• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | مقالات شرعية   دراسات شرعية   نوازل وشبهات   منبر الجمعة   روافد   من ثمرات المواقع  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    شروط جواز التيمم
    سيد ولد عيسى
  •  
    الهداية: مفهومها ومراتبها وأسبابها
    عبدالقادر دغوتي
  •  
    أحكام الزكاة (1)
    تركي بن إبراهيم الخنيزان
  •  
    تفسير قوله تعالى: {لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ...
    سعيد مصطفى دياب
  •  
    إطلالة على مشارف السبع المثاني (2) {الحمد لله رب ...
    وضاح سيف الجبزي
  •  
    الزواج سنة من سنن المرسلين - أحاديث عن شهر شعبان ...
    د. صغير بن محمد الصغير
  •  
    كلام الرب سبحانه وتعالى (2) كلامه عز وجل مع ...
    الشيخ د. إبراهيم بن محمد الحقيل
  •  
    روائع من همة السلف
    د. سعد الله المحمدي
  •  
    سلسلة هدايات القرآن (12) هدايات سورة الفاتحة: ...
    حمادة إسماعيل فودة
  •  
    لا غنى للعبد عن التوحيد والإخلاص
    إبراهيم الدميجي
  •  
    شموع (117)
    أ. د. عبدالحكيم الأنيس
  •  
    تفسير سورة القارعة
    أبو عاصم البركاتي المصري
  •  
    عبارات السلف الأربع في تأويل الاستواء
    الشيخ عبدالعزيز السلمان
  •  
    شعبان.. مضمار تنافس أهل الإيمان (خطبة)
    د. علي برك باجيدة
  •  
    شهر شعبان أخطر شهور العام
    أ. د. حلمي عبدالحكيم الفقي
  •  
    بين روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النار
    د. أمير بن محمد المدري
شبكة الألوكة / آفاق الشريعة / منبر الجمعة / الخطب / تفسير القرآن
علامة باركود

إطلالة على مشارف السبع المثاني (2) {الحمد لله رب العالمين} (خطبة)

إطلالة على مشارف السبع المثاني (2) {الحمد لله رب العالمين} (خطبة)
وضاح سيف الجبزي

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 4/2/2026 ميلادي - 17/8/1447 هجري

الزيارات: 236

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

إطلالة على مشارف السبع المثاني (2)

﴿ الْحَمْدُ لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾


لك الحمدُ حمدًا نستلِذُّ به ذِكرا
وإن كنتُ لا أحصي ثناءً ولا شُكرا
لك الحمد حمدًا طيبًا يملأُ السما
وأقطارَها والأرضَ والبرَّ والبحرا
لك الحمد حمدًا سرمديًّا مباركا
يَقِلُّ مدادُ البحر عن كَتبه حصرا
لك الحمد تعظيمًا لوجهك قائمًا
بحقِّك في السراء مِنَّا وفي الضرا
له الحمد مقرونًا بشكرك دائمًا
لك الحمد في الأُولى لك الحمد في الأُخرى
لك الحمد حمدًا طيبًا أنت أهلُهُ
على كل حال يشمل السر والجهرا
لك الحمد موصولًا بغير نهايةٍ
وأنت إلهي ما أحقَّ وما أحرى
لك الحمد يا ذا الكبرياءِ ومَن يكن
بحمدك ذا شكرٍ فقد أحرز الشُّكرا
لك الحمد أضعافًا مضاعفةً على
لطائف ما أهنا لدينا وما أمرا
لك الحمد ما أولاك بالحمد والثَّنا
على نعم أتْبعتَها نعمًا تَتْرى
لك الحمد حمدًا أنت وفقتنا له
وعلَّمتنا من حمدك النَّظْم والنَّثْرا
لك الحمدُ حمدًا نبتغيه وسيلةً
إليك لتجديد اللطائفِ والبُشْرى
لك الحمدُ كم قلَّدتنا من صنيعةٍ
وأبدلتنا بالعسر يا سيدي يسرا!
لك الحمدُ كم من عثرةٍ قد أقلتنا
ومن زلةٍ ألبستنا معها سترا!
إلهي تغمدنا برحمتك التي
وسِعْت وأوسعتَ البرايا بها بِرّا
وصلِّ على روح الحبيب محمدٍ
حميدِ المساعي ملتقى مضر الحمرا
صلاةً وتسليمًا عليه ورحمةً
مباركة تنمو فتستغرقُ الدهرا
وتشمل كلَّ الآلِ ما هبت الصَّبا
وما سرت الرُّكبان في الليلة الغرَّا

 

وبعد: فهذه هي الإطلالة الثانية على مشارف السبع المثاني، وشاطئ الهدى الفرقاني، وخلاصة التنزيل الرباني، ومستودع الخيرات والأماني، وأصل الأصول والمباني، وكنز الحقائق والمعاني، ومفاتيح الإبحار البياني، وأسرار الإبداع العرفاني، وأنوار المنطق الوجداني، وينابيع الاستدلال البرهاني، ومع مطلع الآيات، وأنوار التجليات: ﴿ الْحَمْدُ لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾.

 

إنها كلمة الحمد، وفاتحة الفاتحة، وبوابة الولوج على الملك، ومعراج الوصول إلى الله، وهي كلمة الحبِّ والرِّضا، والمدح والثناء، والشكر والعرفان.. كلمة القلب الشاكر، واللسان الذاكر، والثناء الأسمى على الله؛ لجمال أسمائه الحسنى، وجلال صفاته العليا، وكلمة الشكر العظمى لله؛ بما أنعم على عباده من النعم التي لا يحصيها العدد، ولا يُحيط بملكوتها غيرُها أحد.

 

﴿ الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾، والحمد لغة: الثناء باللِّسان على الجميل الاختياريِّ، على جهة التبجيل والتعظيم، سواء تعلَّق بالفضائل أم بالفواضل.

 

وعرفًا: فعل ينبئ عن تعظيم المنعِم من حيث إنه منعِم على الحامد أو غيره[1].

 

والحمد يتضمن مدح المحمود بصفات كماله، ونعوت جلاله، مع محبته، والرِّضا عنه، والخضوع له[2].

 

وحمد الله عبارة عن: تعريفه وتوصيفه بنُعوت جلاله، وصفات جماله، وسمات كماله الجامِع لها، سواء كان بالحال أو بالمقال، وهو معنى يعُمُّ الثناء بأسمائه فهي جليلة، والشُّكرَ على نعمائه فهي جزيلة، والرِّضا بأقضيته فهي حميدة، والمدحَ بأفعاله فهي جميلة[3].

 

﴿ الْحَمْدُ للهِ ﴾ إنها الكلمة الجامعة لكل حمد يليق بشؤون الربوبية والألوهية، والمانعة من دخول كل ما سواه فيما يستحقه من الحمد والثناء، والتعظيم والتبجيل. فالحمد لله رب العالمين.

 

عباد الله، والألف واللام في قوله جل جلاله: ﴿ الْحَمْدُ للهِ ﴾ للاستغراق: استغراق جميع أجناس الحمد وثبوتها لله- تعالى- تعظيمًا وتمجيدًا[4].

 

واللام في قوله: ﴿ للهِ ﴾ للاختصاص والاستحقاق؛ لأن الحمد المطلق مختصٌّ بالله وحده، والمستحق للحمد حقيقة هو الله جل جلاله؛ كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أَهْل الثَّناءِ وَالمَجْدِ»[5].

 

أيها المسلمون، والحمد باللسان قولًا، قال الله: ﴿ وَقُلِ الْحَمْدُ للهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا ﴾ [الإسراء:111]،وقال: ﴿ قُلِ الْحَمْدُ للهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى ﴾ [النمل: 59]، والشكر بالأركان فعلًا، قال الله: ﴿ اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا ﴾ [سبأ: 13]. وقيل: الحمد على ما حبا، وهو النعماء، والشكر على ما زوى، وهو الآلاء، والحمد على النعماء الظاهرة، والشكر على النعماء الباطنة، قال الله تعالى: ﴿ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ﴾ [لقمان: 20][6].

 

فالحمد لله على مِنَنِه التي تملأ الآفاق، والشكر له على نعمه التي تطوِّق القلوب والأعناق.

نعمٍ توالى لو نقوم بحقِّها
لله بتْنا راكعين وسُجَّدا

فله الحمد على كماله وحوله، وله الشكر على إنعامه وطوله، وله الحمد لظهور سلطانه، وله الشكر لوفور إحسانه، وله الحمد لجلاله وجماله، وله الشكر لجزيل نواله، ولعزيز أفضاله.

والشُّكْرُ صرفُ العبدِ ما أولاهُ
مولاهُ مِن نعماهُ في رضاهُ

يقول ابن القيِّم- رحمه الله-: الشُّكر ظهور أثر نعمة الله على لسان عبده ثناءً واعترافًا، وعلى قلبه شهودًا ومحبَّةً، وعلى جوارحه انقيادًا وطاعة[7]. كما قيل:

أفادتْكمُ النَّعماءُ منِّي ثلاثةً:
يدي ولساني والضَّميرَ المحجَّبا
وما كان شكري وافيًا بنوالِكم
ولكنَّني حاولت في الجُهد مَذهبا

 

قال القرطبي- رحمه الله-: وقيل: لمّا عَلِم- سبحانه- عجْز عباده عن حمده، حمِد نفسه بنفسه لنفسه في الأزل، فاستفراغ طوق عباده هو محلُّ العجز عن حمده، ألا ترى سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم كيف أظهر العجز بقوله: «لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ»؟[8] وأنشدوا:

إذا نحن أثنينا عليك بصالحٍ
فأنت كما نُثني وفوق الذي نثني

وقيل: حمِد نفسه في الأزل؛ لِما علم مِن كثرة نعمه على عباده، وعجزهم عن القيام بواجب حمده، فحمد نفسه عنهم، لتكونَ النعمة أهنأ لديهم، حيث أسقط عنهم به ثِقَل المنَّة[9].

 

فيا لها من كلمة جمعت ما تضيق عن حدِّه المحابر والسطور، وتعجز دون عدِّه الدفاتر والصدور، وحسبك أن الله جعلها مستفتح القرآن، وآخر دعاء أهل الجنان.

فالحمدُ لله حمدًا طاب وانتشرا
على ترادُف جودٍ في الوجود سَرى

فالحمد لله ذي الفضل والنِّعَم، والحمد لله ذي المجد والكرم، والحمد لله الذي تعطَّف بالعزِّ وقال به، والحمد لله الذي لبس المجد وتكرَّم به، والحمد لله ذي الجلال والإكرام.

 

﴿ الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ والرَّبُّ هو: الخالق المربِّي، والمدبِّر لعباده، والمتصرِّف فيهم بمقتضى حكمته، ونظام سننه[10]، المتفرِّد بالخلق والملك والتدبير: ﴿ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ﴾[الأعراف:54]، ﴿ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ﴾[يونس: 3]: المستحق للعبادة: ﴿ ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ ﴾ [الأنعام: 102].

له الحمدُ فيَّاضًا مدى العمرِ كلِّه
وتعجِزُ عن تَعدادها كفُّ حاسبِ

أيها الأحِبَّة، إن فاتحة الكتاب تعلِّمنا أن الحمد المطلق لا يصحُّ أن يكون إلَّا لله؛ فإن الذي يُحمد ويُمدح ويُعظَّم في الدنيا إنما يكون لأحد وجوهٍ أربعة: إما لكونه كاملًا في ذاته وفي صفاته، منزَّهًا عن جميع النقائص والآفات، وإن لم يكن منه إحسان إليك، وإما لكونه محسنًا إليك ومنعمًا عليك، وإما لأنك ترجو وصول إحسانه إليك في المستقبل من الزمان، وإما لأجل أنك تكون خائفًا من قهره وقدرته وكمال سطوته، فهذه الحالات هي الجهات الموجبة للتعظيم، فكأنه تعالى يقول: إن كنتم ممن يُعظِّمون الكمال الذاتي فاحمدوني فإني إله العالمين، وهو المراد من قوله: «الحمد لله»، وإن كنتم ممن تعظِّمون للإحسان فأنا «ربُّ العالمين»، وإن كنتم تعظِّمون للطَّمع في المستقبل فأنا «الرَّحمنُ الرَّحيم»، وإن كنتم تعظمون للخوف فأنا «مالك يوم الدِّين»[11].

 

فسبحان المتَّصف بجميع نعوت الجلال، وصفات الكمال، المنزَّه عن النقائص والمحال، المتعالي على الأشباه والأمثال، له الأسماء الحسنى، والمثل الأعلى، وله الحمد في الآخرة والأولى.

له الحمدُ كلّ الحمدِ لا مُبتدا لهُ
ولا مُنتهى واللهُ بالحمدِ أجدرُ

معاشر المؤمنين، إن الله جل جلاله هو الحميد المجيد، وهو المحمود على كل حال، وكتابه بدأ بالحمد، وكلمة التوحيد تقرن بالحمد: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد»، وأول سورة في ترتيب المصحف الشريف مبدوءة بالحمد، وبها افتتحت خمس سُور من القرآن، واختتمت بها خمس سُور كذلك، وتكرَّرت هذه الآية بلفظها في ستة مواضع، وتكرَّرت كلمة «الحمد لله» في ثلاثةٍ وعشرين موضعًا، والحمد هو أول الكلام ونهايته، وأول الخلق وخاتمته.

 

فقد حمد الله- تعالى- ذاته العليا في أول الخلق، فقال: ﴿ الْحَمْدُ للهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ﴾ [الأنعام: 1].

 

واختتمه بالحمد فقال: ﴿ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ [الزمر: 75].

 

كما حمد نفسه على نعمة الخلق والإيجاد: ﴿ الْحَمْدُ للهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ [فاطر: 1].

 

وعلى نعمة الهدى والرشاد: ﴿ وَقُلِ الْحَمْدُ للهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا ﴾ [النمل: 93].

 

وعلى نعمة الإمداد؛ إمداده عباده بالنِّعم الحسيَّة: ﴿ الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾، وإمدادهم بالنّعم المعنوية، التي تصلح أرواحهم، وتهديهم إلى الصراط المستقيم، وذلك بنور الوحي المبين، كما قال جل جلاله: ﴿ الْحَمْدُ للهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللهُ ﴾ [الأعراف: 43]، ﴿ الْحَمْدُ للهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا ﴾ [الكهف: 1].

 

إذن فهو سبحانه يُحمد على نعمة الإيجاد والإرشاد والإمداد.

 

عباد الله، وقد حمد الله جل جلاله نفسه على نعمة التوحيد، وإخلاص العبادة له وحده- سبحانه- فقال: ﴿ هُوَ الْحَيُّ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ﴾[غافر: 65].

 

وحمد نفسه على امتناع اتِّصافه بما لا يليق بكماله وجلاله، وعلى تقدُّسه عن الشريك والنظير، وتنزُّهه عن النقائص والعيوب، فقال: ﴿ وَقُلِ الحَمْدُ للهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَهُ شَرِيكٌ فِي المُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ ﴾ [الإسراء: 111].

 

وحمد نفسه على علوِّه وكبريائه- جل في علاه- فقال: ﴿ فَلِلَّهِ الحَمْدُ رَبِّ السَّمَوَاتِ وَرَبِّ الأَرْضِ رَبِّ العَالَمِينَ * وَلَهُ الكِبْرِيَآءُ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ ﴾ [الجاثية: 36- 37].

 

واللهُ يحمد في كل زمان، وفي كل مكان، وقد حمد نفسه في الأولى والآخرة، وأخبر عن سريان حمده في العالم العلوي والسفلي: ﴿ وَهُوَ اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ [القصص: 70]، ﴿ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ ﴾ [الروم: 18]، ﴿ الحَمْدُ للهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ ﴾ [سبأ: 1].

وهو الحمِيدُ فكُلُّ حَمدٍ واقعٌ
أوْ كان مفْرُوضًا مدى الأزمانِ
ملأ الوجودَ جميعَه ونَظيرَهُ
مِن غير ما عدٍّ ولا حُسبانِ
هو أهلُه سبحانه وبحمدِهِ
كلُّ المحامِدِ وَصفُ ذي الإحسانِ

 

معاشر الحامدين لرب العالمين، إن الحمد معراج الأرواح إلى الله، ودليل التعلُّق به.

 

روي عن ابن عباس- رضي الله عنهما- أنه قال: الحمد لله كلمة كل شاكر[12].

 

قال نوح- عليه السلام-: ﴿ الْحَمْدُ للهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾ [المؤمنون: 28].

 

وقال إبراهيم: ﴿ الْحَمْدُ للهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ ﴾ [إبراهيم: 39].

 

وقال داود وسليمان: ﴿ الْحَمْدُ للهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [النمل: 15].

 

وقالها سبحانه لسيد المرسلين- صلوات ربي وسلامه عليه-: ﴿ وَقُلِ الْحَمْدُ للهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا ﴾ [الإسراء: 111]، وقال له: ﴿ قُلِ الْحَمْدُ للهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ [النمل: 59].

 

وقال الله عن ملائكته، وحملة عرشه: ﴿ وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ﴾ [الشورى: 5]، ﴿ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ ﴾ [غافر: 7].

 

وأخبر أن الحمد آخرُ كلامِهم: ﴿ وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ [الزمر: 75].

 

وأخبر أن أهل الجنة- حين يتكشف لهم النعيم المادي الملموس، والنعيم النفسي المحسوس- يحمدونه قائلين: ﴿ الْحَمْدُ للهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ * الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ ﴾ [فاطر: 34-35].

 

فيحمدونه على نعمة تحقُّقِ وعدِه لهم بإدخالهم الجنة، وإكمال المنَّة: ﴿ الْحَمْدُ للهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ ﴾ [الزمر:74]. كما يكون الحمد آخر دعائهم؛ شكرًا لمليكهم على ما تفضَّل وأجزل: ﴿ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ [يونس: 10]، حتى يصير الحمد كالنَّفَس؛ كما قال صلى الله عليه وسلم: «يُلْهَمُونَ التَّسْبِيحَ وَالتَّحْمِيدَ، كَمَا تُلْهَمُونَ النَّفَسَ»[13].

 

إن حمد الله- يا عباد الله- من أجلِّ أنواع الذكر، ولذا بيَّن الله في كتابه أن التسبيح بحمده ديدن كل مخلوقاته: ﴿ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ﴾ [الإسراء: 44].

فالحمدُ للهِ لا يُحصى له عددُ
ولا يحيط به الأقلامُ والمَددُ
حمدًا لربي كثيرًا دائمًا أبدا
في السرِّ والجهر في الدارين مستردُ
ملءَ السماوات والأرضين أجمعِها
وملءَ ما شاء بعدُ الواحدُ الصمدُ

 

عباد الله، ومما يجلِّي مكانة كلمة الحمد، ويعلي شأنها؛ أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يفتتح كلامه بالحمد، ويبتدئ كتبَه بالحمد، بل اسمه يحمل معاني الحمد؛ فهو محمد وأحمد، قال الله فيما بشَّر به عيسى-عليه السلام-: ﴿ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ ﴾[الصف: 6]، وأحمد على صيغة (أفعل) التفضيل؛ فاسمُه أحمد، ودينُه أحمد، وفعلُه أحمد، وهو كذلك محمودٌ في أخلاقه، وخلاله، وأحواله، وصفاته، «وبيده لواء الحمد يوم القيامة»[14] صلى الله عليه وسلم، قال الله: ﴿ وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا ﴾[الإسراء:79]، وبذلك سُمِّي صلى الله عليه وسلم.

فَشقَّ له مِن اسمِهِ لِيُجلَّهُ
فذو العرشِ محمودٌ وهذا محمدُ

وإنَّ العالم- من أزله إلى أبده- لم يعرِف إنسانًا مشى على الأرض، استغرق في الحمد، حتى ملأ الكون بابتهالات الحمد، وعمَّر الليالي بأنوار الحمد، وأفاض على القلوب برحيق الحمد، وبثَّ في النفوس والأسماع والأفئدة عبير الحمد، مثل هذا المحمد المحمود الأحمد صلى الله عليه وسلم.

 

لقد كان يتحرك صلى الله عليه وسلم مع طلائع الصبح المقبل قائلًا: «الْحَمْدُ للهِ الَّذِي رَدَّ عَلَيَّ رُوحِي، وَعَافَانِي فِي جَسَدِي، وَأَذِنَ لِي بِذِكْرِهِ»[15].

 

انظر كيف يستقبل الحياة بتَرحاب وتفاؤل! «الْحَمْدُ للهِ الَّذِي رَدَّ عَلَيَّ رُوحِي».

 

إن العمر الذي ملكناه نعمة يجب أن نحمد الله عليها، ونحسنَ استغلالها، وإن الشروق والغروب لمن أعظم المنن التي امتَنَّ الله بها على عباده: ﴿ اللهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ ﴾ [غافر: 61].

 

وعظمة الحياة في العافية، وما أجمل أن يكون المرء سليم البدن، تنهض أجهزته بوظائفها دون إعياء أو ملال، وينطلق في كل أفق ليؤدي واجباته باقتدار! وذلك سرُّ حمد الله على العافية المتاحة؛ يقول صلى الله عليه وسلم: «اسْأَلُوا اللهَ العَفْوَ وَالعَافِيَةَ، فَإِنَّ أَحَدًا لَمْ يُعْطَ بَعْدَ اليَقِينِ خَيْرًا مِنَ العَافِيَةِ»[16].

 

معاشر المؤمنين، وقد كان صلى الله عليه وسلم ملازمًا لحمد ربه في جميع شأنه؛ فكان إذا أكل أو شرب صلى الله عليه وسلم قال: «الْحَمْدُ للهِ الَّذِي أَطْعَمَ، وَسَقَى، وَسَوَّغَهُ، وَجَعَلَ لَهُ مَخْرَجًا»[17].

 

وكان إذا فرغ مِن طعامه قال: «الحَمْدُ للهِ الَّذِي كَفَانَا وَأَرْوَانَا، غَيْرَ مَكْفِيٍّ وَلا مَكْفُورٍ»[18].

 

وربما قال صلى الله عليه وسلم: «اللَّهُمَّ أَطْعَمْتَ وَأَسْقَيْتَ، وَأَغْنَيْتَ، وَأَقْنَيْتَ، وَهَدَيْتَ، وَاجْتَبَيْتَ، فَلَكَ الْحَمْدُ عَلَى مَا أَعْطَيْتَ»[19].

 

وإذا رفع مائدته صلى الله عليه وسلم قال: «الحَمْدُ للهِ كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، غَيْرَ مَكْفِيٍّ وَلاَ مُوَدَّعٍ، وَلا مُسْتَغْنًى عَنْهُ، رَبَّنَا»[20].

 

وكان إذا استَجدَّ ثوبًا سمَّاه باسمه- قميصًا كان أو عمامة- ثم يقول: «اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ كَسَوْتَنِيهِ، أَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِهِ وَخَيْرِ مَا صُنِعَ لَهُ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهِ وَشَرِّ مَا صُنِعَ لَهُ»[21].

 

وكان صلى الله عليه وسلم إذا أتاه الأمرُ يسُرُّه قال: «الْحَمْدُ للهِ الَّذِي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحَاتُ»، وإذا أتاه الأمر يكرهه قال: «الْحَمْدُ للهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ»[22].

 

وكان إذا أوى إلى فِراشه صلى الله عليه وسلم قال: «الْحَمْدُ للهِ الَّذِي أَطْعَمَنَا وَسَقَانَا، وَكَفَانَا وَآوَانَا، فَكَمْ مِمَّنْ لَا كَافِيَ لَهُ وَلَا مُؤْوِيَ»[23].

 

وكان صلى الله عليه وسلم إذا رفع ظهره من الركوع قال: «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، اللهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، مِلْءَ السَّمَاوَاتِ، وَمِلْءَ الْأَرْضِ وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ»[24].

 

أيها الموحِّدون، إن ألفاظ اللغة لتعجِز عن ملاحقة هذا الجيَشان المنساب في كل ابتهال من ابتهالاته، وكل دعوة من دعواته، وكل مناجاة من مناجاته- صلوات ربي وسلامه عليه-.

 

عباد الله، ثم ها هو صلى الله عليه وسلم يوجهنا إلى اتِّباع هديه، واقتفاء أثره، والتزام ما سنَّه وشرعه-صلوات ربي وسلامه عليه-، استمع إليه صلى الله عليه وسلم وهو يقول لنا: «إِذَا قَالَ الإِمَامُ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الحَمْدُ، فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ المَلاَئِكَةِ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»[25].

 

عن رفاعة بن رافع- رضي الله عنه- قال: كنا يومًا نصلي وراء النبي صلى الله عليه وسلم، فلما رفع رأسه من الركعة قال: «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ»، قال رجل وراءه: ربنا ولك الحمد، حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، فلما انصرف قال صلى الله عليه وسلم: «مَنِ المُتَكَلِّمُ»؟ قال: أنا، قال: «رَأَيْتُ بِضْعَةً وَثَلاثِينَ مَلَكًا يَبْتَدِرُونَهَا أَيُّهُمْ يَكْتُبُهَا أَوَّلُ»[26].

 

عباد الله، ومن جليل ما أرشدنا إليه صلى الله عليه وسلم في الحمد قولُه: «مَنْ قَالَ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ: الْحَمْدُ للهِ الَّذِي كَفَانِي وَآوَانِي، الْحَمْدُ للهِ الَّذِي أَطْعِمْنِي وَسَقَانِي، الْحَمْدُ للهِ الَّذِي مَنَّ عَلَيَّ فَأَفْضَلَ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِعِزَّتِكَ أَنْ تُنَجِّيَنِي مِنَ النَّارِ، فَقَدْ حَمِدَ اللهَ بِجَمِيعِ مَحَامِدِ الْخَلْقِ كُلِّهِمْ»[27].

 

ومن ذلك- أيضًا- قوله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَكَلَ طَعَامًا فَقَالَ: الْحَمْدُ للهِ الَّذِي أَطْعَمَنِي هَذَا وَرَزَقَنِيهِ مِنْ غَيْرِ حَوْلٍ مِنِّي وَلَا قُوَّةٍ؛ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَنْ لَبِسَ ثَوْبًا فَقَالَ: الْحَمْدُ للهِ الَّذِي كَسَانِي هَذَا وَرَزَقَنِيهِ مِنْ غَيْرِ حَوْلٍ مِنِّي وَلَا قُوَّةٍ؛ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»[28].

 

إن الحمدَ- يا أيها الأحبة- سببٌ لرضا الرَّب عن العبد، يقول صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللهَ لَيَرْضَى عَنِ الْعَبْدِ أَنْ يَأْكُلَ الْأَكْلَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا، أَوْ يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا»[29].

إلهي لك الحمدُ الذي أنت أهلُه
على نِعمٍ ما كنتُ قطُّ لها أهلا
متى ازددتُ تقصيرًا تزدْني تفضُّلًا
كأني بالتَّقصير أستوجبُ الفَضْلا

 

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿ فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ [الجاثية: 36-37].

 

جعلني الله وإياكم من عباده الحامدين، وأدخلنا في زمرة الشاكرين الذاكرين، وكتبنا من حزبه المقبولين الفائزين، وأطلق ألسنتنا بذكره، وقلوبنا بشكره في كل وقت وحين، ووفقنا لنكون ممن يستمعون القول ويكونون به عاملين.

 

قلت ما سمعتم، وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه إنه كان غفَّارًا.

 

الخطبة الثانية

الحمدُ لله على نعمه العظيمة، والشكر له على آلائه الجسيمة، والحمد لله حمدًا يوافي ما تزايد من النِّعم، والشكر له على ما أولانا من الفضل والكرم، له الحمد على أسمائه الحسنى، وصفاته العلى، وله الحمد على نعمه الباطنة والظاهرة، وله الحمد في الأُولى والآخرة.

 

والصلاة والسلام على سيد العرب والعجم، إمام طيبة والحرم، المبعوث لسائر الأمم، وعلى آله وأصحابه، وأتباعه وأحبابه، ما أُلِّف كتاب، وكُللت تيجان الرُّبا بلآلئ السحاب، وبعد:

فيا أيها الموحِّدون، إن حمد الملك- جل جلاله- من أجل العبادات عنده، وأكرمها عليه، وأحبها إليه؛ فعن الأسود بن سريع قال: كنتُ شاعرًا فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: ألا أُنشِدُك محامدَ حمِدتُ بها ربي؟ قال: «إِنَّ رَبَّكَ يُحِبُّ الْمَحَامِدَ»[30].

 

وفي رواية: إني مدحت ربي- عزَّ وجلَّ- بمحامدَ، قال: «أَمَا إِنَّ رَبَّكَ يُحِبُّ الْحَمْدَ»[31].

وأبلجَ محمودِ الثناءِ خصصتُه
بأفضلِ أقوالي وأفضلِ أحمُدي

اللهم لك الحمد حمدًا دائمًا مع خلودك، ولك الحمد حمدًا لا منتهى له دون علمك، ولك الحمد حمدًا لا منتهى له دون مشيئتك، ولك الحمد حمدًا لا أجر لقائله إلا رضاك.

 

يقول صلى الله عليه وسلم: «وَمَنْ قَالَ: الْحَمْدُ للهِ مِائَةَ مَرَّةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَقَبْلَ غُرُوبِهَا كَانَ أَفْضَلَ مِنْ مِائَةِ فَرَسٍ يُحْمَلُ عَلَيْهَا»[32].

 

أيها المسلمون، ومن عظمة كلمة (الحمد)؛ أن ثمت بيتًا في الجنة باسمها، فعن أبي موسى- رضي الله عنه- أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إِذَا مَاتَ وَلَدُ العَبْدِ قَالَ اللهُ لِمَلَائِكَتِهِ: قَبَضْتُمْ وَلَدَ عَبْدِي؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيَقُولُ: قَبَضْتُمْ ثَمَرَةَ فُؤَادِهِ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيَقُولُ: مَاذَا قَالَ عَبْدِي؟ فَيَقُولُونَ: حَمِدَكَ وَاسْتَرْجَعَ، فَيَقُولُ اللهُ: ابْنُوا لِعَبْدِي بَيْتًا فِي الجَنَّةِ، وَسَمُّوهُ بَيْتَ الحَمْدِ»[33].

 

عباد الله، ومن عظيم فضلها: أنها تملأ الميزان، كما قال صلى الله عليه وسلم: «والْحَمْدُ للهِ تَمْلَأُ الْمِيزَانَ»[34].

 

وهي أفضل الدعاء، قال صلى الله عليه وسلم: «أَفْضَلُ الذِّكْرِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَفْضَلُ الدُّعَاءِ الْحَمْدُ للهِ»[35].

 

وهي من الباقيات الصالحات، فقد قال صلى الله عليه وسلم يومًا لأصحابه: «خُذُوا جُنَّتَكُمْ»، قالوا: يا رسول الله، مِن عدُوٍّ حضر؟ قال: «لَا، بَلْ مِنَ النَّارِ»، قلنا: ما جُنَّتُنا من النار؟ قال: «سُبْحَانَ اللهِ، وَالْحَمْدُ للهِ، وَلَا إلَهَ إِلَّا اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ، فَإِنَّهُنَّ يَأتِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُقَدِّمَاتٍ، وَمُعَقِّبَاتٍ، وَمُجَنِّبَاتٍ، وَهُنَّ الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ»[36].

 

وتأملوا- يا أيها الذاكرون- المنزلة التي يحوزها الحامدون، يقول صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ أَفْضَلَ عِبَادِ اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْحَمَّادُونَ»[37].

 

ويقول: «أَوَّلُ مَنْ يُدْعَى إِلَى الْجَنَّةِ الْحَمَّادُونَ، الَّذِينَ يَحْمَدُونَ اللهَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ»[38].

 

ويقول صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الْمُؤْمِنَ تَخْرُجُ نَفْسُهُ مِنْ بَيْنِ جَنْبَيْهِ وَهُوَ يَحْمَدُ اللهَ- عَزَّ وَجَلَّ-»[39].

فَلهُ المحامِدُ والمدائِحُ كُلُّها
بِخواطِري وجوارِحي ولساني

ذكر ابن أبي الدنيا والبيهقي وابن عساكر: أن محارب بن دثار كان يرفع صوته بالليل ويقول: أنا الصغير الذي ربَّيته فلك الحمد، وأنا الضعيف الذي قوَّيته فلك الحمد، وأنا الفقير الذي أغنيته فلك الحمد، وأنا الصعلوك الذي مولته فلك الحمد، وأنا الأعزب الذي زوَّجته فلك الحمد، وأنا الساغب الذي أشبعته فلك الحمد، وأنا العاري الذي كسوته فلك الحمد، وأنا الغريب الذي آويته فلك الحمد، وأنا المسافر الذي صاحبته فلك الحمد، وأنا الراجل الذي حملته فلك الحمد، وأنا المريض الذي شفيته فلك الحمد، وأنا الداعي الذي أجبته فلك الحمد ربنا حمدًا كثيرًا على كل حال[40].

لك الحمدُ يا مَن بالهداية أنعَما
وللفضلِ أَولَى والمحامدِ أَلهما
لك الحمدُ يا ربِّي كما أنت أهلُهُ
كثيرًا دوامًا يملأ الأرضَ والسَّما
على نِعمٍ قد أُسبِغتَ كلَّ لحظةٍ
فسبحانك اللهمَّ مَولًى ومُنعِما

 

كان الحسن إذا ابتدأ حديثه يقول: الحمد لله، اللهم- ربنا- لك الحمد بما خلقتنا ورزقتنا، وهديتنا وعلمتنا، وأنقذتنا وفرَّجت عنا، لك الحمد بالإسلام والقرآن، ولك الحمد بالأهل والمال والمعافاة، كبتّ عدونا، وبسطت رزقنا، وأظهرت أمننا، وجمعت فرقتنا، وأحسنت معافاتنا، ومن كل- والله- ما سألناك ربنا أعطيتنا، فلك الحمد على ذلك حمدًا كثيًرا، لك الحمد بكل نعمة أنعمت بها علينا في قديم أو حديث، أو سرٍّ أو علانية، أو خاصة أو عامة، أو حي أو ميت، أو شاهد أو غائب، لك الحمد حتى ترضى، ولك الحمد إذا رضيت[41].

 

ختامًا:

لنتأمل هذا الحديث العظيم، والفضل العميم لهذه الكلمة المباركة، فعن أبي أمامة- رضي الله عنه- قال: رآني النبي صلى الله عليه وسلم وأنا أحرِّك شفَتَيّ فقال: «مَا تَقُولُ يَا أَبَا أُمَامَةَ؟» قلت: أذكُر الله. قال: «أَفَلَا أَدُلُّكَ عَلَى مَا هُوَ أَكْثَرُ مِنْ ذِكْرِكَ اللهَ اللَّيْلَ مَعَ النَّهَارِ؟ تَقُولُ: الْحَمْدُ للهِ عَدَدَ مَا خَلَقَ، وَالْحَمْدُ للهِ مِلْءَ مَا خَلَقَ، وَالْحَمْدُ للهِ عَدَدَ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ، وَالْحَمْدُ للهِ عَدَدَ مَا أَحْصَى كِتَابُهُ، وَالْحَمْدُ للهِ مِلْءَ مَا أَحْصَى كِتَابُهُ، وَالْحَمْدُ للهِ عَدَدَ كُلِّ شَيْءٍ، وَالْحَمْدُ للهِ مِلْءَ كُلِّ شَيْءٍ، وَتُسَبِّحُ اللهَ مِثْلَهُنَّ»[42].

 

عن الفضيل بن عياض أنه قال: مَن أكثر من قول: الحمد لله، كثر الداعي له، قيل له: ومن أين قلت هذا؟ قال: لأن كل من يصلي يقول: سمع الله لمن حمده[43].

 

وعن الحسن بن أبي الحسن قال: ما من رجل يرى نعمة الله عليه؛ فيقول: الحمد لله الذي بنعمته تتمُّ الصَّالحات إلا أغناه الله وزاده[44].

فالحمدُ كلُّ الحمدِ للخلَّاقِ
ربِّ العباد وقاسمِ الأرزاقِ
وله المحامدُ كلُّها مِن كلِّنا
حمدًا يعمُّ الحمدَ باستغراقِ

 

فاللهم لك الحمد حمدًا مليًّا عند كل طرفة عين، وتنفس نَفَس، ولك الحمد عدد خلقك، ورضا نفسك، وزنة عرشك، ومداد كلماتك، لك الحمد عدد ما أحاط به علمك، وخطَّ به قلمك، وأحصاه كتابك.

 

اللهم املأ قلوبنا إيمانًا بك، وتوكُّلًا عليك، وإنابةً إليك، وركونًا إلى ما في يديك، ورجاءً لنوالك، وثقةً بعطائك، ويقينًا بلقائك، وحمدًا لآلائك، وتعظيمًا لجلالك، وثناء لإحسانك، واعترافًا بامتنانك، وذكرًا لنعمك، وشكرًا لكرمك.



[1] ينظر: الغرر البهية في شرح البهجة الوردية، زكريا الأنصاري (1/ 4-5).
[2] مدارج السالكين (1/ 49).
[3] الكليات للكفوي (1/ 368).
[4] محاسن التأويل للقاسمي (1/ 226).
[5] ينظر: تفسير العثيمين، سورة لقمان (151)، والحديث رواه مسلم (478).
[6] تفسير الثعلبي (2/ 377).
[7] مدارج السالكين (2/ 234).
[8] رواه مسلم (486).
[9] تفسير القرطبي (1/ 135).
[10] تفسير المنار (12/ 165).
[11] ينظر: تفسير الرازي (1/ 199).
[12] بحر العلوم للسمرقندي (1/ 16).
[13] رواه مسلم (2835).
[14] ينظر: سنن ابن ماجه (4308)، مسند البزار (6413)، المعجم الكبير للطبراني (399)، صحيح الترغيب والترهيب (3643).
[15] رواه ابن السني في عمل اليوم والليلة (9)، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (329).
[16] رواه الترمذي (3558)، وأحمد (34)، والنسائي في الكبرى (10649)، صحيح الجامع (3632).
[17] رواه أبو داود (3851)، والنسائي في الكبرى (6867)، وابن حبان (5220)، الصحيحة (2061).
[18] رواه البخاري (5458).
[19] رواه أحمد (16595) وقال الأرناؤوط: صحيح، والنسائي في الكبرى (6871)، الصحيحة (71).
[20] رواه البخاري (5458).
[21] رواه أحمد (11248)، وأبو داود (4020)، والترمذي (1767) وحسَّنه، والحاكم (7408) وقال: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، صحيح الجامع (4664).
[22] رواه الحاكم (1840) وقال: صحيح، والبيهقي في الشعب (4375)، صحيح الجامع (4640).
[23] رواه مسلم (2715).
[24] رواه مسلم (476).
[25] رواه البخاري (796)، ومسلم (409).
[26] رواه البخاري (799).
[27] رواه الحاكم (2001) وقال: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي، وابن السني في عمل اليوم والليلة (720)، والبيهقي في الشعب (4382)، والضياء في المختارة (1574)، السلسلة الصحيحة (3444).
[28] رواه أبو داود (4023) بزيادة «وما تأخر»، والحاكم (7409) وقال: صحيح الإسناد، وأبو يعلى (1488)، وحسَّن إسناده: حسين سليم أسد، والألباني في صحيح الترغيب والترهيب (2042).
[29] رواه مسلم (2734).
[30] رواه البخاري في الأدب المفرد (861)، والنسائي في الكبرى (7698)، والطبراني في الكبير (820)، السلسلة الصحيحة (3179).
[31] رواه البخاري في الأدب المفرد (859)، والطبراني في الكبير (823)، والبيهقي في الشعب (4366)، السلسلة الصحيحة (3179).
[32] رواه النسائي في الكبرى (10588)، صحيح الترغيب والترهيب (658).
[33] رواه الترمذي (1021)، وابن حبان (2948)، السلسلة الصحيحة (1408).
[34] رواه مسلم (223).
[35] رواه الترمذي (3383)، والنسائي في الكبرى (10599)، وابن ماجه (3800)، وابن حبان (846)، والحاكم (1834)، السلسلة الصحيحة (1497).
[36] رواه النسائي (10617)، وابن أبي شيبة (29729)، والحاكم (1985)، صحيح الجامع (3214).
[37] رواه الطبراني في الكبير (254)، وأحمد (19895)، السلسلة الصحيحة (1584).
[38] رواه الطبراني في الأوسط (3033) وقال الهيثمي في المجمع (16883): ورواه البزار بنحوه، وإسناده حسن.
[39] رواه أحمد (2412) وحسنه أحمد شاكر، والبيهقي في الشعب (10161)، صحيح الجامع (1931).
[40] الشكر لابن أبي الدنيا (68)، شعب الإيمان للبيهقي (4596)، تاريخ دمشق (57/ 62).
[41] الشكر لابن أبي الدنيا (8)، شعب الإيمان للبيهقي (4586).
[42] رواه أحمد (22198)، والطبراني في الكبير (7930)، صحيح الجامع (2615).
[43] البصائر والذخائر للتوحيدي (3/ 72).
[44] حلية الأولياء (2/ 148).




حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • إطلالة على مشارف السبع المثاني (1) بين يدي السورة: فضائل وأنوار - مقاصد وأسرار (خطبة)

مختارات من الشبكة

  • إطلالة على أنوار من النبوة(مقالة - موقع الشيخ الدكتور عبدالله بن ضيف الله الرحيلي)
  • الوجيز الـمنتقى من سيرة النبي المصطفى عليه الصلاة والسلام(مقالة - آفاق الشريعة)
  • حديث الدار (قصيدة)(مقالة - حضارة الكلمة)
  • تكوة أهل الجنة وأناسها (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • لا تطلب الأبدية من دنيا فانية(مقالة - آفاق الشريعة)
  • فن الخط المغربي لعمر أفا ومحمد المغراوي(مقالة - ثقافة ومعرفة)
  • الوالدان القدوة (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • روضة المسبحين لله رب العالمين (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • خطبة: الكسوف(مقالة - آفاق الشريعة)
  • قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين(مادة مرئية - موقع الشيخ أ. د. عرفة بن طنطاوي)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • مفكرة يومية ترافق الصائمين في رحلتهم الإيمانية خلال رمضان في تتارستان
  • وفاة الداعية الفاضل الشاب يوسف مايت رحمه الله
  • أئمة بلغاريا يطورون مهاراتهم الدعوية ضمن الموسم السابع من «الإمام الفاعل»
  • حملة «تنظيف المساجد» تعود من جديد في تتارستان استعدادا لشهر رمضان
  • فعالية خيرية إسلامية لتعبئة آلاف الوجبات الغذائية في ولاية فرجينيا
  • فعاليات علمية للاستعداد لشهر رمضان في عاصمة الأرجنتين
  • تقدم أعمال بناء مشروع المركز الإسلامي في ماستيك - شيرلي بنيويورك
  • جهود إسلامية خيرية واسعة لدعم الأمن الغذائي وسط كنتاكي

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1447هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 16/8/1447هـ - الساعة: 13:53
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب