• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | مقالات شرعية   دراسات شرعية   نوازل وشبهات   منبر الجمعة   روافد   من ثمرات المواقع  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    منثورات الألباء في البرد والشتاء (خطبة)
    وضاح سيف الجبزي
  •  
    التطرف ليس في التدين فقط (خطبة)
    د. محمد حرز
  •  
    الديات
    نجاح عبدالقادر سرور
  •  
    هل النار ينشئ الله جل جلاله لها خلقا؟
    د. هيثم بن عبدالمنعم بن الغريب صقر
  •  
    أثقل من رضوى
    أ. د. زكريا محمد هيبة
  •  
    كف الأذى ونهي النفس عن الهوى (خطبة)
    الشيخ عبدالله بن محمد البصري
  •  
    تفسير: {يا أيها الناس إن وعد الله حق فلا تغرنكم ...
    تفسير القرآن الكريم
  •  
    فكأنما وتر أهله وماله (خطبة) - باللغة البنغالية
    حسام بن عبدالعزيز الجبرين
  •  
    قصة الصحابي الجائع رضي الله عنه والمسائل ...
    عبدالستار المرسومي
  •  
    الحديث السادس والعشرون: رضا الله في رضا الوالدين
    الدكتور أبو الحسن علي بن محمد المطري
  •  
    من درر العلامة ابن القيم عن الغضب
    فهد بن عبدالعزيز عبدالله الشويرخ
  •  
    تخريج حديث: المستحاضة بالوضوء لكل صلاة (1)
    الشيخ محمد طه شعبان
  •  
    الحياة الزوجية (خطبة)
    د. أيمن منصور أيوب علي بيفاري
  •  
    سؤال لمن يهنئ النصارى بعيد ميلادهم
    محمد بن عبدالله العبدلي
  •  
    تفسير الآية لإزالة إشكال قد يقع في آية أخرى
    الشيخ أ. د. عرفة بن طنطاوي
  •  
    سلسلة هدايات القرآن (3) الاستعاذة بالله من ...
    حمادة إسماعيل فودة
شبكة الألوكة / آفاق الشريعة / منبر الجمعة / الخطب / خطب المناسبات
علامة باركود

منثورات الألباء في البرد والشتاء (خطبة)

منثورات الألباء في البرد والشتاء (خطبة)
وضاح سيف الجبزي

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 11/1/2026 ميلادي - 23/7/1447 هجري

الزيارات: 133

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

منثورات الألباء في البرد والشتاء

 

الحمد لله الملكِ القهَّار، العزيزِ الجبَّار، الرَّحيمِ الغفَّار، مقلِّبِ القلوب والأبصار، مقدِّرِ الأمور كما يشاء ويختار، مُكوِّر النَّهار على الليل، ومُكوِّر الليل على النهار، أسبَل ذيلَ الليل فأظلَم للسكون والاستتار، وأنار منار النَّهار، فأضاء للحركة والانتشار، وجعلهما مواقيتَ للأعمال ومقاديرَ للأعمار، وسخَّر الشمس والقمر يَجريان بحُسبان ومِقدار، ويَعتقبان في دارة الفلك الدوَّار على تعاقُب الأدوار، وجعلهما معالم لليالي والأيام والشهور والأعوام في هذه الدَّار، حكمة بالغة من حكيم عليم ذي اقتدار؛ أحمده، وحلاوة محامده تزداد مع التَّكرار، وأَشكُره وفضله على مَن شكَر مِدرار، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة تبرئ قائلها من الشِّرك بصحة الإقرار، وتبوِّئ قائلها دارَ القرار.

 

وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، البدر جبينُه إذا سُرَّ استنار، واليمُّ يَمينُه فإذا سُئل أعطى عطاءَ مَن لا يخشى الإقتار، والحنيفيَّة دينُه الدِّين القيِّمُ المختار، رفَع الله ببَعثته عن أمَّته الأغلال والآصار، وكشَف بدعوته أذى البصائر وقذَى الأبصار، وفرَّق بشريعته بين المتَّقين والفجَّار، حتى امتاز أهلُ اليمين من أهل اليسار، وانفتَحت أقفالُ القلوب فانشرَحت بالعلم والوقار، وزال عن الأسماع أثقالُ الأوقار.

 

محمدٌ وحْيُ السَّما خالدٌ
يحارُ كلُّ الوصْف في كُنْهِهِ
فهل رأتْ عينٌ أو استعذَبَتْ
من بعدهِ حُسْنًا ومِن قبْلِهِ؟!
إذا انْطَفا نورُ الدُّجى فجأةً
يَسْتصْبِحُ الكونُ على وجْههِ
وحينما غيومُنا أجْدبَتْ
همَتْ غوادي الأرْضِ من مُزْنِهِ!
صلّى عليه الله ما مقلةٌ
رفّتْ فسال الحبُّ من جفنِهِ

 

صلَّى الله عليه وعلى آله أُولي الإقدام والأقدار، وعلى أصحابه أقطاب الأقطار، صلاةً تبلِّغهم في تلك الأوطان نهاية الأوطار؛ أما بعد:

فأُوصيكم - عباد الله - ونفسي بتقوى الله، فاتَّقوا الله ربَّكمالذي خلَقكم، واستعينوا على طاعته بما وهبَكم ومنَحكم، واستجيبوا لِما ندبكم وأمَرَكم، وأحسِنوا ظنَّكم به، فإنه يعلم مُتقلَّبكم ومثواكم، وأخلصوا له أعمالكم ونياتكم، واستَهْدُوه وأمِّلوه يَهْدكم ويَرْحَمْكم، وعلى الخير يَدُلَّكم، وبالتوفيق يُمِدَّكم، وبالفضل يَعُمَّكم، وبالستر يظلَّكم، وبالعناية يَحُفَّكم، وإلى المكرمات يُقِلَّكم، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ﴾ [الأنفال: 29]، ﴿ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ ﴾ [محمد: 36].

 

من يتَّقِ اللهَ يُحمدْ في عواقبهِ
ويَكْفِهِ شرَّ من عزُّوا ومن هانُوا
فالزَم يديك بحبل الله معتصمًا
فإنه الرُّكنُ إنْ خانتك أركانُ

 

أيها المسلمون، يقول الله جل جلاله: ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الأَلْبَابِ ﴾ [آل عمران: 190]، ويقول: ﴿ ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ﴾، ويقول: ﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا ﴾ [الفرقان: 62].

 

نهارٌ مشرقٌ وظلامُ ليلٍ
كأنهما معًا فرسَا رِهانِ
يَقودان العبادَ إلى المنايا
بلا رَسَنٍ[1] تراه ولا عنانِ

 

عباد الله، وفي تقلُّب الليل والنهار، وتعاقُب الأعوام والدهور، وتتابُع الفصول والشهور، عبرة لمن يعتبر، وتذكرة لمن يدَّكر، وموعظة لمن يَزدجر، ﴿ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ ﴾ [الحشر:2].

 

كم يكون الشتاءُ ثم المصيفُ
وربيعٌ يمضي ويأتي الخريفُ!
وارتحالٌ من الحَرور إلى البردِ
وسيفُ الرّدى علينا منيفُ!

 

فسبحان من أجرى ذلك وَفْقَ نظامٍ مُحكم لا يَختل، وزمام مُبرم لا يَنْحَلُّ، ومَسيرٍ مُنسجم لا لا يَعتَلُّ، وناموس ثابت لا يتغيَّر ولا يتبدَّل، وقانون دائم لا يتعثَّر ولا يتحوَّل، ﴿ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ ﴾ [الرعد:8]، ﴿ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا ﴾ [الإسراء:12]، فبعد أن تولَّى الصيف وأدبَر، أقبَل فصل الشتاء وحضر، ومدَّ إلينا أرواقَه، وألقى علينا أوراقَه، وحلَّ ببرده وحِدَّته، ونزل بعُدَّته وشِدَّته، وضرَب بجِرَانه، واستقلَّ بأركانه، وأناخ بنوازله، وأَرْسَى بكَلاكله، ورفَع العماد، وأوثَق الأوتاد.

 

شتاءٌ تَقَلَّصُ الأشداقُ منه
وبرد يَجعل الشُّبَّان شِيبا
وأرضٌ تَزَلَّقُ الأقدامُ فيها
فما تَمشي بها إلا دَبيبا

 

برد كما قيل: يغيِّر الألوان، ويَنشَفُ الأبدانَ، ويُقَضْقِض الأعضاء، ويَنفُض الأحشاء، ويُجمِّد الريق في الأشداق، والدمع في الآماق، وتَشيب منه مفارقُ البروج لتراكم الثلوج.

 

جاء الشتاءُ بجوِّه الهجَّام
والبردُ قضَّ مضاجعَ الأقوامِ
يلجُ العظام يَهُزُّ من أطرافها
فيُهدِّمُ الضُّعفَاءَ بالصَّمصامِ!
سُكناه في الأصلاب أو بتَرائبٍ
يَدعُ الحبيب بنفرةٍ وخصامِ

 

لقد أجلَب برَجله وخَيْله، وأجمع بوَيْله في نهاره وليله، فتساقط الجليد، وتتابع الضَّريب، حتى عادت هامات بعض الجبال شِيبًا، ولبست من الثلج بُردًا قَشِيبًا، وحال بين الأسد وزئيره، والطير وصفيره، والماء وخريره.

 

البردُ أقبلَ والشتاءُ تَوَثَّبَا
والبعض مِن هَوْل الصقيع تحدَّبا
والناس تَرمُقُ بعضها في ضَمْرَةٍ
والدِّفءُ فارَق والضياءُ تَحجّبا
والأكل مشطورٌ يئِنُّ ضَراوةً
والماءُ يَجْمُدُ تارةً أو يَغرُبا
والطفل والشيخ الكبير بأزمة
أين الفرارُ وأين أين سيهربا؟
والصبر يَنفَدُ والهموم تراكمتْ
وغدا المسار يَدِرُّ جوًّا أَكأَبَا

 

ومن قديم وصف بعض الشعراء شدة البرد قوله - مبالغةً -:

بَردٌ لو انَّ الورى جاءَت تبايِعُنِي
على الخلافةِ لم أَقدِر أُمُدُّ يدي!

ومما يُنسب إلى الزمخشري:

أقبلت يا بردُ ببردٍ أَجود
تَفعَل بالأوجه فعلَ المبردِ
أظلُّ في البيت كمثل المقعدِ
منقبضًا تحت الكساء الأسودِ
لو قيل لي: أنت أميرُ البلدِ
فهاتِ للبيعة كفًّا تعقدِ
لكنتُ كالأقطع لم أُخرج يدي



أيها المؤمنون، كان الخلفاء والأمراء يهتمون بأمر رعيَّتهم إذا نزل برد الشتاء، ويتفقدون أحوالهم، فقد روى ابن المبارك عن صفوان بن عمرو عن سليم بن عامر، قال: كان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - إذا حضر الشتاء، تعاهدهم وكتب لهم بالوصيَّة: إنَّ الشتاء قد حضر وهو عدوٌّ، فتأهَّبوا له أُهبةً من الصوف والجِباب، والجوارب والخِفاف المنعَّلة، واتِّخذوا الصوف شعارًا، والقطن دثارًا، فإن البرد عدوٌّ سريع دخوله، بعيد خروجه[2].

 

وإنما كان يَكتُب بذلك عمر إلى أهل الشام لِمَّا فُتحت في زمنه، فكان يخشى على مَن بها من الصحابة وغيرهم، ممن لم يكن له عهد بالبرد أن يتأذَّى ببرد الشام، وذلك من تمام نصيحته، وحُسن نظره وشفقته، وحِياطته لرعيته[3]، وقديمًا قيل: البرد بؤس، والحرُّ أذى[4].

 

قال الأصمعي: كانت العرب تسمي الشتاء: الفاضح[5]؛ لِما يُبديه من حال الفقراء والمساكين، وعُدْم الضعفاء والمحتاجين، وعجز البؤساء والمُعْوِزين، وشدَّة المستورين والمتعففين، وفاقة اليتامى والمكلومين، وخَصاصة المرضى والمحرومين.

 

رُوي عن كعب أنه قال: أوحى الله تعالى إلى داود صلى الله عليه وسلم: أن تأهَّب لعدوٍّ قد أظلَّك، قال: يا رب، من عدوِّي وليس بحضرتي عدوٌّ؟ قال: بلى، الشتاء[6].

 

عباد الله، ما في فصل الشتاء من شدة البرد، وقسوة الزمهرير، يُذكِّر ببرد جهنَّم الذي يَصير على أهلها عذابًا كما الحرارة؛ قال تعالى: ﴿ لا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلا شَرَابًا * إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا ﴾ [النبأ: 24-25]، قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: الغَسَّاق هو الزمهرير يَحرِقُهم ببرده، كما تَحرقهم النار بحرِّها[7].

 

وفي الصحيح: «اشْتَكَتِ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا فَقَالَتْ: رَبِّ أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا، فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ: نَفَسٍ فِي الشِّتَاءِ، وَنَفَسٍ فِي الصَّيْفِ، فَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الحَرِّ، وَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الزَّمْهَرِيرِ»[8].

 

قال ابن رجب - رحمه الله -: وقد جعل الله تعالى ما في الدنيا من شدة الحر والبرد مذكرًا بحرِّ جهنم وبردها، ودليلًا عليها، ولهذا تُستحب الاستعاذة منها عند وجود ذلك[9].

 

أيها المسلمون، مع تقلُّب الأجواء، واشتداد البرد في الشتاء، تظهر الأدواء، وتَزداد اللأواء، وتكثُر الأعراض، وتنتشر الأمراض، خصوصًا الحمى والزُّكام، وآلام العظام، وفي ذلك تكفيرٌ وتطهير، ومِنَحٌ عِظام، فقد دخل صلى الله عليه وسلم على أُمِّ السائِب - أو أمِّّ المُسيِّبِ - فقال: «ما لَكِ يا أُمَّ السَّائِبِ - أو يا أُمَّ المُسَيِّبِ - تُزَفْزِفِينَ[10]؟»، قالت: الحُمَّى، لا بارك الله فيها، فقال - صلى الله عليه وسلم -: «لَا تَسُبِّي الحُمَّى؛ فإنَّهَا تُذْهِبُ خَطَايَا بَنِي آدَمَ، كما يُذْهِبُ الكِيرُ خَبَثَ الحَدِيدِ»[11].

 

معاشر المؤمنين، في الشتاء تذكيرٌ بما أنعم الله على عباده من وسائل الدفء والحماية من إيذاء البرد؛ قال جل جلاله: ﴿ وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ﴾[النحل: 5]، وقال: ﴿ وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ * وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ ﴾ [النحل:80-81].

 

عباد الله، إن أحسن ما أدارته اللهوات، وأدَّته إلى الأسماع الأدوات، ورُويت به القلوب الصاديات، كلام من لا تدركه الصفات، ﴿ يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ﴾ [الأعراف: 26].

 

فاذكروا - جلَّ شأنه - يَذْكُركم، وتوبوا إليه يَتُب عليكم، واستغفروه يَغفِر لكم.

 

الخطبة الثانية

الحمد لله الذي جعل في اختلاف الليل والنهار آياتٍ لأولي الألباب، وجعل الشمس ضياءً والقمر نورًا، وقدَّره منازل؛ لتَعلموا عدد السنين والحساب، نَحمَده على ما أطاله من سوابغ نِعمه وأطاب، وأشهد أنْ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يهدي من يشاء، ويُضل من يشاء، ويُعز من يشاء، ويُذل من يشاء، ويَرزُق مَن يشاء بغير حسابٍ، وأشهد أنَّ سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله، أفضل من أُوتي الحكمة وفصل الخطاب، اللهم فصلِّ وسلِّم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وأصحابه صلاةً وسلامًا دائمين إلى يوم المآب؛ أما بعد:

فإن مما يتحتَّم علينا في هذا البرد - يا أيها الأحبة - أن نتذكَّر الجوعى والمرضى، واليتامى والأيامى، والأرامل والزَّمْنَى، والبُؤساء والبُسطاء، والفقراء والضعفاء، والنازحين في العراء، الذين يفترشون الغَبراء، ويلتحفون السماء، بلا غذاء ولا ماءٍ، ولا دفءٍ ولا مَأْوى، وتحت القصف والعصف!

 

ها نحنُ يا أبتي يسِير وراءَنا
ليلٌ له فَوق السَّواد سَوادُ
ها نحنُ يا أبتي نبيتُ هنا ولا
طُنُبٌ لخَيمتِنا ولا أوتادُ
ونبيتُ يجلدنَا الشِّتاءُ بسَوطه
جلدًا فما يغشَى العُيونَ رُقَادُ
يا ليلَ أمَّتنا الطَّويل متى نرى
فجرًا تُغرِّد فَوقه الأمجَادُ

 

فلنتفقَّد - يا عباد الله - الْمُعدم الفقير، والكاسف الحسير، والبائس الكسير، من ليس له مسكن يلمُّ شَعثه ويُؤويه، ولا بيت يكنُّه ويَقيه، ولا سقف يضمُّه ويَحميه، ولا لباس يَستُره ويُدفيه، ولا دواء يُبرئه ويَشفيه، ولا طعام يُقيمه ويَكفيه، ولا عيش يَمُدُّه ويُغنيه، ولا رزق يُعفُّه ويُرضيه، ولا سبب يُرشده ويَهديه، ولا يَملِك ما يَسُدُّ حاجته ويَصونه وذَويه.

 

وقد أُثر عن حاتم الطائي أنه كان يقول لغلامه - في مثل هذه الليالي الباردة -:

أوقِدْ فإنَّ الليل ليلٌ قرٌ
والريحَ يَا غُلامُ ريحٌ صرُّ
عسى يرى نارَك مَن يمرُّ
إن جلبَتْ ضيفًا فأنت حُرُّ

 

فعلينا - عباد الله - أن نواسي إخوانًا لنا يعانون شراسة البرد وتبعاته، وآلامه ومَضرَّاته: ﴿ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ ﴾ [البقرة:272]، ﴿ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ [البقرة:273-274]، ﴿ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ﴾ [آل عمران:92]، ﴿ وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ﴾ [المعارج:24-25].

 

«مَنْ كَانَ مَعَهُ فَضْلُ ظَهْرٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا ظَهْرَ لَهُ، وَمَنْ كَانَ لَهُ فَضْلٌ مِنْ زَادٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا زَادَ لَهُ»[12].

 

واعلموا أنه ربما سبَق درهم دينارين، وسبق ريال مائتين، وسبق ألف مليونين: ﴿ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ﴾ [سبأ:39]، ﴿ إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ ﴾ [التغابن:17].

 

عن سفيان بن عيينة قال: أُتي رجل من أهل الشام في النوم كأن صفوان بن سليم أُدخل الجنة في قميص كساه مسكينًا، قال: فدخل المدينة فسأل عنه فدلُّوه عليه، فقال: أخبرني عن قصة القميص، فأبى أن يُخبره، فتحمَّل عليه بأصحابه، فقال: إني رأيت في النوم كأنه أُدخل الجنة في قميص كساه مسكينًا، فسلوه يخبرنا عن قصته، فلم يَزالوا به، قال: خرجت ذات ليلة إلى المسجد في السحر، فإذا مسكين يرتعد من البرد، ولم يكن لي قميص غير الذي كان عليَّ، فكسوتُه إياه[13].

 

وكان أويس القرني إذا أمسى تصدَّق بما في بيته من الفضل من الطعام والشراب، ثم قال: اللهم مَن مات جوعًا فلا تؤاخذني به، ومن مات عريانًا فلا تؤاخذني به[14].

 

فتفقَّدوا الفقراءَ يا أحبابنا
وتلمَّسوا حاجاتِ أهلِ الفاقهْ
كم مِن بئيسٍ مُجهدٍ مُتَعفِّفٍ
يشكو لخلَّاق السما إملاقَهْ
هذي النَّصيحةُ لي وللأحباب إنْ
شِئنا بلوغَ القمة العملاقهْ
يا رب بلِّغنا ووفِّقْ سعينا
وأمِدّنا بالطّاقةِ الخلاَّقهْ
واكشفْ بفضلك كربَ أُمةِ أحمد
واجعل بيارَق نصْرها خفَّاقهْ
وعلى حبيبك صلِّ واجعَل جمعَنا
مِمّن تمثَّل في الهدى أخلاقهْ

 

اللهم رحماك بالضعفاء والمضطهدين، واليتامى والمكلومين، والأيامى والمنكوبين، والأرامل والبائسين، والجُرحى والمحرومين، والمُعْوِزين والْمُعدَمين، والنازحين والمشردين.

 

يا مَن يدبِّرُ أمرَ الكونِ أجمعَه
يا من إليه يلوذ الخلقُ في المحنِ
ارْحَمْ ضِعافًا شديدُ البرد يَلفَحُهم
وسطَ الظلام بلا مَأْوى ولا سكنِ

 

عباد الله، ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ [النحل:90].

 

فاذكروا الله العظيم الجليل يَذْكُركم، واشكُروه على نعمه يَزِدْكم، ولذكرُ الله أكبر، والله يعلم ما تَصنعون، وقوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله.



[1] الرّسَن: الحبل، والجمع: أرسان؛ جمهرة اللغة لابن دريد (2/ 722).

[2] ينظر: سرور النفس بمدارك الحواس الخمس للتيفاشي (1/ 240).

[3] لطائف المعارف لابن رجب (320).

[4] مجموع الفتاوى، شيخ الإسلام ابن تيمية (16/ 160).

[5] سرور النفس (1/ 240).

[6] لطائف المعارف (331).

[7] تفسير البغوي (4/ 75).

[8] رواه البخاري (3087)، ومسلم (617).

[9] فتح الباري لابن رجب (4/ 245).

[10] تُزَفْزِفِين: تتحركين حركة شديدة، أي ترعدين؛ شرح النووي على مسلم (16/ 131).

[11] رواه مسلم (2575)، وابن حبان (2938)، وأبو يعلى (2083).

[12] رواه مسلم (1728).

[13] تاريخ دمشق (24/ 130-131).

[14] السير للذهبي (4/ 30).





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • البرد والشتاء والمطر: حكم وأحكام وعبر
  • فقه أحكام البرد والشتاء

مختارات من الشبكة

  • منثورات(مقالة - حضارة الكلمة)
  • منثورات في فضل العلم والطريق إليه(مقالة - مجتمع وإصلاح)
  • البرد والشتاء: حكم وأحكام(محاضرة - موقع د. علي بن عبدالعزيز الشبل)
  • الأدب بين نفس المروءة ولهاث الإثارة(مقالة - حضارة الكلمة)
  • أهمية الإخلاص والتقوى(مقالة - آفاق الشريعة)
  • مسائل متنوعة(مقالة - آفاق الشريعة)
  • خطبة: وقفات وعظات مع الشتاء(مقالة - آفاق الشريعة)
  • أحكام الشتاء العقدية والفقهية (خطبة)(مقالة - موقع الشيخ عبدالرحمن بن سعد الشثري)
  • خطبة: ربيع المؤمنين وغنيمة العابدين (الشتاء)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • مكاره الشتاء (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • مؤتمر دولي في لاغوس يناقش فقه العقيدة الصحيحة والتحديات المعاصرة
  • مسلمو توزلا ينظمون حملة إنسانية ناجحة للتبرع بالدم
  • المسلمون الأكثر سخاء في بريطانيا وتبرعاتهم تفوق المتوسط بأربعة أضعاف
  • تشوفاشيا تشهد افتتاح مسجد مرمم بحضور ديني ورسمي
  • تكريم الفائزين في مسابقة حفظ القرآن بزينيتسا
  • قازان تستضيف المؤتمر الخامس لدراسة العقيدة الإسلامية
  • تعليم القرآن والتجويد في دورة قرآنية للأطفال في ساو باولو
  • ورشة توعوية في فاريش تناقش مخاطر الكحول والمخدرات

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1447هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 22/7/1447هـ - الساعة: 17:29
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب