• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | مقالات شرعية   دراسات شرعية   نوازل وشبهات   منبر الجمعة   روافد   من ثمرات المواقع  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    الذكر والدعاء في العشر من ذي الحجة
    محمد أبو عطية
  •  
    خير الناس أحسنهم قضاء
    د. خالد بن محمود بن عبدالعزيز الجهني
  •  
    يوم عرفة يوم يغفر فيه الزلات وتسكب العبرات (خطبة)
    ياسر عبدالله محمد الحوري
  •  
    فلتغتنم الثواب والأجر بالأعمال الصالحة في هذه ...
    الشيخ فؤاد بن يوسف أبو سعيد
  •  
    فضل عرفة وأحكام الأضحية (خطبة)
    خالد سعد الشهري
  •  
    فضل وفوائد وثمرات المراقبة
    الشيخ ندا أبو أحمد
  •  
    خطبة: لماذا لا نتأثر بالقرآن؟!
    أ. د. حسن بن محمد بن علي شبالة
  •  
    مقاصد سورة الحج (خطبة)
    د. صغير بن محمد الصغير
  •  
    الحج وأركان الإسلام (خطبة)
    الشيخ د. إبراهيم بن محمد الحقيل
  •  
    الرد على شبهة وكذبة أن النبي قابل زيدا وهو عريان ...
    د. جاسر يزن سيف الدين
  •  
    الحديث الواحد والأربعون: حديث أم زرع
    الدكتور أبو الحسن علي بن محمد المطري
  •  
    استثمار الزمن قبل الندم
    أ. د. السيد أحمد سحلول
  •  
    تفسير قوله تَعالى: {ولا تؤتوا السفهاء أموالكم ...
    سعيد مصطفى دياب
  •  
    خطورة الغفلة في أيام العشر (خطبة)
    ياسر عبدالله محمد الحوري
  •  
    بين المشيئة والرحمة... طريق القلب إلى الله (خطبة)
    عبدالله بن إبراهيم الحضريتي
  •  
    حسن السمت (خطبة)
    د. محمد بن عبدالعزيز بن إبراهيم بلوش ...
شبكة الألوكة / آفاق الشريعة / منبر الجمعة / الخطب / تفسير القرآن
علامة باركود

خطبة: لماذا لا نتأثر بالقرآن؟!

خطبة: لماذا لا نتأثر بالقرآن؟!
أ. د. حسن بن محمد بن علي شبالة

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 21/5/2026 ميلادي - 4/12/1447 هجري

الزيارات: 38

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

خطبة جمعة بعنوان: لماذا لا نتأثر بالقرآن؟!


الخطبة الأولى:

أيها المؤمنون عباد الله، نتحدَّث اليوم عن نوعٍ من أنواع إعجاز القرآن الكريم، ذلك الكتاب العظيم الذي أنزله الله ليكون للبشرية شفاءً وهدًى ودليلًا إلى الخيرات كلها، أنزله الله سبحانه وتعالى على خير الأنبياء وخير الأمم، في خير الشهور وفي خير الليالي؛ كتابٌ معجزٌ بلفظه ومعناه، وإعجازه متعدد، فهناك الإعجاز البياني، والإعجاز الغيبي، والإعجاز التشريعي، والإعجاز العلمي، وغير ذلك من أنواع الإعجاز.

 

لكنني سأتحدث اليوم عن الإعجاز التأثيري للقرآن الكريم، هذا النوعُ من الإعجاز الذي ما زال باقيًا ومؤثرًا في كل الخلائق حتى اليوم، إنه تأثيرُ القرآن على النفس الإنسانية، بل على الجماد والحيوان، ما إن تسمعه حتى تتأثر به وتتفاعل معه، ولو كانت تلك النفس غير مؤمنة به ولا باليوم الآخر.

 

هذا الوجهُ من الإعجاز هو الذي جعلَ كثيرًا من الكفار قديمًا وحديثًا يدخلون في الإسلام حينما صادفَ قلوبَهم وهي حاضرة، ونفوسهم وهي مستمعة إليه بإنصات.

 

أيها المؤمنون عباد الله، تأملوا معي في مشهدٍ عظيمٍ من مشاهد السيرة النبوية؛ عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان رجلًا يملأ مكة قسوةً وهيبةً، خرجَ ذات يوم متوشحًا سيفه عازمًا على إطفاء نور الله، يبحثُ عن محمد صلى الله عليه وسلم والثُّلَّة المستضعفة المؤمنة معه، الذين كانوا يختبئون في أحد البيوت، حيث دخل على أخته فاطمة بنت الخطاب وهو غاضب وكانت قد آمنت بالله ورسوله، فلما رآها وعظته وأسمعته شيئًا من القرآن الكريم- هو الآيات الأولى من سورة طه- فانقلبَ ذلك السيف المسلول على الإسلام وأهله إلى درعٍ حصينٍ يدافعُ عن الإسلام ويحافظُ عليه.

 

نعم حين سمعَ عمر قول الله: ﴿ طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى ﴾ [طه: 1، 2]، زلزلت كبرياءه، وأثَّرت هذه العبارات في نفسه، فأدرك عمر رضي الله عنه أن الشقاء الحقيقي في البُعْد عن الإيمان، والبعد عن الإسلام، وأن السعادة الحقيقية هي سعادة الإيمان والتقوى.

 

تأثر عمر بما سمع، وأعجب ببلاغة القرآن وفصاحته، فاستسلم قلبه، وأعلن الإسلام.

 

أيها المؤمنون، إن هذا الموقف يؤكد لنا إلى اليوم أن من يفتح قلبه للقرآن ويستمع لآياته بحضورٍ وإنصاتٍ، فإنه يتأثر ويتحول من حالٍ إلى حالٍ، ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ ﴾ [ق: 37].

 

أيها المؤمنون عباد الله، القرآن له أسرارٌ في التأثير، إنه يتميز بخصائص ليست موجودة في كلام البشر، إنه كلام الله سبحانه الذي لا يأتيه الباطلُ من بين يديه ولا من خلفه، ومن ذلك:

• قوة الأسلوب؛ فلا يمكن لأسلوبٍ بشريٍّ أن يضاهي القرآن أو أن يساويه في قوة المعاني وجزالة الألفاظ، بل العرب هم الفصحاء والبلغاء، وكان من عادة الله في رسله أن يجعل معجزاتهم من جنس ما برع فيه أهل ذلك الزمان والمكان، فقد كان في قوم موسى ينتشر السحر بقوة، فجاء بالعصا التي تلقف ما يأفكون، وكان في عهد عيسى ينتشر الطب والعلاج، فجاء عيسى عليه السلام بمعجزة إحياء الموتى التي لم يصل إليها أبرع الأطباء في ذلك الزمان، أما محمد صلى الله عليه وسلم فقومه هم الفصحاء والبلغاء والشعراء، فجاءهم بهذا القرآن البليغ الفصيح الذي تحداهم أن يأتوا بمثله فلم يستطيعوا، ثم تحدَّاهم بعشر سورٍ مثله فلم يستطيعوا، ثم تحدَّاهم بسورةٍ واحدة فلم يستطيعوا أيضًا.

 

• تنوع الأساليب؛ فالقرآن الكريم استخدم أساليب بليغة متعددة في إيصال المعلومة إلى السامع؛ كالتصوير البياني، والتشبيه للشيء البعيد بشيءٍ قريب، وضرب الأمثال للتقريب والتوضيح، استمع إلى قوله تعالى: ﴿ لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ [الحشر: 21]. إنه يجعل الجبل إنسانًا له عقل وسمع وبصر يتأثر بسماع القرآن، وأنت أيها الإنسان الحقيقي لا تتأثر به!

 

• الجمع بين الترهيب والترغيب، وهو أسلوبٌ يأخذ بمجامع النفوس.

 

• كما أنه تحَدَّث إلى النفس البشرية بجميع وسائل التأثير عليها، وخاطبها بالعاطفة والمشاعر والعقل والأحاسيس حتى تقبل على السماع بكل جزئياتها.

 

• وخاطب الفِطَر الإنسانية بأصلها السليم قبل أن تتغير وقبل أن تتبدل. هذا هو القرآن الكريم الذي جعله الله معجزةً لهذه الأمة باقيةً إلى قيام الساعة.

 

أيها المؤمنون، إن عمق التأثير في القرآن يرجع إلى أنه كلام الله الذي يسَّره وسهَّله للناس، ﴿ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ﴾ [القمر: 17]، يؤثر في النفس وفي مشاعرها وأحاسيسها كما يؤثر في العقول والقلوب، ويتعامل مع الحوار العقلي والحوار العاطفي.

 

ويؤثر في الفرد كما يؤثر في المجتمع، فالمجتمع القبلي المتفرق المتناحر الذي كان في الجزيرة العربية قد تأثَّر بهذا القرآن، فخرج منه جيلٌ قرآني فريد لا يمكن أن يتكرَّر في باقي الأزمان.

 

أيها المؤمنون، القرآن الكريم له سرٌّ عظيمٌ على النفوس التي تُقبِل عليه وتقرؤه بتجرُّد، حتى أولئك الأعاجم الذين لا يفهمون اللغة، فإنهم إذا استمعوا إلى القرآن تأثروا بما فيه وبأسلوبه، ولو كانوا لا يفهمون معاني ألفاظه، وما ذلك إلا لهيبته وتأثيره في النفوس.

 

أيها المؤمنون عباد الله، إذن القرآن عظيم، وتأثيره بليغ، وأول من يتأثر به هو الشخص الذي نزل على قلبه ليكون من المرسلين، وقد جاء في السيرة والسُّنَّة حوادث متعددة تخبرنا عن مدى تأثر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقرآن الكريم، ومن ذلك ما جاء في الحديث عن ابن الشخير رضي الله عنه قال: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي ولصدره أزيز كأزيز المرجل)، من ماذا؟ إنه تأثُّر وبكاء داخلي بسبب ما يقرؤه من القرآن الكريم.

 

وفي حديث عبدالله بن مسعود قال: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: ((اقرأ عليَّ شيئًا من القرآن))، قال: فقلت: يا رسول الله، أأقرأ عليك وعليك أُنزِل؟ قال: ((فإني أحب أن أسمعه من غيري))، قال: فقرأت عليه من سورة النساء وهو يستمع، حتى إذا بلغت قوله تعالى: ﴿ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا ﴾ [النساء: 41]، فالتفت إليه فإذا عيناه تذرفان.

 

هذا محمد صلى الله عليه وسلم يتأثَّر بالقرآن، ويتَّعِظ بالقرآن، ويبكي أثناء سماع القرآن، يصلي ويقرأ الآيات فيُسمَع له صوت في صدره من البكاء بسبب تأثُّره بالقرآن الكريم.

 

ويأتي بعده أصحابه رضي الله عنهم فيتأثرون حين يُقْرأ عليهم القرآن، وخاصةً إذا تلا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن وهم في الصلاة واقفون بين يدي الله.

 

لقد حاز المؤمنون الأوائل الدرجة الأولى بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بتأثرهم بقراءة القرآن وسماعه، وقد وصفهم الله تعالى بقوله: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾ [الأنفال: 2].

 

لقد أنزل الله القرآن بصفات تؤثر فيمن يسمعه، كما قال الله: ﴿ اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ﴾ [الزمر: 23].

 

قال قتادة: سألت أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنها: كيف كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعلون إذا قُرئ عليهم القرآن؟ قالت: (كما نعتهم الله في القرآن، تدمع عيونهم وتقشعرُّ جلودهم)، فقال لها: إن ناسًا هاهنا إذا قُرئ عليهم القرآن اليوم يخر أحدهم مغشيًّا عليه، قالت: (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم)، تقصد أنه خلاف السنة وتشبه بالشياطين؛ لأن الشياطين يسقطون من سماع القرآن.

 

إذن أيها المؤمنون، التأثر بالقرآن تأثر بالجوارح؛ فالعين تدمع، والقلب يخشع، والجلود تقشعر، والنفوس تؤوب وترجع إلى الله وتخشاه، هذه التأثيرات التي تحصل على جوارح الإنسان لها أثر عظيم في استقامته وإقباله على الله جل وعلا.

 

أيها المؤمنون، كما أن الكفار كانوا يتأثرون بالقرآن، خاصةً إذا أقبلوا عليه بصدق، فالنجاشي لما قرأ عليه جعفر بن أبي طالب سورة مريم، بكى النجاشي وهو على نصرانيته وقال: (إن هذا القرآن والذي أنزل على عيسى لَيَخْرُجانِ من مشكاة واحدة).

 

وذكر الله سبحانه وتعالى حال بعض النصارى إذا استمعوا إلى القرآن، فقال: ﴿ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ * وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ ﴾ [المائدة: 82، 83].

 

وقد كان كفار قريش مع إنكارهم لرسالة محمد، لكنهم كان يعجبهم سماع القرآن ويتأثرون به، وقد ذكرت لنا السيرة قصة ثلاثة من كبارهم خرجوا بالليل دون اتفاقٍ سابقٍ، كل واحدٍ منهم انتظر حتى نام الناس فخرج يبحث عن محمد صلى الله عليه وسلم، وقد كان يصلي في الحِجْر في الليل ويرفع صوته بالقرآن، فخرج أحدهم فاختبأ قريبًا منه فسمع، ثم خرج الثاني فاختبأ قريبًا منه فسمع، ثم خرج الثالث فاختبأ قريبًا منه فسمع، ثم رجعوا قبيل الفجر فتلاقوا في الطريق، فسأل أحدهم الآخر: ما الذي أتى بك؟ فصدقه القول، ثم تعاهدوا ألا يعودوا مرةً أخرى حتى لا يعلم بهم أفراد من قريش فيفتتنوا، ولكنهم رجعوا في الليلة الثانية، وحصل لهم مثل ما حصل في الليلة الأولى، ثم في الليلة الثالثة كذلك، ما الذي يدفع هؤلاء الكفار إلى أن يأتوا سرًّا لاستماع القرآن؟ إنه الأثر العظيم للقرآن الكريم في نفوسهم.

 

أيها المؤمنون عباد الله، وهكذا لو تحدثنا عن قصص التأثير في السيرة النبوية، سواء للمؤمنين أو للكفار، لطال بنا الحديث.

 

لكن تعالوا إلى صنفٍ آخر تأثر بالقرآن، المعروف عنهم أنهم غلاظ وشداد يخاف منهم الإنس، وهم عفاريت الجن، ولكنهم لما سمعوا القرآن تأثروا به؛ قال الله سبحانه وتعالى: ﴿ وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ ﴾ [الأحقاف: 29]، استمعوا القرآن فتأثروا به وتعجبوا منه وولوا إلى قومهم منذرين، فقالوا: ﴿ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِه ﴾ [الجن: 1، 2]، فإذا كان الجن والعفاريت يتأثرون بالقرآن ويؤمنون به، فأين الإنس الذين يستمعون إلى القرآن ولا يتأثرون به؟

 

أيها المؤمنون، بل إن الجمادات تتأثر بالقرآن، وكذلك النباتات، وإن البيوت والأحياء والأماكن تتأثر بالقرآن الكريم؛ ولذلك البيت الذي يُقرأ فيه القرآن تهرب منه الشياطين ويصبح بيت طمأنينة وراحة لساكنيه؛ فاقرأوا سورة البقرة في بيوتكم فإن الشياطين والسحرة لا يطيقونها، والبيت الذي يقرأ فيه القرآن يفر منه الشيطان.

 

أيها المؤمنون عباد الله، إذا أردنا أن نتأثر بالقرآن فعلينا أن نقبل عليه بقلوبنا وسمعنا وبصرنا وسائر جوارحنا حتى نتأثر، وهذا التأثر سيدفعنا إلى مزيدٍ من الإيمان والاستقامة والطاعة والإقبال على الدار الآخرة.

 

نسأل الله تعالى أن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى، وأن يجعلنا ممن يستمع القول فيتبع أحسنه، أقول ما سمعتم، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

 

الخطبة الثانية:

أيها المؤمنون، نحن في شهر رمضان، شهر القرآن، فيجب علينا أن نعتني بقراءته وتلاوته والتأثر به في هذا الشهر العظيم، إن لم نهتم بالقرآن في شهر رمضان فمتى؟ إن لم نتأثر بالقرآن في شهر رمضان مع الصيام والقيام والإقبال على الله فمتى سنتأثر به؟

 

عباد الله، إن ضعف التأثير للقرآن في نفوس كثير من الناس قد أصبح ظاهرةً من الظواهر التي يعيشها المجتمع المسلم اليوم، ومشكلة ومعضلة تحتاج إلى بيانٍ للأسباب والعلاج.

 

وإن من مظاهر عدم تأثر الناس بهذا الكتاب العظيم هو أنهم شاردون عنه، بعيدون عن قراءته، مهملون لتدبره، يصابون بالملل والكسل إذا قرأوه أو استمعوا إليه، غير معتنين به لا حفظًا ولا تلاوةً ولا تدبرًا ولا دعمًا ولا نشرًا ولا يهتمون بتطبيق أحكامه في واقعهم اليومي.

 

فقلة الخشية الظاهرة على قلوب كثير من الناس، وظهور القسوة والشدة، كل ذلك من مظاهر قلة التأثر بالقرآن والعناية به، وإن الانشغال بوسائل التواصل والقنوات وسائر ما ينشر من مسلسلات هو ثمرةٌ للبعد عن القرآن وقلة التأثر به، وهذا أمر نشاهده في واقعنا اليوم، ليس عند أناسٍ محدودين، بل عند الغالبية من الناس، فإذا لم يهتم الناس بالقرآن ويتأثروا به ويعتنوا به في شهر القرآن، فمتى؟! وقد هجروه طول العام، لم يعد للقرآن تأثير في النفوس؛ لأنه قد وضع على الأرفف، أو يقرأ للبركة أحيانًا، أو لافتتاح الحفلات والمناسبات؛ القرآن أنزله الله حياةً للقلوب، وشفاءً للنفوس، وحكمًا بين الناس، ولكن لما أضاعته الأمة ضاعت بين الأمم.

 

أيها المؤمنون، من أسباب عدم التأثر بالقرآن:

• قسوة القلوب، وقسوة القلوب ثمرة من ثمار المعاصي والمنكرات والبعد عن الله سبحانه وتعالى؛ كيف تتأثر الأشجار والأحجار والجبال بالقرآن ولا تتأثر القلوب المخلوقة من الدم واللحم؟! ﴿ ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ﴾ [البقرة: 74].

 

• ومن أسباب عدم التأثر بالقرآن قلة قراءته، وقلة تدبره، وقلة فهم معاني ألفاظه، والاعتياد على السماع الأجوف الذي ليس فيه تدبر، ولا انتباه، وليس فيه تحريك للمشاعر مع ما يسمع؛ فربما تجد بعض الناس يتفاعل مع "الزامل" أو "الشيلة" أو "الأنشودة" أو "الأغنية" أكثر من تفاعله مع آية من كتاب الله سبحانه وتعالى! نعم انظر لبعض الناس وهم يسمعون بعض المقاطع من ذلك تجدهم متفاعلين معها بجميع جوارحهم، لماذا لا يفعل المسلم مثل ذلك مع كتاب ربِّه؟ لماذا لا يقرأ ويتفاعل بجوارحه؟ لماذا لا توجد صلة روحية ومشاعر حساسة مع ما نقرأ؟

 

أيها المؤمن، تدبر ما تقرأ؛ فالآية التي تحدثك عن العذاب استشعر أنك المقصود بها، والآية التي تحثك على النعيم استشعر أنك المقصود بها، وإذا قرأت ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾، فأنت المخاطب بها، فأنت أحد المؤمنين الذين يناديهم الله للعمل بها.

 

• ضعف النية وفسادها سبب من أسباب عدم التأثر، يقرأ للرياء أو السمعة، يقرأ دون أن يستشعر أنه يقرأ كلام الله سبحانه وتعالى، إذا أردنا أن نتأثر بالقرآن فلنصدق في نيَّاتنا، ولنخشع عند القراءة، ونتدبر ما نقرأ وما نسمع، وأن نسأل عن المعاني الغامضة، وأن نتفقه في أحكام الآيات.

 

• ضعف ربط العمل والسلوك بما نقرأ فربما نقرأ القرآن ونحن نخالف ما فيه، وهذا من أكبر الكبائر؛ انظر إلى الظالم الذي يظلم نفسه ويظلم غيره ثم يقرأ: ﴿ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ﴾ [هود: 18]، يقرؤها وهو لا يشعر أنه يلعن نفسه؛ لأنه أحد الممارسين للظلم، وهكذا الفاسد والمنافق، وهكذا العاصي والمجرم؛ إن عدم ربط آيات القرآن بسلوكنا وأعمالنا يجعلنا نقرأ ولا نتأثَّر ولا نشعر.

 

• الصحبة السيئة تمنع التأثر بالقرآن، فصاحبوا الخاشعين، واجلسوا مع الأوَّابين، واحضروا مجالس الصالحين الذين ﴿ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ﴾ [الأنفال: 2]، لعل قلوبكم توجل معهم، اجلسوا مع الذين يبكون إذا سمعوا القرآن لعلكم تبكون معهم أو تتباكون، أما أن يكون الرفقاء والجلساء هم قساة القلوب والبعيدين عن الله تعالى، فلن تتأثروا بالقرآن؛ لأن الصحبة السيئة لها أثر شديد في انتقال العدوى.

 

• ضعف تنويع أساليب التأثر بالقرآن الكريم؛ حتى تمل ولا تتأثر والعلاج هو تنويع الأساليب فمرة اسمع، ومرة اقرأ، وأخرى ابحث عن القُرَّاء ذوي الأصوات المؤثرة، وثالثة اجلس في أماكن مناسبة للسماع، ورابعة فرِّغ عقلك وقلبك من المشاغل الدنيوية، وخامسة احفظ بعض الآيات وقم الليل بها وردِّدها وحاول أن تتأثر بها، ستجد أن قلبك يتأثر ونفسك تخشع بإذن الله سبحانه وتعالى.

 

• الغفلة عن الدعاء والتضرع إلى الله بإصلاح النفوس والقلوب والأحوال، فالدعاء باب مفتوح ونحن مقصرون كثيرًا فيه، فادعُوا الله أن يفتح قلوبكم لفهم القرآن والتأثُّر به، وأن يكون به ذهاب الحزن والغم والمرض وأن يرفع به البلايا عنا.

 

• كثرة استخدام الملهيات التي شغلتنا عن القرآن الكريم، انظروا للجوالات والأجهزة الذكية كم تقطع علينا من الأوقات ونحن مستمتعون ببعض المقاطع المضحكة، ولو استغللنا جزءًا من هذا الوقت في القراءة والتدبر، وخاصة في هذا الشهر العظيم، لكان في ذلك خير كثير وتأثير عظيم في نفوسنا.

 

أيها المؤمنون، إن القرآن الكريم ليس مجرد كلام يُقرأ، هو نور أنزله الله لإحياء القلوب، فتعرضوا لهذا النور، وتعرضوا لهذه النفحات الإلهية، وافتحوا قلوبكم لها، واستمطروا التأثير بإخلاص النية، وحضور قلوبكم، وإنصاتكم بخشوع، والدعاء والتضرع إلى الله تعالى.

 

أيها المؤمنون عباد الله، لا أنسى أن أنبِّه نفسي وإياكم، فإننا قادمون على أيام عظيمة، إنها أيام العشر الأواخر، بعد ليالٍ معدودة ستدخل علينا العشر الأواخر وهي أفضل ليالي الدنيا على الإطلاق، وفيها ليلة القدر التي هي ﴿ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ﴾ [القدر: 3].

 

فمن لم يجتهد فيما سبق من الليالي؛ فليجتهد فيما بقي من هذه الليالي، وليستعن بالله على أن يجتهد فيها، وفيها الاعتكاف وهو سُنَّة مشروعة، وفيها قيام ليلة القدر، فمن قامها إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه، ولهذه العشر خصائص كثيرة لا ينبغي للمسلم أن يفرط فيها كما فرط في الأيام التي سبقت، فالأيام معدودة والعمر قصير، والله قد منحنا ليلة هي خير من ألف شهر، تعادل ثلاثًا وثمانين سنة وأربعة أشهر، فإذا استغللتها بالطاعة والعبادة؛ فكأنما تعبَّدنا لله ثلاثًا وثمانين سنة.

 

أين المشمِّرون؟ أين المجتهدون؟ أين الذين يستعدون من الآن ويتفرغون للعشر الأواخر، فيجتهدون فيها ليكسبوا الأجر والثواب والمغفرة والرحمة والعتق من النيران؟

 

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا جميعًا لاستغلال الأيام والليالي في الطاعات، وأن يجعلنا من عباده الصالحين الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.

 

وصلوا وسلموا على من أمرتم بالصلاة والسلام عليه.





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • خطبة: فضل العشر الأواخر وخصائص ليلة القدر
  • أساليب الأعداء في محاربة القرآن
  • وقفة مع قول الله تعالى: {وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون}
  • خطبة: مقاصد الحج
  • خطبة: وقفات مع سورة الحج
  • خطبة: فضائل عشر ذي الحجة

مختارات من الشبكة

  • الاستشفاء بالقرآن (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • العلاقة بين الغيث والقرآن (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • لماذا نؤمن؟ أدلة العقل... ونور الوحي (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • خطبة: لماذا يحرقون المصحف؟!(مقالة - آفاق الشريعة)
  • خطبة رفع الأوبئة(مقالة - موقع د. علي بن عبدالعزيز الشبل)
  • يوم عرفة يوم يغفر فيه الزلات وتسكب العبرات (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • فلتغتنم الثواب والأجر بالأعمال الصالحة في هذه الأيام العشر (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • خطبة: قبل يوم عرفة ويوم العيد الأضحى(مقالة - ملفات خاصة)
  • فضل عرفة وأحكام الأضحية (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • مقاصد سورة الحج (خطبة)(مقالة - موقع د. صغير بن محمد الصغير)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • إحياء الذكرى الـ450 لتأسيس مسجد شوجدين في روغاتيكا
  • دراسة علمية حول تناول الإسلام والمسلمين في الدوريات العلمية الكرواتية
  • دورة متقدمة في الذكاء الاصطناعي والمواطنة الرقمية للطلاب المسلمين في البوسنة
  • بدء تشييد مسجد جديد بمدينة ياكورودا جنوب غرب بلغاريا
  • ندوة متكاملة في القرم لإعداد حجاج 2026
  • دورة لتأهيل الأئمة والمعلمين للتعامل النفسي والتربوي مع الشباب المسلم في روسيا
  • مشاركة 150 طالبا في منتدى حول القيم الإسلامية والوقاية الفكرية بداغستان
  • ماساتشوستس تحتضن يوم المسجد المفتوح بمشاركة عشرات الزائرين

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1447هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 3/12/1447هـ - الساعة: 12:43
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب