• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | مقالات شرعية   دراسات شرعية   نوازل وشبهات   منبر الجمعة   روافد   من ثمرات المواقع  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    عبادة الخفاء
    سلامة إبراهيم محمد دربالة النمر
  •  
    فضل الوضوء قبل النوم
    د. خالد بن محمود بن عبدالعزيز الجهني
  •  
    اغتنام ما تبقى من شوال فرصة لا تعوض لصيام الست
    حسام كمال النجار
  •  
    فوائد وأحكام من قوله تعالى: {وسارعوا إلى مغفرة من ...
    الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم
  •  
    تيسير الزواج والتحذير من العزوف عنه (خطبة)
    الشيخ أحمد إبراهيم الجوني
  •  
    من وسائل الثبات على دين الله عز وجل (5) الابتعاد ...
    محمد بن عبدالله العبدلي
  •  
    تقلبات الدنيا والاعتبار بها (خطبة)
    د. عبدالرزاق السيد
  •  
    تحريم جحود أحد الكتب السماوية
    فواز بن علي بن عباس السليماني
  •  
    الدعوة التي غيرت مسار البشرية
    عبدالستار المرسومي
  •  
    التصوير البياني للكلمة الطيبة وأثرها في حياة ...
    د. أحمد مصطفى نصير
  •  
    قراءة القرآن الكريم (2)
    السيد مراد سلامة
  •  
    عند الصباح يحمد القوم السرى
    نورة سليمان عبدالله
  •  
    الكبائر في الإسلام: معناها وأنواعها وأثرها في ...
    بدر شاشا
  •  
    الرد على شبهات منكري السنة حول دخول بعض الناس ...
    د. جاسر يزن سيف الدين
  •  
    إنا أعتدنا للكافرين سلاسل وأغلالا وسعيرا
    د. خالد النجار
  •  
    الخريف (خطبة)
    د. محمد بن عبدالعزيز بن إبراهيم بلوش ...
شبكة الألوكة / آفاق الشريعة / مقالات شرعية / الدعوة وطلب العلم
علامة باركود

الدعوة التي غيرت مسار البشرية

الدعوة التي غيرت مسار البشرية
عبدالستار المرسومي

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 13/4/2026 ميلادي - 25/10/1447 هجري

الزيارات: 64

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

الدعوة التي غيرت مسار البشرية

 

هذه الدعوة هي دعوةُ خليل الله إبراهيم عليه السلام، التي خلَّدها القرآن العظيم في قوله تعالى: ﴿ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ [البقرة: 129]، فهي دعوة خاصة بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم الذي هو خاتم النبيين وأفضلهم، وهو من ذرية إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام؛ لأن إبراهيم عليه السلام قد آتاه الله سبحانه وتعالى علمًا بأن هذه الأمة لن تبقى طويلًا على مِلَّته، بل ستنحرف وستَعبدُ الأصنام، وستكون بحاجة إلى تعديل المسار لرسول يُعيدهم إلى جادة الحق، وهذا الرسول هو محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَخَاتَمُ النَّبِيِّينَ، وَإِنَّ آدَمَ لَمُنْجَدِلٌ فِي طِينَتِهِ، وَسَأُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِ ذَلِكَ؛ دَعْوَةِ أَبِي إِبْرَاهِيمَ وَبِشَارَةِ عِيسَى قَوْمَهُ، وَرُؤْيَا أُمِّي الَّتِي رَأَتْ أَنَّهُ خَرَجَ مِنْهَا نُورٌ أَضَاءَتْ لَهُ قُصُورُ الشَّامِ، وَكَذَلِكَ تَرَى أُمَّهَاتُ النَّبِيِّينَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ)[1].

 

ولَما لم يكن حول بيت الله الحرام عند بنائه من الناس إلا إسماعيل عليه السلام، وقبيلة جُرهم العربية، وقد كان دعاء إبراهيم عليه السلام "منهم"؛ أي من ذرية إسماعيل عليه السلام؛ أي: من العرب، جاء في لباب التأويل: ﴿ وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ ﴾؛ يعني: وابعث في الأمة المسلمة أو الذرية، وهم العرب من ولد إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام.

 

وقوله سبحانه وتعالى: ﴿ رَسُولًا مِنْهُمْ ﴾؛ يعني: ليدعوهم إلى الإسلام، ويكمِّل الدين والشرع، وإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم منهم يعرفون نسبه ومولده ومنشأه، كان أقرب لقَبول قوله، ويكون هو أشفقَ عليهم من غيره، وأجمع المفسرون على أن المراد بقوله: ﴿ رَسُولًا مِنْهُمْ ﴾ هو محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأن إبراهيم عليه السلام إنما دعا لذريته وهو بمكة، ولم يُبعَث مِن ذريته بمكة غير محمد صلى الله عليه وسلم، فدلَّ على أن المراد به محمد صلى الله عليه وسلم)[2].

 

ولقد استجاب الله سبحانه وتعالى لخليله إبراهيم عليه السلام، وبعث محمدًا صلى الله عليه وسلم نبيًّا ورسولًا في تلك الذرية؛ قال تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾ [الجمعة: 2].

 

ولَما شاء الله سبحانه وتعالى وقدَّر أن يستجيب لدعوة إبراهيم عليه السلام، فإنه سبحانه وتعالى قد حفِظ أصل رسوله محمد صلى الله عليه وسلم في ظهور الرجال سلالة طاهرة نقية طيبة، فلم تُشَبْ بشوائب الجاهلية، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نفسه: (إنما خَرجتُ من نكاحٍ، لم أخرج من سفاح، من لَدُن آدم لم يُصبني سفاحُ الجاهلية)[3]، ويؤكد القرآن العظيم هذه الحقيقة في قوله تعالى: ﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ [التوبة: 128]؛ أي: من أصل العرب يعرفون حسبه ونسبه؛ يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَاصْطَفَى قُرَيْشًا مِنْ كِنَانَةَ، وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ، وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ)[4].

 

ونسب النبي صلى الله عليه وسلم إلى جده عدنان الذي هو من ولد إسماعيل ثابت، ولا خلاف فيه، فهو (محمد صلى الله عليه وسلم بن عبد الله بن عبد المطلب ـ واسمه شَيْبَة ـ بن هاشم ـ واسمه عمرو ـ بن عبد مناف ـ واسمه المغيرة ـ بن قُصَيّ ـ واسمه زيد ـ بن كِلاب بن مُرَّة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فِهْر ـ وهو الملقب بقريش، وإليه تنتسب القبيلة ـ بن مالك بن النَّضْر ـ واسمه قيس ـ بن كِنَانة بن خُزَيْمَة بن مُدْرِكة ـ واسمه عامر ـ بن إلياس بن مُضَر بن نِزَار بن مَعَدّ بن عدنان)[5]، ولكن ما بعد عدنان فيه خلاف، لذلك فهم يتوقفون عنده، قال الإمام ابن قيم الجوزية رحمه الله: (إلى ها هنا معلوم الصحة متفق عليه بين النسَّابين، ولا خلاف فيه البتة، وما فوق عدنان مختلف فيه، ولا خلاف بينهم أن عدنان من ولد إسماعيل)[6]، وبقي شرف الانتساب للنبي محمد صلى الله عليه وسلم قائمًا إلى يومنا هذا، بل إلى يوم القيامة تكريمًا واصطفاءً وتشريفًا لهذا النسب الشريف، فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كل نسب وصهر منقطع يوم القيامة، إلا نسبي وصهري)[7].

 

ثم إنَّ إبراهيم عليه السلام بعد أن دعا الله سبحانه وتعالى بأن يبعث محمدًا صلى الله عليه وسلم رسولًا من ذرية إسماعيل عليه السلام، بيَّن العلة من ذلك، فقد دعا عليه السلام بثلاث دعوات معها:

• ﴿ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ ﴾ [البقرة: 129].

• ﴿ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ﴾ [البقرة: 129].

• ﴿ وَيُزَكِّيهِمْ ﴾ [البقرة: 129].


ففي دعائه عليه السلام: (يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِكَ)، وتلا في اللغة تعني الاتِّباع، جاء في تاج العروس: (قالَ ابنُ الأعرابيِّ: تَلا اتَّبَعَ)[8]، ويأتي بمعنى قرأ كما في تهذيب اللغة: (قال الليث: يُقال: تَلا يَتْلُو تِلاوةً؛ يعني قَرأَ قِراءة، وتَلاَ إذا تَبِع فهو تالٍ؛ أي: تابعٌ)[9].

 

ومن هذا الأساس يُستنبط ما يمكن أن يكون فهمًا راشدًا لسبب أن يأتي السياق القرآني بالفعل "يتلو"، وليس شيئًا غير ذلك، كـ"يقرأ" مثلًا؛ ذلك لأن المراد من تلاوة آيات الله تعالى في كتبه المقدسة ليس القراءة فحسب، وإنما القراءة مع الاتباع، والاتباع يقتضي العلم، والعلم يقتضي الفهم، والفهم يقتضي التدبر، والتدبر يقتضي الخشوع والتقوى؛ يقول أبو هلال العسكري رحمه الله: (الفرق بين التلاوة والقراءة: قال الراغب: التلاوة تختص باتباع كتب الله المنزلة تارَة بالقراءة، وتارة بالارتسام[10]، لما فيها من أمر ونهي وترغيب وترهيب، وهي أخص من القراءة، فكل تلاوة قراءة، وليس كل قراءة تلاوة، فقوله تعالى: ﴿ وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا ﴾ [الأنفال: 31]، فهذا بالقراءة، وقوله تعالى: ﴿ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ ﴾ [البقرة: 121]، المراد به الاتباع له بالعلم والعمل)[11].

 

أما الآيات المعنية هنا بقوله (آَيَاتِكَ)، فإنها آياتُ القرآن الكريم، كلام الله سبحانه وتعالى المنزَّل على قلب محمد صلى الله عليه وسلم، والآية في اللغة على عدة معان، منها: المعجزة، والجماعة، والعلامة الظاهرة، والعبرة، وتجمع على: آي وآيات وآياء، أما الآية في المصطلح، أو في القرآن الكريم، فهي عبارة عن طائفة من القرآن منقطعة عمَّا قبلها وعمَّا بعدها، لها مبدأ ومقطع، ومندرجة في سورة، وقد سُمِّيَت الآية من القرآن - أو هذه الطائفة منه - آية؛ لأنها علامة لانقطاع الكلام الذي قبلها من الذي بعدها وانفصاله، فهي بائنة من أختها ومنفردة، ولهذا كان الوقوف على رؤوس الآي سنَّة متَّبعة، وقيل: لما كانت الجملة التامة من القرآن علامة على صدق الآتي بها، وعلى عجز المتحدَّى بها سُمِّيت آية، وقد رجَّح كثير من العلماء هذا التعليل)[12].

 

قال ابن عاشور رحمه الله في تفسيره: (ومعنى ﴿ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ ﴾؛ أي: يقرؤها عليهم قراءةَ تذكير، وفي هذا إشارة إلى أنه يأتيهم بكتاب فيه شرعٌ، فالآيات جمع آية، وهي الجملة من جمل القرآن؛ سُميت آية لدلالتها على صدق الرسول بمجموع ما فيها من دلالة صدور مثلها من أمي لا يَقرأ ولا يَكتُب، وما نُسجت عليه من نظمٍ أعجَز الناس عن الإتيان بمثله، ولما اشتملت عليه من الدلالة القاطعة على توحيد الله سبحانه وتعالى وكمال صفاته، دلالة لم تترك مسلكًا للضلال في عقائد الأمة، بحيث أمَّنت هذه الأمة من الإشراك، قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم في خطبة حجة الوداع: "إنَّ الشيطانَ قد يئسَ أن يُعبدَ في بلدكم هذا"[13]، وجيء بالمضارع في قوله: "يتلو"؛ للإشارة إلى أن هذا الكتاب تتكرر تلاوته)[14]، والفعل المضارع في اللغة العربية يفيد الاستمرار.

 

• وفي دعوته عليه السلام من الله سبحانه وتعالى بأن: (يُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ)، فأما الكتاب والحكمة، فهما القُرآن والسُّنة، فقد قال الإدريسي رحمه الله في تفسيره البحر المديد: (ويعلمهم الكتاب)؛ أي: القرآن، والحكمة؛ أي: الشريعة أو السنة، وقال مالك: هي الفقه في الدين والفَهم فيه، أو نور يضعه في قلب من شاء من عباده)[15]، وبذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ألَا إِنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ، أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْقُرْآنَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ)[16]، و(أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس في حجة الوداع، فقال: يا أيها الناس، أني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتُم به، فلن تضلوا أبدًا، كتاب الله وسنة نبيه)[17].


وبهذا الدعاء يضع الخليل إبراهيم عليه السلام أساسًا آخر في ملته، وذلك في قوله: (ويُعَلِّمُهُمُ)، وهو أنَّ هذا الدين وهذه الملة الحنيفية السمحاء، قائمة على العلم ومتصفة به، فليس الإسلام دين هوًى وبِدع، بل هو دين علم واتباع، فقد قال تعالى: ﴿ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ ﴾ [البقرة: 145]، ومن أجل ذلك كان أهم ما خاطب الله سبحانه وتعالى به رسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم قوله تعالى: ﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ﴾ [محمد: 19].

 

وفي ملة إبراهيم عليه السلام لا يستوي العالم والذي لا يعلم؛ قال تعالى: ﴿ أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾ [الزمر: 9]، وهذا استفهام إنكاري، بمعنى لا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون قطعًا، لا في الدنيا ولا في الآخرة، بل العلماء مكرمون عند ربهم؛ قال تعالى: ﴿ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ [المجادلة: 11]، وبالعلم يفُضَّلُ المرء على الناس، ويفضل على أقرب الناس، ومن له فضل ويد عليه وإن كان أباه، لذلك فُضِّل الأنبياء على آبائهم كما حصل لإبراهيم عليه السلام؛ حيث قال تعالى: ﴿ يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا ﴾ [مريم: 43].

 

وعندما أراد نبيُّ بني إسرائيل أن يمتدح الملك طالوت بأهم صفة إيجابية، حجةً له على اختيار الله تعالى له أن يكون ملكًا على بني إسرائيل - قال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ ﴾ [البقرة: 247]، فالعلم أول الصفات الإيجابية في الإنسان القائد.

 

وطلب العلم مثل أي عمل شرعي، ينبغي أن يكون خالصًا لوجه الله سبحانه وتعالى، وموافقًا لما جاء في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ليَقبله الله سبحانه وتعالى، لا من أجل مآرب أخرى، وإلا فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من طلبَ العلمَ ليُجاري به العلماءَ، أو ليُماري به السُّفهاءَ، أو يَصرف به وجوهَ الناس إليه، أدخلهُ اللهُ النارَ)[18]، ولذلك فإن محمد بن سيرين رحمه الله يقول: (إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ دِينٌ، فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ)[19].

 

وترغيبًا للناس في أن يطلبوا العلم وترقيةً لمكانة العلماء وتشريفًا لهم، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من سلكَ طريقًا يلتمسُ فيه علمًا، سهَّل اللهُ لهُ بهِ طريقًا إلى الجنَّة، وإنَّ الملائكةَ لتضع أجنحتها رضًا لطالب العلم، وإنَّ طالبَ العلمِ يستغفرُ له من في السماء والأرض، حتى الحيتان في الماء، وإنَّ فضلَ العالمِ على العابدِ كفضلِ القمرِ على سائرِ الكواكب، إنَّ العلماءَ ورثةُ الأنبياءِ، لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، إنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر)[20]، وكان قد (ذُكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم رجلان أحدهما عابد والآخر عالم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم"[21].

 

ويَطلبُ العلمَ من كان مسلمًا وعلى ملة إبراهيم عليه السلام من أجل ثلاثة أمور:

الأول: إنَّ هذا العلم الشرعي، والذي يبحث في صفات الله وعبادته وكلامه، وما فيه من أخبار وأحكام وعقائد، وما خلق سبحانه وتعالى في عالمي الغيب والشهادة، هو علم شريف، بل هو أشرف العلوم، فالنفس إذا انغمست في طلب هذا العلم، فإنها سترتقي ويزداد إيمانها، ويسمو ارتباطها بخالقها، وتزهد عن ملذات وملهيات الدنيا.

 

الثاني: أنْ يَعبدَ الإنسانُ الله سبحانه وتعالى على علم، وقد أمر الله نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم ومَن معه مِن المؤمنين بأن تكون عبادتهم لله سبحانه وتعالى وَفق ما أمر الله سبحانه وتعالى، ولا يُعبد الله سبحانه وتعالى كيفما اتَّفق؛ قال تعالى: ﴿ فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ ﴾ [هود: 112]، فتنصرف كل عبادات الفرد من صلاة وصيام وزكاة وغيرها بمجملها وتفصيلاتها وَفق ما أمر الله سبحانه وتعالى، بل إنَّ كلَّ حياة الإنسان ينبغي أن تسير بعلم وَفق ما أمر الله سبحانه وتعالى؛ قال تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ﴾ [الأنعام: 162، 163]، حتى بلغ حال سلف هذه الأمة أنهم يبحثون عن دليل في مجمل تفاصيل حياتهم، فهذا سفيان الثوري[22] رحمه الله يقول: (ينبغي للرجل ألا يحك رأسه إلا بأثرٍ)[23].

 

وغاية العلم هو العمل به، فقد (قَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: الْعِلْمُ خَادِمُ الْعَمَلِ، وَالْعَمَلُ غَايَةُ الْعِلْمِ، فَلَوْلَا الْعَمَلُ لَمْ يُطْلَبْ عِلْمٌ وَلَوْلَا الْعِلْمُ لَمْ يُطْلَبْ عَمَلٌ، وَلَأَنْ أَدَعَ الْحَقَّ جَهْلًا بِهِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَدَعَهُ زُهْدًا فِيهِ)[24].

 

الثالث: أن يُبلِّغ هذا العلم للناس، والتبليغُ واجب شرعي لا يقل أهمية عن واجبات الدين الأخرى التي شرعها الله سبحانه وتعالى لعباده؛ كالصلاة والصيام والصدقة، وكان من ضمن من أُمر بالتبليغ هو رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم، فقد قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ﴾ [المائدة: 67].

 

ثم أُمِرَ أتباعُ الملة بالدعوة إلى دين الله سبحانه وتعالى ونشره، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بين الناس؛ قال تعالى: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾ [آل عمران: 110]، وهكذا هنا أصل آخر من أصول ملة إبراهيم عليه السلام الذي يؤكد فيه أن أمة المسلمين من أتباع ملة إبراهيم عليه السلام، سيكونون خير أمة أخرجها الله سبحانه وتعالى للناس، ولكنها خيرية مشروطة، وشرطها أنها تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر بعد الإيمان بالله سبحانه وتعالى، وهكذا ارتبطت خيرية أهل ملة إبراهيم عليه السلام بمدى دورهم وفعاليتهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عبر الأجيال، فإن هم أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر، وكان إيمانهم بالله سبحانه وتعالى راسخًا، فسيكونون خير الأمم وخير الناس، وإلا فلا.

 

وبقي العلم منارًا للسائرين في طريق ملة إبراهيم عليه السلام، والمتبعين لسيد الناس وإمامهم النبيِّ محمد صلى الله عليه وسلم من صالح سلف هذه الأمة، ويرونه درجة رفيعة وشريفة لا تُنال إلا بتوفيق من الله سبحانه وتعالى، فيقول أبو هلال العسكري رحمه الله: (ودرجة العلم أشرف الدرجات، فمن أراد مداولتها بالدَّعة وطلب البلوغ إليها بالراحة، كان مخدوعًا، وقال الجاحظ رحمه الله: العلمُ عزيزُ الجانب، لا يُعطيكَ بعضَه حتى تعطيه كُلَّكَ، وأنت إذا أعطيته كلَّك، كنت من إعطائه إياك البعض على خطر)[25]، وقال أبو الأسود الدؤلي رحمه الله: (ليس شيء أعز من العلم، وذلك أن الملوك حكام على الناس، والعلماء حكام على الملوك)[26].

 

وأول ما ينبغي أن يتعلمه السائرون في طريق ملة الخليل إبراهيم عليه السلام هو (الكتاب)؛ أي: كتاب الله، وهو القرآن العظيم الكريم كلام الله المعجز، الذي قال فيه رب العالمين أنه عظيم، فقد قال سبحانه وتعالى في حقه: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ ﴾ [الحجر: 87]، وقال سبحانه وتعالى عنه أنه كريم، وذلك في قوله تعالى: ﴿ إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ ﴾ [الواقعة: 77].

 

والقرآنُ كتاب الله الذي وصفه الله تعالى بأنه (مُبين)؛ قال تعالى: ﴿ تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ ﴾ [النمل: 1]، ففيه بيان كل شيء، وفيه من الأدلة الواضحة البرهان الواسعة البيان، ما لا يعلمها إلا الله سبحانه وتعالى، فهو السهل الممتنع، وفيه من البلاغة والفصاحة ما حار معه فحولُ اللغة والشعر والأدب، وفيه من بيان الإعجاز ما أعجز العلماء عن فكِّ أسراره.

 

وقد سمَّاه الله سبحانه وتعالى ذِكرًا، فقال: ﴿ فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ ﴾ [الزخرف: 43، 44]، وسمَّاه الله سبحانه وتعالى روحًا؛ قال تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [الشورى: 52]، وقد جاء في تفسير السعدي رحمه الله: (وهو هذا القرآن الكريم، سماه روحًا؛ لأنَّ الروح يحيا بها الجسد، والقرآن تحيا به القلوب والأرواح، وتحيا به مصالح الدنيا والدين، لما فيه من الخير الكثير والعلم الغزير، وهو مَحض مِنة الله سبحانه وتعالى على رسوله وعباده المؤمنين، من غير سبب منهم)[27]، وهو النور الذي يهتدي به الناس، وجاءت الآية في سورة الشورى بصفتين معًا، هما الروح والنور، فالإشارة في ذلك أنْ لا معنى لروح بلا نور تهتدي به.

 

وبيَّن الله سبحانه وتعالى أنَّ هذا القرآن الكريم هدى للناس؛ قال تعالى: ﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ ﴾ [البقرة: 185]، وأن القرآن يهدي أقوم الهداية التي هي الأحسن والأفضل، فقال تعالى: ﴿ إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا ﴾ [الإسراء: 9]، والقرآن شفاء للمؤمنين خاصة وللناس عامة ورحمة لهم، قال تعالى: ﴿ وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا ﴾ [الإسراء: 82]، وقال تعالى: ﴿ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ﴾ [فصلت: 44].

 

وقد حفِظ الله سبحانه وتعالى هذا الذكر من التحريف والتغيير والتدليس والطعن والزيادة والنقصان، فقال تعالى: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾ [الحجر: 9]، فالقرآن يُتلى بيننا اليوم كما تلاه نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وأخذه أهل بيته وأصحابه رضي الله عنهم منه صلى الله عليه وسلم.

 

وبدأت قصة التشكيك في القرآن منذ البداية، عندما أُنزل على قلب محمد صلى الله عليه وسلم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤكد ويؤكد أن القرآن العظيم كلام الله سبحانه وتعالى وصفة من صفاته، وليس له فيه أي تدخل؛ قال تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾ [يونس: 37، 38].

 

ثم إن الله سبحانه وتعالى تحدَّى خلقه كلهم من الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن، أو شيئًا منه، ولو تحالفوا واتَّحدوا من أجل ذلك، فقد قال تعالى: ﴿ قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا ﴾ [الإسراء: 88].

 

وأمر الله سبحانه وتعالى أتباع ملة إبراهيم عليه السلام أن يتدبروا القرآن، فقال تعالى: ﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ﴾ [النساء: 82]، وأمرهم الله سبحانه وتعالى بالاستماع والإنصات إذا ما تُلي القرآن الكريم، فقال تعالى: ﴿ وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾ [الأعراف: 204].

 

ثم كان من دعاء إبراهيم عليه السلام قوله: (وَيُزَكِّيهِمْ)؛ أي: يُطهِّرُهُم، ولكن كيف يكون ذلك؟ فلتزكيةِ النفوس البشرية بشكل عام، والقلوب خاصة من العقائد الفاسدة والأفكار والممارسات السيئة - سبلٌ ووسائل، فمنها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: (وَيُزَكِّيهِمْ)؛ أي: يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، لتزكو نفوسهم وتطهر من الدَّنس والخبث الذي كانوا متلبسين به في حال شركهم وجاهليتهم)[28].

 

وهناك رأي آخر يقول بأنه صلى الله عليه وسلم يأخذ منهم الزكاة المال، قال الإمام البغوي رحمه الله: (يأخذ الزكاة من أموالهم)، فإنهم عند ذاك سيدفعون من أموالهم التي يحبونها في سبيل الله سبحانه وتعالى، وتُروَّض أنفسهم لطاعة الله سبحانه وتعالى، والقبول بما يأمرهم به، فالأموال ربما كانت أغلى من النفس، ولذلك نجد في غير موضع من القرآن الكريم أنه يقدم الجهاد بالمال على الجهاد بالنفس، فلربما دُفعت النفس ثمنًا للدفاع عن المال؛ قال تعالى: ﴿ انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ [التوبة: 41].

 

وأما الرأي الآخر في معنى التزكية، فقد قال السعدي رحمه الله: ( وَيُزَكِّيهِمْ)، بأن يحثهم على الأخلاق الفاضلة، ويفصِّلها لهم، ويَزجرهم عن الأخلاق الرذيلة)[29].

 

وزكاة النفس ونقاؤها أساس متين للإيمان ثم الوصول إلى اليقين، لهذا أثنى الله سبحانه وتعالى على من تزكَّت نفوسهم ووصفهم بأنهم مفلحون؛ قال سبحانه تعالى: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ﴾ [الشمس: 9]، ولا تكون زكاة النفس إلا بتوفيق الله سبحانه وتعالى، لذلك كان من دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اللَّهم آتِ نفسي تَقواها، وزَكِّها أنتَ خيرُ من زكَّاها، أنتَ وليُّها ومولاها)[30].

 

ولقد عَلِمَ خليل الله إبراهيم عليه السلام بأن الإنسان لا يستطيع أن يزكي نفسه وحدَه، فلا بد له من طبيب يساعده على ذلك، لذلك طلب من الله سبحانه وتعالى أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم هو مَن يزكيهم؛ قال الإمام ابن قيم الجوزية رحمه الله: (وتزكية النفوس أصعب من علاج الأبدان وأشد، فمن زكَّى نفسه بالرياضة والمجاهدة والخلوة التي لم يجئ بها الرسل، فهو كالمريض الذي يعالج نفسه برأيه، وأين يقع رأيه من معرفة الطبيب؟ فالرسلُ أطباء القلوب، فلا سبيل إلى تزكيتها وصلاحها إلا مِن طريقهم وعلى أيديهم، وبمحض الانقياد والتسليم لهم، والله المستعان)[31].

 

ومن اللافت هنا أن دعوة الخليل إبراهيم عليه السلام قدَّمت: ﴿ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ﴾ على ﴿ وَيُزَكِّيهِمْ ﴾، في حين أن إجابة الله سبحانه وتعالى للدعوة قدَّمت ﴿ وَيُزَكِّيهِمْ ﴾ على ﴿ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ﴾، فقد قال تعالى: ﴿ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾ [آل عمران: 164].


• ﴿ هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾ [الجمعة: 2].

 

ولعل سبب ذلك أنَّ مَن يدعو إلى الله سبحانه وتعالى، يدعو الجميع ويبلغ كلام الله سبحانه وتعالى للجميع، لا ينظر إلى زكاة القلوب في بداية الأمر، ولذلك كان إبراهيم عليه السلام يطلب من الله جل جلاله أن تصل دعوته لجميع الناس عن طريق نبيه محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأنه يعتقد أن من يتعلم أحكام الدين وتفاصيل الشرع، ويعمل بمقتضاها، سيُزكي قلبه، في حين أن زكاة القلوب هي بيد الله سبحانه وتعالى، وشاء الله أن يزكي قلوب من آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم بمجرد أن يستمعوا للقرآن، أو بمجرد أن يروا وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى من غير علم بالأحكام والتفسير والحلال والحرام، وما إلى ذلك.



[1] مسند أحمد بن حنبل 17163.

[2] لباب التأويل في معاني التنزيل، علاء الدين الخازن، ج1، ص82.

[3] مصنف ابن أبي شيبة 31641.

[4] صحيح مسلم 6077.

[5] جاء في صحيح الإمام البخاري 57: (بَاب مَبْعَثِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيِّ بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعبِ بْنِ لؤَيِّ بْنِ غالِبِ بْنِ فِهْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ مُدْرِكَةَ بْنِ إِلْيَاسَ بْنِ مُضَرَ بْنِ نِزَارِ بْنِ مَعَدِّ بْنِ عَدْنَانَ).

[6] زاد المعاد، ابن قيم الجوزية، ج1، ص 70.

[7] المعجم الكبير للطبراني، 4132.

[8] تاج العروس من جواهر القاموس، الزبيدي، ج37، ص249.

[9] تهذيب اللغة، الأزهري، ج 14، ص 225.

[10] جاء في جواهر العروس للزبيدي 22/ 285 (الارْتِسَامُ: التَّكْبِير، والتَّعَوُّذ، والدُّعاءُ"، مَأخوذ من الاْرْتِسام بِمَعْنَى الاْمْتِثال، كَأَنَّه أَخَذ بما رَسَم الله من الالْتِجاء إليه).

[11] الفروق اللغوية، أبو هلال العسكري، ج1، ص140.

[12] مدخل إلى تفسير القرآن وعلومه، عدنان محمد زرزور، ص 133.

[13] جزء من حديث رواه النسائي في السنن الكبرى 4100 و ابن أبي شيبة في مسنده 561 وعبد بن حميد في مسنده 858، وتمام الحديث عند النسائي قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع: (يا أيها الناس، ثلاث مرات، أي يوم هذا؟ قالوا: يوم النحر يوم الحج الأكبر، قال: فإنَّ دماءكم وأموالكم وأعراضكم بينكم حرام، كحُرمة يومكم هذا في بلدكم هذا، ألا لا يجني جانٍ على ولده، ولا مولود على والده، ألا إن الشيطان قد يَئِسَ أن يُعبد في بلدكم هذا أبدًا، ولكن ستكون له طاعة في بعض ما تَحتقرون من أعمالكم فيرضى، ألا وإنَّ كلَّ ربًا من ربا الجاهلية يوضع، لكم رؤوسُ أموالكم لا تَظلمون ولا تُظلمون، ألا وإنَّ كلَّ دمٍ من دم الجاهلية موضوع، وأول ما أضَع منها دم الحارث بن عبد المطلب كان مسترضعًا في بني ليث فقتلته هذيل، ألا هل بلغت؟ ثلاث مرات، قالوا نعم، قال اللهم اشهد).

[14] التحرير والتنوير المعروف بتفسير ابن عاشور، ج1، ص702.

[15] البحر المديد، الإدريسي، ج1، ص166.

[16] مسند الإمام أحمد بن حنبل 17174.

[17] السنن الكبرى للبيهقي 20123.

[18] سنن الترمذي 2654.

[19]صحيح مسلم 26 .

[20] سنن ابن ماجه 223.

[21] سنن الترمذي 2685.

[22] جاء في الأعلام للزركلي 3/104: (سفيان الثوري 97 - 161هـ وهو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، من بني ثور بن عبد مناة، من مضر، أبو عبد الله: أمير المؤمنين في الحديث، كان سيد أهل زمانه في علوم الدين والتقوى، ولد ونشأ في الكوفة، وراوده المنصور العباسي على أن يلي الحكم فأبى، وخرج من الكوفة سنة 144 هـ، فسكن مكة والمدينة، ثم طلبه المهدي فتوارى، وانتقل إلى البصرة فمات فيها مستخفيًا).

[23] ذم الكلام، عبد الله الهروي 328.

[24] اقتضاء العلم العمل، الخطيب البغدادي، ص15.

[25] الحث على طلب العلم والاجتهاد في جمعه، أبو هلال العسكري، ص42.

[26] نفس المصدر السابق، ص53.

[27] تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، عبد الرحمن السعدي، ج1، ص762.

[28] تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ج1، ص522.

[29] تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، عبد الرحمن السعدي، ص862.

[30] سنن النسائي 5538.

[31] مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين، ابن قيم الجوزية، ج2، ص315.





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • اختيارك
  • قصة الصحابي الجائع رضي الله عنه والمسائل المستنبطة منها
  • نجاح الآخرين
  • نبي الله إبراهيم عليه السلام يحاور أباه آزر

مختارات من الشبكة

  • الدعوة الاسلامية في كوريا الجنوبية لوون سوكيم(مقالة - ثقافة ومعرفة)
  • (مفهوم الحكمة في الدعوة) عند الشيخ الدكتور صالح بن عبد الله بن حميد(مقالة - آفاق الشريعة)
  • التعلق المحرم عن طريق الدعوة إلى الله(استشارة - الاستشارات)
  • القول الوجيز في حكم الدعوة إلى الله تعالى(مقالة - آفاق الشريعة)
  • متن المشوق إلى الدعوة (PDF)(كتاب - مكتبة الألوكة)
  • الدعوة إلى العمل الصالح (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • السؤال التعليمي في السنة النبوية: مفهومه وأهميته في الدعوة إلى الله (PDF)(كتاب - مكتبة الألوكة)
  • خواطر في الدعوة إلى الله تعالى (PDF)(كتاب - مكتبة الألوكة)
  • من مائدة السيرة: الدعوة الجهرية(مقالة - آفاق الشريعة)
  • أخلاق وفضائل أخرى في الدعوة القرآنية(مقالة - آفاق الشريعة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • 60 معلمة تشارك في ندوة لتعزيز مهارات معلمات القرآن في مومشيلغراد
  • مسلمو تتارستان يطلقون حملة تبرعات لدعم ضحايا فيضانات داغستان
  • برنامج شبابي في تزولا وأوراسيي يدمج التعليم بالتكنولوجيا الحديثة
  • النسخة الثالثة عشرة من مسابقة "نور المعرفة" في تتارستان
  • موستار وبانيا لوكا تستضيفان مسابقتين في التربية الإسلامية بمشاركة طلاب مسلمين
  • بعد 9 سنوات من البناء افتتاح مسجد جديد بمدينة شومن
  • قازان تحتضن منافسات قرآنية للفتيات في أربع فئات
  • خبراء يناقشون معايير تطوير جودة التعليم الإسلامي في ندوة بموسكو

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1447هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 24/10/1447هـ - الساعة: 15:49
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب