• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | مقالات شرعية   دراسات شرعية   نوازل وشبهات   منبر الجمعة   روافد   من ثمرات المواقع  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    الحقوق الزوجية (خطبة)
    د. عبد الرقيب الراشدي
  •  
    خطبة: العام الجديد وشهر الله المحرم
    د. أيمن منصور أيوب علي بيفاري
  •  
    مواقف إيمانية - الرسالة الثانية: حب الله ورسوله ...
    زينب محمد عبدالغني فايد
  •  
    خطبة: آفة السلبية ومعالم الإيجابية في القرآن ...
    أبو عمران أنس بن يحيى الجزائري
  •  
    فضل النفقة على الأبناء والزوجة
    د. خالد بن محمود بن عبدالعزيز الجهني
  •  
    خطبة (زمن الدجال وحفظ النفس)
    الدكتور علي بن عبدالعزيز الشبل
  •  
    المراقبة سبب في صلاح الأفراد والمجتمعات
    الشيخ ندا أبو أحمد
  •  
    خطبة: شهر الله المحرم وفضائله
    الشيخ الدكتور صالح بن مقبل العصيمي ...
  •  
    شرح حديث: "تعوذوا بالله من جهد البلاء..."
    أبو عاصم البركاتي المصري
  •  
    عاشوراء والسنن الإلهية في صراع الحق والباطل
    أ. د. حلمي عبدالحكيم الفقي
  •  
    علاج الحزن في القرآن
    نور الحق إبراهيم
  •  
    عاشوراء.. حين ينتصر اليقين على الطغيان (خطبة)
    مالك مسعد الفرح
  •  
    فلذات الأكباد.. بين ميثاق الأمانة ومرافئ النجاة ...
    عبدالله بن إبراهيم الحضريتي
  •  
    ضحك النبي صلى الله عليه وسلم (خطبة)
    د. محمود بن أحمد الدوسري
  •  
    خطبة: حرارة الصيف وسبل الوقاية من حرارة المحشر
    يحيى سليمان العقيلي
  •  
    من آداب المجالس (1)
    أ. د. زكريا محمد هيبة
شبكة الألوكة / آفاق الشريعة / منبر الجمعة / الخطب / الرقائق والأخلاق والآداب / في النصيحة والأمانة
علامة باركود

خطبة: خطورة انتكاسة الفطرة

خطبة: خطورة انتكاسة الفطرة
أ. د. حسن بن محمد بن علي شبالة

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 19/6/2026 ميلادي - 3/1/1448 هجري

الزيارات: 686

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

خطبة: خطورة انتكاسة الفطرة

 

أيها المؤمنون عباد الله: حديثنا اليوم عن الفطرة السليمة ومظاهر انحرافها، ذكر الله سبحانه وتعالى الفطرة في كتابه الكريم في خمسة عشر موضعًا من القرآن، كلها تتحدث عن هذه القضية بألفاظ متعددة، وما ذلك إلا لأهمية وسلامة الفطرة والمحافظة عليها؛ فهي الدين، وهي الملة، وهي الخلق السوي، وهي الحنيفية السمحة؛ قال الله سبحانه وتعالى: ﴿ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [الروم: 30].

 

وارتبط هذا اللفظ بخلق السماوات والأرض؛ قال سبحانه: ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ [فاطر: 1]، ومعنى فاطر السماوات والأرض أنه خلقها فأبدع خلقها، كما ارتبط هذا اللفظ بخلق الإنسان، وما ذلك إلا لأن الإنسان خلق في أحسن تقويم، وصور في أحسن صورة، وأبدع في خلقه فكان قمةً في الجمال والاستواء؛ كما في قوله: ﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴾ [التين: 4]، ﴿ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ ﴾ [غافر: 64].

 

أيها المؤمنون: ومعنى فطر أي: خلق وأوجد وأبدع، من غير مثال سابق، ولا خالق غير الله، فهو الذي خلق الكون بهذا الجمال وهذا الإتقان وهذا الإبداع، ومن كان كذلك فهو المستحق أن يكون الإله الحق الذي يعبد لا سواه جل وعلا، وحينما ربط هذا الفعل بالسماوات والأرض وخلقها وبخلق الإنسان، إنما نبهنا إلى نموذجين من نماذج خلقه جل وعلا المتقنة، وأمرنا أن ننظر في هذا الإتقان؛ فقال: ﴿ قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾ [يونس: 101].

 

وقال سبحانه: ﴿ وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ﴾ [الذاريات: 21]، فتفكر أيها الإنسان، وألقِ نظرةً إلى السماء، وألقِ نظرةً إلى هذا الكون الفسيح، ثم ألق نظرةً إلى نفسك وتفكر في خلق الله سبحانه وتعالى لأعضائك وأجهزتك المتنوعة وخلاياك التي لا تعد ولا تحصى؛ فستجد أن الإبداع عنوانها وأن الجمال هو ثمرتها، لأن الخالق جميل عظيم قادر سبحانه وتعالى.

 

أيها المؤمنون: إن أفعال الله في الخلق سليمة من العيوب، وكذلك أمره سليم من العيوب فما أنزله الله سبحانه وتعالى من شرع وتكاليف وأحكام، سليمة من العيب والخلل؛ فالله تعالى هو المختص بالخلق وهو المختص بالأمر كما قال: ﴿ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ﴾ [الأعراف: 54]، فكما تفرد بالخلق الجميل المبدع، فهو كذلك متفرد بالتشريع الجميل المبدع.

 

وقد خلق الله الإنسان على فطرته السليمة، والمقصود بالفطرة هو الدين السليم؛ قال سبحانه: ﴿ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ﴾ [الروم: 30]، والفطرة هي المعتقد السليم والأخلاق الصحيحة والسلوك الحسن الذي خلق الله عليه هذا الإنسان؛ قال صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي: ((خلقت عبادي حنفاء))؛ [رواه مسلم]؛ أي: على التوحيد، وقال صلى الله عليه وسلم: ((كل مولود يولد على الفطرة))؛ [رواه البخاري ومسلم]، أي: على التوحيد والاستقامة.

 

وقال جل وعلا: ﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴾ [التين: 4]، سواءً كان في قوامه الذي هو شكله وصورته، أو فيما يعتقده من دين وأخلاق، فقد خلقه على دين قويم سويٍّ، ثم بيَّن سبحانه وتعالى أن هذه الفطرة السليمة التي خلق عليها الإنسان - كما خلق على جمالها وإبداعها الكون - تتعرض للانحراف، وأن هناك أسبابًا تؤدي إلى انحراف الفطر السليمة، وهذه الأسباب بعضها قد يكون من خارج النفس البشرية، وبعضها يكون من داخل النفس البشرية.

 

السبب الأول: الشيطان، ومن أعظم أسباب انحراف الفِطَر الشيطان، فالشيطان سلطه الله تعالى على إفساد فطرة الخلق؛ كما قال في الحديث: ((خلقت عبادي حنفاء))؛ أي على التوحيد والفطرة السليمة ((فاجتالتهم الشياطين، فأحلت لهم الحرام، وحرمت عليهم الحلال))؛ [رواه مسلم]، ولما خلق الله آدم وأسكنه وزوجه الجنة، كان أول ما حذرهما ونهاهما من هذا الشيطان الرجيم الذي يسعى لإفساد فطرتهما وطاعتهما واستقامتهما، فحذرهما منه أبلغ تحذير، ونهاهما عن طاعته واتباع خطواته.

 

وبيَّن الله سبحانه وتعالى أن الشيطان قد أعلن مهمته في هذه الحياة، وهي مهمة إفساد الفطر وحرفها عن التوحيد، وتغييرها إلى الفساد والانحراف، بعد أن خلقت على الطاعة والتوحيد والاستقامة؛ كما قال جل وعلا عنه: ﴿ إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا * لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا * وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا * يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا ﴾ [النساء: 117 - 120]، فأي وضوح بعد هذا البيان من الله سبحانه وتعالى لمهمة الشيطان مع الخلق؟ وهي مهمة مستمرة حتى اليوم للشيطان وحزبه وأتباعه من الجن والإنس؛ مهمة تغيير الفطر وحرفها عن التوحيد والاستقامة إلى الإلحاد والشرك، ومن الأخلاق الحسنة إلى الأخلاق السيئة، حتى يتحول الإنسان إلى ألعوبة بيد الشيطان، يبدل ويغير في فطرته كما يريد، ليفتنهم عن الحق والصواب، ويدخلهم في جهنم وبئس المهاد.

 

أيها المؤمنون: وقد كانت أول انتكاسة للفطرة كانت بعد عشرة قرون من خلق آدم عليه السلام؛ فقد جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ((كان بين آدم ونوح عشرة قرون، كلهم على شريعة من الحق))؛ أي: ألف سنة من حياة البشرية ظلت فيها الفطرة مستقيمة على التوحيد والأخلاق الحسنة القويمة، حتى استزلهم الشيطان وحرفهم عن هذه الفطرة تدريجيًّا كما ذكر الله سبحانه وتعالى لنا ذلك في قصة قوم نوح، وهم أول قوم انحرفت فطرهم عن التوحيد من أبناء آدم.

 

وكان نوح عليه السلام هو أول رسول أرسله الله إلى الأرض بعد آدم ليعيد البشرية إلى التوحيد بعد انتكاس فطرتها وانحراف سلوكها، وقد أخذهم الشيطان خطوةً خطوةً، فأول ما يسر وسهل لهم الشرك عن طريق تصوير علمائهم وصالحيهم، فلما صوروهم قال: "ضعوهم أمامكم على شكل تماثيل تتذكرون بصورهم صلاحهم وتتعبدون الله مثلهم"، ثم ما زال بهم جيلًا بعد جيل حتى عبدوا هذه الأصنام من دون الله وتركوا عبادة الله؛ كما قال الله عنهم: ﴿ وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا * وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا ﴾ [نوح: 23، 24]، وهذه هي أسماء أصنامهم التي كانوا يعبدونها من دون الله سبحانه وتعالى، فأرسل الله إليهم نوحًا عليه السلام ليعدل فطرتهم ويعيدهم إلى التوحيد، ثم استمرت الرسل تترى، رسول يأتي بعد رسول ونبي يأتي بعد نبي إلى أهل الأرض، منذ نوح إلى بعثة محمد صلى الله عليه وسلم وهو آخر الأنبياء والمرسلين، فقد بعث الله مائةً وأربعةً وعشرين ألف نبيًّا وثلاث مائة وأربعة عشر رسولًا، كلهم من أجل أن يعيدوا البشرية إلى الفطرة السليمة بعد أن اجتالتهم الشياطين، وحرفتهم عن التوحيد والاستقامة.

 

السبب الثاني: البيئة الفاسدة وهي من أهم أسباب انحراف الفطرة.

إن الفطرة السليمة التي تعيش في بيئة سليمة تستمر في صلاحها واستقامتها، وإذا انتقلت الفطرة السليمة إلى بيئة سيئة أو دخلت البيئة السيئة على الفطرة السليمة، فإنها تسعى في فسادها شيئًا فشيئًا؛ لأن الفساد يعدي بطبعه وينتشر فيمن حوله، ولذلك كان من أسباب انحراف الفطرة السليمة البيئةُ السيئة المنحرفة الفاسدة، وقد فسدت كثير من البيئات بالتدرج، فظهر فيها الفساد بسبب قلة أهل الحق الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر.

 

قال صلى الله عليه وسلم: ((كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه))؛ [رواه البخاري ومسلم]، أي: يجعلانه يهوديًّا أو نصرانيًّا أو مجوسيًّا، وإنما ذكر هذه الأديان الثلاثة لاشتهارها وإلا فهي نموذج لأنواع الفساد والانحراف، فهناك أديان باطلة أخرى، فهناك الإلحاد، والوثنية المطلقة التي دخلت على أهل الأرض وأفسدت عليهم فطرتهم؛ كما قال الله تعالى: ﴿ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ﴾ [الأعراف: 56]، وجمهور المفسرين على أن المقصود بالفساد هنا الانحراف من التوحيد إلى الشرك.

 

السبب الثالث: اتباع الشهوات، ومن أعظم أسباب انحراف الفطر؛ اتباع الشهوات وهي ما تريده النفس، وما تشتهيه، وما ترغب فيه، خاصةً إذا انحرفت عن الطاعة والقربى، وصارت نفسًا أمارةً بالسوء.

 

وقد خلق الله سبحانه وتعالى النفس البشرية فيها إمكانية قبول الخير وإمكانية قبول الشر، ثم زين لها قبول هذه الشهوات، وهذا التزيين له وسائله؛ منه تزيين الشيطان، ومنه تزيين النفس الأمارة بالسوء المنحرفة عن الطاعة؛ قال الله سبحانه وتعالى: ﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ ﴾ [آل عمران: 14].

 

فهذا التزيين للشهوات الذي يقذفه الشيطان في نفس الإنسان، أو تقذفه النفس الأمارة في صاحبها مع قابلية النفس للقبول للخير والشر، يؤدي إلى انحراف الفطر وابتعادها عن الحق والصواب، ولذلك يسعى أعداء الفطر اليوم إلى نشر الشهوات وإغراق المجتمعات بالشهوات حتى يفسدوا فطر من بقيَ من الناس على الاستقامة والأخلاق.

 

السبب الرابع: من أسباب انحراف الفطرة: الغفلة والنسيان وقد كان هذا السبب هو أول ما حصل لآدم عليه السلام، بعد أن حذره الله من اتباع الشيطان.

 

كما قال الله سبحانه: ﴿ وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا ﴾ [طه: 115]، نسي العهد الذي عهده إليه في التحذير من اتباع الشيطان، والنسيان والغفلة طبيعة في النفس البشرية، ولذلك أمرنا بالحذر من النسيان والحذر من الغفلة: ﴿ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ ﴾ [الأعراف: 205]، وقال سبحانه: ﴿ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ ﴾ [الحشر: 19]، وقال تعالى: ﴿ وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ ﴾ [المائدة: 14].

 

وكل ذلك من ثمرة الغفلة والنسيان، يؤدي إلى فساد الفطرة واستقامتها وانحرافها، ومن أجل ذلك يقوم أعداء الفطرة اليوم بإغراق الناس في المشاريع التافهة التي تجعلهم يعيشون في غفلة عن الله وشرعه، وعن الدار الآخرة، وعما يصلحهم في حياتهم الدنيا والأخرى.

 

نعم قد أمرنا الله بالصلاة والذكر والاستغفار والإقبال على الطاعة من أجل أن تظل نفوسنا يقظة، ومن أجل أن نظل على حذر من الغفلة والنسيان.

 

لكن أعداء الملة والدين وأعداء الفطرة السليمة أغرقوا الناس اليوم بمشاريع الغفلة، مشاريع الإلهاء، وما تشاهدونه وما ترونه اليوم من هذه المشاريع التي عبرت القارات وأُنفقت فيها المليارات، إنما الهدف منها أن يعيش الناس في غفلة عما يصلح عقيدتهم وفطرهم وما ينفعهم في دنياهم وأخراهم.

 

أيها المؤمنون عباد الله: إننا بحاجة ماسة إلى التيقظ والحذر من كل ما يفسد فطرنا، سواءً كان ذلك الإفساد عن طريق الشيطان الذي أقسم أن يستمر في إغواء بني آدم، أو كان ذلك الإفساد عن طريق حزبه وأتباعه من شياطين الجن والإنس، ومشاريع التغريب والفساد وانحراف الفطر.

 

إننا بحاجة ماسة إلى إصلاح النفس البشرية وجعلها يقظةً من أن تكون لقمةً سائغةً لمشاريع الإفساد والانحراف، أو أن تكون في بحر من النسيان عما ينفعها في دنياها وآخرتها، ولا بد أن يذكر بعضنا بعضًا بهذا حتى تبقى الفطر على ما خلقها الله عليه من التوحيد والاستقامة، فتفوز في الدنيا والآخرة، أقول ما سمعتم وأستغفر الله لي ولكم؛ فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين؛ أما بعد عباد الله:

فاتقوا الله حق تقاته؛ فإن التقوى هي خير الزاد، وهي خير اللباس، ﴿ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ ﴾ [البقرة: 197].

 

أيها المؤمنون: أما عن الثمار الخبيثة التي ظهرت بعد انحراف الفطر، فحدث عنها اليوم ولا حرج.

 

إن أسوأ انحراف وقعت فيه الفئة البشرية بعد انحراف فطرتها وانتكاستها هو موجة الإلحاد التي تنتشر اليوم في شرق الأرض وغربها، وشمالها وجنوبها؛ هو ذلك الشرك العظيم الكبير بالله سبحانه وتعالى، هو ذلك الانحراف الذي قاد البشرية إلى عبادة الشيطان، وعبادة الفروج، وعبادة الحشرات، وعبادة الأبقار، وعبادة الأهواء، إضافةً إلى الإلحاد، وعدم الاعتراف بأن الله هو الخالق الموجد الإله الواحد سبحانه، هذه ثمرة مُرة لانحراف الفطر وانتكاستها.

 

أيها المؤمنون: وإذا كان الله سبحانه وتعالى قد أرسل إلى الأرض أنبياء ورسلًا ومعهم الكتب خلال مسيرتهم الطويلة في هذه الحياة، وقد بلغ عددهم كما قلنا مائةً وأربعةً وعشرين ألف نبي، إن هذا العدد الكبير من الأنبياء والرسل - ولا شك أن كل واحد معه كتاب وصحف فيها الحق والهدى - أُرسلوا جميعهم إلى البشرية؛ وهذا يعني أن كمية الانحراف والفساد في فطر الناس كبيرة، وهذا يدل على أن الشيطان وأعوانه قد بذلوا جهودًا مضنية ومغرية وكبيرة في إفساد البشرية، وهذا يدل أيضًا على أن الانحراف ما زال يدق في عمق البشرية حتى اليوم.

 

ومن مظاهر انحراف الفطرة؛ الإلحاد والشرك وعبادة غير الله سبحانه وتعالى.

 

والمظهر الثاني في الانحراف كان في السلوك والأخلاق، وقد ظهر على أقبح صورة حدثنا عنها القرآن الكريم في قصة قوم لوط الذين ظهرت فيهم الفاحشة، فانتكست فطرهم وتحولت إلى فطر منتكسة خبيثة؛ قال تعالى: ﴿ أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ * وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ ﴾ [الشعراء: 165، 166].

 

فقد وقعوا في الشذوذ وخرجوا عن الفطرة، وابتعدوا عما قُذف في فطر الخلق كلهم من إنسان وحيوان، فإن الله خلق الإنسان الذكر وجعله يميل بشهوته إلى الأنثى، كما خلق الحيوان الذكر وجعله يميل إلى الأنثى من جنسه، وبقيت الحيوانات في الغالب على فطرتها في هذا الجانب فلم تنتكس كانتكاس البشرية، وأنتم ترون أسوأ الحيوانات؛ إنكم ترون أمة الكلاب أو أمة الخنازير أو أمة الحمير أو سائر الحيوانات كلها لا تجد فيها تلك الانتكاسة مع أنها حيوانات، والإنسان أرقى في تصوره وأفكاره وخلقه منها لكنها بقيت على فطرتها.

 

وكل جنس يميل إلى أنثاه ولا يمكن إلا في النادر الذي يسمى شذوذًا أن يقفز ذكر على ذكر من الحيوانات، أما بعض البشر فإنهم قد أبعدوا في الانتكاسة حتى صار ذلك هو خلقها؛ قال الله سبحانه وتعالى عن قوم لوط: ﴿ وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ ﴾ [الأعراف: 80]، وقد كانت هذه أول انتكاسة للبشرية في قوم لوط كما قال: ﴿ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ ﴾ [الأعراف: 80]، ﴿ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ ﴾ [الأعراف: 81].

 

وقد بلغت الانتكاسة ذروتها في الانحراف حينما جعلوها خلقًا عامًّا للمجتمع، ودعوا إليها ظاهرًا وجاهروا بها، بل واعترضوا وخوفوا وأرعدوا وأزبدوا على من ينهاهم عنها، لقد نهاهم لوط عن هذه الفعلة القبيحة، ودعاهم إلى العودة إلى الاستقامة والفطرة السليمة؛ فكان جوابهم كما قال الله عنهم: ﴿ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ ﴾ [النمل: 56]، سبحان الله! إلى أين تذهب الفطر المنتكسة؟ تذهب إلى تفضيل النجاسة على الطهارة، إلى تفضيل الفساد على الصلاح، إلى تفضيل الانحراف على الاستقامة، وقد أخرجوا لوطًا، وأبعدوه من القرية؛ لأنه إنسان طاهر يدعو إلى الطهارة، ويدعو إلى الاستقامة، ويدعو إلى سلامة الفطر، وهم قد انتكست فطرهم فلم يروا إلا النجاسة؛ قال سبحانه عنهم: ﴿ أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ ﴾ [النمل: 56]، فماذا كان الجواب من الله العليم الحكيم؟ قال الله سبحانه: ﴿ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ ﴾ [الحجر: 73]؛ أي: عند شروق الشمس، ﴿ فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ ﴾ [الحجر: 74].

 

نعم أيها المؤمنون: كان هذا هو عقاب هؤلاء المنتكسين، وجعل قريتهم آية للناس وهي ما يعرف اليوم بالبحر الميت الموجود بين فلسطين والأردن، فذلك المكان هو قرية سدوم التي كان يسكن فيها قوم لوط؛ أصحاب الفاحشة، وأصحاب الشذوذ الجنسي، وهم ما يطلق عليه اليوم (مجتمع الميم) أو (المثليون) الذي يسوق شعارهم اليوم.

 

وسمي بالبحر الميت؛ لأنه لا يحيا فيه حيوان أو سمك، لأنه أثر من آثار عقوبة الله للشاذين والمنتكسين في فطرهم، وقد نزل جبريل عليه السلام فصاح فيهم حتى انخلعت قلوبهم، ثم أخذ قراهم بجناحه فرفعها إلى عنان السماء حتى سمعت الملائكة نباح كلابهم، ثم أسقطها على الأرض وجعل عاليها سافلها، ثم أتبعهم الله بحجارة من سجيل دمرتهم وجعلت ذلك المكان حفرة كبيرة مليئة بالماء الذي لا يعيش فيه حيٌّ حتى الآن، وأصبحت عظة وعبرة للبشرية.

 

أيها المؤمنون: واليوم، تعود البشرية إلى انتكاسة الفطرة بصورة وقحة وعن طريق المنظمات الدولية، والقوانين الدولية التي تفرض على الناس أن تنتكس فطرهم، أما سمعتم بقرارات الأمم المتحدة التي تدعو إلى حماية الشذوذ وتقنينه وجعله أمرًا اعتياديًا في الناس؟ أما سمعتم عن إرغام الدول على التوقيع على هذه القوانين والعمل بها، أو محاربة من لم يوقع على ذلك؟ أما رأيتم كيف جاءت أوروبا بخيلها ورجلها إلى كأس العالم في قطر وهي تلبس شعار المثليين لتسويق هذا الشعار، وتقول للناس لا بد أن تكونوا على هذه الفاحشة وهذا الخلق السيئ؟

 

وبالأمس القريب يقر مجلس النواب الأمريكي قرارًا لحماية زواج المثليين؛ فالرجل يتزوج رجلًا والمرأة تتزوج امرأة، وتم تعديل مسمى الأسرة في أوروبا فلم تعد الأسرة - كما أرادها الله وخلقها - رجلًا وامرأة، بل صارت الأسرة عندهم رجلًا مع رجل أو امرأة مع امرأة، أو رجلًا مع حيوان، او امرأة مع حيوان؛ فكل ذلك يسمى عندهم أسرة ولها حماية ورعاية، وليتهم اكتفوا بهذا القبح بأنفسهم، بل صدروا هذه الجريمة الشنعاء إلى كل العالم ومرروها بالترهيب أو بالترغيب.

 

أيها المؤمنون عباد الله: إننا بحاجة ماسة إلى المحافظة على الفطرة السليمة حتى لا تنحرف، سواء كان ذلك بتحقيق التوحيد وإقامة الاستقامة في نفوس الناس على ما شرعه الله بعيدًا عن البدع والخرافات، وتجريف الهويات الصحيحة السليمة، التي جاء بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وسار عليها أتباعه من السلف الصالح إلى اليوم، والمحافظة على أخلاق الناس وقيمهم وعاداتهم وتقاليدهم الحسنة.

 

فالأمة اليوم تتعرض لهجمة شرسة في تجريف الدين والسنة وإحلال الإلحاد والشرك، والبدع والخرافة محلها، وإحلال الجريمة والفاحشة والشذوذ وغيرها محل العفة والحشمة والأخلاق الحسنة.

 

فلا بد أن يعيَ الناس ذلك، وأن ينتبهوا لدينهم وأخلاقهم وفطرتهم من هذا السيل الجرار الذي تصدره أوروبا والغرب عمومًا إلى بلدان المسلمين، والمسلمون مشغولون بحروبهم واختلافاتهم وافتراقهم فيما بينهم، والعدو يأكل الأخضر واليابس من ثرواتهم، ويفسد دينهم وأخلاقهم وعاداتهم وسائر أمورهم، ويعيش على مصالحهم وهم في وادٍ آخر لاهون غافلون متفرقون، نسأل الله السلامة والعافية.

 

هذا؛ وصلوا وسلموا على من أمرتم بالصلاة والسلام عليه، ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [الأحزاب: 56] اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد وعلى آله وأزواجه وذريته والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • خطبة: جريمة الطغيان
  • سلسلة الأخلاق الإسلامية أقسام الأخلاق الإسلامية (حسن الظن بالله)
  • خطبة: أمواج الفساد وعلاجها
  • وقفة مع قول الله تعالى: {وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون}
  • خطبة: مقاصد الحج
  • فساد التصورات وأثره في فساد السلوك (خطبة)

مختارات من الشبكة

  • الحقوق الزوجية (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • خطبة: العام الجديد وشهر الله المحرم(مقالة - آفاق الشريعة)
  • خطبة: آفة السلبية ومعالم الإيجابية في القرآن والسنة(مقالة - آفاق الشريعة)
  • خطبة (زمن الدجال وحفظ النفس)(مقالة - موقع د. علي بن عبدالعزيز الشبل)
  • خطبة: شهر الله المحرم وفضائله(مقالة - آفاق الشريعة)
  • عاشوراء.. حين ينتصر اليقين على الطغيان (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • فلذات الأكباد.. بين ميثاق الأمانة ومرافئ النجاة (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • ضحك النبي صلى الله عليه وسلم (خطبة)(مقالة - موقع د. محمود بن أحمد الدوسري)
  • خطبة: حرارة الصيف وسبل الوقاية من حرارة المحشر(مقالة - آفاق الشريعة)
  • مواسم الطاعة في مطلع العام: أجور تنال وبدع تزال (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • التحضير لبناء مسجد جديد في لونغ آيلاند
  • مسجد بضواحي شيكاغو يستقبل الزوار للتعرف على الإسلام
  • مسجد ينظم حوارات مفتوحة للتعريف بالإسلام في شوارع بيرو
  • تكريم 114 حافظا للقرآن في احتفالية بتوزلا
  • مسجد جديد في أيتونا يلبي احتياجات المصلين الزائدة
  • مساجد تتارستان تستعد لاستقبال مئات الأطفال في الدورات الصيفية
  • أهالي تاتارسكوي تيكاشيفو يحتفلون بافتتاح مسجد الإخلاص
  • تخريج 23 باحثا في الدراسات الإسلامية بالأكاديمية الإسلامية البلغارية

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1448هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 2/1/1448هـ - الساعة: 9:17
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب