• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | مقالات شرعية   دراسات شرعية   نوازل وشبهات   منبر الجمعة   روافد   من ثمرات المواقع  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    تفسير قوله تَعَالَى: { وإذ أخذ الله ميثاق الذين ...
    سعيد مصطفى دياب
  •  
    جنة الخلد (9) الفرش والنمارق والسرر والأرائك
    الشيخ د. إبراهيم بن محمد الحقيل
  •  
    {قال أخرقتها لتغرق أهلها}
    حسن عبدالخالق خياط
  •  
    الحفظ عقال الملكة اللغوية، والفهم ملاكها
    د. محمد عبدالله الأطرش
  •  
    إبراهيم: قدوة في التوحيد والصلاح (خطبة)
    عبدالله بن إبراهيم الحضريتي
  •  
    نظرات جديدة لدراسة القواعد الفقهية (قاعدة اليقين ...
    أ. د. عبدالرحمن بن علي الحطاب
  •  
    طريق المسلم إلى الله قبل رمضان: منزلة اليقظة ...
    د. هيثم بن عبدالمنعم بن الغريب صقر
  •  
    الزواج بين العبودية والجهاد: معان مستفادة من عقد ...
    د. هيثم بن عبدالمنعم بن الغريب صقر
  •  
    أعينوا الشباب على الزواج ولا تهينوهم (خطبة)
    الشيخ عبدالله بن محمد البصري
  •  
    رسالة إلى كل تائه أو مدمن
    عدنان بن سلمان الدريويش
  •  
    فضائل شهر شعبان
    أ. د. السيد أحمد سحلول
  •  
    وقفات مع اسم الله الغفار (خطبة)
    رمضان صالح العجرمي
  •  
    الفروق بين الشرك الأكبر والأصغر
    الشيخ عبدالعزيز السلمان
  •  
    الفرع الثالث: أحكام الاجتهاد في القبلة من [الشرط ...
    يوسف بن عبدالعزيز بن عبدالرحمن السيف
  •  
    الصلاة ومكانتها العظيمة في الإسلام
    د. أمير بن محمد المدري
  •  
    وقفة تأمل
    إبراهيم الدميجي
شبكة الألوكة / آفاق الشريعة / مقالات شرعية / فقه وأصوله
علامة باركود

نظرات جديدة لدراسة القواعد الفقهية (قاعدة اليقين لا يزول بالشك مثالا)

نظرات جديدة لدراسة القواعد الفقهية (قاعدة اليقين لا يزول بالشك مثالا)
أ. د. عبدالرحمن بن علي الحطاب

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 28/1/2026 ميلادي - 10/8/1447 هجري

الزيارات: 32

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

نظرات جديدة لدراسة القواعد الفقهية

(قاعدة اليقين لا يزول بالشك مثالًا)


الحمد لله، والصلاة والسلام على نبيه ومصطفاه، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

فأهميَّة دراسة القواعد الفقهيَّة لا تخفى، وقد حفلت المكتبة الإسلاميَّة بعناوين كثيرة منذ القِدم، وتكاد تكون المطبوعات الحديثة لا تأتي بجديد سوى بيان أثر القواعد في أحكام النوازل، أمَّا الدراسات العائدة إلى ذات القاعدة فهي قليلة، وأردت أن أشارك وأزيد هذا القليل، بقليل ما عندي، من خلال هذا المقال، وفيه تطبيق للقواعد الأصوليَّة على القواعد الفقهيَّة، إفادةً لطالب أصول الفقه، بالتمرن على التطبيق الأصولي والتخريج والبناء، بالإضافة إلى الإشارة إلى مجال إعمال القاعدة، من خلال التطبيق على قاعدة (اليقين لا يزول بالشك)، لعلَّ المقال يجد استحسانًا عند أهل الاختصاص، ويكون تجديدًا مفيدًا لدراسة علم القواعد الفقهيَّة، وأقول، والله الموفق:

 

معنى قاعدة "اليقين لا يزول بالشك": أنَّ الشك الطارئ لا يغير حكم اليقين السابق، فإذا كان ثبوت شيء متيقنًا فإنه لا يحكم بزواله بمجرد طروء الشك عليه.

 

وثمَّة ثلاث نظرات بحثيَّة في دراستها: الأولى: في محل إعمال القاعدة، والثانية: في التطبيق الأصولي على ترجمة القاعدة، والثالثة: في بناء القاعدة الفقهيَّة على القواعد الأصوليَّة.

 

الأولى: محل إعمال القاعدة:

المحل الذي يصح فيه العمل بقاعدة "اليقين لا يزول بالشك" هو: ما كان ثابتًا يقينًا، أو ظنًّا راجحًا، إذا طرأ عليه احتمال أقلّ منه.

 

قال الشيخ أحمد الزرقا في ختام تقريره للقاعدة: «ومعناها ما كان ثابتًا متيقنًا لا يرفع بمجرد طروء الشك عليه؛ لأن الأمر اليقيني لا يعقل أن يزيله ما هو أضعف منه، بل ما كان مثله أو أقوى»[1].

 

وحينئذٍ لا يُرفَع اليقينُ إلَّا بيقين مثله، ولا ظنٌّ راجحٌ إلَّا بظنٍّ راجحٍ مثله؛ ولذا قالوا: (ما ثبت بيقين لا يُرفَع إلَّا بيقين). وقالوا: (لا عبرة بالظن البيِّن خطؤه)، و(لا حجة مع الاحتمال الناشئ عن دليل)؛ لأن الدليل والحجة الطارئة على المسألة ليست بأقل مما ثبت به الأصل، أو ما سبق ثبوته. وقالوا عن الاحتمال الطارئ الذي لم يقوَ على رفع الحكم الثابت بيقين أو ظنٍّ: إنه شك، أو وهم، كما في قولهم: (لا عبرة بالتوهم).

 

ومثَّلوا لحكم القاعدة بقواعد؛ كقولهم: (الأصل في الأمور العارضة العدم)، و(الأصل في الأشياء الإباحة)، و(الأصل في الأبضاع التحريم)، و(لا عبرة للدلالة في مقابلة التصريح)، و(لا ينسب لساكت قول).

 

ويندرج تحت القاعدة قواعد:

1- كل ما حكم عليه بأنه الأصل، فإنه يحكم بثبوته ثبوتًا راجحًا على غيره؛ إذ الأصل هو الراجح، وهو المستصحب، فدلَّ على ثبوته وتقدمه، ومن تلك القواعد: قولهم: الأصل بقاء ما كان على ما كان؛ أي: لا يُزال باحتمال طارئ أقل مما ثبت عليه الأصل. وقولهم: الأصل براءة الذمَّة، والأصل في الأمور العارضة العدم، والأصل إضافة الحادث إلى أقرب أوقاته، والأصل في الأشياء الإباحة.

 

2- لا يُنسَب لساكت قول؛ إذ الراجح عدم تنزيله منزلة القول، مع احتمال ذلك، فإن ترجح بالقرائن كان مما رُفِع بظن راجح، ليس بأقل مما ثبت نفي التنزيل عنه.


النظرة الثانيَّة: التطبيق الأصولي على ترجمة القاعدة:

(اليقين) مفرد محلَّى بالألف واللام لغير العهد، فيعم كل ما لا تردُّد معه، وما استقرَّ في القلب، سواء كان في جانب الاعتراف والتصديق أو في جانب الجحود.

 

قال الشيخ أحمد الزرقا: «هذا ولا فرق بين أن يكون اليقين السابق مقتضيًا للحظر، أو مقتضيًا للإباحة، فإن العمدة عليه في كلتا الحالتين، ولا يلتفت إلى الشك في عروض المبيح على الأول، وعروض الحاظر على الثاني» [2].


ويشمل «اليقين» كذلك: الظن، وصرَّح بذلك العلماء. قال النووي: «واعلم أنهم يطلقون العلم واليقين ويريدون بهما الظن الظاهر لا حقيقة العلم واليقين، فإن اليقين هو الاعتقاد الجازم...، حتى لو أخبره ثقة بنجاسة الماء الذي توضأ به، فحكمه حكم اليقين في وجوب غسل ما أصابه، وإعادة الصلاة، وإنما يحصل بقوة الثقة ظن لا علم ويقين» [3].

 

ومما سبق يُعلم أن المقصود بــ (اليقين) في القاعدة: العلم الذي لا تردُّد معه، وهو معناه اللغوي، وذلك «لأن الأحكام الفقهية إنما تُبنى على الظاهر، فكثيرًا ما يكون الأمر في الشرع يقينًا لا يزول بالشك في حين أن العقل يجيز أن يكون الواقع خلافه، وذلك كالأمر الثابت بالبينة الشرعية؛ فإنه في نظر الشرع يقين كالثابت بالعيان، مع أن شهادة الشهود لا تخرج عن كونها خبر آحاد، يجيز العقل فيها السهو والكذب، وهذا الاحتمال الضعيف لا يخرج ذلك عن كونه يقينًا؛ لأنه لقوة ضعفه قد طرح أمام قوة مقابله، ولم يبق له اعتبار في نظر الناظر»[4]؛ ا هـ.

 

قولهم: (لا يزول)؛ أي: لا يرفع.

 

والباء في قولهم: (بالشك) حرف معنى يدل على السببية.

 

وقولهم: (بالشك): مفرد محلَّى بالألف واللام لغير العهد، فيعم كل تردُّد وقع في القلب سواء استوى الاحتمالان؛ وهو المسمى بالشك عند الأصوليين، أو ترجَّح أحدهما؛ وهو الظن عندهم.

 

فالمراد بــــ (الشك) هنا: مطلق التردُّد، وهو معناه في اللغة. قال النووي: «والشك حيث أطلقوه في كتب الفقه أرادوا به: التردد بين وجود الشيء وعدمه، سواء استوى الاحتمالان أو ترجَّح أحدهما، وعند الأصوليين: إن تساوى الاحتمالان فهو شك، وإلا فالراجح ظن، والمرجوح وهم، وقول الفقهاء موافق للغة» [5].

 

ولما كانت القاعدة مستندة إلى أدلة منها قوله صلى الله عليه وسلم: «...إذا شك أحدكم في صلاته فليتحرَّ الصواب، فليتم عليه، ثم يسجد سجدتين» [6].

 

قال النووي: «تفسير الشك بمستوى الطرفين، إنما هو اصطلاح طارئ للأصوليين، وأما اللغة فالتردد بين وجود الشيء وعدمه، كله يسمى شكًّا، سواء المستوي والراجح والمرجوح، والحديث يحمل على اللغة ما لم يكن هناك حقيقة شرعية أو عرفية، ولا يجوز حمله على ما يطرأ للمتأخرين من الاصطلاح» [7].

 

ومما سبق تقريره في معنى اليقين والشك، يُلحظ أن الظن داخل في كل واحد منهما.

 

أما في اليقين فالمراد به غالب الظن، وهو مرتبة من الظن يترجح فيها أحد الجانبين رجحانًا مطلقًا يطرح معه الجانب الآخر، وهو الذي يأخذ حكم اليقين؛ لأنه قاربه، وما قارب الشيء أخذ حكمه، قال الشيخ أحمد الزرقاء: «فإن طرح الاحتمال الآخر، بمعنى أنه لم يبق له اعتبار في النظر لشدة ضعفه، فهو غالب الظن، وهو معتبر شرعًا بمنزلة اليقين في بناء الأحكام عليه في أكثر المسائل إذا كان مستندًا إلى دليل معتبر...» [8].

 

أما مجرد الظن فقد يطلق عليه الشك-كما سبق- لوجود التردد في القلب بين وجود الشيء وعدمه، وهذا التردد درجات، فالأقوى يقدم على الأضعف عند التعارض، كما هي قاعدة الأصوليين في التعارض والترجيح.

 

تنبيه: ذكر الزركشي أن استعمال الفقهاء للشك بهذا المعنى، إنما هو في الأحداث، وإلا فإنهم يفرقون بين هاتين في مواضع كثيرة [9].

 

وثمة قواعد أصولية مؤثرة في أحكام القاعدة؛ منها:

الأولى: يؤخذ من مفهوم القاعدة: (اليقين لا يزول بالشك)، أن اليقين يزول باليقين؛ وذلك باعتبار أن اليقين العلم الذي لا تردُّد معه، والشك ما فيه تردُّد.

 

وكون اليقين لا يزول إلا باليقين صرح به بعض الفقهاء، وبعضهم قال: اليقين لا يزول إلا بمثله [10]، وعليه فإن كان اليقين هو غالب الظن، فلا يزول إلا بمثله غالب ظن، أو بيقين من باب أولى.

 

وجاء عند بعضهم أن مفهوم القاعدة المخالف هو: أن الشك يزول باليقين [11]، وبُني عليه أن اليقين لا يتأثر بالشك مهما كان أحدهما متقدمًا على الآخر، أو متأخرًا عنه، ويبين هذا الحكم مع الأمر الآتي.

 

الثانية: يؤخذ من دلالة الاقتضاء أن الحكم الثابت باليقين لا يؤثر فيه طروء الشك عليه؛ بل يؤثر في حكمه.

 

وبيانه: أن العلماء قدَّروا محذوفًا في نصِّ القاعدة، وتقديره: حكم اليقين لا يزول بالشك، وهذا فيه جواب لمن قال: إن المتيقن بالشيء إذا طرأ عليه الشك لم يعد متيقنًا، وإلا لزم القول باجتماع النقيضين (اليقين والشك) وهو محال، والقول: إن اليقين لا يزول بالشك قد يوهم اجتماعهما من جهة أن المكلف متيقن شاكٍّ في وقت واحد.

 

فيقال: إن المقصود أن الحكم الثابت بيقين في وقت سابق لا يؤثر فيه طروء الشك عليه، فإذا دخل المكلف في الصلاة موقنًا بالطهارة، ثم طرأ له شك في أثنائها؛ فإنه لا يعتد بشكِّه، بل يُبنى على يقينه ويُتِمُّ صلاته، فحكم اليقين يستصحب، ولا يؤثر فيه الشك الطارئ، والله أعلم.

 

النظرة الثالثة: بناء القاعدة على القواعد الأصوليَّة:

أولًا: ثمة أصل أصيل تُربط القواعد والكليَّات فيه، وهو دليل الاستقراء، فبالاستقراء تُخرَّج القواعد الأصوليَّة من فروعها ويحتج بها.

 

قال ابن السبكي: «فإن المطَّلِع على مذهب إمام، إذا استقرأ من كلامه في فروع شتى، المصير إلى ما ليس له مأخذ إلا القول بأصل من أصول جَزَمَ الاعتقاد بأن ذلك الأصل مختاره ونسبه إليه» [12].

 

وبالاستقراء تُخرَّج القواعد المقاصدية، وقد ذكره الشاطبي وابن عاشور وغيرهم ضمن طرق إثبات المقاصد، قال ابن عاشور: «والطرق المعتمدة في هذا الغرض ثلاثة؛ وهي: أولًا: الاستقراء. وقد فصلنا القول فيه وأشرنا إلى أقسامه قبل. وهو نوعان: استقراء علل الأحكام، واستقراء علل أدلة الأحكام. الأول: يكون بتتَبُّع العلل المثبتة بطرق مسالك العلَّة، لما يحصل باستقرائها من استخلاص حِكْمة واحدة تنتهي إليها، وبالجزم بأنها مقصد شرعي....» [13].

 

ومعلوم أنَّ كثيرًا من القواعد الفقهيَّة قواعد مشتركة بينها وبين القواعد الأصولية، وبينها وبين القواعد المقاصديَّة، وما جاز بتخريج القواعد الأصولية والمقاصدية به، وهو الاستقراء فإنه جائز في القواعد الفقهيَّة. كيف وهو أصلها الأول، فباستقراء أدلة فروع القاعدة، أو فروع القاعدة باعتبارها ثمرة لأدلة شرعيَّة، يمكن أن يُدْرَك من خلال تلك الأدلة، أو أحكامها أنَّ الشريعة قد تضمنت معنى القاعدة؛ مما يوجب العمل بها متى ما حصل قطعٌ أو ظنٌّ راجح بهذا المراد. ولا يخفى أنَّ وجود أحكام متشابهة في أبواب مختلفة دلالة على أنَّ الشارع يلتفت إلى ذلك المعنى، فيكون معتبرًا.

 

قال الغزالي في ضابط الاستدلال الصحيح: «‌كل ‌معنى ‌مناسب ‌للحكم ‌مطَّرد في أحكام الشرع، لا يرده أصل مقطوع به، مقدم عليه، من كتاب أو سُنَّة أو إجماع، فهو مقول به وإن لم يشهد له أصل معين» [14].

 

وعلَّق السيوطي على كتاب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري حين ولَّاه القضاء، وقال له: (اعرف الأمثال والأشباه، ثم قس الأمور عندك). قال السيوطي: «‌هذه ‌قطعة ‌من ‌كتابه، وهي صريحة في الأمر بتتبُّع النظائر وحفظها، ليقاس عليها ما ليس بمنقول»[15].

 

أضِفْ إلى كون هذه القاعدة وما ماثلها من قواعد كليَّة كبرى، وضعها بعض علماء أصول الفقه ضمن باب الاستدلال، فالبناء يكون إجمالًا على كونها مما يصحُّ الاستدلال بها، وسبق في ذلك قول الغزالي. ويقول المرداوي: «فائدة: من أدلة الفقه: لا يرفع يقين بشك، والضرر يزال ولا يزال به...... فهذه قواعد تشبه الأدلة وليست بأدلة؛ لكن ثبت مضمونها بالدليل، وصارت يقضى بها في جزئياتها كأنها دليل على ذلك الجزئي» [16].

 

ثانيًا: من أقوى الأصول التي تُبنى عليه القاعدة بعد الأصل الأول العام، وهو الاستقراء، هو أصل الاستصحاب، وهو ألصق قواعد أصول الفقه بقاعدتنا الفقهيَّة، إن لم تكن هي هو. وقد نصَّ بعض العلماء في قاعدة (الأصل: بقاء ما كان على ما كان) على إطلاق هذا الأصل على لفظ (الاستصحاب)، قاله أحمد الزرقا [17]. وقال الونشريسي: «الأصل بقاء ما كان على ما كان، وهو المسمى في العُرْف الأصولي باستصحاب الحال». وهذه القاعدة هي قاعدة اليقين لا يزول بالشك عند بعضهم، والكثير يذكرها متفرعة عنها [18].

 

وبناء القاعدة الفقهيَّة (اليقين لا يزول بالشك) على القاعدة الاستصحاب الأصوليَّة واضح، حيث يستصحب الحكم الثابت باليقين، سواء في مقام الإثبات أو النفي، ولا عبرة بالشك الطارئ. وهو عين الاستصحاب الذي هو: استدامة إثبات ما كان ثابتًا، أو نفي ما كان منفيًّا.

 

ثالثًا: بالنظر إلى جانب التعارض تُبنى على الدليل العقلي، ويوضحه الشيخ أحمد الزرقا بقوله في ختام تقريره للقاعدة: «ومعناها ما كان ثابتًا متيقنًا لا يرفع بمجرد طروء الشك عليه؛ لأن الأمر اليقيني لا يعقل أن يزيله ما هو أضعف منه، بل ما كان مثله أو أقوى» [19].

 

وربما يستدلُّ له بأنَّ الظن أقوى من الشك، والظن لا يجوز الأخذ به مع وجود اليقين بالإجماع، فمع الشك أولى. فيكون مأخذه الإجماع ودليل الأولوي قياسًا أو مفهومًا.

 

كما أنَّ حكم المشكوك حكم المعدوم بالإجماع. قال ابن العربي: «والشك لا يوجب حكمًا في الشرع بإجماع»[20]. وقال القرافي: «فهذه القاعدة مجمع عليها، وهي أنَّ كل مشكوك فيه يجعل كالمعدوم الذي يجزم بعدمه»[21]. وعليه فينتفي أصل التعارض، ولا عبرة بالشك، ولا أثر له إجماعًا في مقابل اليقين.

 

رابعًا: بالنظر إلى أدلة القاعدة التفصيليَّة للقاعدة، لعلِّي أقف مع دليل أهم مسألة فرعيَّة يستدلُّ بها على القاعدة، وهو حديث عباد بن تميم عن عمِّه: أنه شكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجل الذي يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة؟ فقال: ((لا ينفتل- أو لا ينصرف- حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا))[22].

 

قال النووي: «وهذا الحديث أصل من أصول الإسلام، وقاعدة عظيمة من قواعد الفقه، وهي أنَّ الأشياء يحكم ببقائها على أصولها حتى يتيقن خلاف ذلك، ولا يضر الشك الطارئ عليها»[23].

 

واستخراج الحكم المذكور عن النووي من الحديث ظاهر؛ لأنَّ في الحديث نهيًا عن ترك الصلاة لطروء الشك، والنهي عن الشيء أمرٌ بضده، فيكون أمرًا بالتمسك بالأصل المتيقن منه، كما أنَّ النهي مغيا حتى يزول ذلك اليقين بيقين، وهو سماع الصوت أو وجود الرائحة، ودلَّ مفهوم الغاية أنَّه لا يزول بغير اليقين. ثمَّ بعد تقرُّر حكمه يقاس عليه غيره، ولعلَّ ذلك بقياس الشبه؛ إذ إن تعليق الحكم على بقائه على أصله، قد لا يكون مناسبًا بالذات، ولكنه مناسب بالتبع، دلَّ عليه التفاف الشارع في أحكام كثيرة إلى تعليق الحكم على الأصل، وبقائه على ما كان. ومن ذلك ما يرد في أدلة الفروع الداخلة تحت القاعدة؛ كدلالة حديث عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غُمَّ عليكم فاقدروا له))[24]، حيث جعل الحكم للأصل المستصحب، فعلَّق الحكم (الصوم والفطر) على الرؤية، وهذا انتقال من يقين إلى يقين، وأمَّا حال الغيم، فاقدروا له؛ أي: ضيقوا له العدة، من قوله: ﴿ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ ﴾ [الطلاق: 7]؛ أي: ضيق عليه. وتضيق العدة له: أن يحسب شعبان تسعة وعشرين يومًا؛ أي: يبقى على ما كان عليه من شهر، وهو شعبان، والله أعلم.

 

ولست قاصدًا هنا التقصي لهذه النظرات، وإنما بيان الهدف والمقصود، ولعلَّها تجد من يعتني بها، فيسقي الغرس، ويشيد البناء، والله الموفق.



[1] شرح القواعد الفقهية (82).

[2] شرح القواعد الفقهية (82).

[3] المجموع شرح المهذب (1/ 231-232).

[4] شرح القواعد الفقهية (79).

[5] تحرير ألفاظ التنبيه (26)، والمنثور في القواعد للزركشي (2/ 255).

[6] أخرجه البخاري (401)، ومسلم (571).

[7] شرح صحيح مسلم (5/ 63- 64).

[8] شرح القواعد الفقهية (80).

[9] ينظر: المنثور في القواعد (2/ 255)، وصدَّر كلامه بقوله: "وأما عند الفقهاء فزعم النووي أنه كاللغة في سائر الأبواب"، وسبق قول النووي في تحرير ألفاظ التنبيه (36): «والشك حيث أطلقوه في كتب الفقه أرادوا به...».

[10] معلمة زايد (6/ 334).

[11] معلمة زايد (6/ 329).

[12] الإبهاج (2/ 59).

[13] مقاصد الشريعة الإسلاميَّة (2/ 167).

[14] المنخول (٤٦٥).

[15] الأشباه والنظائر للسيوطي (7).

[16] التحبير (8/ 3835-3836).

[17] شرح القواعد الفقهية (89).

[18] المعيار المعرب (4/ 424).

[19] شرح القواعد الفقهية (82).

[20] القبس في شرح موطأ مالك بن أنس (1/ 128).

[21] الفروق (1/ 111).

[22] أخرجه البخاري (137)، ومسلم (361).

[23] شرح صحيح مسلم (4/ 49).

[24] أخرجه البخاري (1900)، ومسلم (1080).





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • دراسة عن كتاب التمهيد للإسنوي
  • من طرق الخشوع في الصلاة
  • مما لا يسع الأصولي جهله في مسائل الاعتقاد
  • إعمال القواعد الأصولية في كلام الناس
  • ترتيب مقترح لقواعد مجلة الأحكام العدلية
  • قاعدة: ‌ذكر ‌فرد ‌من ‌أفراد ‌العام بحكم العام لا يخصصه

مختارات من الشبكة

  • اختيارات (15) سلم جديد مع بداية عام جديد(مقالة - مجتمع وإصلاح)
  • سلسلة ورش قرآنية جديدة لتعزيز فهم القرآن في حياة الشباب(مقالة - المسلمون في العالم)
  • مدرسة إسلامية جديدة في مدينة صوفيا مع بداية العام الدراسي(مقالة - المسلمون في العالم)
  • مدارس إسلامية جديدة في وندسور لمواكبة زيادة أعداد الطلاب المسلمين(مقالة - المسلمون في العالم)
  • نواكشوط تشهد تخرج نخبة جديدة من حفظة كتاب الله(مقالة - المسلمون في العالم)
  • صناعة المالية الإسلامية تعيد الحياة إلى الفقه الإسلامي(مقالة - ثقافة ومعرفة)
  • مع بداية العام الدراسي (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • مغني المحتاج إلى معرفة ألفاظ المنهاج للخطيب الشربيني تحقيق عبد الرزاق النجم(مقالة - ثقافة ومعرفة)
  • عقلنة تدبير الموارد المائية في المغرب بين الجيل الحالي والجيل الآتي: وعي بيئي جديد لحماية الحياة(مقالة - ثقافة ومعرفة)
  • خطبة: العام الجديد وعِبر أولي الأبصار(مقالة - آفاق الشريعة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • فعاليات علمية للاستعداد لشهر رمضان في عاصمة الأرجنتين
  • تقدم أعمال بناء مشروع المركز الإسلامي في ماستيك - شيرلي بنيويورك
  • جهود إسلامية خيرية واسعة لدعم الأمن الغذائي وسط كنتاكي
  • مشروع تعليمي يهدف لتعزيز الوعي بالذكاء الاصطناعي والإعلام للطلاب المسلمين في البوسنة
  • موافقة رسمية على توسعة مسجد الفاروق بمدينة غلاسكو الأسكتلندية
  • يناير شهر التراث الإسلامي بولاية ميشيغان الأمريكية
  • تطوير أساليب تدريس التربية الدينية محور ندوة علمية للمعلمين في سراييفو
  • مسلمون يقيمون مشروعا إنسانيا يجسد قيم الرحمة والمسؤولية الاجتماعية في بلانو

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1447هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 9/8/1447هـ - الساعة: 16:2
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب