس الصيام من الطعام والشراب وحده، ولكنه من الكذب والباطل واللغو والحلف"، وعن كثير بن هشام عن جعفر قال: سمعت ميمونًا يقول: "إن أهون الصوم ترك الطعام والشراب"، وعن الشعبي عن علي قال: "إن الصيام ليس من الطعام والشراب، ولكن من الكذب والباطل واللغو"، وعن مجاهد قال: "خصلتان من حفظهما سلم له صومه: الغيبة والكذب".

 

اللهم في شهر رمضان تقبل منا فيه الصيام والقيام وتلاوة القرآن، واجعلنا فيه عندك من الفائزين، ومن المقبولين.

 

هذا؛ وصلوا وسلموا رحمكم الله على الرحمة المهداة، والنعمة المسداة؛ نبينا وإمامنا وقدوتنا محمد بن عبدالله، صلى الله عليه وسلم، فقد أمرنا الله بالصلاة والسلام عليه بقوله: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [الأحزاب: 56].

 

اللهم صلِّ وسلم وبارك على نبينا محمد، صاحب الوجه الأنور والجبين الأزهر، وارضَ اللهم عن خلفائه الراشدين والأئمة المهديين؛ أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر الصحب والآل ومن تبعهم بإحسان إلى يوم التنادِ، وعنا معهم بمنك وكرمك يا أكرم الأكرمين.

 

اللهم اغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار، اللهم إنا نسألك من موجبات رحمتك، ومن عزائم مغفرتك، والسلامة من كل إثم، والغنيمة من كل بر، والفوز بالجنة، والنجاة من النار، اللهم إنا نسألك إيمانًا كاملًا، ويقينًا صادقًا، ورزقًا واسعًا، وحلالًا طيبًا، وعملًا صالحًا متقبلًا، اللهم يا واصل المنقطعين أوصلنا إليك، اللهم يا واصل المنقطعين أوصلنا إليك، اللهم هب لنا عملًا صالحًا نتقرب به إليك، اللهم نوِّر قلوبنا بنور الإيمان، وأعنا على نفوسنا والشيطان، وآيسه منا كما آيسته من رحمتك يا رحمن.

 

اللهم خفف عنا الأوزار، وارزقنا عيشة الأبرار، واصرف عنا شر الأشرار، وأعتق رقابنا ورقاب آبائنا وأمهاتنا من النار برحمتك يا كريم يا غفار.

 

اللهم أنجِ المستضعفين من المؤمنين في غزة وفلسطين، اللهم كن معهم ناصرًا ومعينًا ومؤيدًا وحافظًا يا رب العالمين، اللهم وحد صفهم، واجمع كلمتهم، وسدد رميهم، وأشبع جائعهم، واشف جريحهم ومرضاهم، وانصرهم على عدوك وعدوهم يا ذا الجلال والإكرام.

 

اللهم عليك بأعدائهم وأعداء المسلمين من اليهود ومن شايعهم، فإنهم لا يعجزونك، اللهم أحصهم عددًا، واقتلهم بددًا، لا تغادر منهم أحدًا، أرنا فيهم يومًا أسود كيوم عاد وثمود والأحزاب، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، وصلِّ اللهم وسلم على سيدنا محمد.

 

عباد الله، ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ [النحل: 90]، فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزِدْكم، واستغفروه يغفر لكم، ﴿ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ ﴾ [العنكبوت: 45]، وقوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله.





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • أفراح الصائمين
  • تدرب الصائم على أنواع من التدريب

مختارات من الشبكة

  • لماذا لا تفرح برمضان(مقالة - ملفات خاصة)
  • تفسير قوله تعالى: {لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا...}(مقالة - آفاق الشريعة)
  • إفادة القارئين بمختارات من "فرحة المدرسين بذكر المؤلفات والمؤلفين"(مقالة - ثقافة ومعرفة)
  • {لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا}(مقالة - موقع أ. د. فؤاد محمد موسى)
  • راجي الفلاح تهذيب حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح للإمام ابن قيم الجوزية (WORD)(كتاب - مكتبة الألوكة)
  • لك السعادة والفرح (بطاقة أدبية)(مقالة - حضارة الكلمة)
  • رمضان أفراح الأرواح (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • خطبة: عيد الفطر 1444 هـ - أفراح المؤمن(مقالة - آفاق الشريعة)
  • أفراح يوم القيامة (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • مع أفراح العيد(مقالة - موقع الشيخ عبدالله بن صالح القصيِّر)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
  • بنر
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • انطلاق مسابقة تعليم وإتقان الأذان للفتيان في تتارستان
  • بعد 30 عاما دون ترميم مسجد أرسك المركزي يعود بحلة حديثة في رمضان
  • انطلاق الأعمال التمهيدية لبناء مركز إسلامي رئيسي في كاستيلون
  • مسجد العتيق: معلم إسلامي تاريخي في البوسنة يستعيد دوره الديني
  • معرض "القلم" للكتاب في رمضان يفتح أبوابه للعام الحادي عشر بإصدارات متنوعة
  • مشروع إنساني يدمج المكفوفين في برامج تعليمية وتأهيلية خلال رمضان
  • أكاديميون من روسيا وتتارستان يناقشون أحكام الصيام في ندوة علمية
  • مجالس قرآنية يومية لتعزيز الوعي الديني للمسلمين في أمريكا اللاتينية خلال شهر رمضان

  • بنر
  • بنر
  • بنر
  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1447هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 15/9/1447هـ - الساعة: 13:49
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب