• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | مقالات شرعية   دراسات شرعية   نوازل وشبهات   منبر الجمعة   روافد   من ثمرات المواقع  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    ذكر النساء في المجالس
    الشيخ عايد بن محمد التميمي
  •  
    المروءة جوهرة الأخلاق
    د. سعد الله المحمدي
  •  
    فعل (الإشادة)؛ دلالتها ولزومها وتعديها (في ضوء ...
    د. أورنك زيب الأعظمي
  •  
    عمر الفاروق رضي الله عنه (خطبة)
    د. محمود بن أحمد الدوسري
  •  
    تفسير قوله تعالى: {لتبلون في أموالكم وأنفسكم ...
    سعيد مصطفى دياب
  •  
    ماهية العقيدة الإسلامية: تعريفها وحدودها ومعالمها
    محمد ونيس
  •  
    من هدايات السنة النبوية (23) ذكر يسير.. وثواب
    الشيخ د. إبراهيم بن محمد الحقيل
  •  
    الإعجاز الطبي في سورة الكهف من القرآن
    أبو خالد بن ناظر الدين القاسمي
  •  
    وقفات ودروس من سورة آل عمران (9)
    ميسون عبدالرحمن النحلاوي
  •  
    تنزيه الله عن الولد وعن وجود إله معه
    الشيخ عبدالعزيز السلمان
  •  
    تعريف النسخ
    الشيخ أ. د. عرفة بن طنطاوي
  •  
    الإخلاص التام
    إبراهيم الدميجي
  •  
    شهر شعبان فوائد وأحكام.. شهر ترفع فيه الأعمال إلى ...
    الشيخ حسن حفني
  •  
    سلسلة هدايات القرآن (6) هدايات سورة الفاتحة: كلمة ...
    حمادة إسماعيل فودة
  •  
    فضل القرآن وقراءته
    د. أمير بن محمد المدري
  •  
    جلسة محاسبة (خطبة)
    الشيخ عبدالله محمد الطوالة
شبكة الألوكة / آفاق الشريعة / منبر الجمعة / الخطب / الرقائق والأخلاق والآداب
علامة باركود

المفهم في ستر المسلم (خطبة)

المفهم في ستر المسلم (خطبة)
د. عبد الرقيب الراشدي

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 21/1/2026 ميلادي - 3/8/1447 هجري

الزيارات: 109

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

المفهم في ستر المسلمين

 

الخطبة الأولى

الحمد لله منشئ الموجودات، وباعث الأموات، وسامع الأصوات، ومجيب الدعوات، وكاشف الكربات، وعالم الأسرار والخفيات، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، ربنا الله ورب جميع الكائنات، وأشهد أن سيدنا وحبيبنا وشفيعنا محمدًا عبدُ الله ورسولُه، وصفيُّه من خلقه وحبيبه، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه ومن سار على نهجه، وتمسَّك بسُنَّته، واقتدى بهديه إلى يوم الدين، ونحن معهم يا أرحم الراحمين... ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 102] ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ [النساء:1]، أما بعد:

جاء في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((يُدنى المؤمنُ يوم القيامة من ربِّه- عز وجل- حتى يضعَ عليه كنفه، فيقرره بذنوبه، فيقولُ: هل تعرف؟ فيقول: أيْ رب، أعرف، قال: فإنِّي قد سترتها عليك في الدُّنيا، وإني أغفرها لك اليوم، فيُعطى صحيفة حسناته)).

 

معاشر المؤمنين، إننا في عصر انتشرت فيه الفواحش، وراجت فيه الفضائح، عبر الوسائل المختلفة؛ من هواتف محمولة، وصفحات (الإنترنت)، وشاشات الفضائيَّات، حتَّى غدت هذه الأخبار وأحداثها أسرع انتقالًا، وأوسع انتشارًا، فلا دِين يَمنع، ولا خُلُق يردع.

 

أيها المؤمنون، وبثُّ مثلِ هذا القاذورات وانتشارها آفةٌ خطيرةٌ، ومرض موجع، يفسد الدين، ويخرب الدنيا، فإذا تهتكتِ الأستارُ، تكسَّرَ الحياء من النُّفوس، وإذا نزع الحياء، فكَبِّرْ على العِفَّة والطهر بعدها أربعًا.

 

وإذا علم العاصي أن الأصابع قد أشارت إليه بأصابع الاتهام، وأنه قد أصبح حديث الناس في مجالسهم، لم يبالِ بعدها بمجاهرةٍ في مَعصيته أو مفاخرة في ذنب، وبإشاعة الفاحشة ونشر أخبارها، يجترئ ضعافُ النفوس ومرضى القلوب على مُعاقرتها في الهواء الطلق، بلا خوفٍ من خالقٍ أو حياءٍ من مخلوق، وبذلك يفسد نظام المجتمع وتحل عراه.

 

روى أبو داود في سننه بسند صحَّحه النَّووي عن مُعاوية- رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقول: ((إنَّك إن اتَّبعت عَوْرَاتِ النَّاس، أفسدتهم أو كدت أن تفسدَهم))؛ لهذا نحن بحاجة إلى التذكير بموضوع الستر على المسلمين إذا وقعت منهم زلَّة أو صدرت منهم هفوة، وكلنا معرض للوقوع في مثل ذلك.

 

معاشرَ المؤمنين، ما أجملَ الستر! وما أعظم بركتَه! وأبهى حُلَّته! إنه جوهر نفيس، وعُملةٌ ثمينةٌ، وسلوكٌ راقٍ، يُثمر حسن الظَّن، ويُطفئ نارَ الفساد، وبه تَحفَظُ الأُمَّة ترابُطَها وبُنْيانها، وبه تقومُ الأخلاق، ويبقى لها كيانها، وهو طاعةٌ وقُربان ودِين وإحسان.

 

وقد وصف الرَّحمن نفسه بأنه ستِّير يستُر كثيرًا، ويحبُّ أهل السَّتر؛ ففي الحديث الصحيح الذي رواه أبو داود والنَّسائي، يقول النبي- صلى الله عليه وسلَّم-: ((إنَّ الله حَيِيٌّ سِتِّير، يُحب الحياء والستر)).

 

وقد دعا الإسلام الى الستر، وكافأ عليه، ففي صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ومَن سَتَرَ مُسلمًا في الدُّنيا، ستره الله في الدُّنيا والآخرة)).

 

والستر نعمة من نعم الله على العبد، قال الضحاك في قوله تعالى: ﴿ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ﴾ [لقمان: 20]، قال: "من النعم الظاهرة الإسلام والقرآن.. ومن النعم الباطنة فما يستر من العيوب". وأول من سعى لهتك الستور هو إبليس.

 

أيها المؤمنون، والستر من صفات الأنبياء والمرسلين، ومَنْ تَبِعَهم بإحسان.. روى البخاري أن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: "إن موسى كان رجلًا حييًّا ستِّيرًا لا يُرى من جلده شيء استحياء منه.. فآذاه من آذاه من بني إسرائيل، فقالوا: ما يستر هذا التستر إلا من عيب بجلده.."؛ الحديث.

 

أمَّا خَيْر الخلق وأَعْرفُ الخلق بما يُرضي الله تعالى، فقد كان عظيمَ الحياء، عفيفَ اللِّسان، بعيدًا عن كشف العورات، حريصًا على كَتْم المعايب والزلَّات، كان إذا رأى شيئًا يُنكره ويكرهُه، عرَّض بأصحابه وألمح، كم من مرَّة قال للناس: ((ما بال أقوام يقولون كذا وكذا))، ((ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا)).

 

وكان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم يحب الستر لمن وقع في الذنوب والمعاصي، في الصحيحين أن رجلًا جاء إلى النبي- صلى الله عليه وسلم- فقال: "يا رسول الله، إني عالجت امرأة في أقصى المدينة، وإني أصبت منها ما دون أن أمسَّها- استمتاع محرم بغير جِماع- فأنا هذا، فاقضِ فيَّ ما شئت".. فقال عمر: "لقد سترك الله لو سترت نفسك"؛ فلم يرد النبي- صلى الله عليه وسلم- شيئًا.. فقام الرجل فانطلق فأتبعه النبي- صلى الله عليه وسلم- رجلًا دعاه وتلا عليه هذه الآية: ﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ ﴾ [هود: 114]، فقال رجل من القوم: يا نبي الله، هذا له خاصة؟ قال: ((بل للناس كافة)).

 

والمتأمل في الحديث يتجلى له بوضوح عدم رغبة النبي- صلى الله عليه وسلم- مفاتحة الرجل في ذنبه الذي ارتكبه؛ بل إنه أعرض عنه.. ولما انقضت الصلاة لم يبحث عنه؛ وإنما انصرف ولحق به الرجل.. وكل ذلك يدل على التأكيد على أهمية الستر وفضله.

 

وفي قصة المرأة الغامدية التي زَنَت في عهد النبي- صلى الله عليه وسلم- فإنه- صلى الله عليه وسلم- أعرض عنها ولم يفرح بخبرها.. ولما أصرَّت وألحَّت على النبي- صلى الله عليه وسلم- تريد تطهير نفسها.. فلم يسألها عليه الصلاة والسلام: كم مرة فعلت الزنا، بل لم يسألها: من هو الذي زنى بك.. وتمنَّى أنها لو استترت بستر الله.

 

أيها المؤمنون، إن الحدود كفَّارة لأهلها، ومع هذا استحبَّ أهل العلم لمن أتى ما يستوجب الحدَّ أن يستر على نفسه، ويتوب فيما بينه وبين ربِّه، ويكثر من الحسنات الماحية، فهذا ماعزُ بن مالكٍ الأسلمي، أحدُ الأصحاب الأخيار ممن وقر الإيمانُ في قلبه، فآمن بربِّه، وصدَّق برسالة نبيِّه، وعاش في مدينة رسول الله يَحمل بين جنبَيه نورَ الإيمان، وضياء التَّقوى، بَيْدَ أنَّه لم ينفك عن بشريَّته، ولم ينسلخ من ضعفه الآدمي؛ ﴿ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا ﴾ [النساء: 28].

 

فزيَّن له الشيطانُ فِعْلَ الحرام، وأزَّته نفسُه الأمَّارة نحوَ الفاحشة أزًّا، وفي ساعة الغفلة وسكرة الشَّهوة وقع في الإثم، وكان من أمره ما كان.

 

عصى ماعزٌ ربَّه، وأيقن أنَّ ذاك من عَمَلِ الشيطان؛ إنه عدوٌّ مُضِلٌّ مبين، فاحترق قلبه، وتلوَّعت نفسُه ندمًا وأسفًا، وعاش أيامًا عدة في بُؤس وغمٍّ، وحسرةٍ وهمٍّ.

 

عندها قرر ماعز أنْ يبوحَ بأمره ذاك إلى أحد بني عشيرته، وهو هزَّال بن يزيد الأسلمي، الذي أشار عليه أن يعترفَ ويقرَّ أمام النبي- صلَّى الله عليه وسلم- بخطيئته.

 

مشى المذنب التائب تجرُّه رِجلاه نحوَ الرَّحمة المُهداة، فوقف في حياءٍ واستحياء، ونطق بجُرْمه ومَعصيته، فأعرض عنه النبي- صلى الله عليه وسلم- فكرَّر ماعز اعترافَه، وأقرَّ أربعًا، وألحَّ على النبي- صلى الله عليه وسلم- أنْ يُقيمَ حدَّ الله، فلم يكُن بدٌّ من إقامة الحد، حدِّ الرجم، فرجمه الصحابة حتَّى فاضت روحُه إلى بارئها، ثم صلَّى عليه النبي- صلى الله عليه وسلم- ودعا له، واستغفر، وأثنى على توبته وصِدْقه مع ربِّه.

 

وفي مسند أحمد أنه لما بلغ النبي- صلى الله عليه وسلم- أنَّ هزَّالًا الأسلميَّ هو الذي أشار عليه بالاعتراف دعاه، ثم قال: ((يا هزَّالُ، لو سترته بثَوْبك، كان خيرًا لك مما صنعت به)).

 

أيها المؤمنون، وأول من حرص على هتك الأستار وكشف العورات، إبليس.. فهو وأولياؤه يحرصون على كشف السوءات والعورات.. فما زال بأبينا آدم وأُمنا حواء حتى بَدَتْ لهما سوءاتهما.. فقال سبحانه محذرًا: ﴿ يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُو وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾ [الأعراف: 27].

 

فإذا استزلَّ الشيطان العبد وأوقعه في ذنب أو معصية، فعليه أن يستر نفسه، فقد جاء في موطأ الإمام مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من أتى شيئًا من هذه القاذورات فليستتر؛ فإنه من أبدى لنا صفحته أقمنا عليه كتاب الله)).

 

كما أن عليه ألَّا يجاهر بمعصيته وذنبه، فإن ذلك أقرب لمغفرة ذنبه وتوبة الله عليه، ففي الصحيحين قال- صلى الله عليه وسلم-: ((كل أمتي معافًى إلا المجاهرين.. وإن من الإجهار أن يعمل العبد بالليل عملًا، ثم يصبح قد ستره ربُّه فيقول: يا فلان، قد عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربُّه.. فيبيت يستره ربُّه، ويصبح يكشف ستر الله عنه)).

 

أيها المؤمنون، وعلى منهاج الأنبياء والمرسلين سار أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فستروا عيوبَ النَّاس، وطَوَوا معايبَهم.

 

فهذا صدِّيقُ الأُمَّة- رضي الله عنه- يقول: "لو لم أجد للسارق والزاني وشارب الخمر إلَّا ثوبي، لأحببتُ أن أستره به"؛ رواه ابن أبي شيبة، وصحَّح سنده الحافظُ ابن حجر.

 

وجلس عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- بين أصحابه.. وفيهم جرير بن عبدالله- رضي الله عنه-.. فخرج من أحد الجالسين ريح.. فأراد عمر أن يأمر صاحب الريح أن يقوم فيتوضَّأ.. فقال جرير لعمر: يا أمير المؤمنين، أو يتوضأ القوم جميعًا؟ فسُرَّ عمر برأيه وقال له: "رحمك الله.. نِعْمَ السيد كنت في الجاهلية.. ونعم السيد أنت في الإسلام".

 

وعن مريم بنت طارق: أن امرأة قالت لعائشة: يا أم المؤمنين، إن كَريًّا- هو من يؤجرك دابته- أخذ بساقي وأنا محرمة.. فقالت: حِجْرًا حِجْرًا حِجْرًا- أي: سترًا وبراءة من ذلك- وأعرضت بوجهها وقالت: يا نساء المؤمنين، إذا أذنبت إحداكن ذنبًا فلا تخبرنَّ به الناس ولتَستَغفِرَنَّ الله ولتَتُب إليه؛ فإن العباد يُعَيِّرون ولا يُغَيِّرون، والله-تعالى- يُغَيِّرُ ولا يُعَيِّرُ"؛ (رواه الخرائطي في مكارم الأخلاق).

 

وهذا ابنُ مسعود- رضي الله عنه- يُؤتى إليه في مَجلسه برجلٍ، فقيل له: هذا فلان تقطر لحيتُه خمرًا - أي: كثيرًا ما يشرب الخمر- فقال- رضي الله عنه-: إنَّا نُهينا عن التجسُّس، ولكن إنْ يظهر لنا منه شيءٌ، نأخذه به.

 

ويُحكى أن عقبة بن عامر- رضي الله عنه- كان له كاتب.. وكان جيران هذا الكاتب يشربون الخمر؛ فقال يومًا لعقبة: إنَّ لنا جيرانًا يشربون الخمر.. وسأخبر الشرط ليأخذوهم.. فقال عقبة: لا تفعل، عِظْهُمْ. فقال الكاتب: إني نهيتهم فلم ينتهوا.. وأنا داعٍ لهم الشرط ليأخذوهم.. فقال عقبة: ويحك. لا تفعل؛ فإني سمعتُ رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقول: ((من رأى عورة فسترها كان كمن أحيا موءودة))؛ (رواه أبو داود).

 

وعن علام بن مسكين قال: سأل رجل الحسن فقال: "يا أبا سعيد، رجل عَلِمَ من رجل شيئًا، أيفشي عليه؟ قال: يا سبحان الله! لا".

 

وعن عثمان بن أبي سودة قال: "لا ينبغي لأحد أن يهتك ستر الله، قيل: وكيف يهتك ستر الله؟ قال: يعمل الرجل الذنب فيستره الله عليه فيذيعه في الناس".

 

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.

 

أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين، فاستغفروه ثم توبوا إليه، إنه هو الغفور الرحيم.

 

الخطبة الثانية

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

عباد الله، إذا كان نشر فضائح العباد قد ذَمَّ الشرعُ فاعِلَه وتوعَّده، فكيف بمَنْ يتهمون الآخرين بالظن، ويشيعون التُّهَمَ بالوهم، يفترون على الأبرياء، ويشوهون صورة الفضلاء بالإفْكِ والبهتان، فهذا الرجم بالإثم إن استهان به مَن استهان، فهو عند الله عظيم وجُرمٌ كبيرٌ؛ قال تعالى: ﴿ إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللهِ عَظِيمٌ ﴾ [النور: 15].

 

ولأجل الستر توعَّد الجبارُ أهلَ السوء، الذين يُحبون إشاعة الفاحشة بالعذاب الأليم؛ ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ﴾ [النور: 19].

 

ولأجل السَّتْر شرع الإسلام حد القذف؛ حتَّى لا تكون الأعراضُ بعد ذلك كلأً مباحًا، شُرِع إقامةُ حد القذف على من رمى مؤمنًا بغير بيِّنة شرعية، قال تعالى: ﴿ وَالَّذينَ يَرمونَ المُحصَناتِ ثُمَّ لَم يَأتوا بِأَربَعَةِ شُهَداءَ فَاجلِدوهُم ثَمانينَ جَلدَةً وَلا تَقبَلوا لَهُم شَهادَةً أَبَدًا وَأُولئِكَ هُمُ الفاسِقونَ ﴾ [النور: 4].

 

ومن أجل الستر أيضًا نَهى الإسلامُ عن التجسُّس على الآخرين؛ ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا ﴾ [الحجرات: 12]. قال المُفسِّرون: التجسسُ: البحثُ عن عيبِ المسلمين وعورتهم.

 

وقد أدَّب المصطفى- صلى الله عليه وسلم- أمَّته، فأحسن تأديبها يومَ أنْ خطب بالناس، فقال بنبرةٍ حادَّةٍ وصوتٍ عالٍ: ((يا معشر مَن آمن بلسانه، ولم يدخل الإيمان، لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتِهم، فإنَّه من يتبع عوراتِهم، يتبعِ الله عورته، ومن يتبعِ اللهُ عورتَه، يفضحه في بيته))؛ رواه الإمام أحمد وأبو داود، وصححه ابن حبان، قال ابنُ القيم- رحمه الله-: "ومِنَ النَّاس مَن طبعُه طبع خنزير، يمر بالطيِّبات، فلا يقف عليها، وهكذا كثير من الناس يسمع منك ويرى من المحاسن أضعافَ المساوئ، فلا يحفظها ولا ينقلها، فإذا رأى سقطةً أو كلمةً عوراء، وجد بُغيته، وجعلها فاكهته ونَقلها".

 

أيها المؤمنون، وأحقُّ الناس بالستر وكتم العيب هم ذوو الهيئات وأهل المروءة، الذين ليس مِن عادتِهم المجاهرة بالمعاصي، وليسوا من المسوِّقين للمنكرات، فالستر على هؤلاء يأتي في الصَّفِّ الأول والمقام الأكمل؛ قال- صلى الله عليه وسلم-: ((أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلَّا الحدود))؛ رواه الإمام أحمد وغيره، وهو حديث حسن.

 

أخوة الإيمان، الستر على المعاصي لا يعني ترك مناصحة مَن وقع فيها، وإسداء التوجيه المناسب لهم، ولا يعني إسقاطَ الحدِّ على من وجب عليه الحد.

 

والستر على الخطايا أيضًا لا يعني تهوينها في النفس، وموت القلب تجاهها، فالقلب الذي لا ينقبض غيرةً على دين الله وحرمات المسلمين هو قلبٌ خاوي الإيمان.

 

أيها المؤمنون، المسلم إذا أراد أن يستر أخاه.. فإن هناك شروطًا لا بُدَّ أن يراعيها عند ستره؛ حتى يحققَ السترُ الغرضَ المقصودَ منه.. وأهمُّ هذه الشروط:

 

• أن تكون المعصية التي فعلها المسلم لا تتعلق بغيره ولا تضر أحدًا سواه.. أما إذا وصل الضرر إلى الناس فهنا يجب التنبيه على تلك المعصية لإزالة ما يحدث من ضرر.

 

• أن يكون الستر وسيلة لإصلاح حال المستور بأن يرجع عن معصيته ويتوب إلى الله تعالى.. أما إذا كان المستور ممن يُصِرُّ على الوقوع في المعصية.. وممن يفسد في الأرض.. فهنا يجب عدم ستره؛ حتى لا يترتب على الستر ضرر يجعل العاصي يتمادى في المعصية.

 

• ألا يكون السترُ وسيلةً لإذلالِ المستورِ واستغلاله وتعييره بذنوبه.

 

• ألا يمنع السترُ من أداء الشهادة إذا طُلبت.. ﴿ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ ﴾ [البقرة: 283].

 

أيها المؤمنون، وللستر آثار إيجابية كثيرة سواء على الفرد أو المجتمع، ومن هذه الآثار ما يلي:

أولًا: استشعار فضل الستر.. وأن الله يستر مَنْ ستر عبدًا مذنبًا؛ فقد أخرج مسلم عن أبي هريرة- رضي الله عنه- أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: ((لا يستر عبدٌ عبدًا في الدنيا إلا ستره الله يوم القيامة)).

 

ثانيًا: رجوع المستور عليه وتوبته.. وليعلم من أنعم الله عليه بالستر بين عباده أن الله يُمهِل ولا يُهْمِل.. وأن الله قادر على أن يكشف سترَه إذا هو كشف الستر الذي بينه وبين الله.. وأن الله مطلع عليه، وأن من قام بالستر عليه لم يستره عن عين الله.. قال تعالى: ﴿ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ [فصلت: 22].

 

ثالثًا: أن الستر علاج اجتماعي كبير.. حيث تختفي فيه كثير من أمراض المجتمع.

 

رابعًا: انتشار المحبة والأُلْفة بين الناس.. وفشوُّ حسن الظن بين المؤمنين.. قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ ﴾ [الحجرات: 12].

 

فاستروا عورات المسلمين، وأقيلوا عثراتهم، وانصحوا منهم من وقع في خطأ أو زلل، واحمدوا الله الذي عافاكم مما ابتلى به كثيرًا من خلقه.

 

اللهم آمن روعاتنا، واستر عوراتنا، واقبل توبتنا، وأقلَّ عثراتنا، يا أرحم الراحمين.

 

هـــذا وصلوا وسلموا رحمكم الله على الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، النبي المصطفى، والرسول المجتبى، نبيِّنا وإمامنا وقدوتنا محمد بن عبدالله بن عبد المطلب، صاحب الحوض والشفاعة، فقد أمركم الله بالصلاة والسلام عليه بقوله: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [الأحزاب: 56].

 

اللهم صلِّ وسلم وبارك على نبينا محمد، صاحب الوجه الأنور، والجبين الأزهر، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن الصحابة أجمعين، ﻭﻋﻦ ﺍﻟﺘﺎﺑﻌﻴﻦ، ﻭﻣَﻦْ ﺗَﺒِﻌَﻬﻢ ﺑﺈﺣﺴﺎﻥ ﺇﻟﻰ ﻳﻮﻡ ﺍﻟﺪﻳﻦ، ﻭﻋﻨَّﺎ ﻣﻌﻬﻢ ﺑﻤﻨِّﻚ ﻭﺭﺣﻤﺘﻚ ﻳﺎ ﺃﺭﺣﻢ الراحمين.

 

عبــاد الله، ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ [النحل: 90]، فاذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ﴿ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ ﴾ [العنكبوت: 45]، والحمد لله رب العالمين.





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • علمتنا الهجرة (خطبة)
  • الاستبشار بنزول الأمطار (خطبة)
  • التقوى خير زاد

مختارات من الشبكة

  • من ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة (خطبة)(مقالة - موقع د. محمود بن أحمد الدوسري)
  • تكريم الشريعة للمسلمة (خطبة)(مقالة - موقع د. علي بن عبدالعزيز الشبل)
  • خطبة: وصايا نبوية إلى كل فتاة مسلمة(مقالة - آفاق الشريعة)
  • حسن الظن بالمسلمين (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • دورة السنين سنة متجددة (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • عمر الفاروق رضي الله عنه (خطبة)(مقالة - موقع د. محمود بن أحمد الدوسري)
  • خطبة ( كن بلسما )(محاضرة - مكتبة الألوكة)
  • جلسة محاسبة (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • قضاء الحوائج: فضائل ونماذج (خطبة)(مقالة - موقع د. محمود بن أحمد الدوسري)
  • نفوسنا بين المسارعة والمخادعة (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • يناير شهر التراث الإسلامي بولاية ميشيغان الأمريكية
  • تطوير أساليب تدريس التربية الدينية محور ندوة علمية للمعلمين في سراييفو
  • مسلمون يقيمون مشروعا إنسانيا يجسد قيم الرحمة والمسؤولية الاجتماعية في بلانو
  • مبادرة تعليمية في بريطانيا لتوحيد رؤية الهلال محليا
  • المنتدى الإسلامي الإقليمي السابع في ألميتيفسك
  • نجاح البرنامج التجريبي "حلقة الإخوة" لدعم المسلمين الجدد في أستراليا
  • ندوة علمية لتعزيز مهارات الخطابة لدى الأئمة في سازين
  • مؤتمر دولي في لاغوس يناقش فقه العقيدة الصحيحة والتحديات المعاصرة

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1447هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 2/8/1447هـ - الساعة: 17:11
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب