• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | مقالات شرعية   دراسات شرعية   نوازل وشبهات   منبر الجمعة   روافد   من ثمرات المواقع  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    أحكام التسويق عبر منصات التواصل الاجتماعي (PDF)
    بندر بن سعود النمر
  •  
    علمتني السنة: من هدي النبي صلى الله عليه وسلم إلى ...
    جمعية مشكاة النبوة
  •  
    تمام البلاغ وشكر النعم (خطبة)
    الشيخ أحمد إبراهيم الجوني
  •  
    تفسير قوله تعالى: {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل ...
    الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم
  •  
    دعاة الجهل والصد عن سبيل الله
    أ. د. فؤاد محمد موسى
  •  
    تحريم سب الرسول صلى الله عليه وسلم وحكم الشرع فيه
    فواز بن علي بن عباس السليماني
  •  
    تفسير سورة آل عمران الآيات (1-2)
    يوسف بن عبدالعزيز بن عبدالرحمن السيف
  •  
    صلاة الجنازة (خطبة)
    الدكتور علي بن عبدالعزيز الشبل
  •  
    امتحان الدنيا وامتحان الآخرة (خطبة)
    ياسر عبدالله محمد الحوري
  •  
    من فضل العدل في القضاء: الرفق بالرعية سبب رحمة ...
    د. خالد بن محمود بن عبدالعزيز الجهني
  •  
    أم سلمة أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها (خطبة)
    د. محمد حرز
  •  
    الزواج بين هدي الإسلام وعادات الناس (خطبة)
    د. عبدالرزاق السيد
  •  
    العقد شريعة المتعاقدين
    أ. د. السيد أحمد سحلول
  •  
    اختراق الأماني وصحوة الضمير (خطبة)
    عبدالله بن إبراهيم الحضريتي
  •  
    أهمية الذكر وفوائده
    د. حسام العيسوي سنيد
  •  
    تخريج حديث: عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قبل ...
    الشيخ محمد طه شعبان
شبكة الألوكة / آفاق الشريعة / منبر الجمعة / الخطب / السيرة والتاريخ / رجالات الإسلام
علامة باركود

ابن عباس حبر الأمة وترجمان القرآن رضي الله عنه وأرضاه (خطبة)

ابن عباس حبر الأمة وترجمان القرآن رضي الله عنه وأرضاه (خطبة)
د. محمد حرز

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 27/7/2026 ميلادي - 11/2/1448 هجري

الزيارات: 1612

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

ابْنُ عَبَّاسٍ حَبْرُ الْأُمَّةِ وَتَرْجُمَانُ الْقُرْآنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ


الحَمْدُ للهِ الوَلِيِّ الحَمِيدِ، العَلِيمِ المَجِيدِ ﴿ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [البقرة: 142]، نَحْمَدُهُ عَلَى وَافِرِ نِعَمِهِ، وَنَشْكُرُهُ عَلَى سَابِغِ عَطَائِهِ، فَلَهُ الحَمْدُ لاَ نُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْهِ كَمَا أَثْنَى هُوَ عَلَى نَفْسِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، قَسَمَ بَيْنَ عِبَادِهِ دِينَهُمْ كَمَا قَسَمَ بَيْنَهُمْ أَرْزَاقَهُمْ، فَكَمَا أَنَّ فِيهِمْ غَنِيًّا وَفَقِيرًا فَإِنَّ فِيهِمْ مُؤْمِنًا وَكَافِرًا، وَبَرًّا وَفَاجِرًا، وَطَائِعًا وَعَاصِيًا. وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ؛ أَرْسَلَهُ اللهُ تَعَالَى رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، وَهِدَايَةً لِلنَّاسِ أَجْمَعِينَ؛ فَهَدَى اللهُ تَعَالَى بِهِ مَنْ كُتِبَتْ سَعَادَتُهُمْ، وَعَمِيَ عَنْهُ مَنْ كُتِبَتْ شِقْوَتُهُمْ، فَمَنِ اتَّبَعَهُ فَلَنْ يَضِلَّ وَلَنْ يَشْقَى، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَتْبَاعِهِ إلى يَوْمِ الدِّينِ، أَمَّا بَعْدُ:


فَاتَّقُوا اللهَ تَعَالَى وَأَطِيعُوهُ، وَخُذُوا مِنْ شَبَابِكُمْ لَهرَمِكُمْ، وَمِنْ صِحَّتِكُمْ لِسَقَمِكُمْ، وَمِنْ فَرَاغِكُمْ لِشُغْلِكُمْ، وَمِنْ حَيَاتِكُمْ لِمَوْتِكُمْ؛ فَإِنَّ وَرَاءَكُمْ مَوْتًا وَقَبْرًا وَبَعْثًا وَحِسَابًا وَجَزَاءً: ﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ﴾ [الزَّلزلة:7-8].


عِبَادَ اللهِ، ((أَئِمَّةُ الهُدَى وَمَصَابِيحُ الدُّجَى)) سِلْسِلَةٌ مَنْهَجِيَّةٌ مُبَارَكَةٌ تَجْمَعُ بَيْنَ التَّأْصِيلِ العِلْمِيِّ وَالأُسْلُوبِ الوَعْظِيِّ، أَعْرِضُهَا لِحَضْرَتِكُمْ بِأُسْلُوبٍ سَهْلٍ سَلِسٍ لِنَتَعَرَّفَ مِنْ خِلَالِهَا عَلَى الأَئِمَّةِ الأَخْيَارِ، عَلَى الأُسْوَةِ الحَسَنَةِ وَالقُدْوَةِ الطَّيِّبَةِ، ((ابْن عَبَّاسٍ حَبْر الْأُمَّةِ وَتَرْجُمَانُ الْقُرْآنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ))، عُنْوَانُ خُطْبَتِنَا..


عَنَاصِرُ اللِّقَاءِ:

أَوَّلًا: ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا ابْنُ عَبَّاسٍ!

ثَانِيًا: مَوَاقِفُ مُضِيئَةٌ فِي حَيَاةِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ!

ثَالِثًا وَأَخِيرًا: وَكَيْفَ يُنْسَى حَبْرُ الْأُمَّةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ؟!


أَيُّهَا السَّادَةُ، بَدَايَةً، مَا أَحْوَجَنَا فِي هَذِهِ الدَّقَائِقِ الْمَعْدُودَةِ أَنْ يَكُونَ حَدِيثُنَا عَنِ: عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ! حَدِيثُنا عَن شابٍّ عَطَّرَتْ سِيرَتُهُ الكُتُبَ وَالْمَكْتَبَاتِ، وَمَلأَتْ أَخْبارُهُ مَجالِسَ العِلْمِ وَالذِّكْرِ وَالأَدَبِ. هُوَ شابٌّ اسْتَثْمَرَ شَبابَهُ فِيمَا يَنْفَعُهُ، فَعَادَ نَفْعُهُ عَلَيْهِ بِالذِّكْرِ الطَّيِّبِ، وَالرِّفْعَةِ وَالْمَجْدِ، وَعادَ عَلَى أُمَّتِهِ بِعِلْمٍ غَزِيرٍ تَنْهَلُ الأُمَّةُ مِنْهُ مُنْذُ قُرُونٍ وَلَمْ يَنْفَدْ. حَدِيثُنا عَنْ حَبْرِ الأُمَّةِ، وَتَرْجُمانِ القُرآنِ، وَفَقِيهِ العَصْرِ، وَإِمامِ المُفَسِّرِينَ؛ حَدِيثُنا عَنْ صَحَابِيٍّ جَلِيلٍ مِنْ أَصْحابِ النَّبِيِّ الأَمِينِ. وَعَلِّمُوا أَوْلادَكُمْ أَسْماءَ أَصْحابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لا التَّافِهِينَ وَالتَّافِهاتِ، وَلَا المُغَنِّينَ وَالمُغَنِّياتِ؛ لِتَسْعَدُوا وَلِتَفْرَحُوا بِهِمْ في الدُّنْيا وَالآخِرَةِ. قال الطَّحَاوِيُّ رحمهُ الله: "ونُحِبُّ أَصْحابَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم، ولا نُفْرِطُ في حُبِّ أَحدٍ منهم، ولا نَتَبَرَّأُ من أَحدٍ منهم، ونُبْغِضُ من يُبْغِضُهُم، وبغيرِ الخيرِ يَذْكُرُهُم، ولا نَذْكُرُهُم إِلَّا بِخَيْرٍ؛ فَحُبُّهُم دِينٌ وَإِيمَانٌ وَإِحْسَانٌ، وَبُغْضُهُم كُفْرٌ وَنِفَاقٌ وَطُغْيَانٌ".

 

هذَا الحَبِيبُ الَّذِي فِي مَدْحِهِ شَرَفِي
وَذِكْرُهُ طَيِّبٌ فِي مَسْمَعِي وَفَمِي
هذَا أَبُو القَاسِمِ المُخْتَارُ مِنْ مُضَرٍ
هذَا أَجَلُّ عِبَادِ اللَّهِ كُلِّهِمِ
هذَا هُوَ المُصْطَفَى أَزْكَى الوَرَى خُلُقًا
سُبْحَانَ مَنْ خَصَّهُ بِالْفَضْلِ وَالْكَرَمِ


أَوَّلًا: ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا ابْنُ عَبَّاسٍ!

أَيُّهَا السَّادَةُ، حَدِيثُنا عَنْ جَبَلٍ مِن جِبالِ الفَهْمِ، وَهَضْبَةٍ مِن هِضابِ الوَعْيِ، وَسِلاحٍ مِن أَسْلِحَةِ العِلْمِ؛ فَإِنَّ لِكُلِّ زَمَنٍ سِلاحًا، وَسِلاحُ هذَا الزَّمانِ العِلْمُ النَّافِعُ. قَدِيمًا كانَتِ الحُروبُ العَسْكَرِيَّةُ وَجْهًا لِوَجْهٍ، فيَنْتَصِرُ فيها أَثْبَتُهُم في اللِّقاءِ، وَأَصْبَرُهُم في البَقاءِ؛ أَمَّا اليَوْمَ، فَلُغَةُ الحَرْبِ مُعَقَّدَةٌ، وَالأَسْلِحَةُ مُدَمِّرَةٌ، وَكُلُّ شَيءٍ تَغَيَّرَ، إِلَّا سِلاحَ العِلْمِ؛ فَالأَقْوَى حُجَّةً هُوَ المُنْتَصِرُ في مَيادِينِهِ، قَدِيمًا وَحَدِيثًا. حَدِيثُنا عَنْ صَحَابِيٍّ ضَمَّهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلى صَدْرِهِ وَقَالَ: «اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الكِتابَ، وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ» ذلِكُم هو: عبدُاللهِ بنُ عبَّاسٍ بنِ عبدِ المُطَّلِبِ بنِ هاشمٍ القُرَشِيُّ، وكُنْيَتُه: أبو العبَّاسِ رضيَ اللهُ عنهُ وأرضاهُ، صَحابيٌّ جليلٌ، ومُحدِّثٌ بليغٌ، وفَقيهٌ عالِمٌ، وحافِظٌ مُتقِنٌ، ومُفَسِّرٌ عظيمٌ، وهو ابنُ عمِّ النبيِّ صلى اللهُ عليهِ وسلَّم، وأحدُ المُكْثِرينَ في روايةِ الحديثِ النبويِّ، حيثُ روى 1660 حديثًا عن الرَّسولِ الأمينِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم، وله في الصحيحينِ خمسٌ وسبعونَ حديثًا مُتَّفَقٌ عليها. وتفرَّد البُخاريُّ لهُ بِـ120 حديثًا، وتفرَّد مسلمُ بنُ الحَجَّاجِ بِـ 9 أحاديث. وُلِدَ في شِعْبِ أبي طالب في أثناء حصارِ قريشٍ لبني هاشم، قبلَ الهجرةِ بثلاثِ سنواتٍ، ولم يُهاجر هو وأمُّهُ إلى المدينةِ إلَّا بعد فتحِ مكَّة، وكان عُمُرُه عشرَ سنواتٍ. قال: كنتُ أنا وأُمِّي مِنَ المُسْتَضْعَفِينَ، أنا مِنَ الوِلدَانِ، وأُمِّي منَ النِّساءِ. وفي حَجَّةِ الوَدَاعِ كان قريبًا من البُلوغ، وتُوفِّي النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم، وعُمُرُ ابْنِ عبَّاسٍ ثلاثَ عشرةَ سنةً فقط.


كان ابن عباس - رضيَ اللهُ عنهما- شابًّا وَسيمًا جَميلًا، طويلَ القامَةِ، مَهِيبًا، كامِلَ العَقلِ، زَكِيَّ النَّفْسِ، مِن خِيرةِ الرِّجالِ. دَعَا لَهُ النَّبِيُّ- صلى اللهُ عليهِ وسلَّم-، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ، وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ». فكان يُفَسِّرُ القرآنَ بعدَ موتِ النَّبِيِّ- صلى اللهُ عليهِ وسلَّم-، حتى لُقِّبَ بـ (حَبْرِ الأُمَّةِ وتَرجُمانِ القُرآنِ)، والحَبْرُ: والبَحرُ.


ابنُ عبَّاسٍ، وما أَدْرَاكَ ما ابنُ عبَّاسٍ؟ هذا الغُلامُ كان لهُ شأنٌ عظيمٌ في أُمَّةِ محمدٍ- صلى اللهُ عليهِ وسلَّم-، وعلاماتُ النُّبُوغِ والنَّجَابةِ بَدَت عليهِ منذُ صِغَرِه، في سرعةِ بديهتِهِ، وحُضورِ ذهنِهِ، معَ قُوَّةٍ في المُناقشةِ والمُناظرةِ، يُزيِّنُ ذلك أدبٌ جمٌّ يأسرُ القلوبَ، ويَستولي على النُّفوسِ. وها هو يَحكي موقفًا حَدَثَ لهُ، فيقول: أتيتُ رسولَ اللهِ- صلى اللهُ عليهِ وسلَّم- من آخرِ الليلِ، فصلَّيتُ خلفَهُ، فأخذَ بيدي، فجرَّني، فجعلَني حِذاءَه، فلمَّا أقبلَ رسولُ اللهِ- صلى اللهُ عليهِ وسلَّم- على صلاتِه، خنستُ- أي: تأخَّرتُ عنه-، فصلَّى رسولُ اللهِ- صلى اللهُ عليهِ وسلَّم-، فلمَّا فرغَ من صلاتِه، قالَ لي: «ما شأني أَجعلكَ حِذائي فتَخنِسُ؟»، فقلتُ: يا رسولَ اللهِ، أو يَنبغي لأحدٍ أن يُصَلِّيَ حِذاءَكَ، وأنتَ رسولُ اللهِ؟، قال: فأعجبتْهُ، فدعا اللهَ لي أن يَزيدني علمًا وفَهمًا. لكَ أن تتخيَّلَ أنَّ هذا الجوابَ خَرَجَ من غُلامٍ ابنِ ثلاثَ عشرةَ سنةٍ أو أقلَّ! فأيُّ حكمةٍ؟ وأيُّ ذكاءٍ؟ وأيُّ أدبٍ هذا؟! وفي هذه السنِّ الصغيرة، كان من أحرصِ الناسِ على الخيرِ، ومِن أسبقِهِم إليه، فكان يَبيتُ عندَ خالتِهِ ميمونةَ بنتِ الحارث- رضيَ اللهُ عنها-، ليتشرَّفَ بالقيامِ من الليلِ مع النبيِّ- صلى اللهُ عليهِ وسلَّم-، وليتعلَّمَ سُنَنَ النبيِّ-صلى اللهُ عليهِ وسلَّم- التي يفعلُها في بيتِه، ولا يراها إلَّا مَن مَعه في البيت، ومع صِغَرِ سِنِّهِ كان يُجالِسُ الكِبارَ لِيَتعلَّمَ منهم، ويُنافِسَهُم في الخيرِ، ومن عادةِ الشبابِ غفلتُهُم عن المستقبلِ، ورُؤيتُهُم للحاضِرِ، ومحبَّتُهُم للَّهْوِ مع أقرانِهم، وشِعارُهم: "عِش وقتَكَ، ولا تنظُر أمامَكَ!"… يا ربّ سَلِّم.


ابنُ عبَّاسٍ، وما أدراكَ ما ابنُ عبَّاسٍ؟! كان ابنُ عبَّاسٍ- رضي اللهُ عنهما- ناظرًا لمُستقبلِهِ، ولم يَغترَّ بواقعِه، فصانَ نفسَه عن البطالةِ والعبثِ، وأقبَلَ على الجِدِّ في الطَّلبِ، بنفْسٍ لا تعرفُ السأمَ، وهمَّةٍ لا يُخالِطُها الملَلُ. قال- رضي اللهُ عنه- يَحكِي قصَّةً طريفةً له: لمَّا تُوُفِّيَ رسولُ اللهِ- صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- قلتُ لِرَجُلٍ من الأنصارِ: يا فُلانُ، هَلُمَّ فلنَسألْ أصحابَ النبيِّ- صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-، فإنَّهُم اليومَ كثيرٌ، فقال: واعَجَبًا لكَ يا ابنَ عبَّاسٍ! أتَرى الناسَ يحتاجونَ إليكَ؟! وفي الناسِ مِن أصحابِ النبيِّ- صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- مَن تَرى؟! فتركَ ذلك، وأقبلتُ على المسألةِ، فلقد كان يَبلغُني الحديثُ عن الرَّجلِ، فآتيهِ وهو قائِلٌ- أي: نائمٌ وقتَ القيلولةِ-، فأتوسَّدُ رِدائي على بابِه، فتَسْفِي الرِّيحُ على وجهي التُّرابَ، فيخرُجُ، فيَراني، فيقول: يا بنَ عمِّ رسولِ اللهِ، ما جاء بك؟ ألا أرسلْتَ إليَّ فآتيَك؟ فأقول: أنا أحقُّ أن آتيَكَ، فأسألُه عن الحديثِ. قال: فبَقِيَ الرَّجلُ حتى رآني، وقد اجتمعَ الناسُ عليَّ، فقال: كان هذا الفتى أعقلَ مني. قيل له: كيف أصبتَ هذا العلمَ؟ قال: "بلِسانٍ سَؤُولٍ، وقلبٍ عَقولٍ". وقال: "كنتُ ألزَمُ الأكابِرَ من أصحابِ رسولِ اللهِ- صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- من المُهاجِرينَ والأنصارِ". وهنا فائدةٌ عظيمةٌ: المرءُ بِأقرانِهِ، والصاحبُ ساحِبٌ.


عَنِ المَرْءِ لا تَسْأَلْ وسَلْ عَنْ قَرِينِهِ       فكُلُّ قَرِينٍ بالمُقَارَنِ يَقْتَدِي


ابْنُ عَبَّاسٍ وَمَا أَدْرَاكَ مَا ابْنُ عَبَّاسٍ؟! كَبِرَ الغُلَامُ، وَكَبِرَ مَعَهُ عَقْلُهُ، وَاتَّسَعَ عِلْمُهُ، حَتَّى أَدْرَكَ فِي العِلْمِ مَن سَبَقُوهُ مِن كِبَارِ الصَّحَابَةِ- رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ-، وَعَجِبُوا مِنْ عِلْمِهِ، وَأَقَرُّوا لَهُ بِهِ، وَهُوَ شَابٌّ فِي العِشْرِينَ أَوْ دُونَهَا، حَتَّى قَالَ لَهُ عُمَرُ- رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: لَقَدْ عَلِمْتَ عِلْمًا مَا عَلِمْنَاهُ. وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ- رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: لَوْ أَدْرَكَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَسْنَانَنَا، مَا عَشَرَهُ مِنَّا أَحَدٌ؛ أَيْ: مَا لَحِقَهُ فِي العِلْمِ أَحَدٌ.


وَكَانَ مِن سِيَاسَةِ عُمَرَ- رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- فِي إِدَارَةِ الدَّوْلَةِ، اهْتِمَامُهُ بِذَوِي العِلْمِ وَالرَّأْيِ دُونَ السِّنِّ وَالنَّسَبِ، فَيُوَلِّي الأَكْفَاءَ، وَيُقَرِّبُهُمْ، وَيُدْنِيهِمْ، فَلَمَّا رَأَى كَمَالَ عَقْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَسَدَادَ رَأْيِهِ، وَغَزَارَةَ عِلْمِهِ؛ جَعَلَهُ مِن خَاصَّتِهِ، وَاتَّخَذَهُ بِطَانَةً لَهُ، وَقَدَّمَهُ عَلَى الشُّيُوخِ الكِبَارِ فِي الرَّأْيِ وَالمَشُورَةِ، وَهُوَ شَابٌّ صَغِيرٌ، حَتَّى اعْتَرَضَ عَلَى ذَلِكَ بَعْضُ كِبَارِ الصَّحَابَةِ. يَقُولُ ابْنُ عَبَّاسٍ- رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-: كَانَ عُمَرُ يُدْخِلُنِي مَعَ أَشْيَاخِ بَدْرٍ، فَكَأَنَّ بَعْضَهُمْ وَجَدَ فِي نَفْسِهِ (يَعْنِي: غَضِبَ وَحَزِنَ)، فَقَالَ: لِمَ تُدْخِلُ هَذَا مَعَنَا، وَلَنَا أَبْنَاءٌ مِثْلُهُ؟! فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّهُ مَنْ قَدْ عَلِمْتُمْ- يَعْنِي: عَلِمْتُمْ مَكَانَتَهُ فِي العِلْمِ-. فَدَعَاهُ ذَاتَ يَوْمٍ، فَأَدْخَلَهُ مَعَهُمْ، فَمَا رَأَيْتُ أَنَّهُ دَعَانِي يَوْمَئِذٍ إِلَّا لِيُرِيَهُمْ. قَالَ عُمَرُ: مَا تَقُولُونَ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ﴾ [النصر: 1]؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أُمِرْنَا أَنْ نَحْمَدَ اللَّهَ وَنَسْتَغْفِرَهُ إِذَا نُصِرْنَا وَفُتِحَ عَلَيْنَا. وَسَكَتَ بَعْضُهُمْ فَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا. فَقَالَ لِي: أَكَذَاكَ تَقُولُ يَا بْنَ عَبَّاسٍ؟ فَقُلْتُ: لَا. قَالَ: فَمَا تَقُولُ؟ قُلْتُ: هُوَ أَجَلُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَعْلَمَهُ لَهُ. فَقَالَ عُمَرُ: مَا أَعْلَمُ مِنْهَا إِلَّا مَا تَقُولُ. وَقَالَ المُهَاجِرُونَ لِعُمَرَ: أَلَا تَدْعُو أَبْنَاءَنَا كَمَا تَدْعُو ابْنَ عَبَّاسٍ؟ قَالَ: ذَاكُمْ فَتَى الكُهُولِ؛ إِنَّ لَهُ لِسَانًا سَئُولًا، وَقَلْبًا عَقُولًا.


قَالَ يَعْقُوبُ بْنُ زَيْدٍ: كَانَ عُمَرُ يَسْتَشِيرُ ابْنَ عَبَّاسٍ فِي الأَمْرِ إِذَا أَهَمَّهُ، وَيَقُولُ لَهُ: غُصْ يَا غَوَّاصُ.


ابْنُ عَبَّاسٍ وَمَا أَدْرَاكَ مَا ابْنُ عَبَّاسٍ؟! ما حازَ ابْنُ عَبَّاسٍ- رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- هَذَا العِلْمَ الغَزِيرَ، وَلَا نَالَ هَذِهِ الحَظْوَةَ الكَبِيرَةَ عِندَ سَادَةِ الأُمَّةِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، إِلَّا لِأَنَّهُ حَفِظَ وَقْتَهُ مِنَ الضَّيَاعِ، وَصَانَ شَبَابَهُ عَنِ اللَّهْوِ وَالغَفْلَةِ، وَاسْتَثْمَرَ مَا أَعْطَاهُ اللهُ تَعَالَى مِن قُدُرَاتٍ عَقْلِيَّةٍ فِيمَا يَنْفَعُهُ، فَعَادَ نَفْعُهُ عَلَى نَفْسِهِ بِعِلْمٍ هُوَ أَنفَسُ عِلْمٍ وَأَجَلُّهُ، وَهُوَ العِلْمُ بِكِتَابِ اللهِ تَعَالَى وَبِسُنَّةِ رَسُولِهِ- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَأَوْرَثَهُ خَشْيَةً وَخُشُوعًا، وَرِقَّةً لِقَلْبِهِ وَصَلَاحًا. حَتَّى قَالَ أَبُو رَجَاءٍ العُطَارِدِيُّ: رَأَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، وَأَسْفَلُ مِنْ عَيْنَيْهِ مِثْلُ الشِّرَاكِ البَالِي مِنَ البُكَاءِ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: صَحِبْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ مِن مَكَّةَ إِلَى المَدِينَةِ، فَكَانَ إِذَا نَزَلَ قَامَ شَطْرَ اللَّيْلِ، وَقَرَأَ: ﴿ وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ ﴾ [ق: 19]، فَجَعَلَ يُرَتِّلُ، وَيُكْثِرُ فِي ذَلِكَ البُكَاءَ. وَنَفَعَ اللهُ تَعَالَى بِعِلْمِهِ الأُمَّةَ، فَهِيَ- مِنْ عَصْرِهِ إِلَى يَوْمِنَا- تَقْتَاتُ عَلَى عِلْمِهِ، وَتَسْتَنِيرُ بِفِقْهِهِ، فَهُوَ قُدْوَةٌ لِكُلِّ شَابٍّ مُسْلِمٍ، وَنِعْمَ القُدْوَةُ صَحَابَةُ رَسُولِ اللهِ-صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَمَا أَحْوَجَ شَبَابَ الإِسْلَامِ إِلَى اسْتِحْضَارِ سِيَرِ العُظَمَاءِ مِنَ الشَّبَابِ! وَمَحْوِ سِيَرِ العَابِثِينَ مِنْ حَيَاتِهِم؛ فَإِنَّ مِنْ أَسْبَابِ تَأَخُّرِ المُسْلِمِينَ: إِهْدَارُ طَاقَاتِ الشَّبَابِ، وَإِفْسَادُهَا بِالشَّهَوَاتِ، وَإِبْرَازُ القُدْوَاتِ السَّيِّئَةِ لِلشَّبَابِ عَبْرَ الإِعْلَامِ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ. وَعَاشَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَمْلَأُ دُنْيَاهُ عِلْمًا وَحِكْمَةً، وَيَنْشُرُ بَيْنَ النَّاسِ عَبِيرَهُ وَتَقْوَاهُ، فَرَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ.

 

يَا آلَ بَيْتِ رَسُولِ اللهِ حُبُّكُمُ
فَرْضٌ مِنَ اللهِ فِي القُرْآنِ أَنْزَلَهُ
يَكْفِيكُمُ مِنْ عَظِيمِ الفَخْرِ أَنَّكُمُ
مَنْ لَمْ يُصَلِّ عَلَيْكُم لَا صَلَاةَ لَهُ


ثَانِيًا: مَوَاقِفُ مُضِيئَةٌ فِي حَيَاةِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ!

أَيُّهَا السَّادَةُ، كَانَ بَعْضُ سَادَاتِ التَّابِعِينَ يُلَازِمُ ابْنَ عَبَّاسٍ وَهُوَ غُلَامٌ دُونَ كِبَارِ الصَّحَابَةِ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِعِلْمِهِ، قِيلَ لِطَاوُس بْنِ كَيْسَانَ: لَزِمْتَ هَذَا الْغُلَامَ- يَعْنِي ابْنَ عَبَّاسٍ- وَتَرَكْتَ الْأَكَابِرَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-؟ فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ سَبْعِينَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِذَا اخْتَلَفُوا فِي شَيْءٍ صَارُوا إِلَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَعَنْ مُجَاهِدِ بْنِ جَبْرٍ قَالَ: "مَا سَمِعْتُ فُتْيَا أَحْسَنَ مِنْ فُتْيَا ابْنِ عَبَّاسٍ، إِلَّا أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-". عن شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ قَالَ: خَطَبَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ، وَهُوَ أَمِيرٌ عَلَى الْمَوْسِمِ (فِي الْحَجِّ)، فَافْتَتَحَ سُورَةَ النُّورِ، فَجَعَلَ يَقْرَأُ وَيُفَسِّرُ، فَجَعَلْتُ أَقُولُ: مَا رَأَيْتُ وَلَا سَمِعْتُ كَلَامَ رَجُلٍ مِثْلَ هَذَا، لَوْ سَمِعَتْهُ فَارِسُ وَالرُّومُ وَالتُّرْكُ لَأَسْلَمَتْ.


فَفِي زَمَنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ تَوَلَّى عَبْدُاللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ إِمَارَةَ مَدِينَةِ الْبَصْرَةِ، وَصَارَ الْوَالِيَ وَالْأَمِيرَ بِهَا، فَنَزَلَ بِهَا أَبُو أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيُّ قَادِمًا مِنَ الْمَدِينَةِ، فَخَرَجَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا أَيُّوبَ، لَأَصْنَعَنَّ بِكَ الْيَوْمَ مَا صَنَعْتَ بِالنَّبِيِّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَوْمَ نَزَلَ دَارَكَ بِالْمَدِينَةِ، فَخَرَجَ ابْنُ عَبَّاسٍ مِنْ بَيْتِهِ هُوَ وَأَهْلُهُ وَأَبْنَاؤُهُ، وَأَسْكَنَ أَبَا أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيَّ، وَأَعْطَاهُ إِبِلًا وَغَنَمًا، وَقَضَى عَنْهُ دَيْنَهُ أَرْبَعِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ.


جَلَسَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي مَوْسِمِ الْحَجِّ يُفَسِّرُ لِلنَّاسِ سُورَةَ الْبَقَرَةِ، فَقَالَ أَحَدُهُمْ: لَوْ سَمِعَ هَذَا الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى لَأَسْلَمُوا، وَكَانَ الْمُنَادِي يُنَادِي: مَنْ أَرَادَ السُّؤَالَ عَنِ الْفِقْهِ فَلْيَدْخُلْ، فَإِذَا انْقَضَوْا نَادَى الْمُنَادِي: مَنْ أَرَادَ السُّؤَالَ عَنِ الْقُرْآنِ فَلْيَدْخُلْ، فَإِذَا انْقَضَوْا نَادَى الْمُنَادِي: مَنْ أَرَادَ السُّؤَالَ عَنِ الشِّعْرِ وَأَيَّامِ الْعَرَبِ فَلْيَدْخُلْ.


لَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ كَلِمَةً مَا قَالَهَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ قَبْلَهُ، وَلَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ بَعْدَهُ أَنْ يَقُولَهَا، لَمَّا جَاءَ إِلَى تَفْسِيرِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: 7]؛ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «أَنَا مِنَ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ».


وَرَغْم الْقَرَابَةِ الَّتِي تَجْمَعُهُ بِالنَّبِيِّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَمَنْزِلَتِهِ الْعَالِيَةِ فِي الْعِلْمِ، فَإِنَّهُ يُوَقِّرُ أَصْحَابَ الْفَضْلِ وَالْعِلْمِ؛ فَقَدْ خَرَجَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَوْمًا عَلَى دَابَّتِهِ، فَرَآهُ ابْنُ عَبَّاسٍ فَسَارَعَ إِلَيْهِ، وَهُوَ ابْنُ عَبَّاسٍ؛ حَبْرُ الْأُمَّةِ، وَتَرْجُمَانُ الْقُرْآنِ، فَأَمْسَكَ بِزِمَامِ الدَّابَّةِ يَقُودُهَا لِزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ كَاتِبِ الْقُرْآنِ الَّذِي بَيْنَ أَيْدِينَا، فَقَالَ زَيْدٌ: «دَعْ هَذَا يَا بْنَ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ»، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «هَكَذَا أُمِرْنَا أَنْ نَفْعَلَ بِعُلَمَائِنَا»، فَأَخَذَ زَيْدٌ يَدَ ابْنِ عَبَّاسٍ فَقَبَّلَهَا وَقَالَ: «هَكَذَا أُمِرْنَا أَنْ نَفْعَلَ بِأَهْلِ بَيْتِ نَبِيِّنَا».


ومِن مَلامِحِ شَخصِيَّتِهِ ذَكَاءُ ابنِ عَبَّاسٍ الفَذُّ وسُرعةُ بَدِيهَتِهِ؛ بعثَ الإمامُ عَلِيٌّ- رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- ابنَ عَبَّاسٍ- رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- ذاتَ يَومٍ إلى طائِفَةٍ مِنَ الخَوارِجِ، فَدَارَ بَينَهُ وَبَينَهُمْ حِوارٌ طَوِيلٌ، سَاقَ فِيهِ الحُجَّةَ بِشَكلٍ يُبْهِرُ الأَلْبَابَ. فَقَدْ سَأَلَهُمْ ابْنُ عَبَّاسٍ- رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: "مَاذَا تَنْقِمُونَ مِنْ عَلِيٍّ؟"، قَالُوا: نَنْقِمُ مِنْهُ ثَلَاثًا:

أُولاهُنَّ: أَنَّهُ حَكَّمَ الرِّجَالَ فِي دِينِ اللهِ، وَاللهُ يَقُولُ: ﴿ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ﴾ [الأنعام: 57].


والثَّانِيَةُ: أَنَّهُ قَاتَلَ، ثُمَّ لَمْ يَأْخُذْ مِنْ مُقَاتِلِيهِ سَبْيًا وَلَا غَنَائِمَ، فَلَئِنْ كَانُوا كُفَّارًا فَقَدْ حَلَّتْ لَهُ أَمْوَالُهُمْ، وَإِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ فَقَدْ حُرِّمَتْ عَلَيْهِ دِمَاؤُهُمْ.


والثَّالِثَةُ: أَنَّهُ رَضِيَ عِندَ التَّحْكِيمِ أَنْ يَخْلَعَ عَنْ نَفْسِهِ صِفَةَ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ اسْتِجَابَةً لِأَعْدَائِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، فَهُوَ أَمِيرُ الكَافِرِينَ!


فَأَخَذَ ابْنُ عَبَّاسٍ- رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- يُفَنِّدُ أَهْوَاءَهُمْ، فَقَالَ: "أَمَّا قَوْلُكُمْ: إِنَّهُ حَكَّمَ الرِّجَالَ فِي دِينِ اللهِ، فَأَيُّ بَأْسٍ؟! إِنَّ اللهَ يَقُولُ: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ ﴾ [المائدة: 95]، فَنَبِّئُونِي بِاللهِ، أَتَحْكِيمُ الرِّجَالِ فِي حَقْنِ دِمَاءِ المُسْلِمِينَ أَحَقٌّ وَأَوْلَى، أَمْ تَحْكِيمُهُمْ فِي أَرْنَبٍ ثَمَنُهَا دِرْهَمٌ؟!".


"وَأَمَّا قَوْلُكُمْ: إِنَّهُ قَاتَلَ فَلَمْ يَسْبِ وَلَمْ يَغْنَمْ، فَهَلْ كُنْتُمْ تُرِيدُونَ أَنْ يَأْخُذَ عَائِشَةَ زَوْجَ الرَّسُولِ وَأُمَّ المُؤْمِنِينَ سَبْيًا، وَيَأْخُذَ أَسْلَابَهَا غَنَائِمَ؟!".


"وَأَمَّا قَوْلُكُمْ: إِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يَخْلَعَ عَنْ نَفْسِهِ صِفَةَ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ حَتَّى يَتِمَّ التَّحْكِيمُ، فَاسْمَعُوا مَا فَعَلَهُ رَسُولُ اللهِ- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ؛ إِذْ رَاحَ يُمْلِي الكِتَابَ الَّذِي يَقُومُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قُرَيْشٍ، فَقَالَ لِلْكَاتِبِ: اكْتُبْ: «هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ»، فَقَالَ مَبْعُوثُ قُرَيْشٍ: وَاللهِ لَوْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللهِ مَا صَدَدْنَاكَ عَنِ البَيْتِ وَلَا قَاتَلْنَاكَ، فَاكْتُبْ: (هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِاللهِ). فَقَالَ لَهُمُ الرَّسُولُ: «وَاللهِ، إِنِّي لَرَسُولُ اللهِ وَإِنْ كَذَّبْتُم»، ثُمَّ قَالَ لِكَاتِبِ الصَّحِيفَةِ: «اكْتُبْ مَا شَاءُوا، اكْتُبْ: هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِاللهِ» وَاسْتَمَرَّ الحِوَارُ بَيْنَ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالخَوَارِجِ عَلَى هَذَا النَّسَقِ البَاهِرِ، وَمَا كَادَ يَنْتَهِي النِّقَاشُ، حَتَّى نَهَضَ مِنْهُمْ عِشْرُونَ أَلْفًا مُعْلِنِينَ اقْتِنَاعَهُمْ، وَخُرُوجَهُمْ مِنْ خُصُومَةِ الإِمَامِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ.


فَلْنُعَلِّمِ الدُّنْيَا كُلَّهَا، وَلْنُعَلِّمْ أَوْلَادَنَا سِيرَةَ البَطَلِ عَبْدِاللهِ بْنِ عَبَّاسٍ، الَّذِي تَصَدَّى لِلتَّطَرُّفِ وَالفِكْرِ المُنْحَرِفِ بِالفَهْمِ وَالعَقْلِ وَالعِلْمِ، خَاصَّةً وَنَحْنُ نَعِيشُ زَمَانًا فَسَدَتْ فِيهِ العُقُولُ، وَانْحَرَفَتْ بِسَبَبِ بُعْدِهَا عَنْ مَنْهَجِ رَبِّهَا، وَسُنَّةِ نَبِيِّهَا- صلى الله عليه وسلم-، وَخَاصَّةً سُوءَ فَهْمِ النُّصُوصِ فَهْمًا صَحِيحًا؛ أَدَّى إِلَى انْتِشَارِ الفِرَقِ التَّكْفِيرِيَّةِ الضَّالَّةِ وَالمُنْحَرِفَةِ، وَالأَفْكَارِ الطَّائِشَةِ، وَالآرَاءِ الهَزِيلَةِ، الَّتِي تُشَوِّهُ صُورَةَ الإِسْلَامِ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ فِي الدَّاخِلِ وَالخَارِجِ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ.


وَخَاصَّةً وَنَحْنُ نَعِيشُ زَمَانًا انْتَشَرَ فِيهِ التَّكْفِيرُ، وَالتَّبْدِيعُ، وَالتَّفْسِيقُ، بِصُورَةٍ مُخْزِيَةٍ، خَاصَّةً مَعَ انْتِشَارِ مَوَاقِعِ التَّوَاصُلِ الاجْتِمَاعِيِّ. فَكَمْ مِنْ بِلَادٍ تَدَمَّرَتْ بِسَبَبِ انْتِشَارِ فِكْرِ التَّكْفِيرِ وَالتَّكْفِيرِيِّينَ؟! وَكَمْ مِنْ بِلَادٍ تَأَخَّرَتْ بِسَبَبِ تِلْكَ الجَمَاعَاتِ المُنْحَرِفَةِ؟! وَكَمْ مِنْ مُجْتَمَعَاتٍ تَشَتَّتَتْ بِسَبَبِ الأَفْكَارِ الهَدَّامَةِ؟! وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ. فَالإِسْلَامُ دِينُ السَّلَامِ، دِينُ الوَسَطِيَّةِ، دِينُ الاعْتِدَالِ؛ لَيْسَ دِينَ التَّطَرُّفِ وَالإِرْهَابِ، لَيْسَ دِينَ التَّكْفِيرِ وَالغُلُوِّ وَالتَّشَدُّدِ، وَلَيْسَ دِينَ التَّسَاهُلِ؛ إِنَّمَا دِينُ الوَسَطِيَّةِ وَالاعْتِدَالِ، فَلَا إِفْرَاطَ وَلَا تَفْرِيطَ، وَلَا غُلُوَّ وَلَا تَقْصِيرَ، وَلَا مُبَالَغَةً وَلَا مِيُوعَةً. قَالَ جَلَّ وَعَلَا فِي حَقِّ أُمَّةِ الإِسْلَامِ: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ﴾ [البقرة: 143]؛ لِذَا قَالَ ابْنُ القَيِّمِ- رَحِمَهُ اللهُ-: "سُوءُ الفَهْمِ عَنِ اللهِ وَرَسُولِهِ أَصْلُ كُلِّ بِدْعَةٍ وَضَلَالَةٍ نَشَأَتْ فِي الإِسْلَامِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا، وَأَصْلُ كُلِّ خِلَافٍ فِي الأُصُولِ وَالفُرُوعِ". ثُمَّ قَالَ ابْنُ القَيِّمِ: "وَهَلْ أَوْقَعَ القَدَرِيَّةَ- النُّفَاةَ مِنْهُمْ وَالجَبْرِيَّةَ- وَالمُرْجِئَةَ، وَالخَوَارِجَ، وَالمُعْتَزِلَةَ، وَالرَّوَافِضَ، وَسَائِرَ طَوَائِفِ أَهْلِ البِدَعِ فِيمَا وَقَعُوا فِيهِ، إِلَّا سُوءُ الفَهْمِ عَنِ اللهِ وَرَسُولِهِ؟!

 

إِلَهِي لَسْتُ لِلْفِرْدَوْسِ أَهْلًا
وَلَا أَقْوَى عَلَى النَّارِ الْجَحِيمِ
فَهَبْ لِي تَوْبَةً وَاغْفِرْ ذُنُوبِي
فَإِنَّكَ غَافِرُ الذَّنْبِ الْعَظِيمِ

أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ العَظِيمَ لِي وَلَكُمْ.

الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ

الحَمْدُ للهِ، وَلَا حَمْدَ إِلَّا لَهُ، وَبِسْمِ اللهِ، وَلَا يُسْتَعَانُ إِلَّا بِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَمَّا بَعْدُ:


ثَالِثًا وَأَخِيرًا: وَكَيْفَ يُنْسَى حَبْرُ الْأُمَّةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ؟!

أَيُّهَا السَّادَةُ، عَاشَ ابْنُ عَبَّاسٍ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- يَنْشُرُ نُورَ الدَّعْوَةِ، وَيَشْرَحُ تَعَالِيمَ الْإِسْلَامِ، وَكَفَّ بَصَرُهُ فِي أَوَاخِرِ حَيَاتِهِ، كَمَا أَخْبَرَ بِذَلِكَ النَّبِيُّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَعَنْ مُوسَى بْنِ مَيْسَرَةَ: أَنَّ الْعَبَّاسَ بَعَثَ ابْنَهُ عَبْدَاللَّهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَاجَةٍ، فَوَجَدَ عِنْدَهُ رَجُلًا، فَرَجَعَ وَلَمْ يُكَلِّمْهُ، فَلَقِيَ الْعَبَّاسُ رَسُولَ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بَعْدَ ذَلِكَ، فَقَالَ: أَرْسَلْتُ إِلَيْكَ ابْنِي، فَوَجَدَ عِنْدَكَ رَجُلًا، فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُكَلِّمَكَ، فَقَالَ: «يَا عَمِّ، أَتَدْرِي مَنْ ذَاكَ الرَّجُلُ؟» قَالَ: لَا. قَالَ: «ذَاكَ جِبْرِيلُ لَقِينِي، وَلَنْ يَمُوتَ ابْنُكَ حَتَّى يَذْهَبَ بَصَرُهُ وَيُؤْتَى عِلْمًا». وَمَاتَ عَبْدُاللهِ بْنُ عَبَّاسٍ- رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- بِالطَّائِفِ، سَنَةَ ثَمَانٍ وَسِتِّينَ، وَهُوَ ابْنُ إِحْدَى وَثَمَانِينَ سَنَةً. وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ وَغَيْرُهُ: نَزَلَ فِي قَبْرِ عَبْدِاللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ، وَتَوَلَّى دَفْنَهُ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِاللَّهِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَنَفِيَّةِ، وَالْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِاللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ، وَصَفْوَانُ، وَكُرَيْبٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَأَبُو مَعْبَدٍ مَوَالِيهِ.


آيَةٌ عِنْدَ الْمَمَاتِ: عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: مَاتَ ابْنُ عَبَّاسٍ بِالطَّائِفِ فَشَهِدْنَا جَنَازَتَهُ، فَجَاءَ طَائِرٌ لَمْ يُرَ عَلَى خِلْقَتِهِ، حَتَّى دَخَلَ فِي نَعْشِهِ، ثُمَّ لَمْ يُرَ خَارِجًا مِنْهُ، فَلَمَّا دُفِنَ تُلِيَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، لَمْ يُدْرَ مَنْ تَلَاهَا: ﴿ يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي ﴾ [الفجر: 27- 30].


دُرُوسٌ مِنْ سِيرَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا:

• صِغَرُ السِّنِّ لَا يَمْنَعُ مِنَ الْحِرْصِ عَلَى تَحْصِيلِ الْخَيْرِ وَالْمُنَافَسَةِ فِيهِ.

• أَهَمِّيَّةُ مَرْحَلَةِ الشَّبَابِ فِي تَحْصِيلِ مَا يَنْفَعُ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا.

• ضَرُورَةُ مُصَاحَبَةِ الصَّالِحِينَ لِمَا لَهَا مِنَ الْأَثَرِ الْكَبِيرِ فِي صَلَاحِ الْإِنْسَانِ.

• عَدَمُ الْإِصْغَاءِ لِكَلَامِ الْمُثَبِّطِينَ وَالْمُخَذِّلِينَ.

•احْتِرَامُ الْكَبِيرِ وَتَوْقِيرُهُ.

• الْمَنَازِلُ الْعَالِيَةُ وَالدَّرَجَاتُ الرَّفِيعَةُ لَا تُنَالُ إِلَّا بِالتَّعَبِ وَبَذْلِ الْجُهْدِ.


وَهَذِهِ لَمَحَاتٌ مِنْ سِيرَةِ صَاحِبِ الْقُرْآنِ وَإِمَامِ الْمُفَسِّرِينَ، وَمِثَالٌ عَظِيمٌ يَذْكُرُهُ الْآبَاءُ لِأَبْنَائِهِمْ، وَقُدْوَةٌ لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ فِي حِفْظِ الْقُرْآنِ وَتَعَلُّمِهِ وَتَعْلِيمِهِ، وَاسْمٌ رَاسِخٌ يَقْتَدِي بِهِ الصَّالِحُونَ وَيَتَتَبَّعُونَ أَخْبَارَهُ وَمَوَاقِفَهُ، خَيْرٌ أَلْفَ مَرَّةٍ مِنْ كُلِّ التَّفَاهَاتِ الَّتِي تَمْلَأُ الْفَضَاءَ الْيَوْمَ، ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَمْثَالُهُ هُمْ قُدْوَتُنَا، وَهُمْ مَنْ نُتَابِعُ أَخْبَارَهُمْ، وَهُمْ مَنْ يَجِبُ عَلَيْنَا مَعْرِفَةُ سِيرَتِهِمْ وَرِوَايَتُهَا وَبَثُّهَا بَيْنَ النَّاسِ، لِكَيْلَا نَغْرَقَ فِي التَّفَاهَةِ، وَلَا يُحَاصِرَنَا الْعَدَمُ، وَيَلْبِسَنَا التَّمَزُّقُ.


عِبَادَ اللَّهِ، وَزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ، وَهَذِّبُوا أَخْلَاقَكُمْ، وَأَحْيُوا ضَمَائِرَكُمْ، وَرَبُّوها عَلَى عَمَلِ الْخَيْرِ وَالْبُعْدِ عَنِ الشَّرِّ، تَسْعَدُوا فِي حَيَاتِكُمْ، وَتَنَالُوا رِضَا رَبِّكُمْ، وَتَقْوَ أُخُوَّتُكُمْ، وَتَحْفَظُوا حُقُوقَكُمْ، وَيَنْتَشِر الْخَيْرُ فِي مُجْتَمَعِكُمْ. وَاحْذَرُوا مِنَ التَمَادِي وَالْغَفْلَةِ، وَأَقْبِلُوا عَلَى اللَّهِ بِأَعْمَالٍ صَالِحَةٍ وَنِيَّاتٍ خَالِصَةٍ، قَالَ تَعَالَى: ﴿ وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ﴾ [البَقَرَة:281].


حَفِظَ اللَّهُ مِصْرَ مِنْ كَيْدِ الْكَائِدِينَ، وَشَرِّ الْفَاسِدِينَ، وَحَقْدِ الْحَاقِدِينَ، وَمَكْرِ الْمَاكِرِينَ، وَاعْتِدَاءِ الْمُعْتَدِينَ، وَإِرْجَافِ الْمُرْجِفِينَ، وَخِيَانَةِ الْخَائِنِينَ .





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • توقير كبار السن وإكرامهم (خطبة)
  • كن جميلا تر الوجود جميلا (خطبة)
  • إنا كفيناك المستهزئين (خطبة)
  • مظاهر عناية الإسلام بالطفولة (خطبة)
  • خطبة: نعمة العافية
  • أبي بن كعب رضي الله عنه وأرضاه (خطبة)

مختارات من الشبكة

  • دروس من حياة ابن عباس (رضي الله عنهما)(مقالة - ثقافة ومعرفة)
  • عبد الله بن عباس حبر الأمة (خطبة)(مقالة - موقع د. محمود بن أحمد الدوسري)
  • حرمة الانتحار في الإسلام: بحث تأصيلي في ضوء القرآن والسنة وأقوال أئمة الأمة (WORD)(كتاب - مكتبة الألوكة)
  • سلسلة تذكير الأمة بشرح حديث: «كل أمتي يدخلون الجنة» الجزء الحادي عشر(مقالة - آفاق الشريعة)
  • القرآن والسُّنَّة دستور الأُمَّة(مقالة - آفاق الشريعة)
  • سلسلة تذكير الأمة بشرح حديث: "كل أمتي يدخلون الجنة" = الجزء العاشر(مقالة - آفاق الشريعة)
  • الموازنة بين دعائه صلى الله عليه وسلم لأمته وبين دعاء كل نبي لأمته(مقالة - ملفات خاصة)
  • سلسلة تذكير الأمة بشرح حديث: "كل أمتي يدخلون الجنة" الجزء التاسع(مقالة - آفاق الشريعة)
  • حديث: طلاق الأمة تطليقتان، وعدتها حيضتان(مقالة - موقع الشيخ عبد القادر شيبة الحمد)
  • الذنوب والمعاصي وأثرها في وهن الأمة الداخلي(مقالة - آفاق الشريعة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • منطقة ريبوفسي تحتفل بميلاد مسجد جديد في أجواء إيمانية مميزة
  • أكبر مشروع إسلامي في ريف أستراليا يفتتح أبوابه بعد سنوات من العمل والعطاء
  • القرآن والتربية في صدارة البرامج الصيفية للمسلمين في بينزا وساراتوف وموردوفيا هذا العام
  • اختتام الدورة التاسعة لمسابقة حفظ وتلاوة القرآن الكريم في أزناكاييف
  • تيسليتش تختتم برنامجا تعليميا لتعزيز القيم وبناء الشخصية للشباب المسلمين
  • انطلاق فعاليات "أيام مساجد إستولتس 2026" ببرنامج ديني وثقافي يمتد حتى أغسطس
  • قازان تحتضن المخيم الدولي الرابع للطلاب المسلمين
  • مسجد دابرافين يفتح أبوابه للمصلين بعد سنوات من البناء والعطاء

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1448هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 18/2/1448هـ - الساعة: 9:27
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب