• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | مقالات شرعية   دراسات شرعية   نوازل وشبهات   منبر الجمعة   روافد   من ثمرات المواقع  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    الموازنة بين معجزة تكسير الخليل إبراهيم للأصنام ...
    د. أحمد خضر حسنين الحسن
  •  
    تكلم الله سبحانه وتعالى يوم القيامة
    فواز بن علي بن عباس السليماني
  •  
    نفوسنا بين المسارعة والمخادعة (خطبة)
    الشيخ عبدالله بن محمد البصري
  •  
    قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا؟
    د. حسام العيسوي سنيد
  •  
    تفسير قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا ...
    الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم
  •  
    الجزاء من جنس العمل (خطبة)
    د. عبد الرقيب الراشدي
  •  
    الاستغفار والتوبة طريقك إلى الجنة
    د. خالد بن محمود بن عبدالعزيز الجهني
  •  
    حق الله الأعظم (الومضة 4)
    نوال محمد سعيد حدور
  •  
    أقسام التوحيد وأثرها في قبول العمل (خطبة)
    الشيخ أحمد إبراهيم الجوني
  •  
    دأب الصالحين: قيام الليل (خطبة)
    د. محمد حرز
  •  
    وقفات مع فضيلة صيام شهر شعبان
    الداعية عبدالعزيز بن صالح الكنهل
  •  
    {ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون} خطبة
    ساير بن هليل المسباح
  •  
    تعويذ الخليلين - عليهما السلام - أولادهم (خطبة)
    د. محمد بن عبدالله بن إبراهيم السحيم
  •  
    خطبة بدع رجب
    الدكتور علي بن عبدالعزيز الشبل
  •  
    من درر العلامة ابن القيم عن مكارم الأخلاق
    فهد بن عبدالعزيز عبدالله الشويرخ
  •  
    المكروهات الشرعية (خطبة)
    د. أيمن منصور أيوب علي بيفاري
شبكة الألوكة / آفاق الشريعة / منبر الجمعة / الخطب / العبادات
علامة باركود

دأب الصالحين: قيام الليل (خطبة)

دأب الصالحين: قيام الليل (خطبة)
د. محمد حرز

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 19/1/2026 ميلادي - 1/8/1447 هجري

الزيارات: 208

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

خطبة: دأب الصالحين ((قيام الليل))

 

الحمد لله الذي امتنَّ على العباد بفضله، وجاد عليهم بآلائه ونعمه، وأفاض عليهم بحلاوة مناجاته ونسيم قربه، الحمد الذي رغَّب عباده المؤمنين في قيام الليل ورتَّب عليه فضائلَ عظيمةً ودرجاتٍ رفيعةً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه، والصلاة والسلام على خير خلقه، وأكمل رسله وأنبيائه، الذي قام بين يدي ربِّه حتى تفطَّرت قدماه، فسئل عن ذلك فقال: أفلا أكون عبدًا شكورًا، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن اقتدى به واستنَّ بسُنَّته إلى يوم الدين، أما بعد:

فاتقوا الله عباد الله، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ [الحشر: 18].

 

عباد الله، مفاهيم صحَّحها النبي صلى الله عليه وسلم ((سلسلة منهجية مباركة تجمع بين التأصيل العلمي والأسلوب الوعظي أعرضها لحضراتكم بأسلوب سهل سلس ((عليكم بدأب الصالحين)) عنوان خطبتنا.

 

عناصر اللقاء:

أولًا: فضائل قيام الليل.

ثانيًا: أسباب تعين على قيام الليل.

ثالثًا: انتبه قبل فوات الأوان.


أيها السادة، بدايةً، ما أحوجنا في هذه الدقائق المعدودة إلى أن يكون حديثنا عن دأب الصالحين! خاصةً ونحن نعيش زمانًا انشغلنا عن الصلاة بالدنيا وشهواتها ولذاتها وهمومها وغيومها ولا حول ولا قوة إلا بالله، خاصةً والراحة الحقيقية في الصلاة وفي صلاة الليل بصفة خاصةً عندما يخلو الحبيب بحبيبه، الفقير بالغني، والضعيف بالقوي، والذليل بالعزيز، فتسعد بلقاء الملك الجبار، وتدلل فأنت في حضرة الملك القدُّوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار. يا رب:

بك أستجير ومن يجير سواك
فأجر ضعيفًا يحتمي بحماك
إني ضعيف أستعين على قوى
ذنبي ومعصيتي ببعض قواك
أذنبت يا ربي وآذتني ذنوب
ما لها من غافر إلَّاكا
دنياي غرتني وعفوك غرني
ما حيلتي في هذه أو ذاك
يا غافر الذنب العظيم وقابلًا
للتوب قلب تائب ناجاك
أترده وترد صادق توبتي
حاشاك ترفض تائبًا حاشاك
فليرضَ عني الناس أو فليسخطوا
أنا لم أعد أسعى لغير رضاك

 

أولًا: فضائل قيام الليل:

أيها السادة، كان النبي صلى الله عليه وسلم معلمًا ومربيًا؛ فكان يعلم الناس، ويصوب لهم المفاهيم المنتشرة بينهم، ويربط ذلك بمفاهيم شرعية تقربهم من الطاعات وحسن الظن بالله، وتُبْعدهم عن المعاصي والرذائل، وتحثهم على الخير والتفاؤل بما لهم في الآخرة من الثواب إذا أحسنوا العمل، ليصحح المفاهيم، وليغير الأمور، وليوضح الفكر السليم والفهم العميق، والأمثلة على ذلك كثيرة وعديدة، فعن أبي الدرداء- رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «عليكم بقيام الليل، فإنه دأب الصالحين قبلكم، وقربة إلى الله تعالى، ومنهاة عن الإثم، وتكفير للسيئات، ومطردة للداء عن الجسد)). قيام الليل من نوافل الخير، ومن أجلِّ القربات، وأعظمها عند الله عز وجل، وقد رغَّب فيه الشرع الحنيف، وبيَّن عظيم أجره، وكثير فضله، كما في هذا الحديث الذي يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلم: «عليكم بقيام الليل»، الزموا قيام الليل، وداوموا عليه، وحافظوا على أدائه؛ «فإنه»؛ أي: قيام الليل، «دأب الصالحين قبلكم»، فهو سُنَّة الصالحين وعادتهم وشأنهم ممن كان قبلكم من الأمم السابقة، «وإن قيام الليل قربة إلى الله»، فمن صلَّى قيام الليل، فإنه يتقرَّب ويتودَّد إلى الله بصلاته تلك، «ومنهاة عن الإثم»، والمعنى: أن من واظب على قيام الليل فإنه ينهاه ويمنعه من الوقوع في الآثام والرذائل، «وتكفير للسيئات»، ومحو للخطايا، ومغفرة للذنوب، «ومطردة للداء عن الجسد»، فقيام الليل يطرد الأمراض والأدواء عن الجسم، أو هو حالة من شأنها إبعاد الداء، سواء الداء المادي أو المعنوي. وفي الحديث الحث على قيام الليل، والمداومة عليه، والترغيب فيه.آه ثم آه.. لو يعلم المحروم سعادة من يناجي ربه، ويتلذَّذ بقربه، ويبكي بين يديه لمحبته له وشوقه، يرجو رحمته ويخاف عذابه، يرى السعادة كلها في القيام بين يديه لتلاوة كلامه، ويرى الفرح والسرور في تسبيحه وذكره، ويرى عظيم فضله في السجود بين يديه للتمتُّع بمناجاته وقُرْبه، ويرى شجون القلب وفرحه بطاعته لربه، فيالها من سعادة لا ينالها إلا من صدق مع ربه، قال تعالى عنهم ﴿ وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ ﴾ [المؤمنون: 60، 61]، ﴿ وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا ﴾ [الفرقان: 64].

 

عبادة الليل مدرسة الصالحين وقرة عين العابدين، عبادة جليلة، وقُرْبة عظيمة، وشريعة ربانية، وسُنَّة نبويَّة، وخلة حميدة، ومدرسة إيمانية، وخلوة بربِّ العالمين. ومع كل هذه الخصال الحميدة والصفات المجيدة، هذه الشركات التي هي الأفضل بعد الفريدة، الراغبون فيها، أصبحت عند كثير من الناس اليوم نسيًا منسيًا، الخطوط التجارية في زمن غربة الدين، من أفضل النوافل، الأعظم الذي يتقرب بها العبد من ربه عز وجل، وهو دأب الصالحين، وشرف المؤمنين، ويعمل الفائزين. في الليل يخلو عباد الله المؤمنون بربهم، ويتوجهون إلى خالقهم جل جلاله، فيشكون باسم أحوالهم وذنوبهم، ويسألونه من فضله. وقد أثنى الله على من يقوم ليله بالصلاة، قال جل وعلا: ﴿ أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾ [الزمر: 9]، قال ابن عباس: ﴿ آنَاءَ اللَّيْلِ ﴾: جوف الليل. وقال الحسن، توقيت: ﴿ آنَاءَ اللَّيْلِ ﴾: أوله وأوسطه وأخيره.

 

وكيف لا؟ وقيام الليل صفة من صفات عباد الرحمن، قال جل وعلا في وصف عباد الرحمن: ﴿ وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا ﴾[الفرقان: 64]، قال السعدي: "يكثرون من صلاة الليل مخلصين فيها ربهم متذللين له"، وقال جل وعلا: ﴿ كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾ [الذاريات: 17، 18]، قال الإمام الطبري: "وكنت أقل من الليل هجعهم؛ لأن الله تبارك وتعالى وصفهم مدحًا لهم، وأثنى عليهم، فوصفهم العمل، وشهر الليل، ومكابدته فيما يقرب منهم ويرضيه عنهم.

 

وكيف لا؟ وقيام الليل عبادة جليلة، وقربة عظيمة، وسُنَّة نبوية، ومدرسة إيمانية، وخلوة بربِّ البرية، وفضائل قيام الليل كثيرة ومتنوعة، ومنها:

أن قيام الليل من صفات المؤمنين؛ قال الله تعالى مادحًا المستيقظين بالليل لذكره ومناجاته: ﴿ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [السجدة: 16، 17].

 

قيام الليل من صفات المحسنين؛ قال جل وعلا:﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾[الذاريات: 15 - 18].

 

قيام الليل من صفات أولي الألباب؛ تدبر- يا عبد الله- قوله تعالى: ﴿ أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾ [الزمر: 9].

 

قيام الليل سبب لقرب الرب من عبده القائم؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أقرب ما يكون الرب من العبد في جوف الليل الآخر، فإن استطعت أن تكون ممن يذكر الله في تلك الساعة فكن»؛ صحيح، رواه الترمذي.

 

قيام الليل سبب للرفعة في الدنيا والآخرة؛ لحديث النبي صلى الله عليه وسلم: «شرف المؤمن قيامه بالليل، وعزه استغناؤه عن الناس»؛ حسن، رواه الحاكم. وشرف كل شيء أعلاه.

 

قيام الليل سبب لطيب النفس، وانشراح الصدر؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد، يضرب كل عقدة: عليك ليل طويل فارقد. فإن استيقظ فذكر الله انحلت عقدة، فإن توضأ انحلت عقدة، فإن صلى انحلت عقدة، فأصبح نشيطًا طيب النفس»؛ رواه البخاري ومسلم.

 

قيام الليل سبب للفوز بمحبة الله تعالى؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ثلاثة يحبهم الله تعالى، ويضحك إليهم، ويستبشر بهم» وذكر منهم: «والذي له امرأة حسنة، وفراش لين حسن، فيقوم من الليل، فيذر شهوته، فيذكرني ويناجيني، ولو شاء رقد»؛ حسن، رواه البيهقي.

 

قيام الليل سبب للنجاة من الفتن؛ عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: استيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلةً فزعًا، يقول: «سبحان الله! ماذا أنزل الله من الخزائن؟ وماذا أنزل من الفتن؟ من يوقظ صواحب الحجرات- يريد أزواجه- لكي يصلين؟ رب كاسية في الدنيا، عارية في الآخرة»؛ رواه البخاري. عبر عن الرحمة بالخزائن لكثرتها وعزتها، قال تعالى: ﴿ قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي ﴾ [الإسراء: 100]، وعن العذاب بالفتن؛ لأنها أسباب مؤدية إلى العذاب، وجمعها لسعتها وكثرتها.

 

قيام الليل سبب لمباهاة الملائكة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «عجب ربنا عز وجل من رجلين: رجل ثار عن وطائه ولحافه، من بين أهله وحبه إلى صلاته، فيقول ربنا: أيا ملائكتي، انظروا إلى عبدي، ثار من فراشه ووطائه، ومن بين حبه وأهله إلى صلاته؛ رغبةً فيما عندي، وشفقةً مما عندي...»؛ حسن، رواه أحمد. وتأمل قوله: «ثار» ففيه إشارة إلى قيامه بنشاط وعزم، ولم يقل: (قام)؛ لأن القيام قد يقع بفتور، وأما الثوران فلا يكون إلا بالإسراع حذرًا من فائت ما.

 

قيام الليل سبب للفوز بالجنان، ورضا الرحمن؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «يا أيها الناس، أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا بالليل والناس نيام؛ تدخلوا الجنة بسلام»؛ صحيح، رواه ابن ماجه. ولا يصلي بالليل والناس نيام إلا مخلص.

 

قيام الليل سبب لطرد الغفلة عن القلب؛ لحديث: «من قام بعشر آيات لم يكتب من الغافلين، ومن قام بمائة آية كتب من القانتين، ومن قام بألف آية كتب من المقنطرين»؛ صحيح، رواه أبو داود. والقانتون: هم المطيعون، والمقنطرون: هم المكثرون من الأجر والثواب، مأخوذ من القنطار، وهو المال الكثير.

 

قيام الليل سبب لتثبيت القرآن في الصدر؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا قام صاحب القرآن، فقرأه بالليل والنهار ذكره، وإذا لم يقم به نسيه»؛ رواه مسلم.

 

قيام الليل سبب للفوز برحمة الله؛ لحديث النبي صلى الله عليه وسلم: «رحم الله رجلًا قام من الليل فصلَّى وأيقظ امرأته، فإن أبت نضح في وجهها الماء. رحم الله امرأةً قامت من الليل فصلَّت وأيقظت زوجها، فإن أبى نضحت في وجهه الماء»؛ صحيح، رواه أبو داود.

 

قيام الليل من أبواب الخير، وسبب لمحو الخطايا؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ: «ألا أدلُّك على أبواب الخير؟ الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وصلاة الرجل من جوف الليل»؛ صحيح، رواه الترمذي. والمعنى: أن صلاة الرجل في جوف الليل؛ من أبواب الخير، وهي تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار.

 

قيام الليل يورث سكنى غرف في الجنان، من حسنها أنه يرى ظاهرها من باطنها؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن في الجنة غرفًا ترى ظهورها من بطونها، وبطونها من ظهورها». فقام أعرابي فقال لمن هي يا رسول الله؟ قال: «لمن أطاب الكلام، وأطعم الطعام، وأدام الصيام، وصلى لله بالليل والناس نيام»؛ حسن، رواه الترمذي. قيام الليل من أفضل الطاعات بعد الفريضة؛ لحديث: «أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل»؛ رواه مسلم. وإنما فضلت صلاة الليل عن صلاة النهار؛ لأنها أبلغ في الإسرار، وأقرب إلى الإخلاص. وتأمل قوله صلى الله عليه وسلم: «صلاة الرجل تطوُّعًا حيث لا يراه الناس، تعدل صلاته على أعين الناس خمسًا وعشرين»؛ صحيح، رواه أبو يعلى.

 

قيام الليل شهادة للعبد بالصلاح؛عن ابن عمر رضي اللـه عنهما قال: قال النبي صلى اللـه عليه وسلم: «نعم الرجل عبداللـه، لو كان يصلي من الليل»، قال سالم: فكان عبداللـه بعد ذلك، لا ينام من الليل إلا قليلًا؛ رواه مسلم. فمن كان يصلي من الليل، يوصف بكونه نعم الرجل، وهذه منقبة عظيمة.

 

قيام الليل اقتداءً بالنبي صلى اللـه عليه وسلم؛ عن عبداللـه بن أبي قيس، قال: قالت عائشة رضي اللـه عنها: «لا تدع قيام الليل؛ فإن رسول اللـه صلى اللـه عليه وسلم كان لا يدعه، وكان إذا مرض أو كسل صلى قاعدًا»؛ صحيح، رواه أبو داود.

 

قيام الليل سبيل إلى القيام بشكر نعمة الله على العبد، والشاكرون قد وعدهم الله بالزيادة، كما قال تعالى: ﴿ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ﴾[إبراهيم: 7].

 

وقالت عائشة- رضي الله عنها-: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقوم من الليل حتى تتفطَّر قدماه، فقلت له: لمَ صنعت هذا يا رسول الله، وقد غفر لك ما تقدَّم من ذنبك وما تأخَّر؟ قال: «أفلا أكون عبدًا شكورًا»؛ متفق عليه.

 

قيام الليل من صفات الأبرار؛ عن أنس رضي اللـه عنه قال: كان النبي صلى اللـه عليه وسلم إذا اجتهد لأحد في الدعاء قال: «جعل اللـه عليكم صلاة قوم أبرار، يقومون الليل، ويصومون النهار، ليسوا بأثمة، ولا فجَّار»؛ صحيح، رواه عبد بن حميد. أهل القيام هم الناجون من النار: فعن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال: (رأيت في النوم كأن مَلَكَينِ أخذاني فذهبا بي إلى النار، فإذا هي مطوية كطي البئر، وإذا لها قرنان كقرني البئر، وإذا فيها ناس قد عرفتهم، فجعلت أقول: أعوذ بالله من النار، أعوذ بالله من النار، أعوذ بالله من النار، قال: فلقيهما ملك فقال لي: لم ترع، فقصصتها على حفصة، فقصتها حفصة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «نعم الرجل عبدالله لو كان يصلي من الليل»، قال سالم: فكان عبدالله بعد ذلك لا ينام من الليل إلا قليلًا؛ رواه البخاري ومسلم واللفظ لمسلم.

 

عباد اللـه، فحقيق بعبادة هذا شأنها؛ أن يتنافس عليها المتنافسون، ويسبق إليها السابقون، وقد كان النبي صلى عليه وسلم يقوم من الليل حتى تتورَّم قدماه، فحريٌّ بنا أن يكون لنا حظ من قيام الليل، وقد حملنا أوزارًا كثيرةً، وارتكبنا من الذنوب والمعاصي ما قد يكون سببًا في هلاكنا وشقائنا. نسأل اللـه تعالى أن يوقظنا من الغفلة، ويفتح علينا خزائن رحمته، ويجعلنا من المجتهدين بمنِّه وكرمه.

يا رجال الليل جدوا
رب داع لا يرد
ما يقوم الليل إلا
من له عزم وجد
ليس شيء كصلاة ال
ليل للقبر يعد


ثانيًا: أسباب تعين على قيام الليل:

أيها السادة، فقيام الليل هو دقائق الليل الغالية، وسمه- إن شئت-: مدرسة المخلصين، كيف لا وهو جنة الله في أرضه للمؤمنين؟ الليل هو بداية الدعوات: ﴿ يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا ﴾ [المزمل: 1، 2]، ومنه يستمد الدعاة وقود دعوتهم. في الليل تسكب العبرات، وفي الليل يتقرب إلى الله بأحسن الطاعات، الليل للمذنبين وللذين هم لما عند ربهم طامعون، فهو أنيس الطائعين، وأمل المذنبين، وبالليل يتم لقاء المحبين، الليل يعشقه الراكعون والساجدون والذاكرون، والذين هم لربهم مستغفرون، الليل فيه آيات للذين هم يسمعون، الليل للذين هم بالخيرات مسارعون، وهو خلوة التائبين، في الليل أقرب ما يكون الله من عباده المؤمنين، بهذا نطق سيد المرسلين، وفي الليل يغفر الله للمسيئين، ويعطي المحتاجين والسائلين من خزائن السماوات والأرضين، ويجيب المضطرين، الليل فقط يعرفه المتيقظون، ويغفل عنه أصحاب المجون اللاهين، ولا يستطيعه إلا عباد الله المخلصون، هو كنز المدخرين إلى يوم الدين، وبالليل يحصل الأمان للخائفين، في الليل تجري العيون،ويتسابق فيه المتسابقون، ﴿ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ ﴾[المطففين: 26]، وبعد ذكر هذا الكم من فضائل القيام وفوائده، وما أعدَّه الله للقائمين، وبعد معرفة قصص السابقين من الأولين، نذكر ببعض الوسائل التي تعين العبد على القيام، على سبيل الذكر لا على سبيل الجمع والاستقصاء، ومن هذه الوسائل المعينة على القيام: منها: أولًا: إخلاص النية لله عز وجل؛ وذلك لقوله تعالى: ﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ ﴾ [البينة: 5]، ولقوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: «بشر هذه الأمة بالسناء والرفعة والدين والنصر والتمكين في الأرض، فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا لم يكن له في الآخرة نصيب»؛ رواه الإمام أحمد عن أبي بن كعب رضي الله عنه.

 

قال مطرف بن عبدالله بن الشخير: صلاح العمل بصلاح القلب، وصلاح القلب بصلاح النية. قال ابن القيم رحمه الله: وعلى قدر نية العبد وهمته ومراده ورغبته يكون توفيقه سبحانه وإعانته، فالمعونة من الله تنزل على العباد على قدر هممهم ونياتهم ورغبتهم ورهبتهم، والخذلان ينزل عليهم على حسب ذلك.

 

ثانيًا: الحرص على إخفاء الطاعات، وخاصةً النوافل، سأل رجل تميم الداري: ما صلاتك بالليل؟ فغضب غضبًا شديدًا، ثم قال: والله لركعةٌ أصليها في جوف الليل في سرٍّ أحَبُّ إليَّ من أن أصلي الليل كله، ثم أقصه على الناس.وكان أيوب السختياني يقوم الليل كله، فإذا قرب الفجر رجع فاضطجع في فراشه، فإذا طلع الصبح رفع صوته كأنه قد قام تلك الساعة.

 

ثالثًا: أن يستشعر العبد نداء الله تعالى له، ويتمثل قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا ﴾ [المزمل: 1 - 4].قال سعد بن هشام بن عامر لعائشة رضي الله عنها: أنبئيني عن قيام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: ألست تقرأ ﴿ يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ ﴾، قلت: بلى، فقالت: إن الله عز وجل افترض قيام الليل في أول هذه السورة، فقام النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه حولًا، وأمسك الله خاتمتها اثني عشر شهرًا في السماء حتى أنزل الله في آخر هذه السورة التخفيف، فصار قيام الليل تطوعًا بعد فريضة؛ رواه مسلم.

 

رابعًا: أن يرغب العبد فيما عند الله عز وجل، وذلك لقوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: «عجب ربنا عز وجل من رجلين: رجل ثار عن وطائه ولحافه من بين أهله وحيه إلى صلاته، فيقول ربنا: أيا ملائكتي، انظروا إلى عبدي، ثار من فراشه ووطائه ومن بين حيه وأهله إلى صلاته، رغبةً فيما عندي، وشفقةً مما عندي. ورجل غزا في سبيل الله عز وجل، فانهزموا، فعلم ما عليه من الفرار، وما له في الرجوع، فرجع حتى أهريق دمه، رغبةً فيما عندي، وشفقةً مما عندي. فيقول الله عز وجل لملائكته: انظروا إلى عبدي، رجع رغبةً فيما عندي، ورهبةً مما عندي، حتى أهريق دمه».

 

خامسًا: النوم على طهارة؛ لقوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: «ما من مسلم يبيت على ذكر الله طاهرًا فيتعار من الليل، فيسأل الله عز وجل خيرًا من أمر الدنيا والآخرة إلا أعطاه إياه»؛ رواه الإمام أحمد وأبو داود عن معاذ بن جبل رضي الله عنه. ولقوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: «طهِّروا هذه الأجساد طهركم الله، فإنه ليس عبد يبيت طاهرًا إلا بات ملك في شعاره لا ينقلب ساعةً من الليل إلا قال: اللهم اغفر لعبدك، فإنه بات طاهرًا»؛ رواه الطبراني في الكبير عن ابن عمر رضي الله تعالى عنه.

 

سادسًا: عدم السهر بعد العشاء، وذلك لما جاء في صحيح الإمام البخاري عن أبي برزة أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم كان يكره النوم قبل العشاء، والحديث بعدها. وكان سيدنا عمر رضي الله عنه ينش الناس بعد العتمة بدِرَّتِه، ويقول: قوموا لعل الله يرزقكم صلاةً.

 

سابعًا: القيلولة بالنهار، روى الطبراني في الأوسط عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: «قيلوا؛ فإن الشيطان لا يقيل». مَرَّ سيدنا الحسن البصري رضي الله عنه بقوم في السوق وسط النهار، فرأى منهم ما رأى. فقال: أما يقيل هؤلاء؟ قالوا: لا. قال: إني لأرى ليلهم ليل سوء.

 

ثامنًا: ألَّا يملأ بطنه بالطعام، روى ابن ماجه عن المقدام بن معد يكرب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم يقول: «ما ملأ آدمي وعاءً شرًّا من بطن، حسب الآدمي لقيمات يقمن صلبه، فإن غلبت الآدمي نفسه، فثلث للطعام، وثلث للشراب، وثلث للنفس».

 

تاسعًا: ترك المعاصي، قال رجل للحسن البصري: يا أبا سعيد، إني أبيت معافى، وأحب قيام الليل، وأعد طهوري، فما بالي لا أقوم؟ فقال: ذنوبك قيدتك.وقال رحمه الله: إن العبد ليذنب الذنب فيحرم به قيام الليل، وصيام النهار. وقال الفضيل بن عياض: إذا لم تقدر على قيام الليل، وصيام النهار، فاعلم أنك محروم مُكبَّل، كبَّلتك خطيئتك. يا رب سلم.

 

عاشرًا: النظر في حال السلف والصالحين في قيام الليل ومدى لزومه له: فقد كان السلف يتلذَّذون بقيام الليل، ويفرحون به أشد الفرح، قال عبدالله بن وهب: كل ملذذ إنما له لذة واحدة، إلا العبادة، فإن لها ثلاث لذَّات: إذا كنت فيها، وإذا تذكَّرتها، وإذا أعطيت ثوابها. وقال محمد بن المنكدر: ما بقي من لذات الدنيا إلا ثلاث: قيام الليل، ولقاء الإخوان، والصلاة في جماعة. وقال ثابت البناني: ما شيء أجده في قلبي ألذ عندي من قيام الليل. وقال يزيد الرقاشي: بطول التهجد تقر عيون العابدين، وبطول الظمأ تفرح قلوبهم عند لقاء الله. قال مخلد بن حسين: ما انتبهت من الليل إلا أصبت إبراهيم بن أدهم يذكر الله ويصلي، فأغتم لذلك، ثم أتعزَّى بهذه الآية ﴿ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ﴾ [الجمعة: 4].

 

وأخيرًا شارك الأهل والأصحاب: فعن أبي هريرة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((رحم الله رجلًا قام من الليل، فصلَّى وأيقظ امرأته، فإن أبت، نضح في وجهها الماء، ورحم الله امرأةً قامت من الليل، فصلَّت وأيقظت زوجها، فإن أبى، نضحت في وجهه الماء))؛ رواه أحمد. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يطرق الباب على فاطمة وعلي، ويقول لهما: ((ألا تصليان؟)).

 

وكان عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- يصلي من الليل ما شاء، حتى إذا كان نصف الليل، أيقظ أهله للصلاة، ثم يقول لهم: "الصلاة، الصلاة". فاللهم لا تخذلنا، ولا تَكِلنا إلى أنفسنا طرفة عين، كفانا كلامًا الآن، فقد حان وقت العمل.

بادر الفرصة واحذر فوتها
فبلوغ العز في نيل الفرص
فابتدر مسعاك واعلم أن من
بادر الصيد مع الفجر قنص

 

أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم.

 

الخطبة الثانية

الحمد لله، ولا حمد إلا له، وبسم الله ولا يستعان إلا به، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، أما بعد:

ثالثًا: انتبه قبل فوات الأوان:

أيها السادة، إياكم والتكاسل والتثاقل عن الطاعات، وكثرة الاشتغال بالهوايات والملهيات؛ قال تعالى: ﴿ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا ﴾ [النساء: 142]، فإذا نزل الموت بالعبد، أفاق من سكرته، وندم على تقصيره وتفريطه، قال تعالى: ﴿ حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾[المؤمنون: 99، 100].

 

نعم يا عباد الله، إنها الغفلة، داء الأدواء، ومرض الأشقياء، كم حذر ربنا في كتابه منها، وحرص الأنبياء على إيقاظ الخلق من غمرتها. الغفلة مرض مستحكم، يصيب القلب فيغشاه، ويحجبه عن الله، فالغافل لاهٍ عما خلق لأجله، ساهٍ سادر في دنياه وطول أمله، ﴿ اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ * مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ * لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ ﴾ [الأنبياء: 1 - 3]. فالغافل: لا يفكر في لقاء الله ولا يستعدُّ له، بل هو مشتغل بالدنيا، فقلبه سكران بخمرتها، يتتبَّع لذةً تِلْوَ لذَّة، ويبحث عن متعة وراء متعة، همُّه الأموال والأولاد والعقارات، وشغله الطعام والسياحة والمشتريات، فهو في شهواته هائم، وعيشه عيش البهائم.

 

﴿ إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ * أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ [يونس: 7، 8].


فالبدار البدار قبل فوات الأوان، فالتوبة واجبة على المكلفين جميعًا من كل ذنب صغير أو كبير، قال الله تعالى: ﴿ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [النور: 31]، وقال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا ﴾ [التحريم: 8]. والله قد رغَّب في التوبة، وحثَّ عليها، ووعد بقبولها بشروطها، قال تعالى: ﴿ وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى ﴾[طه: 82]، أخبر النبي- صلى الله عليه وسلم- بأن جميع ساعات الليل والنهار وقت لتوبة التائبين، وزمن لرجوع الأوَّابين، عن أبي موسى الأشعري- رضي الله عنه- عن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: "إن الله تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها"؛ رواه مسلم. ما أعظم كرم الرحمـن! وما أجلَّ فضله وجوده على العباد! هـؤلاء خلقه يعصونه بالليل والنهار، ويحلم عليهم، ولا يعاجلهم بالعقوبة؛ بل يرزقهم ويعافيهم، ويغدق عليهم النعم المتظاهرة، ويدعوهم إلى التوبة والندم على ما فرط منهم، ويعدهم المغفرة والثواب على ذلك، ويفرح بتوبة العبد أشد الفرح، فإن استجاب العبد لربِّه وتاب وأناب وجد وعد الله حقًّا، ففاز بالحياة الطيبة في الدنيا، وحسن الثواب في الأخرى. وإن ضيع التوبة زمن الإمهال، وغرته الشهوات والآمال عاقبه الله بما كسبت يداه: ﴿ وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا ﴾[الكهف: 49]، ولا خير فيمن هلك مع رحمة أرحم الراحمين، فالبدار البدار قبل فوات الأوان، يقول أبو الدرداء رضي الله عنه: صلوا ركعتين في ظلم الليل لظلمة القبر.





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • قيام الليل دأب الصالحين
  • قيام الليل دأب الصالحين
  • خطبة: رمضان... ودأب الصالحين (القيام)

مختارات من الشبكة

  • فضل قيام الليل (قيام الليل يجعلك من الصالحين)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • فضل قيام الليل(مقالة - موقع الشيخ عبدالرحمن بن عبدالعزيز الدهامي)
  • من دروس رمضان: قيام الليل(مقالة - ملفات خاصة)
  • أسلوبية التضاد الدلالي في أحاديث رياض الصالحين للنووي (ت 676 هـ) (PDF)(كتاب - مكتبة الألوكة)
  • منهجيات تربوية ودعوية من الهدي النبوي: مختارات من (رياض الصالحين)، مع دروس تربوية ودعوية مستفادة (PDF)(كتاب - مكتبة الألوكة)
  • وليس كل ما يروى عن الصالحين وقع: إبراهيم بن أدهم رحمه الله تعالى أنموذجا(مقالة - آفاق الشريعة)
  • دأب الحياة (قصيدة)(مقالة - حضارة الكلمة)
  • السعي وراء الحقائق دأب كل عاقل(مقالة - موقع د. زيد بن محمد الرماني)
  • تفسير: (قال تزرعون سبع سنين دأبا فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلا مما تأكلون)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • تفسير: (كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآيات ربهم ...)(مقالة - آفاق الشريعة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • مسلمون يقيمون مشروعا إنسانيا يجسد قيم الرحمة والمسؤولية الاجتماعية في بلانو
  • مبادرة تعليمية في بريطانيا لتوحيد رؤية الهلال محليا
  • المنتدى الإسلامي الإقليمي السابع في ألميتيفسك
  • نجاح البرنامج التجريبي "حلقة الإخوة" لدعم المسلمين الجدد في أستراليا
  • ندوة علمية لتعزيز مهارات الخطابة لدى الأئمة في سازين
  • مؤتمر دولي في لاغوس يناقش فقه العقيدة الصحيحة والتحديات المعاصرة
  • مسلمو توزلا ينظمون حملة إنسانية ناجحة للتبرع بالدم
  • المسلمون الأكثر سخاء في بريطانيا وتبرعاتهم تفوق المتوسط بأربعة أضعاف

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1447هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 1/8/1447هـ - الساعة: 12:48
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب