• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | مقالات شرعية   دراسات شرعية   نوازل وشبهات   منبر الجمعة   روافد   من ثمرات المواقع  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    رمضان وكسر العادات
    الشيخ د. إبراهيم بن محمد الحقيل
  •  
    وقفات ودروس من سورة آل عمران (10)
    ميسون عبدالرحمن النحلاوي
  •  
    سنن نبوية في مواساة الزوج لزوجته أثناء عادتها ...
    د. محمد حسانين إمام حسانين
  •  
    تفسير قوله تعالى: {إن في خلق السماوات والأرض ...
    سعيد مصطفى دياب
  •  
    الونيس الذي لا يرحل!!!
    د. صلاح بن محمد الشيخ
  •  
    خطبة: فضل العلم والعلماء
    أ. د. حسن بن محمد بن علي شبالة
  •  
    ضع بينك وبين النار مطوع
    نورة سليمان عبدالله
  •  
    علو الله على خلقه
    الشيخ عبدالعزيز السلمان
  •  
    كفارات الذنوب.. أبواب الرحمة المفتوحة
    د. أمير بن محمد المدري
  •  
    فوائد من كتاب شرح السنة للإمام البغوي: كتاب العلم
    فهد بن عبدالعزيز عبدالله الشويرخ
  •  
    طريق المسلم إلى الله قبل رمضان: منزلة الهمة ...
    د. هيثم بن عبدالمنعم بن الغريب صقر
  •  
    صل صلاة مودع
    محمد محمد زهران
  •  
    شعبان يا أهل الإيمان (خطبة)
    د. عبد الرقيب الراشدي
  •  
    سلسلة هدايات القرآن (14) هدايات سورة الفاتحة: من ...
    حمادة إسماعيل فودة
  •  
    خطبة (حصائد اللسان)
    الدكتور علي بن عبدالعزيز الشبل
  •  
    الفرع الثاني: أحكام قطع النية والتردد والشك فيها: ...
    يوسف بن عبدالعزيز بن عبدالرحمن السيف
شبكة الألوكة / آفاق الشريعة / مقالات شرعية / التفسير وعلوم القرآن
علامة باركود

وقفات ودروس من سورة آل عمران (10)

وقفات ودروس من سورة آل عمران (10)
ميسون عبدالرحمن النحلاوي

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 11/2/2026 ميلادي - 24/8/1447 هجري

الزيارات: 45

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

وقفات ودروس من سورة آل عمران (10)

وقفات في قلب السورة -7-

تتمة غزوة أحد

 

بسم الله الرحمن الرحيم

• غزوة أحد غزوة الابتلاء والتمحيص.

• تعزية الله سبحانه وتعالى لأهل أحد وبث الطمأنينة في قلوبهم.

• معاتبة الله عز وجل لمن جبن وتخاذل من المسلمين يوم أحد.

• تثبيت المؤمنين بنهيهم عن طاعة الكافرين، وعدم الطمع بولايتهم لأن الله وحده هو مولى المؤمنين.

• لماذا انقلب النصر إلى هزيمة في أحد؟

 

غزوة أحد غزوة الابتلاء والتمحيص:

كان يوم أحد يوم بلاء وتمحيص، اختبر الله به المؤمنين ومحق به المنافقين ممن كان يُظهر الإسلام بلسانه وهو مستخفٍ بالكفر، يوم تعرض فيه المسلمون لاختبار عميق الدلالة واضح البيان: المفاضلة بين زينة الحياة الدنيا وطاعة رسول الله، فكان درسًا يعقله المسلمون إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

 

كانت الغنائم هي سبب هزيمة المسلمين في المعركة، والتي بسببها عصى الرماة أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وتركوا أماكنهم، فالتف عليهم المشركون لتصبح كفة المعركة في صالح المشركين بعد أن كانت نصرًا للمسلمين، وتتالت الأحداث واشتد المشركون على المسلمين يريدون قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخلص بعض المشركين إلى الرسول صلى الله عليه وسلم نفسه وهو في سبعة من الأنصار ورجلين من قريش فقال: ((من يردهم عنا وهو رفيقي في الجنة؟))، فقاتلوا عنه واحدًا واحدًا حتى استشهد الأنصار السبعة، ثم قاتل عنه طلحة بن عبيدالله قتالًا مشهورًا حتى شلت يده بسهم أصابها، وقاتل سعد بن أبي وقاص بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يناوله السهام ويقول: ((ارمِ فداك أبي وأمي))، وكان سعد من مشاهير الرماة، ودافع أبو طلحة الأنصاري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان راميًا، فكان النبي يشرف على القتال فيقول له أبو طلحة: لا تشرف يصبِك سهم من سهام القوم، نحري دون نحرك، وكان إذا مر الرجل معه جعبة السهام يقول الرسول: ((انثرها لأبي طلحة))، وقد عبر الرسول عن إعجابه بقتاله فقال: ((لصوت أبي طلحة في الجيش أشد على المشركين من فئة)).

 

ما كان في الغزوة من مصاب للنبي صلى الله عليه وسلم:

وكان مع المشركين يومئذٍ مائة فرس عليها خالد بن الوليد، ولم يكن مع المسلمين يومئذ فرس، وفيها جُرح رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجهه، وكُسرت رباعيته اليمنى السفلى بحجر، وهشمت البيضة من على رأسه صلى الله عليه وسلم، وجزاه عن أمته بأفضل ما جزى به نبيًّا من أنبيائه على صبره، وكان الذي تولى ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم عمرو بن قميئة الليثي، وعتبة بن أبي وقاص، وقد قيل: إن عبدالله بن شهاب جد الفقيه محمد بن مسلم بن شهاب هو الذي شج رسول الله صلى الله عليه وسلم في جبهته؛ قال الواقدي: والثابت عندنا أن الذي رمى في وجه النبي صلى الله عليه وسلم ابن قميئة، والذي أدمى شفته وأصاب رباعيته عتبة بن أبي وقاص، قال الواقدي بإسناده عن نافع بن جبير قال: سمعت رجلًا من المهاجرين يقول: شهدت أحدًا فنظرت إلى النبل تأتي من كل ناحية، ورسول الله صلى الله عليه وسلم وسطها كل ذلك يُصرف عنه، ولقد رأيت عبدالله بن شهاب الزهري يقول يومئذٍ: دلوني على محمد دلوني على محمد، فلا نجوت إن نجا، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنبه ما معه أحد ثم جاوزه، فعاتبه في ذلك صفوان فقال: والله ما رأيته، أحلف بالله إنه منا ممنوع، خرجنا أربعة فتعاهدنا وتعاقدنا على قتله، فلم نخلص إلى ذلك، وأكبَّت الحجارة على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى سقط في حفرة، كان أبو عامر الراهب قد حفرها مكيدة للمسلمين، فخر عليه السلام على جنبه واحتضنه طلحة حتى قام، ومص مالك بن سنان والد أبي سعيد الخدري من جُرح رسول الله صلى الله عليه وسلم الدم، ونشبت حلقتان من درع المغفر في وجهه صلى الله عليه وسلم، فانتزعهما أبو عبيدة بن الجراح وعض عليهما بثنيته فسقطتا؛ فكان أهتمَ يزينه هتمه رضي الله عنه.

 

مقتل حمزة رضي الله عنه:

وفي هذه الغزاة قُتل حمزة رضي الله عنه، قتله وحشي، وكان وحشي مملوكًا لجبير بن مطعم، وقد كان جبير قال له: إن قتلت محمدًا جعلنا لك أعنة الخيل، وإن أنت قتلت علي بن أبي طالب، جعلنا لك مائة ناقة كلها سود الحدق، وإن أنت قتلت حمزة فأنت حر، فقال وحشي: أما محمد فعليه حافظ من الله لا يخلص إليه أحد، وأما عليٌّ فما برز إليه أحد إلا قتله، وأما حمزة فرجل شجاع، وعسى أن أصادفه فأقتله، وكانت هند كلما تهيأ وحشي أو مرت به قالت: إيهًا أبا دسمة اشفِ واستشفِ، فكمن له خلف صخرة، وكان حمزة حمل على القوم من المشركين؛ فلما رجع من حملته ومر بوحشي زرقه بالمزراق فأصابه فسقط ميتًا رحمه الله ورضي عنه؛ [تفسير القرطبي].

 

• تعزية الله سبحانه وتسليته لأهل أحد وبث الطمأنينة في قلوبهم:

مصير الكافرين الهلاك، ولو كانت لهم دولة من زمن، وهذه سنة الله في عباده:

ومع تلك الأحداث المؤلمة التي كان لها الوقع الصادم في نفوس المسلمين، أنزل الرحمن الرحيم آيات شافيات يعزيهم ويسليهم بها عن مصابهم؛ في قوله تعالى: ﴿ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ * هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [آل عمران: 137، 138].

 

في هذه الآية يخاطب الله تعالى عباده المؤمنين الذين أُصيبوا يوم أحد، وقتل منهم سبعون فيقول لهم: إن ما حدث لكم قد جرى نحوه على الأمم الذين كانوا من قبلكم من أتباع الأنبياء، ثم كانت العاقبة لهم والدائرة على الكافرين، ولهذا قال: ﴿ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴾ [آل عمران: 137].

 

يقول الطبري في قوله تعالى: ﴿ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ ﴾ [آل عمران: 137]: مضت وسلفت فيمن كان قبلكم، يا معشر أصحاب محمد وأهل الإيمان به، من نحو قوم عاد وثمود، وقوم هود، وقوم لوط، وغيرهم من أسلاف الأمم قبلكم، ﴿ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴾ [آل عمران: 137]، يقول: فسيروا - أيها الظانون، أن إدالتي مَن أدلتُ من أهل الشرك يوم أحد على محمد وأصحابه، لغير استدراج مني لمن أشرك بي، وكفر برسلي، وخالف أمري – سيروا في ديار الأمم الذين كانوا قبلكم، ممن كان على مثل الذي عليه هؤلاء المكذبون برسولي والجاحدون وحدانيتي، فانظروا كيف كان عاقبة تكذيبهم أنبيائي، وما الذي آل إليه غب خلافهم أمري، وإنكارهم وحدانيتي، فتعلموا عند ذلك أن إدالتي من أدلت من المشركين على نبيي محمد وأصحابه بأحد، إنما هي استدراج وإمهال ليبلغ الكتاب أجله الذي أجلت لهم، ثم إما أن يؤول حالهم إلى مثل ما آل إليه حال الأمم الذين سلفوا قبلهم؛ من تعجيل العقوبة عليهم، أو ينيبوا إلى طاعتي واتباع رسولي.

 

ثم يتابع السياق في إشارة إلى تلك السنن فيقول تعالى: ﴿ هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [آل عمران: 138].

 

وقوله: ﴿ هَذَا ﴾ إشارة إلى ما تقدم هذه الآية من تذكير الله جل ثناؤه المؤمنين، وتعريفهم حدوده، وحضهم على لزوم طاعته والصبر على جهاد أعدائه وأعدائهم؛ لأن قوله: ﴿ هَذَا ﴾ إشارة إلى حاضر: إما مرئي وإما مسموع، وهو في هذا الموضع إلى حاضر مسموع من الآيات المتقدمة؛ فمعنى الكلام: هذا الذي أوضحت لكم وعرفتكموه، بيان للناس؛ [انتهى؛ تفسير الطبري].

 

وقال الشوكاني: المعنى: سيروا فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين، فإنهم خالفوا رسلهم بالحرص على الدنيا، ثم انقرضوا فلم يبقَ من دنياهم التي آثروها أثر، هذا قول أكثر المفسرين، والمطلوب من هذا السير المأمور به هو حصول المعرفة بذلك، فإن حصلت بدونه فقد حصل المقصود، ﴿ بَيَانٌ لِلنَّاسِ ﴾ [آل عمران: 138]؛ أي: تبيين لهم، وتعريف الناس للعهد، وهم: المكذبون وغيرهم، وفيه حث على النظر في سوء عاقبة المكذبين وما انتهى إليه أمرهم، قوله: ﴿ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ ﴾ [آل عمران: 138]؛ أي: هذا النظر مع كونه بيانًا فيه هدى وموعظة للمتقين من المؤمنين؛ [انتهى].

 

• ﴿ وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا ﴾ [آل عمران: 139]:

ثم تأتي التسلية والتعزية الإلهية في أسلوب يستنشط الهمم من جديد، في نهي عن الاستسلام لشعور العجز والفشل؛ يقول تعالى:

﴿ وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ﴾ [آل عمران: 139، 140].

 

في هذه الآيات يعزي رب العزة أصحاب أحد بما نالهم يوم أحد من القتل والجراح، ويحثهم على قتال عدوهم وينهاهم عن العجز والفشل فيقول لهم: ﴿ وَلَا تَهِنُوا ﴾ [آل عمران: 139]؛ أي لا تضعفوا ولا تجبنوا يا أصحاب محمد عن جهاد أعدائكم لما أصابكم، ﴿ وَلَا تَحْزَنُوا ﴾ [آل عمران: 139] على ظهورهم، ولا على ما أصابكم من الهزيمة والمصيبة، ﴿ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ ﴾ [آل عمران: 139]؛ أي لكم تكون العاقبة بالنصر والظفر إن كنتم مؤمنين بي حق الإيمان وبصدق وعدي.

 

• ﴿ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ ﴾ [آل عمران: 139]:

قال ابن عباس: انهزم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد، فبينا هم كذلك إذ أقبل خالد بن الوليد بخيل من المشركين، يريد أن يعلو عليهم الجبل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم لا يعلن علينا، اللهم لا قوة لنا إلا بك، اللهم ليس يعبدك بهذه البلدة غير هؤلاء النفر، فأنزل الله هذه الآيات، وثاب نفر من المسلمين رماة فصعدوا الجبل ورموا خيل المشركين حتى هزموهم؛ فذلك قوله تعالى: ﴿ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ ﴾ [آل عمران: 139]؛ يعني الغالبين على الأعداء بعد أحد، فلم يخرجوا بعد ذلك عسكرًا إلا ظفروا في كل عسكر كان في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي كل عسكر كان بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان فيه واحد من الصحابة كان الظفر لهم، وهذه البلدان كلها إنما افتتحت على عهد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم بعد انقراضهم ما افتتحت بلدة على الوجه كما كانوا يفتتحون في ذلك الوقت، وفي هذه الآية بيان فضل هذه الأمة، لأنه خاطبهم بما خاطب به أنبياءه، لأنه قال لموسى: ﴿ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى ﴾ [طه: 68]، وقال لهذه الأمة: ﴿ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ ﴾ [آل عمران: 139]، وهذه اللفظة مشتقة من اسمه الأعلى فهو سبحانه العلي، وقال للمؤمنين: ﴿ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ ﴾ [آل عمران: 139]؛ [تفسير القرطبي].

 

• والأيام دول ﴿ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ ﴾ [آل عمران: 140]:

﴿ إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ﴾ [آل عمران: 140]:

فإن يمسسكم يوم أحد قرح؛ أي جرح، فقد مس القوم يوم بدر قرح مثله، ﴿ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ ﴾ [آل عمران: 140] قيل: هذا في الحرب، تكون مرة للمؤمنين لينصر الله عز وجل دينه، ومرة للكافرين إذا عصى المؤمنون ليبتليهم ويمحص ذنوبهم، فأما إذا لم يعصوا فإن حزب الله هم الغالبون، وقيل: نداولها بين الناس من فرح وغمٍّ، وصحة وسقم، وغنى وفقر، والدولة الكرة.

 

﴿ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ [آل عمران: 140] معناه: وإنما كانت هذه المداولة ليرى المؤمن من المنافق فيميز بعضهم من بعض، كما قال: ﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ * وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا ﴾ [آل عمران: 166، 167]، وقيل: ليعلم صبر المؤمنين، العلم الذي يقع عليه الجزاء كما علمه غيبًا قبل أن كلفهم؛ [تفسير القرطبي].

 

• ﴿ وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ ﴾ [آل عمران: 140]:

﴿ وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ ﴾ [آل عمران: 140]؛ أي يكرمكم بالشهادة، أي ليقتل قوم فيكونوا شهداء على الناس بأعمالهم، وقيل: لهذا قيل شهيد، وقيل: سمي شهيدًا لأنه مشهود له بالجنة، وقيل: سمي شهيدًا لأن أرواحهم احتضرت دار السلام، لأنهم أحياء عند ربهم، وأرواح غيرهم لا تصل إلى الجنة، فالشهيد بمعنى الشاهد أي الحاضر للجنة، وهذا هو الصحيح على ما يأتي والشهادة فضلها عظيم، ويكفيك في فضلها قوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ ﴾ [التوبة: 111]؛ الآية، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ﴾ [الصف: 10، 11] إلى قوله: ﴿ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾ [الصف: 12]، وفي صحيح البستي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما يجد الشهيد من القتل إلا كما يجد أحدكم من القرحة))، وروى النسائي عن راشد بن سعد عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلًا قال: يا رسول الله، ما بال المؤمنين يفتنون في قبورهم إلا الشهيد؟ قال: ((كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة)).

 

وما حدث نوع من التمحيص للمؤمنين وهلكة للكافرين:

﴿ وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ ﴾ [آل عمران: 141]:

﴿ وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ [آل عمران: 141]، وليختبر الله الذين صدقوا الله ورسوله، فيبتليهم بإدالة المشركين منهم، حتى يتبين المؤمن منهم المخلص الصحيح الإيمان، من المنافق.

 

﴿ وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ ﴾ [آل عمران: 141]؛ أي: فإنهم إذا ظفروا بغوا وبطروا، فيكون ذلك سبب دمارهم وهلاكهم، ومحقهم وفنائهم.

 

﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ﴾ [آل عمران: 142]؛ أي هل حسبتم أن تدخلوا الجنة ولم تبتلوا بالقتال والشدائد؛ كما قال تعالى: ﴿ الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ﴾ [العنكبوت: 1 - 3]، ولهذا قال ها هنا: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ﴾ [آل عمران: 142]؛ أي لا يحصل لكم دخول الجنة حتى تبتلوا، ويرى الله منكم المجاهدين في سبيله والصابرين على مقارنة الأعداء.

 

معاتبة الله عز وجل لمن جبن وتخاذل من المسلمين يوم أحد:

وبعد التسلية يأتي العتب: ﴿ وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ﴾ [آل عمران: 143].

 

﴿ وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ ﴾ [آل عمران: 143]؛ أي الشهادة من قبل أن تلقوه؛ أي من قبل القتل، وقيل: من قبل أن تلقوا أسباب الموت؛ وذلك أن كثيرًا ممن لم يحضروا بدرًا كانوا يتمنون يومًا يكون فيه قتال، فلما كان يوم أحد انهزموا، وكان منهم من تجلد حتى قُتل، ومنهم أنس بن النضر عم أنس بن مالك، فإنه قال لما انكشف المسلمون: اللهم إني أبرأ إليك مما جاء به هؤلاء، وباشر القتال وقال: إيهًا إنها ريح الجنة إني لأجدها، ومضى حتى استشهد، قال أنس: فما عرفناه إلا ببنانه ووجدنا فيه بضعًا وثمانين جراحة، وفيه وفي أمثاله نزل: ﴿ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ﴾ [الأحزاب: 23]، فالآية عتاب في حق من انهزم، لا سيما وكان منهم حمل للنبي صلى الله عليه وسلم على الخروج من المدينة؛ [تفسير القرطبي].

 

قال أبو جعفر: وإنما قيل: ﴿ وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ ﴾ [آل عمران: 143]، لأن قومًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ممن لم يشهد بدرًا، كانوا يتمنون قبل أحد يومًا مثل يوم بدر، فيبلوا الله من أنفسهم خيرًا، وينالوا من الأجر مثل ما نال أهل بدر، فلما كان يوم أحد فرَّ بعضهم، وصبر بعضهم حتى أوفى بما كان عاهد الله قبل ذلك، فعاتب الله من فر منهم فقال: ﴿ وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ ﴾ [آل عمران: 143]؛ الآية، وأثنى على الصابرين منهم والموفين بعهدهم.

 

وقال قتادة: ﴿ وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ ﴾ [آل عمران: 143]، قال: كانوا يتمنون أن يلقوا المشركين فيقاتلوهم، فلما لقوهم يوم أحد ولوا.

 

وعن الحسن قال: بلغني أن رجالًا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يقولون: لئن لقينا مع النبي صلى الله عليه وسلم لنفعلن ولنفعلن، فابتلوا بذلك، فلا والله ما كلهم صدق الله، فأنـزل الله عز وجل: ﴿ وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ﴾ [آل عمران: 143]؛ [تفسير الطبري].

 

والرسول بشر، أفئن مات تركتم الجهاد وانهزمتم؟

﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ﴾ [آل عمران: 144].

 

قال ابن كثير: لما انهزم من انهزم من المسلمين يوم أحد، وقُتل من قُتل منهم، نادى الشيطان: ألا إن محمدًا قد قُتل، ورجع ابن قميئة إلى المشركين فقال لهم: قتلت محمدًا، وإنما كان قد ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فشجه في رأسه، فوقع ذلك في قلوب كثير من الناس واعتقدوا أن رسول الله قد قُتل، وجوزوا عليه ذلك، كما قد قص الله عن كثير من الأنبياء عليهم السلام، فحصل وهن وضعف وتأخر عن القتال؛ ففي ذلك أنزل الله عز وجل على رسوله صلى الله عليه وسلم: ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ ﴾ [آل عمران: 144]؛ أي: له أسوة بهم في الرسالة وفي جواز القتل عليه؛ قال ابن أبي نجيح، عن أبيه، أن رجلًا من المهاجرين مر على رجل من الأنصار وهو يتشحط في دمه، فقال له: يا فلان أشعرت أن محمدًا صلى الله عليه وسلم قد قتل؟ فقال الأنصاري: إن كان محمد صلى الله عليه وسلم قد قتل فقد بلغ، فقاتلوا عن دينكم، فنزل: ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ ﴾ [آل عمران: 144]؛ [رواه الحافظ أبو بكر البيهقي في دلائل النبوة].

 

وروى عكرمة، عن ابن عباس أن عليًّا كان يقول في حياة رسول الله: ﴿ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ ﴾ [آل عمران: 144]، والله لا ننقلب على أعقابنا بعد إذ هدانا الله، والله لئن مات أو قتل لأقاتلن على ما قاتل عليه حتى أموت، والله إني لأخوه، ووليه، وابن عمه، ووارثه، فمن أحق به مني؟

 

وقد ثبت في الصحاح والمساند والسنن، أن الصديق رضي الله عنه تلا هذه الآية لما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 

قال الزهري: وحدثني أبو سلمة عن ابن عباس، أن أبا بكر خرج وعمر يحدث الناس فقال: اجلس يا عمر فأبى عمر أن يجلس، فأقبل الناس إليه وتركوا عمر، فقال أبو بكر: أما بعد، فمن كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت؛ قال الله تعالى: ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ ﴾ [آل عمران: 144]، إلى قوله: ﴿ وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ﴾ [آل عمران: 144]، قال: فوالله لكأن الناس لم يعلموا أن الله أنزل هذه الآية حتى تلاها أبو بكر، فتلقاها الناس منه كلهم، فما سمعها بشر من الناس إلا تلاها، وأخبرني سعيد بن المسيب أن عمر قال: والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها فعُقرت حتى ما تقلني رجلاي، وحتى هويت إلى الأرض؛ [تفسير ابن كثير].

 

صلى الله عليك يا سيدي يا رسول الله.

 

والإقدام والإحجام في ساحة الجهاد لا ينقص من العمر ولا يزيد فيه:

﴿ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ ﴾ [آل عمران: 145].

 

والكتاب المؤجل هو الأجل المكتوب.

 

هذه الآية تثبت قاعدة الأجل المكتوب: لا يموت أحد إلا بقدر الله، وحتى يستوفي المدة التي ضربها الله له، فكل إنسان مقتول أو غير مقتول ميت إذا بلغ أجله المكتوب له، ومعنى مؤجلًا، أي إلى أجل؛ كما في قوله تعالى: ﴿ وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ [المنافقون: 11].

 

يقول القرطبي: "وأجَل الموت هو الوقت الذي في معلومه سبحانه، أن روح الحي تفارق جسده، ومتى قتل العبد علمنا أن ذلك أجله، ولا يصح أن يقال: لو لم يُقتل لعاش... والمعتزلي يقول: يتقدم الأجل ويتأخر، وإن من قتل فإنما يهلك قبل أجله، وكذلك كل ما ذُبح من الحيوان كان هلاكه قبل أجله، لأنه يجب على القاتل الضمان والدية، وقد بيَّن الله تعالى في هذه الآية أنه لا تهلك نفس قبل أجلها"؛ [انتهى].

 

وفي هذه الآية حض على الجهاد، وإعلام أن الإقدام والإحجام لا ينقص من العمر ولا يزيد فيه.

 

﴿ وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا ﴾ [آل عمران: 145]:

نزلت في الذين تركوا المركز طلبًا للغنيمة، وقيل: هي عامة في كل من أراد الدنيا دون الآخرة، والمعنى نؤته منها ما قسم له، وفي التنزيل: ﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ﴾ [الإسراء: 18].

 

﴿ وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ ﴾ [آل عمران: 145] أي نؤته جزاء عمله، على ما وصف الله تعالى من تضعيف الحسنات لمن يشاء، وقيل: المراد منها عبدالله بن جبير ومن لزم المركز معه حتى قُتلوا، ﴿ وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ ﴾ [آل عمران: 145]؛ أي نؤتيهم الثواب الأبدي جزاء لهم على ترك الانهزام، فهو تأكيد ما تقدم من إيتاء مزيد الآخرة؛ [تفسير القرطبي].

 

القوة والثبات والصبر صفات المؤمنين المجاهدين الصادقين في نية الجهاد:

﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ * وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [آل عمران: 146 - 148].

 

يقول ابن كثير: "إن الله عز وجل عاتب بهذه الآيات والتي قبلها من انهزم يوم أحد، وتركوا القتال أو سمعوا الصائح يصيح: إن محمدًا قد قتل، فعذلهم الله على فرارهم وتركهم القتال فقال لهم: أفإن مات أو قتل أيها المؤمنون ارتددتم عن دينكم، وانقلبتم على أعقابكم؟ فكم من نبي قُتل بين يديه من أصحابه ﴿ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ ﴾ [آل عمران: 146]؛ أي: جموع كثيرة، ﴿ فَمَا وَهَنُوا ﴾ [آل عمران: 146] بعد نبيهم، ﴿ وَمَا ضَعُفُوا ﴾ [آل عمران: 146] عن عدوهم، ﴿ وَمَا اسْتَكَانُوا ﴾ [آل عمران: 146] لما أصابهم في الجهاد عن الله وعن دينهم، وذلك الصبر، والله يحب الصابرين.

 

﴿ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا ﴾ [آل عمران: 146] قال قتادة والربيع بن أنس: وما ضعفوا بقتل نبيهم وما استكانوا، يقول: فما ارتدوا عن نصرتهم ولا عن دينهم، أن قاتلوا على ما قاتل عليه نبي الله حتى لحقوا بالله.

 

﴿ وَمَا اسْتَكَانُوا ﴾ [آل عمران: 146]؛ أي وما ذلوا لعدوهم، قال قتادة والسدي: أي ما أصابهم ذلك حين قتل نبيهم، ﴿ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ﴾ [آل عمران: 146]"؛ [انتهى، ابن كثير].

 

ويرى القرطبي أن الآية تشجيع المؤمنين، والأمر بالاقتداء بمن تقدم من خيار أتباع الأنبياء، أي كثير من الأنبياء قتل معه ربيون كثير، أو أن يكون المعنى: كثير من الأنبياء قتلوا فما ارتدت أممهم، وهذا يقول به قتادة وعكرمة.

 

المؤمنون يستنصرون الله في مواقع القتال بالاستغفار والدعاء:

﴿ وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [آل عمران: 147، 148].

 

• فالمجاهد يبقى بين الخوف من ذنوبه ورجائه من الله المغفرة.

 

• علم المجاهد أن الذنوب والإسراف من أعظم أسباب الخذلان، وأن التخلي منها من أسباب النصر، فكان الاستغفار والدعاء أكثر ما يشغله.

 

• والمجاهد لا يرى نفسه قويًّا بذاته، لا يغتر لا بصبره ولا بإيمانه، ولا بعدده ولا بعدته، وإنما يلجأ إلى الله بالدعاء طالبًا منه التثبيت والنصر.

 

فماذا كان جزاؤهم؟ ﴿ فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [آل عمران: 148]؛ أي أعطاهم ثواب الدنيا، يعني النصر والظفر على عدوهم، ﴿ وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ ﴾ [آل عمران: 148] يعني الجنة.

 

تثبيت المؤمنين بنهيهم عن طاعة الكافرين، وعدم الطمع بولايتهم لأن الله وحده هو مولى المؤمنين:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ * سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ ﴾ [آل عمران: 149 - 151].

 

لما أمر الله تعالى بالاقتداء بمن تقدم من أنصار الأنبياء، حذر أهل الإيمان الذين صدقوا الله ورسوله في وعد الله ووعيده، وأمره ونهيه من طاعة الكافرين والمنافقين؛ فإن طاعتهم تورِث الردى في الدنيا والآخرة.

 

فقال لهم: ﴿ إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ [آل عمران: 149]، يعني: الذين جحدوا نبوة نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم من اليهود والنصارى - فيما يأمرونكم به وفيما ينهونكم عنه - فتقبلوا رأيهم في ذلك، وتنتصحوهم فيما يزعمون أنهم لكم فيه ناصحون، ﴿ يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ ﴾ [آل عمران: 149]، يقول: يحملوكم على الردة بعد الإيمان، والكفر بالله وآياته وبرسوله بعد الإسلام ﴿ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ ﴾ [آل عمران: 149]، يقول: فترجعوا عن إيمانكم ودينكم الذي هداكم الله له خاسرين، يعني: هالكين، قد خسرتم أنفسكم، وضللتم عن دينكم، وذهبت دنياكم وآخرتكم؛ قاله الطبري في تفسيره.

 

﴿ بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ ﴾ [آل عمران: 150]، فالله فقط هو مولاكم الذي يتولى نصركم وحفظكم إن أطعتموه.

 

تجلي موالاة الله للمؤمنين في صرفه المشركين عنهم عندما هموا بالعودة بإلقاء الرعب في قلوبهم:

ثم تعرض الآيات مباشرة كيف كان الله جل في علاه في معية المؤمنين عندما هم المشركون بالعودة إلى ساحة المعركة لاستئصال شأفة المسلمين، فصرفهم الله عز وجل بالرعب؛ يقول تعالى: ﴿ سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ ﴾ [آل عمران: 151].

 

قال السدي وغيره: لما ارتحل أبو سفيان والمشركون يوم أحد متوجهين إلى مكة، انطلقوا حتى إذا كانوا ببعض الطريق ندموا وقالوا: بئس ما صنعنا قتلناهم حتى إذا لم يبق منهم إلا الشريد تركناهم، ارجعوا فاستأصلوهم، فلما عزموا على ذلك ألقى الله في قلوبهم الرعب حتى رجعوا عما هموا به.

 

وقوله ﴿ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ ﴾ [آل عمران: 151] تعليل، أي كان سبب إلقاء الرعب في قلوبهم هو إشراكهم بالله ﴿ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا ﴾ [آل عمران: 151]؛ أي حجة وبيانًا، وعذرًا وبرهانًا؛ [تفسير القرطبي].

 

وروى العوفي، عن ابن عباس في قوله: ﴿ سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ ﴾ [آل عمران: 151] قال: قذف الله في قلب أبي سفيان الرعب، فرجع إلى مكة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن أبا سفيان قد أصاب منكم طرفًا، وقد رجع، وقذف الله في قلبه الرعب))؛ [رواه ابن أبي حاتم].

 

لماذا انقلب النصر إلى هزيمة في أحد؟

لو عدنا أدراجنا إلى مقدمة السورة في قوله تعالى: ﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ ﴾ [آل عمران: 14]، لوجدنا الجواب؛ هي الدنيا وزينتها.

 

وتحكي لنا الآيات ما حدث بالتفصيل:

﴿ وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [آل عمران: 152].

 

قال محمد بن كعب القرظي: لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة بعد أحد وقد أُصيبوا قال بعضهم لبعض: من أين أصابنا هذا وقد وعدنا الله النصر؟ فنزلت هذه الآية؛ وذلك أنهم قتلوا صاحب لواء المشركين وسبعة نفر منهم بعده على اللواء، وكان الظفر ابتداء للمسلمين غير أنهم اشتغلوا بالغنيمة، وترك بعض الرماة أيضًا مركزهم طلبًا للغنيمة؛ فكان ذلك سبب الهزيمة.

 

روى البخاري عن البراء بن عازب قال: ((لما كان يوم أحد ولقينا المشركين، أجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم أناسًا من الرماة، وأمر عليهم عبدالله بن جبير وقال لهم: لا تبرحوا من مكانكم إن رأيتمونا ظهرنا عليهم فلا تبرحوا، وإن رأيتموهم قد ظهروا علينا فلا تعينونا عليهم، قال: فلما التقى القوم وهزمهم المسلمون حتى نظرنا إلى النساء يشتددن في الجبل، وقد رفعن عن سوقهن قد بدت خلاخلهن فجعلوا يقولون: الغنيمة الغنيمة، فقال لهم عبدالله: أمهلوا أمَا عهِد إليكم رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا تبرحوا؟ فانطلقوا فلما أتوهم صرف الله وجوههم وقُتل من المسلمين سبعون رجلًا، ثم إن أبا سفيان بن حرب أشرف علينا وهو في نشز فقال: أفي القوم محمد؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تجيبوه حتى قالها ثلاثًا، ثم قال: أفي القوم ابن أبي قحافة؟ ثلاثًا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا تجيبوه، ثم قال: أفي القوم عمر بن الخطاب؟ ثلاثًا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا تجيبوه، ثم التفت إلى أصحابه فقال: أما هؤلاء فقد قُتلوا، فلم يملك عمر رضي الله عنه نفسه دون أن قال: كذبت يا عدو الله، قد أبقى الله لك من يخزيك به، فقال: اعلُ هبلُ، مرتين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أجيبوه فقالوا: ما نقول يا رسول الله؟ قال: قولوا الله أعلى وأجل، قال أبو سفيان: لنا العزى ولا عزى لكم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أجيبوه، قالوا: ما نقول يا رسول الله؟ قال: قولوا الله مولانا ولا مولى لكم، قال أبو سفيان: يوم بيوم بدر، والحرب سجال، أما إنكم ستجدون في القوم مثلة لم آمر بها ولم تسؤني))، وفي البخاري ومسلم عن سعد بن أبي وقاص قال: ((رأيت عن يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن شماله يوم أحد رجلين عليهما ثياب بيض، يقاتلان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد القتال)) وفي رواية عن سعد: ((عليهما ثياب بيض ما رأيتهما قبل ولا بعد))؛ يعني جبريل وميكائيل، وفي رواية أخرى: ((يقاتلان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد القتال، ما رأيتهما قبل ذلك اليوم ولا بعده))، وعن مجاهد قال: لم تقاتل الملائكة معهم يومئذٍ، ولا قبله ولا بعده إلا يوم بدر، قال البيهقي: إنما أراد مجاهد أنهم لم يقاتلوا يوم أحد عن القوم حين عصوا الرسول ولم يصبروا على ما أمرهم به.

 

وعن عروة بن الزبير قال: وكان الله عز وجل وعدهم على الصبر والتقوى أن يمدهم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين، وكان قد فعل، فلما عصوا أمر الرسول وتركوا مصافهم وتركوا الرماة عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم ألَّا يبرحوا من منازلهم، وأرادوا الدنيا، رفع عنهم مدد الملائكة، وأنزل الله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ ﴾ [آل عمران: 152] فصدق الله وعده وأراهم الفتح، فلما عصوا أعقبهم البلاء، وعن عمير بن إسحاق قال: لما كان يوم أحد انكشفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وسعد يرمي بين يديه، وفتى ينبل له، كلما ذهبت نبلة أتاه بها، قال: ارمِ أبا إسحاق، فلما فرغوا نظروا من الشاب، فلم يروه ولم يعرفوه.

 

لكن فضل الله على المؤمنين عظيم، غفر لهم ما كان منهم وعفا عنهم: ﴿ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [آل عمران: 152]؛ أي لم يستأصلكم بعد المعصية والمخالفة، والخطاب قيل هو للجميع، وقيل: هو للرماة الذين خالفوا ما أمروا به، واختاره النحاس، وقال أكثر المفسرين: ونظير هذه الآية قوله: ﴿ ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ ﴾ [البقرة: 52]، ﴿ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [آل عمران: 152] بالعفو والمغفرة، وعن ابن عباس قال: ما نُصر النبي صلى الله عليه وسلم في موطن كما نصر يوم أحد، قال: وأنكرنا ذلك، فقال ابن عباس: بيني وبين من أنكر ذلك كتاب الله عز وجل، إن الله عز وجل يقول في يوم أحد: ﴿ وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ ﴾ - يقول ابن عباس: والحس القتل - ﴿ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [آل عمران: 152]، وإنما عنى بهذا الرماة، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أقامهم في موضع، ثم قال: احموا ظهورنا فإن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا، وإن رأيتمونا قد غنمنا فلا تشركونا، فلما غنم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأباحوا عسكر المشركين، انكفأت الرماة جميعًا فدخلوا في العسكر ينتهبون، وقد التقت صفوف أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فهم هكذا - وشبك أصابع يديه – والتبسوا، فلما أخل الرماة تلك الخلة التي كانوا فيها، دخلت الخيل من ذلك الموضع على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فضرب بعضهم بعضًا والتبسوا، وقُتل من المسلمين ناس كثير، وقد كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه أول النهار حتى قتل من أصحاب لواء المشركين سبعة أو تسعة، وجال المسلمون نحو الجبل، ولم يبلغوا حيث يقول الناس: الغار، إنما كانوا تحت المهراس وصاح الشيطان: قُتل محمد، فلم يشك فيه أنه حق، فما زلنا كذلك ما نشك أنه قتل حتى طلع علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بين السعدين، نعرفه بتكفئه إذا مشى، قال: ففرحنا حتى كأنا لم يصبنا ما أصابنا، قال: فرقي نحونا وهو يقول: ((اشتد غضب الله على قوم دموا وجه نبيهم))، وقال كعب بن مالك: أنا كنت أول من عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من المسلمين، عرفته بعينيه من تحت المغفر تزهران فناديت بأعلى صوتي: يا معشر المسلمين أبشروا، هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أقبل، فأشار إليَّ أن اسكت؛ [تفسير القرطبي].

 

الهزيمة:

﴿ إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ [آل عمران: 153].

 

﴿ إِذْ تُصْعِدُونَ ﴾ [آل عمران: 153]؛ أي: في الجبل هاربين من أعدائكم، ﴿ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ ﴾ [آل عمران: 153]؛ أي: وأنتم لا تلوون على أحد من الدهش والخوف والرعب، ﴿ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ ﴾ [آل عمران: 153]؛ أي: وهو قد خلفتموه وراء ظهوركم يدعوكم إلى ترك الفرار من الأعداء، وإلى الرجعة والعودة والكرة؛ قال السدي: لما شد المشركون على المسلمين بأحد فهزموهم، دخل بعضهم المدينة، وانطلق بعضهم فوق الجبل إلى الصخرة فقاموا عليها، وجعل الرسول صلى الله عليه وسلم يدعو الناس: ((إليَّ عباد الله، إليَّ عباد الله))، فذكر الله صعودهم على الجبل، ثم ذكر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم إياهم فقال: ﴿ إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ ﴾ [آل عمران: 153]، وكذا قال ابن عباس، وقتادة والربيع، وابن زيد.

 

فجازاكم غمًّا على غم، قال ابن عباس: الغم الأول: بسبب الهزيمة، وحين قيل: قُتل محمد صلى الله عليه وسلم، والثاني: حين علاهم المشركون فوق الجبل، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((اللهم ليس لهم أن يعلونا)).

 

وقال ابن عباس، وعبدالرحمن بن عوف، والحسن، وقتادة، والسدي: ﴿ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ ﴾ [آل عمران: 153]؛ أي: على ما فاتكم من الغنيمة بعدوكم ﴿ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ ﴾ [آل عمران: 153] من القتل والجراح، ﴿ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ [آل عمران: 153]؛ [تفسير ابن كثير].

 

صورة المؤمن والمنافق بعد الهزيمة:

﴿ ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴾ [آل عمران: 154].

 

ثم منة أخرى من الله عز وجل على المؤمنين بعد منة العفو وهي السكينة والأمنة عليهم.

 

﴿ ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ ﴾ [آل عمران: 154]، وهذه منة الله فيما أنزل على المؤمنين من السكينة والأمنة، وهو النعاس الذي غشيهم وهم مستلئمو السلاح في حال همهم وغمهم، والنعاس في مثل تلك الحال دليل على الأمان؛ كما قال تعالى في سورة الأنفال، في قصة بدر: ﴿ إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ ﴾ [الأنفال: 11].

 

قال البخاري: قال لي خليفة: حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن أنس، عن أبي طلحة، رضي الله عنه، قال: "كنت فيمن تغشاه النعاس يوم أحد، حتى سقط سيفي من يدي مرارًا، يسقط وآخذه، ويسقط وآخذه".

 

﴿ ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ ﴾ [آل عمران: 154]؛ يعني: أهل الإيمان واليقين، والثبات والتوكل الصادق، وهم الجازمون بأن الله سينصر رسوله وينجز له مأموله، ولهذا قال: ﴿ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ ﴾ [آل عمران: 154]؛ يعني: لا يغشاهم النعاس من القلق والجزع والخوف ﴿ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ ﴾ [آل عمران: 154]، وطائفة قد أهمتهم أنفسهم وهؤلاء هم المنافقون: معتب بن قشير وأصحابه، وكانوا خرجوا طمعًا في الغنيمة وخوف المؤمنين، فلم يغشهم النعاس وجعلوا يتأسفون على الحضور، ويقولون الأقاويل، ومعنى ﴿ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ ﴾ [آل عمران: 154]؛ أي: حملتهم على الهم، والهم ما هممت به، يقال: أهمني الشيء؛ أي كان من همي، وأمر مهم: شديد، وأهمني الأمر: أقلقني.

 

المنافقون يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية:

وكانت هذه الطائفة يظنون أن أمر محمد صلى الله عليه وسلم باطل، وأنه لا ينصَر، ﴿ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ ﴾ [آل عمران: 154]؛ أي ظن أهل الجاهلية، ﴿ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ ﴾ [آل عمران: 154]؛ أي ما لنا شيء من الأمر، أي من أمر الخروج، وإنما خرجنا كرهًا، يدل عليه قوله تعالى إخبارًا عنهم: ﴿ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَا هُنَا ﴾ [آل عمران: 154] قال الزبير: أُرسل علينا النوم ذلك اليوم، وإني لأسمع قول معتب بن قشير والنعاس يغشاني يقول: لو كان لنا من الأمر شيء ما قُتلنا ها هنا.

 

وقال ابن عباس في قوله: ﴿ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ ﴾ [آل عمران: 154]: يعني التكذيب بالقدر؛ وذلك أنهم تكلموا فيه، فقال الله تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ ﴾ [آل عمران: 154]؛ يعني القدر خيره وشره من الله، ﴿ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ ﴾ [آل عمران: 154]؛ أي من الشرك والكفر والتكذيب، ﴿ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ ﴾ [آل عمران: 154] يظهرون لك، ﴿ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَا هُنَا ﴾ [آل عمران: 154]؛ أي ما قتل عشائرنا، فقيل: إن المنافقين قالوا: لو كان لنا عقل ما خرجنا إلى قتال أهل مكة، ولما قُتل رؤساؤنا، فرد الله عليهم فقال: ﴿ قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ ﴾ [آل عمران: 154]؛ أي لخرج، ﴿ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ ﴾ [آل عمران: 154]؛ يعني في اللوح المحفوظ، ﴿ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ ﴾ [آل عمران: 154]؛ أي مصارعهم، وقيل: لو تخلفتم أيها المنافقون لبرزتم إلى موطن آخر غيره تصرعون فيه؛ حتى يبتلي الله ما في الصدور ويظهره للمؤمنين.

 

عن ابن عباس في قوله: ﴿ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ ﴾ [آل عمران: 154]؛ يعني التكذيب بالقدر، وذلك أنهم تكلموا فيه، فقال الله تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ ﴾ [آل عمران: 154]؛ يعني القدر خيره وشره من الله، وفي كل ما حدث ابتلاء وتمحيص: ﴿ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ ﴾ [آل عمران: 154]؛ أي يختبركم بما جرى عليكم، وليميز الخبيث من الطيب، ويظهر أمر المؤمن والمنافق للناس في الأقوال والأفعال، ﴿ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴾ [آل عمران: 154]؛ أي: بما يختلج في الصدور من السرائر والضمائر.

 

توبة الله على المسلمين الذين هربوا إلى المدينة بعد الهزيمة:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴾ [آل عمران: 155].

 

ثم قال: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ ﴾ [آل عمران: 155] عن عمر رضي الله عنه وغيره.

 

السدي: يعني من هرب إلى المدينة في وقت الهزيمة دون من صعد الجبل، ﴿ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا ﴾ [آل عمران: 155]؛ أي: ببعض ذنوبهم السالفة، كما قال بعض السلف: إن من ثواب الحسنة، الحسنة بعدها، وإن من جزاء السيئة السيئة بعدها، ثم قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ ﴾ [آل عمران: 155]؛ أي: عما كان منهم من الفرار ﴿ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴾ [آل عمران: 155]؛ أي: يغفر الذنب ويحلم عن خلقه، ويتجاوز عنهم.

 

يتبع بإذن الله.





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • وقفات ودروس من سورة آل عمران (1)
  • وقفات ودروس من سورة آل عمران (2)
  • وقفات ودروس من سورة آل عمران (3)
  • وقفات ودروس من سورة آل عمران (4)
  • وقفات ودروس من سورة آل عمران (5)
  • وقفات ودروس من سورة آل عمران (6)
  • وقفات ودروس من سورة آل عمران (7)
  • وقفات ودروس من سورة آل عمران (8)
  • وقفات ودروس من سورة آل عمران (9)

مختارات من الشبكة

  • عبر ودروس من قصة آل عمران عليهم السلام (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • وقفات تفسيرية مع سورة الصافات(مقالة - مكتبة الألوكة)
  • وقفات تربوية مع سورة الناس (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • وقفات تربوية مع سورة الفلق(مقالة - آفاق الشريعة)
  • وقفات تربوية مع سورة المسد (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • وقفات تربوية مع سورة الإخلاص (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • خطبة: وقفات وعبر من سورة القتال (محمد)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • وقفات مع سورة المرسلات (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • وقفات تربوية مع سورة النصر (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • وقفات تربوية مع سورة الكافرون (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • مساجد فيكتوريا تنشر الإسلام وتعزز الروابط المجتمعية في يوم المسجد المفتوح
  • مناقشة الفضائل الأخلاقية والإيمانية للإمام في ندوة علمية بعاصمة الجبل الأسود
  • ورشة عمل تحضيرية لاستقبال شهر رمضان في مدينة بوينس آيرس الأرجنتينية
  • قمة شبابية دولية في أستراليا لتعزيز الهوية والقيادة الإسلامية
  • ندوة علمية في ساراتوف تبحث أحكام الزكاة وآليات تطبيقها
  • مفكرة يومية ترافق الصائمين في رحلتهم الإيمانية خلال رمضان في تتارستان
  • أئمة بلغاريا يطورون مهاراتهم الدعوية ضمن الموسم السابع من «الإمام الفاعل»
  • حملة «تنظيف المساجد» تعود من جديد في تتارستان استعدادا لشهر رمضان

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1447هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 24/8/1447هـ - الساعة: 10:52
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب