• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | مقالات شرعية   دراسات شرعية   نوازل وشبهات   منبر الجمعة   روافد   من ثمرات المواقع  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    شذرات من الحب والفداء
    عبدالستار المرسومي
  •  
    طيب الحياة وسبيل السعادة الحقيقية (خطبة)
    الشيخ أحمد إبراهيم الجوني
  •  
    الإغراق (خطبة)
    د. محمد بن عبدالعزيز بن إبراهيم بلوش ...
  •  
    مكاره الشتاء (خطبة)
    أحمد بن عبدالله الحزيمي
  •  
    مفاسد الفراغ (خطبة)
    حسان أحمد العماري
  •  
    خطبة تصرم الأعوام والدراسة
    الدكتور علي بن عبدالعزيز الشبل
  •  
    خطبة بعنوان: الإخلاص
    جمال علي يوسف فياض
  •  
    خطبة: تواضع النبي صلى الله عليه وسلم
    حامد عبدالخالق أبو الدهب
  •  
    آيات تكفيك من كل شيء
    د. خالد بن محمود بن عبدالعزيز الجهني
  •  
    خطبة: لتسألن عن هذا النعيم يوم القيامة (نعم ...
    حسام بن عبدالعزيز الجبرين
  •  
    والأوقاف لها أعمار كبني آدم والبركة من الله
    نايف بن علي بن عبدالله القفاري
  •  
    وباء الألقاب العلمية ومصله التواضع والإخلاص لرب ...
    د. أحمد الحندودي
  •  
    خطبة عن الإفراط
    د. عطية بن عبدالله الباحوث
  •  
    تأملات في قول الإمام الترمذي: «وفي الحديث قصة»
    محفوظ أحمد السلهتي
  •  
    اختيارات اللجنة الدائمة الفقهية: دراسة تحليلية ...
    أيوب بن سليمان بن حمد العودة
  •  
    تواضع.. يرفعك الله
    عبدالستار المرسومي
شبكة الألوكة / آفاق الشريعة / منبر الجمعة / الخطب / عقيدة وتوحيد / التوحيد
علامة باركود

خطبة بعنوان: الإخلاص

خطبة بعنوان: الإخلاص
جمال علي يوسف فياض

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 1/1/2026 ميلادي - 13/7/1447 هجري

الزيارات: 57

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

خطبة بعنوان: الإخلاص

 

الحمد لله ربِّ العالمين، له الحمد الحسن والثناء الجميلُ، أَحمَده سبحانه وأشكُره، ومن مساوئ عملي أستغفره، وأشهد أن نبينا وقدوتنا محمد صلوات ربي وسلامه عليه، أتقى الناس لله، وأشدهم له خشية؛ قال له ربُّه: ﴿ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ ﴾ [الزمر: 11]، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه الغر الميامين، وعلى مَن تبِعهم بإحسان إلى يوم الدين؛ أما بعد:

أيها الإخوة المؤمنون، اتَّقوا الله حقَّ تقاته، وأخلِصوا له أعمالكم، وصَفُّوا له قلوبَكم، واعلموا أن القلب محلُّ نظر الرب من العبد؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم»[1].

 

فمراعاة القلب وأعماله واجبٌ على العبد؛ لأنه لا ينجو يوم القيامة إلا صاحبُ القلب السليم، فعلى العبد أن يطهِّر قلبه، وأن يتعاهده بالتصفية والتخلية والتحلية، ولذلك ستدور خطبتنا اليوم حول عملٍ عظيم من أعمال القلوب، ألا وهو الإخلاص، جعلني الله وإياكم من المخلصين.

 

أولًا: أهمية أعمال القلوب:

أيها الإخوة المؤمنون، اعلموا أن للقلب أعمالًا، وأعمالُ القلب أشرفُ من أعمال الجوارح، فأعمال القلب؛ مثل: الإخلاص واليقين والتوكل والخوف والرجاء والمحبة، ونحوها من أصول الإيمان بالله تعالى؛ لأن الإيمان قول باللسان واعتقاد بالجنان، وعمل بالجوارح والأركان، فالإيمان قولٌٌ وعمل، وللقلب من ذلك أعظمُ الأعمال وأشرفها.

 

وإذا صلَح القلب بأعمال الإيمان صلَحت الجوارح، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلَحت صلَح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب"[2].

 

فهذا الحديث فيه إشارةٌ إلى أن صلاح حركات العبد بجوارحه، واجتنابه المحرمات، واتقاءَه للشبهات، بحسب صلاح حركة قلبه، فإذا كان قلبه سليمًا، ليس فيه إلا محبة الله ومحبة ما يُحبه الله، وخشية الله وخشية الوقوع فيما يَكرهه، صلَحت حركات الجوارح كلها، ونشأ عن ذلك اجتنابُ المحرمات كلها، وتوقٍّ للشبهات حذرًا من الوقوع في المحرمات.

 

وإن كان القلب فاسدًا، قد استولى عليه اتباعُ هواه، وطلبُ ما يُحبه، ولو كرِهه الله، فسدت حركات الجوارح كلها، وانبعثت إلى كل المعاصي والمشتبهات بحسب اتباع هوى القلب، ولهذا يقال: القلب ملك الأعضاء، وبقية الأعضاء جنوده، وهم مع هذا جنودٌ طائعون له، منبعثون في طاعته، وتنفيذ أوامره، لا يخالفونه في شيء من ذلك، فإن كان الملك صالحًا كانت هذه الجنود صالحة، وإن كان فاسدًا كانت جنوده بهذه المثابة فاسدة، ولا ينفع عند الله إلا القلب السليم؛ كما قال تعالى: ﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾ [الشعراء: 88، 89]، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه: «أسألك قلبًا سليمًا»[3]، فالقلب السليم: هو السالم من الآفات والمكروهات كلها، وهو القلب الذي ليس فيه سوى محبة الله وما يُحبه الله، وخشية الله، وخشية ما يباعد منه.

 

وقال الحسن لرجل: داوِ قلبك؛ فإن حاجة الله إلى العباد صلاح قلوبهم؛ يعني: أن مراده منهم ومطلوبه صلاحُ قلوبهم، فلا صلاح للقلوب حتى يستقرَّ فيها معرفة الله وعظمته، ومحبته وخشيته ومهابته، ورجاؤه والتوكل عليه، وتمتلئ من ذلك، وهذا هو حقيقة التوحيد، وهو معنى قول: "لا إله إلا الله".

 

فلا صلاح للقلوب حتى يكون إلهها الذي تَأْلَهُه وتَعرِفه وتُحبه وتخشاه، هو الله وحده لا شريك له، ولو كان في السماوات والأرض إلهٌ يُؤلَه سوى الله، لفسدت بذلك السماوات والأرض؛ كما قال تعالى: ﴿ لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا ﴾ [الأنبياء: 22][4].


إخوة الإسلام والإيمان:

إن أعمال القلوب أفرضُ على العبد من أعمال الجوارح؛ يقول الإمام ابن القيم في كلام له قَيِّمٍ: "ومن تأمَّلَ الشريعة في مصادرها ومواردها، علمَ ارتباطَ أعمال الجوارح بأعمال القلوب، وأنها لا تنفع بدونِها، وأن أعمالَ القلوب أفرضُ على العبد من أعمال الجوارح، وهل يُمَيَّزُ المؤمنُ عن المنافق إلا بما في قلب كلِّ واحد منهما من الأعمال التي ميَّزت بينها، وهل يُمْكِنُ أحدٌ الدخولَ في الإسلام إلا بعمل قلبه قبلَ جوارحه، وعبوديَّةُ القلب أعظمُ من عبوديَّة الجوارحِ وأكبرُ وأدْوَمُ، فهي واجبةٌ في كلِّ وقت[5].

 

ثانيًا: ضرورة تعلم الإخلاص والعمل به:

أيها الإخوة الكرام، إن الإخلاص لله في كل عملٍ هو أصل الدين ولبُّه ورُوحه، فلا يكون عمل صالح إلا بإخلاص، والعمل بدون خلاص وبالٌ على صاحبه، وسببٌ لشقائه في الدنيا والآخرة، ولذلك على العبد أن يتعلم كيفية النية؟ ليكون على بيِّنة من أمره، وليعمل بإخلاص لله في كل عمله؛ قال يحيى بن أبي كثير: تعلموا النية، فإنها أبلغ من العمل.

 

فالعبد إذا نوى الخير دائمًا خيرٌ له من عمل بلا نية، فالعمل لا يُقبَل إلا بنية خالصة لله تعالى، فبالنية تُعَظَّمُ الأعمال أو تُحقر، وعن ابن المبارك قال: رُبَّ عمل صغير تعظِّمه النية، وربَّ عمل كبير تصغِّره النية، وقال الفضيل بن عياض: إنما يريد الله عز وجل منك نيتك وإرادتك.

 

فالعمل – أيها الكرام – لا يقبل إلا بأمرين:

أحدهما: أن يكون العمل في ظاهره على موافقة السنة، وهذا هو الذي تضمنه حديث عائشة - رضي الله عنها -: «من أحدث في أمرنا ما ليس منه، فهو رَدٌّ».

 

والثاني: أن يكون العمل في باطنه يُقصد به وجهُ الله عز وجل، كما تضمنه حديث عمر: «الأعمال بالنيات»، وقال الفضيل في قوله تعالى: ﴿ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ﴾ [هود: 7]؛ قال: أخلصه وأصوبه، وقال: إن العمل إذا كان خالصًا، ولم يكن صوابًا لم يُقبل، وإذا كان صوابًا، ولم يكن خالصًا، لم يقبل حتى يكون خالصًا وصوابًا، قال: والخالص إذا كان لله عز وجل، والصواب إذا كان على السنة، وقد دل على هذا الذي قاله الفضيل قول الله عز وجل: ﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ﴾ [الكهف: 110][6].


أخي، قلب مَن تُرائيه بيد مَن أعرَضت عنه، ليَصرفه عنك إلى غيرك، فلا على ثواب المخلصين حصلت، ولا إلى ما قصدته بالرياء وصَلت، وفاتك الأجر والمدح، فأخلِص تُخلَص.

 

ثالثًا: خطورة الرياء في الأعمال:

أيها الإخوة الفضلاء، إن العمل إذا كان باعثه مراءاة الناس وصرف أنظارهم، واستجلاب مدحهم - فقدْ فقَدَ شرط قَبوله، وذهَب ثوابه هباءً منثورًا؛ عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: أرأيت رجلًا غزا يلتمس الأجر والذكر، ما له؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا شيء له»، فأعادها ثلاث مرات، يقول له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا شيء له»، ثم قال: «إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصًا، وابتُغِي به وجهه»[7].

 

فكلُّ عملٍ ابتغى به صاحبه الدنيا لا أجرَ له في الآخرة، فعن أبي بن كعب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «بشِّر هذه الأمة بالسناء والرِّفعة، والدين والتمكين في الأرض، فمَن عمِل منهم عملَ الآخرة للدنيا، لم يكن له في الآخرة نصيبٌ»[8].


فالعامل لغير الله إنما يَجني تعبًا ونصبًا، ولا أجر له ولا ثواب عند الله تعالى، بل أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن المرائين أول مَن تُسعَّرُ بهم النار يوم القيامة؛ كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه رجل استشهَد، فأُتي به، فعرَّفه نِعمَه، فعرَفها، قال: ما عملت فيها؟ قال: قاتلتَ فيك حتى استشهدتَ، قال كذَبت، ولكنك قاتلت؛ لأن يقال: جريء، فقد قيل، ثم أمر به، فسُحب على وجهه، حتى أُلقي في النار، ورجل تعلَّم العلم وعلَّمه، وقرأ القرآن، فأُتي به، فعرَّفه نعمه فعرَفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلَّمت العلم وعلَّمته، وقرأت فيك القرآن، قال: كذبت، ولكنك تعلمت العلم، ليقال: عالم، وقرأت القرآن ليقال، قارئ، فقد قيل، ثم أُمر به، فسُحب على وجهه حتى أُلقي في النار، ورجل وسَّع الله عليه، وأعطاه من أصناف المال كله، فأُتي به، فعرَّفه نعمه، فعرفها، قال: فما عمِلت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك، قال: كذبت، ولكنك فعلت، ليقال: هو جوَاد، فقد قيل، ثم أمَر به، فسُحب على وجهه، حتى أُلقي في النار»[9].


وفي الحديث: إن معاوية لما بلغه هذا الحديث، بكى حتى غُشي عليه، فلما أفاق، قال: صدق الله ورسوله، قال الله عز وجل: ﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [هود: 15، 16].


لا إله إلا الله! كم نتزيَّن للناس بأشكالنا؟ كم نُظهر لهم أعمالنا؟ كم تُعجبنا أنفسنا وأقوالنا؟ والله وحده أعلم بسرائرنا وبواطننا، إن الله لا ينظر إلى أجسامنا ولا إلى صورنا ولا إلى أموالنا، ولكن ينظر إلى أعمالنا وقلوبنا، فآه لقلوبنا! وآه لأعمالنا! فإذا كان أول ثلاثة تُسَعَّرُ بهم النار: قارئ القرآن، والمجاهد، والمتصدق بماله، الذين فعلوا ذلك ليقال: فلان قارئ، فلان شجاع، فلان متصدق، ولم تكن أعمالهم خالصةً لله، فكيف بمن دونهم؟ كيف بنا ونحن ننتظر ثناء الناس لنا؟ كيف بنا ونحن نطلب الثمن ربَّما لأعمالنا؟ كيف بنا ونحن نغضب لذكر عيوبنا؟ كيف بنا ونحن نقدم أهواءنا وحظوظنا؟ كيف بنا ونحن نتزيَّن للناس بما ليس عندنا؟ قال الفضيل: كانوا يراءون بما يعملون، وصاروا اليوم يراؤون بما لا يعملون.

 

ثالثًا: صور من حياة المخلصين:

إخواني الكرام، اسمعوا شيئًا من حال - سلفنا الصالح - لعل أن يكون في ذلك يقظةٌ لقلوبنا من غفلتها ودعوة إلى الصدق والإخلاص؛ قال الربيع بن خثيم: كلُّ ما لا يُراد به وجهُ الله يَضْمَحِلُّ، ووصى الإمام أحمد ابنه قائلًا: يا بني، انوِ الخير فإنك لا تزال بخير ما نويتَ الخير.

 

لقد مر في تاريخ الأمة بفضل الله كثير من المخلصين كانت سيرتهم نبراسًا لمن بعدهم، وقدوة يُقتَدى بهم في الخير، ولذلك أبقى الله سيرتَهم، وأعلى ذِكرهم ليَقتدي بهم مَنْ بعدهم، وعلى رأس هؤلاء الأنبياء والرسل عليهم السلام، والصحابة رضوان الله عليهم، والتابعين لهم بإحسان، ومن هؤلاء:

صاحب النَّفَق:

قال الأصمعي: حاصر مسلمة بن عبد الملك حصنًا، فأصابهم فيه جهدٌ عظيم، فندب الناس إلى نقبٍ منه، فما دخله أحد، فجاء رجل من الجند فدخله، ففتح الله عليهم، فنادى مسلمة: أين صاحب النقب؟ فما وجد أحد، حتى نادى مرتين أو ثلاثًا أو أربعً، فجاء في الرابعة رجل، فقال: أنا أيها الأمير صاحب النقب، آخذ عهودًا ومواثيقَ ثلاثًا؛ (لا تُسوِّدوا اسمي في صحيفة، ولا تأمروا لي بشيء، ولا تشغلوني عن أمري)، قال: فقال مسلمة: قد فعلنا ذلك بك، قال: فغاب بعد ذلك فلم يُر، فكان مسلمة بعد ذلك يقول في دُبر صلاته: اللهم اجعلني مع صاحب النقب[10].


علي بن الحسين - رضي الله عنه -:

كان علي بن الحسين - رضي الله عنه - يجعل معه جرابًا فيه خبز، فيتصدق به ويقول: إن الصدقة تطفئ غضب الرب عز وجل، ولَما مات وجدوا بظهره أثرًا، فسألوا عنه فقالوا: هذا مما كان ينقل أوعيةَ الدقيق بالليل على ظهره إلى منازل الأرامل، بل ذكروا عنه أنه من شدة إخلاصه: كان يبخل - أي يتظاهر بالبخل - فلما مات وجدوه يعول مائة أهل بيت بالمدينة، قال أهل المدينة: ما فقدنا صدقة السر حتى مات علي بن الحسين - رضي الله عنه.

 

الأعرابي والغنائم:

عن شداد بن الهاد أن رجلًا من الأعراب جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فآمَن به واتبعه، ثم قال: أهاجر معك، فأوصى به النبي صلى الله عليه وسلم بعض أصحابه، فلما كانت غزوة غنِم النبي صلى الله عليه وسلم سبْيًا، فقسَم، وقسَم له، فأعطى أصحابه ما قُسِمَ له، وكان يرعى ظهرهم، فلما جاء دفعوه إليه، فقال: ما هذا؟ قالوا: قَسْمٌ قسَمه لك النبي صلى الله عليه وسلم، فأخذه فجاء به إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: ما هذا؟ قال: «قسمته لك»، قال: ما على هذا اتَّبعتك، ولكني اتبعتك على أن أُرمى إلى ها هنا، وأشار إلى حلقه بسهمٍ، فأموت فأدخل الجنة، فقال: «إن تَصدُق الله يَصدُقك»، فلبثوا قليلًا، ثم نهضوا في قتال العدو، فأُتي به النبي صلى الله عليه وسلم يُحمل قد أصابه سهم حيث أشار، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أهو هو؟»، قالوا: نعم، قال: «صدَق الله فصدَقه»، ثم كفَّنه النبي صلى الله عليه وسلم في جُبة النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قدَّمه فصلى عليه، فكان فيما ظهر من صلاته: «اللهم هذا عبدك خرج مهاجرًا في سبيلك، فقُتل شهيدًا، أنا شهيد على ذلك»[11].

 

أرأيتم أيها الإخوة هؤلاء الأبطال أصحاب النفوس السوية، والقلوب الطيبة النقية التي لا تبتغي إلا وجه الله تعالى، لا تبتغي شهرة ولا وجاهة ولا مالًا ولا دنيا مطلقًا، فالإخلاص عزيزٌ ويحتاج إلى مجاهدة شديدة للنفس، فالإنسان إذا أراد أن يجاهد نفسه يجد تقلُّبات، ولا يدري أهو في إخلاص أم رياء، وهذا شيء طبيعي يجده الإنسان الذي يجاهد نفسه على الإخلاص، أما الإنسان الذي لا يبالي بنيته، ولا يتحرى الإخلاص، فهو على خطر، إذًا فالقضية تحتاج إلى مجاهدة.

 

عباد الله، اعلموا أن الله غفور رحيم، فاستغفروه وادعوه وأنتم موقنون بالإجابة.

 

الخطبة الثانية

الحمد لله ربِّ العالمين، وليِّ المتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين المعتدين، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، أما بعد: أيها الإخوة المباركون:

رابعًا: كيف نحقق الإخلاص:

اعلم أن من أعظم الوسائل المعينة على تحقيق الإخلاص:

أولًا: أن تعرف ما الإخلاص، وكيف تريد أن تصل لشيء لا تَعرفه؟!

فكم نتحدث عن الإخلاص، ونسأل الله الإخلاص، ونحن قد لا نعرف ما الإخلاص، والإخلاص: أن يكون العمل لله لا ترى فيه نفسك ولا حظوظَها، ولا ترى فيه الخلق.


وعلامة الإخلاص: استواء أعمال العبد في الظاهر والباطن - ليس إخفاء العمل - وأما الرياء: أن يكون ظاهره خيرًا من باطنه، أما إن كان الباطن أعمر من الظاهر، فهذا صدق الإخلاص؛ نسأل الله الكريم من فضله.

 

ثانيًا: معرفة الله وعظمته وقدرته وفضله:

قال ربنا جل جلاله: ﴿ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾[النور:21]، فهل ينظر للخلق مَن عرف الله بحقٍّ؟! لا.

 

ثالثًا: معرفة النفس، وأنها جاهلة ظالمة طبعها الكسل وحب الشهوات، وحب التصدر والظهور،ورحِم الله رجلًا لم يَغُرَّه كثرة ما يرى من الناس، ابن آدم إنك تموت وحدك، وتدخل القبر وحدك، وتُبعث وحدك، وتحاسب وحدك، فتنبَّه لا يَغُرَّك الناس، فأنت أعلم الناس بنفسك، فجاهد النفس، اعرف عيوبها، وتقصيرها.

 

رابعًا: اعلم أنك عبد مَحض، والعبد لا يستحق على خدمته لسيده عوضًا ولا أجرًا؛ إذ هو يخدمه بمقتضى عبوديته، فما يناله من سيده من الأجر والثواب، فهو تفضُّل منه وإحسان إليه، وإنعامٌ منه لا معاوضة، فكل خير في العبد هو من فضل الله ومنَّته وإحسانه ونعمته، فهل للعبد أن يرى عمله بعد هذا؟ لا والله.

 

خامسًا: أنت مخلوق ضعيف، ﴿ خُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا ﴾ [النساء:28]، فأكثِر من الاستعانة بالله، وأَلِحَّ عليه بالدعاء أن يَرزُقك الإخلاص قبل العمل، وأثناء العمل وبعد العمل، واستعِذْ بالله من شر نفسك ومن الرياء؛ عن معقل بن يسار يقول: انطلقت مع أبي بكر الصديق رضي الله عنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «يا أبا بكر، للشرك فيكم أخفى من دبيب النمل»، فقال أبو بكر: وهل الشرك إلا من جعل مع الله إلهًا آخر؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده، للشرك أخفى من دبيب النمل، ألا أدلك على شيء إذا قلته ذهب عنك قليله وكثيره؟» قال: "قل: اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لِما لا أعلم"[12].


لكن تنبيه أخي الكريم:

إخفاء الأعمال علامة على الإخلاص، لكنه ليس شرطًا للإخلاص، المهم ألا تَقصِد نظرَ الناس إليك، ولا يهمك نظرهم وقولهم، فالإخلاص استواء الظاهر والباطن - كما تقدم - بل رُبَّما كان إظهار العمل خيرًا من إخفائه، كمن سن سنةً حسنةً، والله تعالى يقول: ﴿ إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ﴾ [البقرة:271].

 

وكما قال الفضيل بن عياض: تركُ العمل من أجل الناس رياء، والعمل من أجل الناس شرك، والإخلاص أن يعافيك الله منهما؛ يقول النووي رحمه الله: ولو فتح الإنسان عليه باب ملاحظة الناس، والاحتراز من ظنونهم الباطلة، لانسدَّ عليه أكثرُ أبواب الخير، وضيَّع على نفسه شيئًا عظيمًا من مهمات الدين، وليس هذا طريق العارفين.

 

وصدق، فكم من الناس يَحرمون أنفسهم من الأعمال بحجة: نخشى أن نقع في الرياء، يتركون الكثير من الأعمال بحجة أن هذا العمل رياء، أو نخشى من الرياء، أو نخاف من الرياء، وهذا مدخل من مداخل الشيطان؛ إذ ليس علاج الرياء ترك العمل، وإنما تصحيح النية وزيادة العمل، فتنبَّه!

 

وأَختِم بكلمة لابن القيم رحمه؛ إذ يقول رحمه الله: لا يجتمع الإخلاص في القلب ومحبة المدح والثناء والطمع فيما عند الناس، إلا كما يجتمع الماء والنار والضب والحوت، فإذا حدَّثتك نفسك بطلب الإخلاص، فأقبل على الطمع أولًا، فاذْبحه بسكين اليأس، وأقبل على المدح والثناء فازهَد فيهما زهدَ عُشَّاق الدنيا في الآخرة، فإذا استقام لك ذبحُ الطمع والزهد في الثناء والمدح، سَهُل عليك الإخلاص، فإن قلت: وما الذي يُسهل عليَّ ذبحَ الطمع والزهد في الثناء والمدح؟ قلت: أما ذبح الطمع فيُسهله عليك علمُك يقينًا أنه ليس من شيء يُطمَع فيه، إلا وبيد الله وحده خزائنُه لا يَملِكُها غيرُه، ولا يؤتي العبد منها شيئًا سواه، وأما الزهد في الثناء والمدح، فيُسهله عليك علمُك أنه ليس هناك أحدٌ ينفع مدحه ويَزِينُ، ويَضُرُّ ذمُّه وَيشين، إلا الله وحده؛ إلى آخر كلامه رحمه الله.

 

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، وأَسأله سبحانه أن يَرزُقنا الإخلاص والقبول، وأن يُصلح أحوال البلاد والعباد، وأن يَنصُرَ المستضعفين في الأرض، إنه ولي ذلك والقادر عليه.



[1] صحيح مسلم (ح34).

[2] صحيح البخاري (ح52)، وصحيح مسلم (ح107).

[3] مسند أحمد (ح 17114) وهو حسن بمجموع طرقه.

[4] جامع العلوم والحكم ص210.

[5] بدائع الفوائد 3/1148.

[6] جامع العلوم والحكم ص 72.

[7] سنن النسائي (ح 3140)، وصحَّحه الألباني رحمه الله تعالى.

[8] مسند أحمد (ح 21220)، وإسناده قوي.

[9] صحيح مسلم (ح 152).

[10] مختصر تاريخ دمشق 24 /265..

[11] السنن الصغرى للنسائي (ح1953)، وصححه الألباني رحمه الله.

[12] الأدب المفرد (ح 716) وصححه الألباني رحمه الله.





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • الإخلاص والقبول
  • درجات الإخلاص
  • سورة الإخلاص
  • سورة الإخلاص
  • أهمية الإخلاص والتقوى

مختارات من الشبكة

  • طيب الحياة وسبيل السعادة الحقيقية (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • الإغراق (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • مكاره الشتاء (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • مفاسد الفراغ (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • خطبة تصرم الأعوام والدراسة(مقالة - موقع د. علي بن عبدالعزيز الشبل)
  • خطبة: تواضع النبي صلى الله عليه وسلم(مقالة - آفاق الشريعة)
  • خطبة: لتسألن عن هذا النعيم يوم القيامة (نعم المآكل) - باللغة الإندونيسية(مقالة - آفاق الشريعة)
  • خطبة الحاجة (WORD)(كتاب - مكتبة الألوكة)
  • خطبة عن الإفراط(مقالة - آفاق الشريعة)
  • الوحي والعقل والخرافة (خطبة)(مقالة - موقع الشيخ إبراهيم بن محمد الحقيل)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • تكريم الفائزين في مسابقة حفظ القرآن بزينيتسا
  • قازان تستضيف المؤتمر الخامس لدراسة العقيدة الإسلامية
  • تعليم القرآن والتجويد في دورة قرآنية للأطفال في ساو باولو
  • ورشة توعوية في فاريش تناقش مخاطر الكحول والمخدرات
  • المحاضرات الإسلامية الشتوية تجمع المسلمين في فيليكو تارنوفو وغابروفو
  • ندوة قرآنية في سراييفو تجمع حفاظ البوسنة حول جمال العيش بالقرآن
  • سلسلة ورش قرآنية جديدة لتعزيز فهم القرآن في حياة الشباب
  • أمسية إسلامية تعزز قيم الإيمان والأخوة في مدينة كورتشا

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1447هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 13/7/1447هـ - الساعة: 8:45
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب