• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | مقالات شرعية   دراسات شرعية   نوازل وشبهات   منبر الجمعة   روافد   من ثمرات المواقع  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    التأصيل الشرعي لمقصد "حفظ الدين" مفهومًا وأدلةً ...
    د. مصطفى طاهر رضوان
  •  
    تجانس الناسخ والمنسوخ: دراسة تأصيلية مقارنة (PDF)
    عدنان بن أحمد البسام
  •  
    الغلو ليس من الدين
    د. حسام العيسوي سنيد
  •  
    التدين الواضح
    د. محمود حسن محمد
  •  
    بيض صحيفتك السوداء في رجب (خطبة)
    وضاح سيف الجبزي
  •  
    ونكتب ما قدموا وآثارهم (خطبة) - باللغة
    حسام بن عبدالعزيز الجبرين
  •  
    تفسير: (وإن يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك وإلى الله ...
    تفسير القرآن الكريم
  •  
    من درر العلامة ابن القيم عن أصناف الناس
    فهد بن عبدالعزيز عبدالله الشويرخ
  •  
    يا صاحب الهم إن الهم منفرج (خطبة)
    وضاح سيف الجبزي
  •  
    التلقي عن الشيوخ مفتاح الملكة اللغوية والمذاكرة ...
    د. محمد عبدالله الأطرش
  •  
    هل ما زلت على قيد الحياة؟ (خطبة)
    حسان أحمد العماري
  •  
    تخريج حديث: قدح من عيدان يبول فيه، ويضعه تحت ...
    الشيخ محمد طه شعبان
  •  
    أهم الحالات التي يندرج تحتها التفسير الاجتهادي ...
    الشيخ أ. د. عرفة بن طنطاوي
  •  
    نصرة السنة ورد شبهات المغرضين حول حديث: «لن يفلح ...
    د. هيثم بن عبدالمنعم بن الغريب صقر
  •  
    العجلة
    د. أمير بن محمد المدري
  •  
    الحديث الخامس والعشرون: فضل بر الوالدين
    الدكتور أبو الحسن علي بن محمد المطري
شبكة الألوكة / آفاق الشريعة / منبر الجمعة / الخطب / الرقائق والأخلاق والآداب
علامة باركود

يا صاحب الهم إن الهم منفرج (خطبة)

يا صاحب الهم إن الهم منفرج (خطبة)
وضاح سيف الجبزي

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 4/1/2026 ميلادي - 16/7/1447 هجري

الزيارات: 627

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

يا صاحب الهمِّ إن الهمَّ منفرجٌ

 

الحمد لله، أمر ألَّا تعبدوا إلا إياه، لا يكشف الضر سواه، ولا يدعو المضطر إلا إياه، نعوذ من سخطه برضاه، ونُنزل فقرنا بغناه، ونستغفره ﴿ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ ﴾ [آل عمران: 135].

 

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده ربي لا شريك له، أحاط بكل شيء علمًا، ووسِع كل شيء رحمةً وحِلمًا، لا تدركه الأبصار، وكل شيء عنده بمقدار، جعل النار بردًا وسلامًا على إبراهيم، وفلق البحر لموسى الكليم، ﴿ وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ ﴾ [الأنعام: 17، 18].

 

وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وأمينه على وحيِه، وخيرته من خلقه، وسفيره بينه وبين عباده، أرسله رحمةً للعالمين، وإمامًا للمتقين، وحُجةً على الخلائق أجمعين، ونجاةً لمن آمن به من الموحِّدين، وشفيعًا في المحشر، ومفخرًا للمَعشر، ومُزيلًا للغمة عن جميع الأمة.

 

قل لمن يشتكي من الهم والغمِّ
ومن الضيق والأسى يتألمُ
أيها السائلون حاجاتِكم لا
تغفُلوا وصفة الدواء المحتمِ
إن أردتم أن تسعدوا وتفوزوا
فلتُصلوا على النبي المكرمِ
فبها تنجلي الكروب جميعًا
وهي للضيق والأسى خير بلسمِ
وبها تُغفر الذنوب بهذا
بشَّر المصطفى محبِّيه فاغنمِ
فصلاةٌ على شفيع البرايا
من عليه الإله صلى وسلَّمِ

 

اللهم صلِّ وسلم على من شرحت من بين العالمين صدره، ووضعت عنه وِزره، ورفعتَ له ذِكره، ويسَّرت أمره، وعلى آله وصحبه، ومن سار على نهجه، واقتفى أثره، واتبع هداه؛ أما بعد:

فأوصيكم عباد الله ونفسي بتقوى الله، فاتقوا الله رحمكم الله؛ فإن تقواه تشرق على القلوب بشموس المَسرَّة، وتدفع عنها خطوب المضرة، وترفع ما علق بها من آثار المَعرَّة؛ ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا ﴾ [الطلاق: 5].

 

إخوةَ الإسلام، أُثر عن عليٍّ رضي الله عنه أنه قال: "أشد خلق ربك عشرة: الجبال، والحديد ينحت الجبال، والنار تأكل الحديد، والماء يطفئ النار، والسحاب المسخَّر بين السماء والأرض يحمل الماء، والريح تُقل السحاب، والإنسان يتقي الريح بيده، ويذهب فيها لحاجته، والسُّكر يغلِب الإنسان، والنوم يغلب السكر، والهم يمنع النوم، فأشد خَلق ربك الهمُّ"[1].

 

عباد الله، فإذا كان أشد جند الله الجبال، والجبال يقطعها الحديد؛ فالحديد أقوى، والنار تذيب الحديد؛ فالنار أقوى، والماء يطفئ النار؛ فالماء أقوى، والسحاب يحمل الماء؛ فالسحاب أقوى، والريح تعبث بالسحاب؛ فالريح أقوى، والإنسان يتكفَّأ الريح بيده وثوبه؛ فالإنسان أقوى، والنوم يغلِب الإنسان؛ فالنوم أقوى، والهم يغلب النوم؛ فأقوى جند الله هو: الهم، الذي يصيب به من يشاء، ويسلطه على من يشاء، ويبتلي به من يشاء، ويرفع به درجاتِ من يشاء.

 

أيها المسلمون، إن الهمَّ من أخطر المنغِّصات الحياتية، والمشاعر المعنوية التي تعتري النفس البشرية، وتؤثر عليها تأثيرًا سلبيًّا بالغًا، قد يفوق تأثيرها تأثيرَ المضرَّات الحسية؛ ولذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم يستعيذ من هذه المنغصات النفسية قائلًا: ((اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن))[2].

 

معاشر الإخوة، إن من خطورة الهم، وآثاره السلبية على النفس: أنه إذا نزل بالمرء، وتمكَّن منه؛ كدَّر عليه الصفو وأغمَّه، وأعماه وأصمَّه، وغدا في لُجته مأسورًا، وفي باحته مثبورًا، وأصبح شريد الراحة، طريدَ السكينة، مبعثرَ الحال، كاسف البال، منكسر القلب، قلِقَ الأحشاء، مهضوم القوى، ملامحه عليها غَبَرة، ترهقها قَتَرة، لا يكتحل بنوم، ولا يلذ بطعام، ولا يهنأ بشراب، نهاره للفكر، وليله للسهر، طُرق الأنس دونه مبهمة، وآفاق السرور عليه مظلمة، لا يستقر به مضجع، ولا يجِف له مدمع، يرى ضياء الدنيا ظلامًا، ويتصور نور الشمس قتامًا.

 

وقد قيل: الهم نصف الهرم، ومن حمل غمًّا حمل سُمًّا، وخُيل إليه بأن النهار لن يدرك الليل، وأن الليل لن يعقبه نهار، وتصبح عنده الدقائق ساعات، والساعات أيامًا، والليالي سنوات.

 

إن الليالي للأنام مناهلُ
تُطوى وتُنشر دونها الأعمارُ
فقصارهن مع الهموم طويلة
وطوالهن مع السرور قصارُ

 

والهمُّ - أجارنا الله وإياكم منه - إذا نكأ القلب أبكى العين، وإذا لازم الإنسان حجَّر عليه واسعًا، وزاحم أمامه متسعًا، وضيَّق عليه الأرض بما رحبت، ونفَّره من الحياة وما حملت، حتى يكون حرضًا، أو يكون من الهالكين.

 

والهم يخترمُ الجسيم نحافةً
ويشيب ناصيةَ الصبي ويُهرمُ

 

معاشر الأحِبة، وإذا كان الهم من منغِّصات المستقبل، فإن الحزن من مكدِّرات الماضي، وهو من حبائل الشيطان التي ينصبها للمسلمين، ويثبِّط بها المؤمنين، ﴿ إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ [المجادلة: 10]، ولذلك لم يأتِ في القرآن إلا في سياق النهي: ﴿ وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ ﴾ [آل عمران: 139]، ﴿ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ﴾ [التوبة: 40]، ﴿ وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ ﴾ [يونس: 65]، ﴿ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ ﴾ [النحل: 127].

 

عباد الله، وهذا خير خلقِ الله صلى الله عليه وسلم، وأحبهم إلى مولاه، نال الحزن من صحته يومَ أن أعرض أهلُ مكة عن دعوته، فلم ينتفعوا بهُداه، ولم يتبعوا خُطاه، وكاد يفتك به، حتى أشفق عليه مولاه فواساه: ﴿ فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا ﴾ [الكهف: 6]، ﴿ لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ﴾ [الشعراء: 3]، ثم نهاه قائلًا: ﴿ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ ﴾ [النحل: 127]، ﴿ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ ﴾ [فاطر: 8].

 

أيها المؤمنون، ولنتأمل ما صنع الحزنُ بنبي الله يعقوب عليه السلام؟! وكيف أتلف عليه حاسة من أهم حواسه؟! قال الله: ﴿ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ * قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ ﴾ [يوسف: 84، 85].

 

ولكنه - يا عباد الله - لم ينفِّس بالصراخ والجزَع عن جَواه، ولم يعبِّر بالنواح والهلع عن بَلواه، وإنما سلَّم أمره لمولاه، وبثَّ إليه شكواه: ﴿ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ ﴾ [يوسف: 86]، وظلَّ صلب المِراس، موفورَ الثقة، باديَ اليقين: ﴿ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [يوسف: 86]، بقلبٍ لا تشوبه رِيبة، ونفسٍ لا تزعزعها كُربة: ﴿ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ ﴾ [يوسف: 87].

 

معاشرَ المؤمنين، وموطنُ التأسي، ومحل الاعتبار: ألَّا يرفع المرء راية الاستسلام، ولا ينهزم المؤمنُ أمام الأحزان، ولا يَهِنُ عند المصائب، ولا يضعُف أمام التحديات، ولا يرضَخ للصعوبات، ولا يستجيب للمُثبِّطات، ولا يتعاطى مع الواردات، وأن يحذر السقوط في حلبة الهموم، والوقوع في شِباك الغموم، ولا يسمح لليأس أن يزعزع ثقته ويقينه، ولا للإحباط أن يفُلَّ عزيمته وشكيمته، ولا يخلُد إلى نوم الهاربين من وَعثاءِ الحياة، ولا يتأسَّى بالفارِّين من بوائق الدهر، بل يثبت أمام الرياح العاتية والعواصف، ويتماسك مهما اشتدت الرعود والبروق والقواصف؛ فإن الحياة لا تتصور بلا منغِّصات، ولا يمكن أن تخلو من المكدِّرات؛ كما قيل.

 

ثمانية لا بد منها على الفتى
ولا بد أن تجري عليه الثمانيهْ
سرور وهمٌّ واجتماع وفرقة
ويُسرٌ وعُسرٌ ثم سقم وعافيهْ

 

ففي كل دار نائحةٌ، وفي كل بلد جائحةٌ، وعلى كل خدٍّ دمعةٌ، وفي كل وادٍ بنو سعد.

 

ومن ذا الذي لم تُصبه لذعة همٍّ؟! ولم تَطُله لسعة غمٍّ؟!

 

أمَّن هذا الذي لم يلفحه دُخَان الحزن وغباره، أو لم يصل إليه وهج الهم وأُوَارُه؟!

 

من ذا الذي قد نال راحة فكره
في عمره من عسره أو يسرهْ؟
يلقى الغنيُّ لحفظه ما قد حوى
أضعافَ ما يلقى الفقير لفقرهْ
فيظل هذا ساخطًا في قلَّهْ
ويظل هذا تاعبًا في كثرهْ
والجن مثل الإنس يجري فيهم
حكمُ القضاء بحلوه وبمرهْ

 

يقول عكرمة: "ليس أحد إلا وهو يفرح ويحزن، ولكن اجعلوا الفرح شكرًا، والحزن صبرًا"[3].

 

ويقول إبراهيم التيمي: "ينبغي لمن لم يحزن أن يخاف ألَّا يكون من أهل الجنة؛ لأنهم قالوا: ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ ﴾ [فاطر: 34]، وينبغي لمن لم يشفق أن يخاف ألَّا يكون من أهل الجنة لأنهم قالوا: ﴿ إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ ﴾ [الطور: 26]"[4].

 

عباد الله، إن من آمن بالله، وتوكل عليه، وسلَّم زمام أموره إليه، وأنزل همومه وأحزانه به، وعرف حقيقة الحياة، وأدرك طبيعة الدنيا؛ فلن يجد اليأس إلى قلبه سبيلًا، ولن يلقى الإحباط في نفسه موطنًا، وإنما يظل باديَ الثبات، فسيحَ الأمل، دائم العمل، بعيد النظر، عزيز الجانب، كامل الثقة، تام الرضا، عظيم الرجاء، متشبثًا برحمة ربه، محسنًا ظنه به، مهتديًا بهدى الإيمان، مستضيئًا بأنوار القرآن، يرمق الغد وفي فؤاده شعاع من رجاء لا تطفئه الأحداث، موقنًا بأن بوادر الصفو لا بد آتية، وأن من الحكمة ارتقابها في سكون ويقين، وصبر متين، وعزم لا يلين: ﴿ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ﴾ [آل عمران: 186]، ﴿ حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ ﴾ [التوبة: 59]، ﴿ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ ﴾ [المائدة: 52].

 

رويدك! فالهموم لها رِتاجُ
وعن كثب يكون لها انفراجُ
ألم تَرَ أن طول الليل لما
تناهى حان للصبح انبلاجُ؟

 

معاشر الأحِبة، كثيرون هم الذين يتبرمون بالزوابع التي تناوشهم، والمدلهِمَّات التي تفاجئهم، ويغفُلون أن المتاعب والآلام قد تكون تربة خصبةً تنبت على جوانبها بذور القوة والنشاط؛ إذ ما تفتَّقت مواهب كثير من العظماء إلا وسط ركام من المشاقِّ والجهود المضنية.

 

فكم دَعَةٍ أتعبت أهلها
وكم راحة نتجت من تعبِ!

 

فلَرُبَّ ضارة نافعة، وربما صحَّت الأجسام بالعِلل، ورب محنة في طيها منحة، وكم بسمةٍ كانت بعد غصَّة! ورُب فرحة بعد ترحة.

 

كم فرجٍ بعد إياس قد أتى
وكم سرورٍ قد أتى بعد الأسى!

وإن عواقب الأمور تتشابه في الغيوب؛ فرُبَّ محبوب في مكروه، ورب خير في شرٍّ، والمجد شهد يُجتنى من حنظل؛ ﴿ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ﴾ [البقرة: 216].

 

يقول ابن عباس رضي الله عنه: "إن المؤمن من الله على خير؛ يرجوه في البلاء، ويحمده في الرخاء"[5].

 

ويقول ابن الجوزي رحمه الله: "واعلم أن زمان الابتلاء ضيف، قِراه[6] الصبر، كما قال الإمام أحمد رحمه الله: إنما هو طعام دون طعام، ولباس دون لباس، وإنها أيام قلائلُ، فلا تنظر إلى لذة المُترفين، وتلمَّح عواقبهم، ولا تضِق صدرًا بضيق المعاش، وعلِّلِ الناقة بالحدو تَسِر"[7].

 

طاوِل بها الليل مال النجم أم جنحا
وماطِلِ النوم ضنَّ الجفن أم سمحا
فإن تشكَّت فعلِّلها المجرة من
ضوء الصباح وعِدها بالرواح ضُحى

 

أيها المؤمنون، وإن مما يخفف على العبد ثقل الهموم والأحزان؛ أن يعلم أن كل ذلك بقدر، وأن كل بلاء في الكتاب مُستطَر؛ قال مالك الملك وملك الملوك جل جلاله: ﴿ مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ﴾ [الحديد: 22، 23].

 

رويَ أنه صلى الله عليه وسلم قال لابن مسعود: "لا تُكثِر همك، ما يُقدَّر يكُن، وما تُرزق يأتِك"[8].

 

سهرت أعينٌ ونامت عيون
لأمور تكون أو لا تكونُ
فاطرُدِ الهمَّ ما استطعت عن النفس
فحِملانك الهمومَ جنونُ
إن ربًّا كفاك بالأمس ما كان
سيكفيك في غدٍ ما يكونُ

 

إن العيش - يا أيها الإخوة الفضلاء - في حدود اليوم هدوء بالٍ، وراحة حالٍ، وطمأنينة روحٍ، وسكينة نفسٍ؛ يقول صلى الله عليه وسلم: ((من أصبح آمنًا في سِربه، معافًى في جسده، عنده طعام يومه، فكأنما حِيزت له الدنيا))[9].

 

إذا أصبحتُ عندي قوت يومي
فخلِّ الهم عني يا سعيدُ
ولم تخطُر همومُ غدٍ ببالي
فإن غدًا له رزقٌ جديدُ
أُسلِّم إن أراد الله أمرًا
وأترك ما أريد لِما يريدُ

 

ولهذا قيل: لا تثقل يومك بهموم غدك، فقد لا تجيء هموم غدك، وتكون قد حرمت من سرور يومك.

 

فكم ليلة بتَّ في كربة
يكاد الرضيع لها أن يشيبُ
فما أصبح الصبح حتى أتى
من الله نصر وفتح قريبُ

 

عباد الله، ومما يهون على العبد وقع المصائب والبلوى: أن ينظر إلى عظيم أجرها، ويتأمل جزيلَ ثوابها؛ يقول صلى الله عليه وسلم: ((عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراءُ شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراءُ صبر فكان خيرًا له))[10].

 

ويقول صلى الله عليه وسلم: ((ما يُصيب المسلم من نصَب، ولا وصَب، ولا همٍّ ولا حزن، ولا أذًى ولا غم، حتى الشوكة يشاكها، إلا كفَّر الله بها من خطاياه))[11].

 

أيها المسلمون، ومما يخفف على المرء الهمومُ والأحزان أيضًا: أن يعلم ((أن النصر مع الصبر، وأن الفرَج مع الكَرب، وأن مع العسر يسرًا))[12].

 

إذا تضايق أمر فانتظر فرجًا
فأضيقُ الأمر أدناه من الفرجِ

 

يقول ابن رجب: "ومن لطائف أسرار اقتران الفرج بالكرب، واليُسر بالعُسر: أن الكرب إذا اشتد وعظُم وتناهى، حصل للعبد الإياس من كشفه من جهة المخلوقين، وتعلَّق قلبه بالله وحده، وهذا هو حقيقة التوكل على الله، وهو من أعظم الأسباب التي تطلب بها الحوائج؛ فإن الله يكفي من توكل عليه؛ كما قال: ﴿ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ﴾ [الطلاق: 3]"[13].

 

فاستأنسوا يا إخوتي في الله
إن الهموم لَمُوحشات اللاهي
ويل العباد من الهموم وإنها
تخبو لدى مستأنس باللهِ

 

فيا أيها المهموم، ويا أيها الحزين، ويا أيها المكروب، ويا أيها المكلوم، ﴿ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ ﴾ [الحجر: 55]، ﴿ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ ﴾ [الحجر: 56].

 

لا تيأسنَّ من انفراج شديدةٍ
قد تنجلي الغمرات وهي شدائدُ
كم كربةٍ أقسمت ألَّا تنقضي
زالت وفرَّجها الجليل الواحدُ

 

معاشر المؤمنين، وإن من حكمة الله جل شأنه، ومن رحمته بعباده؛ أن جَعَل لهم سُبلًا للخلاص من همومهم، ووسائل للتغلب على أحزانهم، وأسبابًا لكشف كروبهم.

 

وإن أعظم سببٍ، وأرجى وسيلة، وأنجع دواء يا عباد الله: الإيمان بالله، والاستقامة على مراده، واتباع أوامره:﴿ فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ [البقرة: 38]، ﴿ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ [الأنعام: 48]، ﴿ فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ [الأعراف: 35]، ﴿ وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ [الزمر: 61]، ﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ﴾ [فصلت: 30]، ﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ [الأحقاف: 13].

 

من يُحسن الظن بذي العرش نجا
من كل ما يخشى ونال ما رجا

 

معاشر المؤمنين، وقد أرشدنا إمام الرحمة، ونبي الهدى صلى الله عليه وسلم، وساق لنا أدويةً لهذه الأدواء، وعقاقيرَ روحية لتلك الهموم، ودلَّنا على مُذهبات الأحزان، وكاشفات الكروب؛ فقال صلى الله عليه وسلم: ((ما أصاب أحدًا قط همٌّ ولا حزن فقال: اللهم إني عبدك، ابن عبدك، ابن أمَتك، ناصيتي بيدك، ماضٍ فيَّ حكمك، عدل فيَّ قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك، سميتَ به نفسك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو أنزلته في كتابك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيعَ قلبي ونور صدري، وجِلاء حزني، وذهاب همي، إلا أذهب الله همه وحزنه، وأبدله مكانه فرحًا، فقيل: يا رسول الله، ألا نتعلمها؟ فقال: بلى، ينبغي لمن سمعها أن يتعلمها))[14].

 

يقول الإمام ابن القيم رحمه الله: "ولما كان الحزن والهم يضاد حياة القلب واستنارته، سأل أن يكون ذهابها بالقرآن؛ فإنها أحرى ألَّا تعود، وأما إذا ذهبت بغير القرآن؛ من صحة، أو دنيا، أو جاه، أو زوجة، أو ولد، فإنها تعود بذهاب ذلك"[15].

 

يا ضائق الصدر من كرب ومن بأس
ومن جفاء ومن همٍّ ووسواسِ
إن الصدور لها ذكر يطمئنها
(من مطلع الحمد حتى آخر الناسِ)

 

فيا من ضاقت به الدروب، وادلهمَّت عليه الخطوب، وبات ودمعه من الحزن مسكوب، إن في قميص يوسف دواءَ عينَي يعقوب، وفي المغتسل البارد شفاءً لمرض أيوب، ونار الخليل كالظل الظليل، والبحر يفتح لموسى السبيل، ويونس يخرج من الظلمات بلطف الملك الجليل؛ ﴿ أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾ [يونس: 62 - 64].

 

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما جاء فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم، ولسائر المسلمين، من كل ذنب وخطيئة، فاستغفروه؛ إنه هو الغفور التواب الرحيم.

 

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، الحمد لله على ما منح وأعطى، والحمد لله على ما عافى وابتلى، حمدًا يكون أرضى الحمد له، وأحب الحمد إليه، وأفضل الحمد عنده، حمدًا يملأ ما خلق، ويبلغ ما أراد، حمدًا لا يُحصى عدده، ولا يفنى مدده، ولا ينقضي أمده، ويتصل أبد الآبدين سنده.

 

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، تبارك اسمه، وتعالى جده.

 

وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا رسول الله وعبده، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه، وأتباعه بإحسان إلى يوم أن يجيء وعده؛ أما بعد:

فاتقوا الله عباد الله، وأحسِنوا الظن بربكم ومليككم، وأمِّلوا برحمة مولاكم الذي يعلم سركم ونجواكم، ويرى متقلبكم ومثواكم، واعتمدوا عليه في دفع ضركم ورفع بلواكم، وثِقوا به في تفريج همومكم، وكشف غمومكم، وهوِّنوا المصائب في أعينكم تهُن وتصغُر، وتغابوا عن الهموم والأحزان ترتفع وتدبر، ولا تُعطوها أكبر من حجمها فتكبر، وخذوا أمور الدنيا بأسهلَ ما يكون، وغضوا الطرف عن مُذكيات الهموم بالتغابي لعلكم تفلحون، وأكْثِروا من ذكر ربكم، والالتجاء إليه، واستغفروه لعلكم ترحمون، واعتصموا بحبله، واستمسكوا بكتابه، وقِفوا ببابه، ولُوذوا بجنابه، وادعوه وأنتم موقنون بجوابه، فإن الدعاء بإذن الله أعظم دافع للهمِّ، وأقوى رافع للغم؛ فبه تكشف بإذن الله الكروب، وتضيء الدروب، وتزول الخطوب، وتقضى الحوائج، وتدفع البلوى، وتُرفع الشكوى.

 

حمقًا شكوتُ لغير الله أوجاعي
فلم تلامِس لديهم غير أسماعِ
وحين بُحت بها لله في ثقة
لمستُ راحة قلبي بين أضلاعي
من قال: «إني قريب» جلَّ قائلها
هو المجيب بحقٍّ دعوة الداعي

 

فالله جل جلاله هو الذي يجيب دعوة الداعي إذا دعاه، باللسان ناداه أم بالفؤاد ناجاه، مبسوطة بالعطاء للسائلين يداه، تدعوه النواطق بمختلف اللغات، وغرائب اللهجات، وتدعوه الصوامت بالذل والإخبات وتقلُّب الحالات، ﴿ وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ ﴾ [الشورى: 28].

 

وكم حالٍ تضيق بها صباحًا
فتُرزق مخرجًا عند المساءِ
إذا حلَّت همومك فابتدرها
فإن دواء همك في الدعاءِ

 

﴿ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾ [البقرة: 137]، ﴿ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [آل عمران: 101]، ﴿ وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ﴾ [غافر: 60]، ﴿ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ * هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ [غافر: 64، 65].

 

إذا الصدر ضاق بآهاتِه
وطال أسى قلبك المكتربِ
فناجِ الذي في مناجاته
خلاصك واسجد له واقتربِ

 

عباد الله، وقد كانت لرسولنا صلى الله عليه وسلم دعوات لا يدَعهن[16]، وكان كثيرًا ما يقول: ((اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، والبخل والجبن، وضلَع الدين، وغلبة الرجال))[17].

 

وفي حديث ابن عباس رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول عند الكرب: ((لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السماوات ورب الأرض، ورب العرش الكريم))[18].

 

معاشر الإخوة، ومن أدوية هذه البلايا والرزايا كذلك: أن يوجِّه المسلم همه وهمته نحو آخرته؛ يقول حبيبنا وقرة أعيننا عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم: ((من كانت الآخرة همه جعل الله غِناه في قلبه، وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا همه جعل الله فقره بين عينيه، وفرَّق عليه شمله، ولم يأتِه من الدنيا إلا ما قدر له))[19].

 

يقول ابن القيم: "إذا أصبح العبد وأمسى وليس همه إلا الله وحده؛ تحمَّل الله سبحانه حوائجه كلها، وحمل عنه كل ما أهمه، وفرغ قلبه لمحبته، ولسانه لذكره، وجوارحه لطاعته، وإن أصبح وأمسى والدنيا همه؛ حمَّله الله همومها وغمومها وأنكادها، ووكله إلى نفسه، فشغل قلبه عن محبته بمحبة الخلق، ولسانه عن ذكره بذكرهم، وجوارحه عن طاعته بخدمتهم وأشغالهم.

 

فكل من أعرض عن عبودية الله وطاعته ومحبته، بُلي بعبودية المخلوق ومحبته وخدمته؛ قال تعالى: ﴿ وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ ﴾ [الزخرف: 36]"[20].

 

عباد الله: وإذا كان اللجوء إلى الله جل جلاله سببًا في انكشاف الكرب، وجِلاء الحزن، فإن ذِكر الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم سببٌ في حلول الأنس، وكفاية الهم، وكشف الغم، وزوال الكرب، وتكفير الخطايا، ودفع البلايا والرزايا بإذن الله.

 

يا من جفاهُ لسطوة الهم الكرى
وله ذنوب يرتجي أن تُغفرا
ردِّد إذا شئتَ السعادة مخلصًا:
صلى عليك الله يا خير الورى
واجعل لسانك بالصلاة مطيبًا
وأنِل فؤادك من سلامك عنبرا
فإذا فعلتَ رُزقتَ كل فضيلة
ما كنت يومًا ترتجي أن تخطرا

 

عن أُبي بن كعب رضي الله عنه قال: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذهب ثلثا الليل قام فقال: يا أيها الناس، اذكروا الله، اذكروا الله، جاءت الراجفة تتبعها الرادفة، جاء الموت بما فيه، جاء الموت بما فيه، قال أُبي: قلت: يا رسول الله، إني أُكثر الصلاة عليك، فكم أجعل لك من صلاتي؟ فقال: ما شئت، قال: قلت: الربع؟ قال: ما شئت، فإن زدت فهو خير لك، قلت: النصف؟ قال: ما شئت، فإن زدت فهو خير لك، قال: قلت: فالثلثين؟ قال: ما شئت، فإن زدت فهو خير لك، قلت: أجعل لك صلاتي كلها، قال: إذًا تُكفى همك، ويُغفر لك ذنبك))[21].

 

وقال رجل: ((يا رسول الله، أرأيتَ إن جعلت صلاتي كلها عليك؟[22] قال: إذًا يكفيك الله ما أهمك من دنياك وآخرتك))[23].

 

قل لعظيم البلوى والهم:
داوِ الهم بأعظم بلسم
فبه تُشفى وبه تُعصم
فبه استمسك وله فالزم
صلِّ على المبعوث الأعظم
تسعد تَعلى تَحظى تُكرم
صلى المولى عليه وكرم
صلى الله عليه وسلم

 

فيا من آذاه الكرب وأضناه، وأقلقه الهم وأنكاه، وأتعبه الغم وأبكاه، وهدَّه الحزن وأعياه، وزلزله الخطب وأشقاه، وأكبَّه وأرداه؛ تذكر: ﴿ أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ ﴾ [النمل: 62].

 

يا من بالغَتِ الشدائد في ردِّه، وأكثرت البلايا من صدِّه، سيأتي الله بالفرج أو أمر من عنده.

 

فلا تقنط وإن لاقيت
همًّا يقبض النفَسا
فأقرب ما يكون المرء
من فرج إذا يئسا

 

فأصغِ يا عبدالله سمعك، وجفف دمعك، واجبر كسرك، وخفف من روعك، سوف تنكشف بحول الله الغمة، وتتبدد الأحزان، وتزول الهموم، وينجلي القتام، وينقشع الظلام، ويزهق الباطل، ويتجدد الأمل، وتسطع شمس الحق بإذن الواحد الأحد.

 

فإن اليسر بعد العسر يأتي
وعند الضيق تنفرج الكروبُ
وكم جزعت نفوسٌ من أمورٍ
أتى من دونها فرج قريبُ

 

فارحل بقلبك إذا الهمُّ برَّك، واشرح صدرك عند ضيق المعترك، واعلم أنه لا يدوم شيء مع دوران الفلك، فاصبر وانتظر من الله الفرج، فكأنك بليلِ الشدة قد انبلج، ﴿ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا ﴾ [الإسراء: 51]، ﴿ سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا ﴾ [الطلاق: 7].

 

يا صاحب الهمِّ إن الهمَّ منفرجٌ
أبشِر بخيرٍ فإن الفارج اللهُ
اليأس يقطع أحيانًا بصاحبه
لا تيأسنَّ فإن الكافي اللهُ
الله يُحدث بعد العسر ميسرةً
لا تجزعنَّ فإن القاسم اللهُ
إذا بُليتَ فثِق بالله وارضَ به
إن الذي يكشف البلوى هو اللهُ
الله حسبك مما عُذت منه به
وأين أمنع ممن حسبه اللهُ؟!
والله ما لك غير الله من أحدٍ
فحسبك اللهُ في كلٍّ لك اللهُ

 

اللهم يا حي يا قيوم، يا حنَّان يا منَّان، يا بديع السماوات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام، نسألك أن تجعل لنا من كل همٍّ فرجًا، ومن كل ضيق مخرجًا، ومن كل عسر يسرًا، ومن كل محنة نجاة، ومن كل بلاء عافية، يا مؤوي المنقطعين إليه، يا كافيَ المتوكلين عليه، انقطع الرجاء إلا منك، وخابت الظنون إلا فيك، وضعف الاعتماد إلا عليك، ووهن الاستناد إلا إليك، اللهم حُفَّنا بعنايتك، واكفِنا بإعانتك، والطف بنا في قضائك، وصُدَّ عنا عوارض بلائك.



[1] الطبراني في المعجم الأوسط (901)، وابن منده في التوحيد (1/191)، والهيثمي في مجمع الزوائد (13367)، وقال: رجاله ثقات.

[2] رواه البخاري (6363)، وأحمد (13365)، والنسائي (5453).

[3] تفسير البغوي (8/40).

[4] تفسير ابن أبي حاتم (10/3183).

[5] التفسير الوسيط للواحدي (2/629).

[6] القِرى: طعام الضيف؛ [ينظر: التقفية في اللغة للبندنيجي (1/95)].

[7] صيد الخاطر (1/447).

[8] الفرج بعد الشدة لابن أبي الدنيا (40)، الآحاد والمثاني لابن أبي عاصم (2806)، أصول اعتقاد أهل السنة لللالكائي (1080)، شعب الإيمان للبيهقي (1144)، تاريخ دمشق لابن عساكر (13/356).

[9] رواه البخاري في الأدب المفرد (300)، والترمذي (2346)، وصحيح الجامع (6042).

[10] رواه مسلم (2999)، وأحمد (18934).

[11] رواه البخاري (5641)، ومسلم (2572).

[12] رواه أحمد (2803)، والحاكم (6304)، والطبراني في الكبير (11243)، والصحيحة (2382).

[13] جامع العلوم والحكم (587).

[14] رواه أحمد (3712)، وصححه شاكر، وابن حبان (972)، والحاكم (1877)، وابن أبي شيبة (29318)، والطبراني في الكبير (10352)، وأبو يعلى (5297)، وصححه الألباني في الصحيحة (199).

[15] الفوائد (60).

[16] رواه أحمد (13304)، والنسائي (5450)، وأبو يعلى (3700).

[17] رواه البخاري (6363)، وأحمد (13365)، والنسائي (5453).

[18] رواه البخاري (6346)، ومسلم (2730).

[19] رواه الترمذي (2465)، وابن ماجه (4105)، وأحمد (21590)، وابن حبان (680)، وصحيح الجامع (6510).

[20] الفوائد (121).

[21] رواه الترمذي (2457) وحسنه، والحاكم (3578) وصححه، ووافقه الذهبي، وقال الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (1670): حسن صحيح.

[22] أي: أصرف بصلاتي عليك جميع الزمن الذي كنت أدعو فيه لنفسي؛ [ينظر: مرقاة المفاتيح (2/746)].

[23] رواه أحمد (21242)، وابن أبي شيبة (8706)، والطبراني في الكبير (3574)، وقال الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (1670): حسن صحيح.





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • أبشر يا صاحب الهم

مختارات من الشبكة

  • قصة صاحب الجنتين: دروس وعبر (PDF)(كتاب - مكتبة الألوكة)
  • الرد على صاحب المقال السخيف: يوميات عصيد البخاري!(مقالة - آفاق الشريعة)
  • من قصص أنطونس السائح ومواعظه: (3) صاحب الكرم(مقالة - آفاق الشريعة)
  • من قصص أنطونس السائح ومواعظه: (2) صاحب الحية(مقالة - آفاق الشريعة)
  • رحيل صاحب المعجم المدرسي(مقالة - موقع أ. أيمن بن أحمد ذوالغنى)
  • شرح حديث دعوات المكروب(مقالة - آفاق الشريعة)
  • تفسير قوله تعالى: {إن الذين اشتروا الكفر بالإيمان لن يضروا الله شيئا ولهم عذاب أليم ...}(مقالة - آفاق الشريعة)
  • تفريج الهم.. وتنفيس الكرب(محاضرة - موقع د. علي بن عبدالعزيز الشبل)
  • بلمسة أمل(مقالة - آفاق الشريعة)
  • خطبة: عولمة الرذيلة(مقالة - آفاق الشريعة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • المسلمون الأكثر سخاء في بريطانيا وتبرعاتهم تفوق المتوسط بأربعة أضعاف
  • تشوفاشيا تشهد افتتاح مسجد مرمم بحضور ديني ورسمي
  • تكريم الفائزين في مسابقة حفظ القرآن بزينيتسا
  • قازان تستضيف المؤتمر الخامس لدراسة العقيدة الإسلامية
  • تعليم القرآن والتجويد في دورة قرآنية للأطفال في ساو باولو
  • ورشة توعوية في فاريش تناقش مخاطر الكحول والمخدرات
  • المحاضرات الإسلامية الشتوية تجمع المسلمين في فيليكو تارنوفو وغابروفو
  • ندوة قرآنية في سراييفو تجمع حفاظ البوسنة حول جمال العيش بالقرآن

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1447هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 16/7/1447هـ - الساعة: 14:24
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب