• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | مقالات شرعية   دراسات شرعية   نوازل وشبهات   منبر الجمعة   روافد   من ثمرات المواقع  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    وصايا لنفسي ومن أحب
    محمد بن عبدالله العبدلي
  •  
    الكسل: أسبابه وعلاجه (خطبة)
    د. محمود بن أحمد الدوسري
  •  
    آخر خطبة في العام
    أحمد بن عبدالله الحزيمي
  •  
    شكر النعم طريق الفلاح
    د. أمير بن محمد المدري
  •  
    حقيقة الرزق وتعدد أنواعه وأشكاله
    أ. د. السيد أحمد سحلول
  •  
    لماذا نحمل المطلق على المقيد ولا نحمل المقيد على ...
    الشيخ أ. د. عرفة بن طنطاوي
  •  
    مشاهد اللقاء يوم القيامة (خطبة)
    عبدالله بن عبده نعمان العواضي
  •  
    هل العرش مخلوق قبل القلم؟
    الشيخ عبدالعزيز السلمان
  •  
    المخرج من الفتن
    أ. د. فؤاد محمد موسى
  •  
    معاني أسماء الله الحسنى من أقوال العلامة ابن
    فهد بن عبدالعزيز عبدالله الشويرخ
  •  
    قرة أعين الآباء بصلاح الأبناء (خطبة)
    الشيخ عبدالله بن محمد البصري
  •  
    {يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا} ...
    د. محمد بن عبدالله بن إبراهيم السحيم
  •  
    تقديم المفضول على الفاضل لداعي المصلحة
    د. عبدالله بن يوسف الأحمد
  •  
    مواقف إيمانية - الرسالة الأولى: لماذا خلقنا
    زينب محمد عبدالغني فايد
  •  
    حفظ اللسان
    د. عامر حسين صالح الجندي
  •  
    النهي عن السفر بكتب التفسير والحديث وغيرها إلى ...
    فواز بن علي بن عباس السليماني
شبكة الألوكة / ملفات خاصة / ملف الحج / خطب الحج
علامة باركود

مواسم قد لا تعود (خطبة)

مواسم قد لا تعود (خطبة)
رعد الدغيثر

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 19/5/2026 ميلادي - 2/12/1447 هجري

الزيارات: 5264

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

موَاسِمُ قَدْ لَا تَعُودُ

 

الخطبة الأولى

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ الْأَيَّامَ مَوَاسِمَ لِلْخَيْرَاتِ، وَفَتَحَ لِعِبَادِهِ أَبْوَابَ الرَّحَمَاتِ، وَفَضَّلَ بَعْضَ الْأَزْمِنَةِ عَلَى بَعْضٍ؛ لِيَنْظُرَ كَيْفَ يَعْمَلُ الْعَامِلُونَ، وَكَيْفَ يَتَسَابَقُ الْمُتَسَابِقُونَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، أَقْسَمَ بِمَا شَاءَ مِنْ خَلْقِهِ لِعِظَمِهِ وَجَلَالِهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، دَلَّ الْأُمَّةَ عَلَى كُلِّ خَيْرٍ، وَفَتَحَ لَهَا أَبْوَابَ الْفَضَائِلِ وَالْبِرِّ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَتْبَاعِهِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، أمَّا بَعْدُ:

عِبَادَ اللَّهِ، أُوصِي نَفْسِي وَإِيَّاكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوهُ، وَعَظِّمُوا أَمْرَهُ وَلَا تَعْصُوهُ، وَرَاقِبُوهُ مُرَاقَبَةَ مَنْ يَخَافُهُ وَيَرْجُوهُ، وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ فِي هذِهِ الدُّنْيَا تُفْتَنُونَ، ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ، ﴿ وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ ﴾ [الأنبياء: 47]، وَاعْلَمُوا أَنَّ الْأَعْمَارَ تُطْوَى، وَأَنَّ اللَّيَالِيَ تَمْضِي، وَأَنَّ السَّعِيدَ مَنْ عَرَفَ قِيمَةَ أَيَّامِهِ قَبْلَ أَنْ تَكُونَ عَلَيْهِ حَسَرَاتٍ وَآهَاتٍ.

 

عِبَادَ اللَّهِ، نحن مقْبِلُونَ عَلَى أَيَّامِ الْعَشْرِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ الْمُبَارَكَات، فما سِرُّ هذِهِ الْأَيَّامِ الَّتِي يُقْسِمُ اللَّهُ بِهَا؟! وَلِمَاذَا أَقْسَمَ رَبُّ الْعِزَّةِ- جَلَّ جَلَالُهُ- بِهَا فَقَالَ: ﴿ وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ ﴾ [الفجر: 1، 2]؟!

 

فهذَا قَسَمٌ يُوقِظُ الْقُلُوبَ، وَيُحَرِّكُ الْأَرْوَاحَ، فَمَا أَقْسَمَ اللَّهُ بِشَيْءٍ فِي الْقُرْآنِ إِلَّا لِعِظَمِهِ ومكانتِهِ، فَكَيْفَ وَقَدْ أَقْسَمَ بِهذِهِ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ الْمُبَارَكَةِ؟! إِنَّهَا لَيْسَتْ أَيَّامًا عَادِيَّةً تَمُرُّ كَمَا يَمُرُّ غَيْرُهَا من الأيام، بَلْ هِيَ مَوَاسِمُ رَفْعٍ وَمَغْفِرَةٍ، وَأَيَّامُ سَبْقٍ وَمُسَابَقَةٍ، وَمَوَاقِيتُ تُفْتَحُ فِيهَا أَبْوَابُ الرَّحْمَةِ وَالْعِتْقِ وَالْقُرْبِ مِنَ اللَّهِ تعالى، وَلِذلِكَ أَقْسَمَ اللَّهُ بِهَا، فَقَالَ: ﴿ وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ ﴾ [الفجر: 1، 2]. وقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هذِهِ الْأَيَّامِ الْعَشْرِ»، قَالُوا: وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ: «وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذلِكَ بِشَيْءٍ».

 

وَمَا أَعْظَمَ أَنْ يُقْسِمَ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الزَّمَنِ! فَالزَّمَنُ هُوَ رَأْسُ مَالِ الْإِنْسَانِ، وَالْأَيَّامُ هِيَ أَوْعِيَةُ الْأَعْمَالِ، وَكُلُّ يَوْمٍ يَمْضِي فَإِنَّمَا يَحْمِلُ مَعَهُ إِلَى الْمِيزَانِ، مَا أَوْدَعَهُ الْعَبْدُ فِيهِ مِنْ خَيْرٍ وَإِحْسَانٍ، أَوْ شَرٍّ وعصيان. فاللَّحْظَةُ الْوَاحِدَةُ قَدْ تَرْفَعُ عَبْدًا إِلَى أَعْلَى الْجِنَانِ، وَقَدْ تَكُونُ عَلَيْهِ وَبَالًا وَحَسْرَةً يَوْمَ يَقِفُ بَيْنَ يَدَيِ الرَّحْمنِ.

 

عِبَادَ اللَّهِ، إِنَّ الْمُؤْلِمَ لَيْسَ فِي قِلَّةِ الْمَوَاسِمِ، فَاللَّهُ- تَبَارَكَ وَتَعَالَى- مَا زَالَ يَفْتَحُ لِعِبَادِهِ أَبْوَابَ الْخَيْرِ وَالرَّحَمَاتِ، وَقَدْ جَعَلَ أَعْمَارَ هذِهِ الْأُمَّةِ قَصِيرَةً، ثُمَّ عَوَّضَهَا بِمَوَاسِمَ عَظِيمَةٍ، تُضَاعَفُ فِيهَا الْأُجُورُ، وَتُرْفَعُ فِيهَا الدَّرَجَاتُ، وَتُغْفَرُ فِيهَا الذُّنُوبُ وَالسَّيِّئَاتُ، وَلكِنَّ الْمُؤْلِمَ حَقًّا: قِلَّةُ مَنْ يَشْعُرُ بِقِيمَتِهَا، وَقِلَّةُ مَنْ يَغْتَنِمُهَا قَبْلَ فَوَاتِهَا.

 

كَمْ مِنْ أُنَاسٍ كَانُوا مَعَنَا فِي الْعَامِ الْمَاضِي، يُكَبِّرُونَ وَيُهَلِّلُونَ، وَيَصُومُونَ وَيَدْعُونَ، وَهُمْ الْيَوْمَ تَحْتَ التُّرَابِ بِأَعْمَالِهِمْ مُرْتَهنُونَ! وَكَمْ مِنْ صَوْتٍ كَانَ يَرْفَعُ التَّكْبِيرَ وَالدُّعَاءَ، فَصَارَ الْيَوْمَ تَحْتَ التُّرَابِ يَنْتَظِرُ الرَّحْمَةَ وَالثَّنَاءَ! وَكَمْ مِنْ رَجُلٍ كَانَ يَقِفُ مَعَنَا فِي الصُّفُوفِ، وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ مَعَنَا فِي الدُّعَاءِ، وَهُوَ الْيَوْمَ تَحْتَ الثَّرَى يَنْتَظِرُ دَعْوَةً أَوِ اسْتِغْفَارًا!

 

فَاتَّقُوا اللَّهَ- عِبَادَ اللَّهِ- فِي أَعْمَارِكُمْ قَبْلَ ذَهَابِهَا، وَفِي مَوَاسِمِكُمْ قَبْلَ انْقِضَائِهَا، فَإِنَّ أَعْظَمَ الْخَسَائِرِ لَيْسَتْ خَسَارَةَ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ، بَلْ خَسَارَةُ الْأَيَّامِ الَّتِي لَا تَعُودُ، وَالْمَوَاسِمِ الَّتِي إِذَا مَضَتْ لَا تَرْجِعُ وَلَا تَعُودُ.

 

عِبَادَ اللَّهِ، إِنَّ مِنْ أَخْطَرِ مَا يُطْفِئُ نُورَ الْمَوَاسِمِ فِي الْقُلُوبِ: دَاءُ التَّسْوِيفِ، هذَا الدَّاءُ الْخَفِيُّ الَّذِي لَا يَقْتُلُ الْعَبْدَ دَفْعَةً وَاحِدَةً، وَلكِنَّهُ يَسْرِقُ عُمْرَهُ يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ، وَيُخَدِّرُ قَلْبَهُ حَتَّى تَمُرَّ عَلَيْهِ الْمَوَاسِمُ وَهُوَ فِي غَفْلَتِهِ بلا إقبالٍ ولا طاعةٍ، وَتَنْقَضِيَ الْأَيَّامُ وَهُوَ يُمَنِّي نَفْسَهُ بِالتَّوْبَةِ وَالْإِنَابَةِ.

 

وَإِنَّ مِنَ الْحِرْمَانِ- عِبَادَ اللَّهِ- أَنْ تَدْخُلَ عَلَى الْعَبْدِ مَوَاسِمُ الرَّحمَاتِ، وَقَلْبُهُ لَاهٍ، وَنَفْسُهُ غَافِلَةٌ، فَلَا يَشْعُرُ بِقِيمَةِ الْأَيَّامِ، وَلَا يَسْتَيْقِظُ لِنِدَاءِ الْمَوَاسِمِ، حَتَّى تَمْضِيَ اللَّيَالِي وَهُوَ كَمَا كَانَ، لَا قَلْبٌ رَقَّ، وَلَا دَمْعَةٌ نَزَلَتْ، وَلَا نَفْسٌ عَلَى اللَّهِ أَقْبَلَتْ.

 

وَنَحْنُ الْيَوْمَ- عِبَادَ اللَّهِ- عَلَى أَبْوَابِ مَوْسِم أيامٍ عظيمةٍ، تَهْفُو فِيها الْقُلُوبُ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ شوقًا، وَتَشُدُّ فِيهِ الْأَرْوَاحُ رِحَالَهَا إِلَى الْمَشَاعِرِ الْمُقَدَّسَةِ حُبًّا، وَمَعَ ذٰلِكَ فَمَا أَكْثَرَ مَنْ قَيَّدَهُ التَّسْوِيفُ، وَأَثْقَلَتْهُ الدُّنْيَا، وَخَدَعَهُ طُولُ الْأَمَلِ.

 

عِبَادَ اللَّهِ، لَيْسَ الشَّأْنُ أَنْ تَسْمَعَ بِفَضْلِ الْعَشْرِ، فَإِنَّ الْجَمِيعَ يَعْلَمُ فَضْلَ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ، وَلكِنَّ الشَّأْنَ كُلَّ الشَّأْنِ: هَلْ سَتُغَيِّرُكَ هذِهِ الْأَيَّامُ الَّتِي أَقْسَمَ اللَّهُ بِهَا؟! وَأَنْتَ يَا عَبْدَ اللَّهِ، مَا عُمرُكَ إِلَّا أَيَّامٌ، كُلَّمَا ذَهَبَ يَوْمٌ ذَهَبَ بَعْضُكَ. فَهَلْ سَتُحْيِي هذِهِ الْأَيَّامُ الْمُبَارَكَةُ فِي قَلْبِكَ مَعْنَى الِاسْتِقَامَةِ وَالطَّاعَةِ؟! وَهَلْ سَتَرُدُّكَ إِلَى الْقُرْآنِ وَالصَّلَاةِ وَالْإِنَابَةِ؟! أَمْ سَتَمُرُّ عَلَيْكَ كَمَا مَرَّتْ مَوَاسِمُ كَثِيرَةٌ قَبْلَهَا، لَا قَلْب رَقَّ، وَلَا عَيْن دَمَعَتْ، وَلَا نَفْس عَلَى اللَّهِ أَقْبَلَتْ، فَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الْخِذْلَانِ أَنْ تَدْخُلَ عَلَيْكَ الْمَوَاسِمُ وَتَخْرُجَ مِنْهَا وَأَنْتَ كَمَا أَنْتَ، لَا غَفْلَة انْكَسَرَتْ، وَلَا شَهْوَة ضَعُفَتْ، وَلَا قَلْب عَلَى اللَّهِ أَقْبَلَ.

.

عِبَادَ اللَّهِ، اعْلَمُوا أَنَّ أَعْظَمَ مَا تُحْيَا بِهِ هذِهِ الْأَيَّامُ: صِدْقُ الْإِقْبَالِ عَلَى اللَّهِ، وَكَثْرَةُ الذِّكْرِ، وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ، وَخَفْضُ الْجَنَاحِ، وَالْإِحْسَانُ إِلَى الْخَلْقِ، وَالِابْتِعَادُ عَنِ الذُّنُوبِ وَالْغَفَلَاتِ.

 

عِبَادَ اللَّهِ، إِنَّ الْفَجْرَ الَّذِي أَقْسَمَ اللَّهُ بِهِ، يُذَكِّرُنَا أَنَّ بَعْدَ ظُلْمَةِ الْغَفْلَةِ نُورًا، وَبَعْدَ طُولِ الْبُعْدِ قُرْبًا، وَأَنَّ الْعَبْدَ مَهْمَا أَثْقَلَتْهُ الذُّنُوبُ، فَبَابُ الرَّحْمَةِ لَمْ يزل مفتوحًا، وَمَوَاسِمُ الْخَيْرِ مَا زَالَتْ تَدْعُوهُ أَنْ يَعُودَ إِلَى اللَّهِ فَرِحًا مسرورًا.

 

فَأَرُوا اللَّهَ مِنْ أَنْفُسِكُمْ خَيْرًا فِي هذِهِ الْأَيَّامِ، وَاسْتَقْبِلُوا الْعَشْرَ بِقُلُوبٍ مُخْبِتَةٍ، وَنُفُوسٍ مُقْبِلَةٍ، وَأَعْمَالٍ صَالِحَةٍ، فَلَعَلَّ بَعْضَنَا لَا يُدْرِكُ عَشْرَ ذِي الْحِجَّةِ بَعْدَ عَامِهِ هذَا، فَاغْتَنِمُوا- رَحِمَكُمُ اللَّهُ- مَا بَقِيَ مِنَ الْأَعْمَارِ قَبْلَ أَنْ تَصِيرَ ذِكْرَى وَآثَارًا، ﴿ وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 281].

 

أَقُولُ قَوْلِي هذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

 

الخطبة الثانية

الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدَ مَنْ رَجَا رَحْمَتَهُ، وَخَشِيَ عِقَابَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، جَعَلَ لِعِبَادِهِ مَوَاسِمَ الْخَيْرِ وَأَبْوَابَ الْمَغْفِرَةِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَرْشَدَ الْأُمَّةَ إِلَى الطَّاعَةِ وَالِاسْتِقَامَةِ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَتْبَاعِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، أَمَّا بَعْدُ:

فَاتَّقُوا اللَّهَ- عِبَادَ اللَّهِ-، وَاعْلَمُوا أَنَّ الْمَوَاسِمَ لَيْسَتْ بِكَثْرَةِ الْمَوَاعِظِ وَالْكَلَامِ، وَلٰكِنْ بِمَا تُحْدِثُهُ فِي الْقُلُوبِ مِنْ إِنَابَةٍ وَاسْتِقَامَةٍ وَتَمَامٍ.

 

فَكَمْ مِنْ إِنْسَانٍ أَدْرَكَ رَمَضَانَ وَلَمْ يَتَغَيَّرْ! وَكَمْ مِنْ إِنْسَانٍ سَمِعَ فَضَائِلَ الْعَشْرِ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْهَا وَقَلْبُهُ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ لَمْ يَتَبَدَّلْ! وَإِنَّمَا السَّعِيدُ مَنْ خَرَجَ مِنَ الْمَوْسِمِ وَقَدِ اقْتَرَبَ مِنَ اللَّهِ، وَتَخَلَّصَ مِنْ غَفْلَةٍ، وَكَسَرَ فِي نَفْسِهِ شَهْوَةً أَوْ ذَنْبًا أَوْ تَعَلُّقًا بِالدُّنْيَا.

 

عِبَادَ اللَّهِ، إِنَّ الدُّنْيَا تَخْدَعُ الْإِنْسَانَ بِالطُّولِ وَالْأَمَلِ، حَتَّى يَظُنَّ أَنَّ الْأَيَّامَ لَا تَنْقَضِي، وَأَنَّ الْمَوْتَ بَعِيدٌ، وَأَنَّ لِلْعَبْدِ مُتَّسَعًا مِنَ الْعُمْرِ، ثُمَّ إِذَا بِالْأَعْمَارِ تُطْوَى، وَإِذَا بِالصِّحَّةِ تَذْهَبُ، وَإِذَا بِالْإِنْسَانِ يَقِفُ عَلَى أَعْتَابِ الْآخِرَةِ يَنْظُرُ خَلْفَهُ فَلَا يَرَى إِلَّا أَيَّامًا ضَيَّعَهَا فِي غَفْلَةٍ وَتَسْوِيفٍ.

 

فَاحْفَظُوا- عِبَادَ اللَّهِ- أَعْمَارَكُمْ قَبْلَ ذَهَابِهَا، وَقُلُوبَكُمْ قَبْلَ قَسْوَتِهَا، وَمَوَاسِمَكُمْ قَبْلَ فَوَاتِهَا. وَاعْلَمُوا أَنَّ أَعْمَالَ الْقُلُوبِ أَعْظَمُ مِنْ أَعْمَالِ الْجَوَارِحِ، فَرُبَّ تَكْبِيرَةٍ خَرَجَتْ مِنْ قَلْبٍ مُخْبِتٍ، رَفَعَتْ صَاحِبَهَا دَرَجَاتٍ، وَرُبَّ دَمْعَةٍ فِي سَحَرٍ، كَانَتْ سَبَبًا لِمَغْفِرَةِ ذُنُوبِ سِنِينَ، وَرَفْعِ دَرَجَاتٍ، وَعِظَمِ أَثَرٍ.

 

فَأَكْثِرُوا فِي هذِهِ الْأَيَّامِ مِنَ التَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ وَالتَّحْمِيدِ، وَأَحْيُوا لَيَالِيَهَا بِالْقُرْآنِ وَالدُّعَاءِ، وَعَوِّدُوا أَلْسِنَتَكُمْ ذِكْرَ اللَّهِ، وَقُلُوبَكُمْ حُسْنَ الظَّنِّ بِاللَّهِ.

 

هٰذَا، وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّ الرَّحْمَةِ وَالْهُدَى، فَقَدْ أَمَرَكُمُ اللَّهُ بِذلِكَ فَقَالَ: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [الأحزاب: 56].

 

اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ مُحَمَّدٍ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنْ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ، وَعَنْ آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.

 

اللَّهُمَّ بَلِّغْنَا عَشْرَ ذِي الْحِجَّةِ، وَأَعِنَّا فِيهَا عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ، اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا أَيَّامَ خَيْرٍ وَفَتْحٍ وَمَغْفِرَةٍ وَعِتْقٍ مِنَ النَّارِ.

 

اللَّهُمَّ أَحْيِ قُلُوبَنَا بَعْدَ غَفْلَتِهَا، وَأَقْبِلْ بِنَا عَلَيْكَ إِقْبَالَ الصَّادِقِينَ، وَلَا تَجْعَلْنَا مِنَ الْمَحْرُومِينَ، اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنْ قَلْبٍ قَاسٍ، وَمِنْ عَيْنٍ لَا تَدْمَعُ، وَمِنْ نَفْسٍ لَا تَشْبَعُ.

 

اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا، وَاسْتُرْ عُيُوبَنَا، وَارْحَمْ ضَعْفَنَا، وَأَصْلِحْ أَحْوَالَنَا، وَاخْتِمْ لَنَا بِالصَّالِحَاتِ.

 

اللَّهُمَّ اهْدِنَا فِيمَنْ هَدَيْتَ، وَعَافِنَا فِيمَنْ عَافَيْتَ، وَتَوَلَّنَا فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ، وَبَارِكْ لَنَا فِيمَا أَعْطَيْتَ، وَقِنَا وَاصْرِفْ عَنَّا شَرَّ مَا قَضَيْتَ.

 

اللَّهُمَّ اجْعَلِ الْجَنَّةَ هِيَ دَارَنَا وَقَرَارَنَا، وَلَا تَجْعَلِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا، وَلَا مَبْلَغَ عِلْمِنَا، وَلَا إِلَى النَّارِ مَصِيرَنَا.

 

اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ، اللَّهُمَّ فَرِّجْ هَمَّ الْمَهْمُومِينَ، وَنَفِّسْ كَرْبَ الْمَكْرُوبِينَ، وَاشْفِ مَرْضَانَا وَمَرْضَى الْمُسْلِمِينَ.

 

اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا، وَأَصْلِحْ وُلَاةَ أُمُورِنَا، وَوَفِّقْهُمْ لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَاحْفَظْ بِلَادَنَا وَبِلَادَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ سُوءٍ وَفِتْنَةٍ وَبَلَاءٍ.

 

عِبَادَ اللَّهِ: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ [النحل: 90]، فَاذْكُرُوا اللَّهَ الْعَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • الفتور بعد مواسم الطاعات
  • الأسرة والمواسم الشرعية: أحكام واستثمار
  • مختارات من "لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف" لابن رجب
  • بدع المواسم والأعياد
  • اغتنام المواسم الفاضلة بالتوبة والأعمال الصالحة
  • خطبة: مواسمنا الإيمانية منهج استقامة
  • أيام مباركة ومواسم فاضلة (خطبة)

مختارات من الشبكة

  • المهمات بعد مواسم الخيرات (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • الثبات بعد مواسم الطاعات (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • العمل بعد موسم عشر ذي الحجة (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • رحيل الموسم... لا يعني رحيل الطاعة (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • خطبة: الشتاء موسم العبادة والصدقة(مقالة - آفاق الشريعة)
  • {قد أفلح من زكاها} خطبة(مقالة - آفاق الشريعة)
  • قد أفلح من تزكى (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • إعادة الحج (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • وأقبلت خير أيام الدنيا (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • الكسل: أسبابه وعلاجه (خطبة)(مقالة - موقع د. محمود بن أحمد الدوسري)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • مسجد ينظم حوارات مفتوحة للتعريف بالإسلام في شوارع بيرو
  • تكريم 114 حافظا للقرآن في احتفالية بتوزلا
  • مسجد جديد في أيتونا يلبي احتياجات المصلين الزائدة
  • مساجد تتارستان تستعد لاستقبال مئات الأطفال في الدورات الصيفية
  • أهالي تاتارسكوي تيكاشيفو يحتفلون بافتتاح مسجد الإخلاص
  • تخريج 23 باحثا في الدراسات الإسلامية بالأكاديمية الإسلامية البلغارية
  • انطلاق فعاليات المدرسة الصيفية الإسلامية للباحثين في بلغاريا
  • مسجد جديد متكامل الخدمات بعد عام من أعمال البناء في نوفوشيشمينسكي

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1448هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 29/12/1447هـ - الساعة: 18:26
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب